الاحتلال أوقف إدخال البضائع… وغلاء خطير في الأسعار يضرب أسواق غزة

المسار : بشكل يفوق قدرات سكان قطاع غزة الذين أنهكتهم ثلاث سنوات من الحرب والحصار، ترتفع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية منذ أيام بشكل متصاعد، ما ينبئ بأزمة خطيرة ستؤثر حتماً على الصحة العامة، وترفع من جديد مستويات سوء التغذية والمجاعة، وذلك في ظل إغلاق المعابر التي تتحكم فيها إسرائيل، ما أدى إلى تراجع كميات البضائع المعروضة.

ومنذ الأسبوع الماضي، تغلق السلطات الإسرائيلية معبر كرم أبو سالم، وهو المنفذ التجاري الوحيد لسكان قطاع غزة، وتمنع بموجب هذه الخطوة دخول أي سلع أو مواد غذائية، سواء كانت لقطاع التجار، وهو ما قلص بشكل كبير كميات البضائع المتوفرة في الأسواق، خاصة أن المخزونات السابقة كانت قليلة جداً، في ظل القيود الإسرائيلية التي كانت تسمح بدخول كميات قليلة يومياً، لا تناسب الاحتياجات الكبيرة، وتخالف كذلك البروتوكول الإنساني الملحق باتفاق وقف إطلاق النار.

ارتفاع أسعار السلع

ويتفاجأ السكان يومياً بارتفاع أثمان سلع استهلاكية، من بينها مواد غذائية أساسية، حتى إن السكان يقولون إن الثمن الذي يُعرض أول اليوم يختلف عما تُعرض به البضاعة ذاتها نهاية اليوم، ويتحدثون بسخط عن «جشع التجار»، خاصة أن البضائع المعروضة لم تدخل بأثمان جديدة، وأنها ذاتها التي وجدت منذ فترة بأثمان أقل من الحالية بكثير، فيما يرجع تجار التجزئة ذلك إلى رفع تجار كبار الأثمان خلال عمليات التوريد اليومية.
وحتى قبل هذه الأزمة الجديدة، كانت السلع في غزة تُباع بثمن يفوق ثمنها بضعف أو ضعفين أو أكثر عما كانت عليه قبل بدء الحرب على غزة، وهو ما كان يشكل عبئاً كبيراً على أغلب الأسر، حيث يعاني قطاