كتب خليل رعد : معضلة الأمن في الوعي الاسرائيلي … لماذا يريد نتنياهو «تغيير الشرق الاوسط»؟

المسار : خلصت نتائج استطلاع للرأي أجرته قناة كان العبرية بعد ثلاث سنوات من عملية طوفان الأقصى الى أن ٦٧٪؜ من الاسرائيليين لايزالون يخشون تكرار حدث مماثل.

تأتي هذه النتائج لتظهر في العمق محدودية الانجاز الفعلي والمؤثر رغم سنوات ثلاث من الابادة والحروب والجولات على جبهات عدّة، حاول خلالها الكيان استعادة صورة الأمن المفقودة واعادة تشكيلها في وعي المستوطنين.

وهذا ما يشكل بالضبط جوهر المعضلة الاسرائيلية اليوم، ويفسّر السلوك والاستراتيجية الاسرائيلية منذ السابع من تشرين، والحديث الدائم لدى القادة والنخب عن ضرورة اعادة انتاج وارساء عقيدة للأمن القومي.

يشكّل الأمن عنصرًا جوهريًا وركيزةً تأسيسية في نشوء أي دولة أو كيان سياسي، ولعلّه الحاجة الأولى التي أفرزت باكورة أشكال السلطة المفوَّضة، ومهّدت لتبلور ما عُرف لاحقًا بمفهوم الدولة. غير أنّ هذا العنصر، بالنسبة لكيانٍ استعماريٍّ قائم على الاحتلال، يكتسب حساسيةً مضاعفة ودقةً بالغة، أشبه بجسدٍ مصابٍ بفيروس نقص المناعة؛ حيث قد يتحوّل أي اختراق، مهما بدا محدودًا، إلى خطرٍ قاتل.

يُعدّ مفهوم الأمن حجر الزاوية في الفلسفة السياسية والاجتماعية، إذ كان المحرّك الأول الذي دفع الإنسان للانتقال من الحالة الطبيعية البدائية إلى حالة التنظيم الاجتماعي، وتشكيل القوانين والأنظمة.

الأمن هو «العملة الصعبة» في السياسة، والشرط الضروري لاستقرار المجتمعات واستمرارية الدول.
هذا ما تكاد تجمع عليه نظريات الاجتماع السياسي بمختلف مدارسها.

وبالعودة إلى الحالة الإسرائيلية، يتّضح أنّ الأمن يمثّل بالنسبة لكيانٍ استيطانيٍّ قائم على الاحتلال عنصرًا أكثر حسمًا ومصيرية، كونه كيانًا نشأ بالقهر في بيئةٍ إقليمية شديدة العداء، ويرتكز اجتماعيًا على سردية تقوم على جمع الشتات اليهودي في فضاءٍ يُفترض أن يضمن الأمن والازدهار والرفاه.

من هنا، تحوّل الأمن إلى معضلةٍ مركزية احتلّت حيّزًا أساسيًا في تفكير المؤسسين والمنظّرين الصهاينة، وصولًا إلى بلورة ما عُرف بـ«العقيدة الأمنية الإسرائيلية» التي وضع أسسها دافيد بن غوريون، وشكّلت قاعدة الاستراتيجية العسكرية والسياسية للكيان منذ عام 1948 وحتى صباح السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

لسنا بصدد شرح هذه العقيدة أو تفصيلها، فقد كُتب فيها الكثير، كما لسنا في وارد مقاربة الأثر البنيوي العميق الذي خلّفته عملية «طوفان الأقصى» عليها، إذ نوقش ذلك مطوّلًا. ما يعنينا هنا هو قراءة ردّة الفعل الإسرائيلية منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، ومحاولاتها المتواصلة لرأب فجوةٍ أمنية خطيرة لم تصب بنية النظام و«الدولة» فحسب، بل امتدّت إلى الوعي الفردي والجماعي للمستوطنين الإسرائيليين.

لا شكّ أنّ ما جرى في «طوفان الأقصى» وما تلاه شكّل ضربةً مباشرة لجوهر نظرية الأمن الإسرائيلية، ولمجمل الأدوات التي تستند إليها. لذلك تعامل الكيان مع الحدث منذ لحظته الأولى بوصفه معركةً وجودية، وصنّفها في خانة «الدفاع عن الوجود»، وأسرف قادته، على مختلف المستويات، في الترويج لشعار «النصر المطلق»، باعتبار أنّ أي نتيجةٍ أدنى من ذلك تُعدّ هزيمة، وأنّ أي إخفاق في القضاء التام على «التهديد» لا يمكنه، بأي حال، ردم فجوة الأمن القومي المستجدّة.

يشكّل الأمن عنصرًا جوهريًا وركيزةً تأسيسية في نشوء أي دولة أو كيان سياسي ولعلّه الحاجة الأولى التي أفرزت باكورة أشكال السلطة المفوَّضة

من هذا المنطلق، يمكن فهم حالة التوثّب والانتقال القسري من سياسة الاحتواء إلى سياسة استهداف أصل وجود «الأعداء» وأصل امتلاكهم للقدرات، بمعزل عن النوايا أو التقديرات الزمنية، وحتى إن كان العداء مُصنَّفًا في خانة الاحتمال البعيد. ولعلّ التدمير المنهجي لكل المقدّرات العسكرية في سوريا، رغم سقوط النظام المصنَّف «عدوًا»، يمثّل دليلًا صارخًا على هذا التحوّل.

لقد أفرز هذا التبديل القهري في الاستراتيجية، بفعل متغيّرٍ غير محسوب كـ«طوفان الأقصى»، حالة هستيريا اسرائيلية جماعية دفعت إلى كسرٍ واسع لكل الأعراف والقوانين الأخلاقية والإنسانية والدولية، وارتكاب جرائم إبادة، والسعي الدائم إلى تهجيرٍ منجز ونهائي لسكان غزّة، فضلًا عن الحاجة لاستثمار حصيلة سنوات طويلة من العمل الاستخباري والأمني بصورة عاجلة وفي ساحاتٍ متعدّدة، كانت قد أُعدّت لمواقيت أكثر حسما وأشدّ أثرًا، كما ظهر في الحروب على لبنان وإيران على سبيل المثال.

ورغم ما تكبّدته قوى المقاومة، من غزّة إلى إيران، من خسائر فادحة وتضحيات جسيمة، وما تعرّضت له من ضربات قاسية، فإنّها نجحت في الصمود والبقاء، بل والمبادرة، بنسب متفاوتة، وتمكّنت من امتصاص ذروة الاندفاعة الإسرائيلية، وإفشال الهدف الحاسم المتمثّل في تحييد التهديدات بصورة كاملة، وصولًا الى ما خلُصت اليه نتائج الحرب الأخيرة على إيران التي تعيد رسم توازنات لا تصب في صالح كيان الاحتلال على مستوى الاقليم بل وتفتح أفقا يمكن ان يمنح خصومه أفضلية استراتيجية، على الرغم من الانخراط الأميركي العسكري المباشر وقيادته المباشرة للحرب، الذي سرعان ما تبدّى أنه تورط أميركي غير محسوب فرضه العجز الاسرائيلي عن الحسم، وهو، وربطًا بالنتائج حتى الان، مرجّح للتحول بالنسبة لـ«إسرائيل» من فرصة تاريخية الى تهديد حقيقي.

ومن خلال مراقبة نتائج استطلاعات الرأي الشهرية التي يجريها معهد الأمن القومي في كيان الاحتلال، يمكن ملاحظة ان الشعور بالأمن لدى المستوطنين يرتفع في زمن الحرب وينخفض عند اي هدنة او تسوية او انخفاض في حدة القتال، وهذا يؤشر الى حالة القلق الاجتماعي وغياب الشعور بالطمأنينة والاستقرار في وضعية معتلّة وغير قابلة للاستدامة.

ويلخّص كلام رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، في احدى مقابلاته مؤخرا حقيقة هذا الواقع على المستويين الأمني والاجتماعي على حد سواء. فيقول نتنياهو اننا انجزنا ٩٠٪؜ من العمل ولايزال علينا القضاء التام على حماس وحزب الله واسقاط النظام في ايران في العامين المقبلين. وورود هذا الحديث في سياق حملة نتنياهو الانتخابية بالتحديد، والذي يَظهر بأنه موجه للداخل لا الى الخصوم، لا يضعفه من منظور هذه القراءة، بل يعززها. فما يبدو وكأنه برنامج عمل انتخابي، يحاكي عمق الوعي لدى الناخبين ويخاطب هواجسهم، ويؤكد على أن الحسم ضرورة استراتيجية لا مجرد خيار.

وعلى المقلب الاخر، وفي نفس السياق، يتركز خطاب المنافسين على ان نتنياهو ومعسكره فشلوا في مهمتهم في الحفاظ على الأمن او في استعادته منذ صباح ٧ تشرين والى اليوم. لقد خلّفت هذه المرحلة أثرًا بنيويًا عميقًا على نظرية «العقد الاجتماعي» التي قام عليها الكيان، وأقصت، حتى الآن، أي إمكانية لتشكيل استراتيجية أمن قومي مستقرة وفاعلة، ولا زالت ترتكز على تكتيكات مجربة وغير مستدامة كالاحزمة الأمنية. كما حفرت هذه المرحلة بعمق في وعي المستوطن الإسرائيلي ورؤيته لأمنه داخل حدود الكيان المحتل، فاتحةً الباب واسعًا أمام سؤال المستقبل المجهول والواقع المضطرب.

انطلق بنيامين نتنياهو منذ السابع من تشرين الأول 2023 لـ«تغيير الشرق الأوسط»، الذي كان يعني عمليًا القضاء على قوى المقاومة وإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، بما يلبّي المتطلبات المستجدّة للأمن القومي الإسرائيلي، ويحفظ الحدّ الأدنى من التماسك الاجتماعي، ويُبقي أفقًا وإيمانا لدى المجتمع الإسرائيلي بمستقبل مستقر موعود. غير أنّه، وبعد ثلاث سنوات، يظهر ان الكيان مازال امام معضلة البحث عن الأمن المفقود، وأن هذه المعضلة تتعمق، إذ استنفذ قادة العدو وجيشه ونخبه كل ما في جعبتهم من ادوات القتل والقهر والابادة في محاولة لحل هذه المعضلة دون جدوى، فيما يبدو أن «النصر المطلق» لايزال ضرورة مستحيلة.

المصدر: صحيفة الأخبار اللبنانية.

Share This Article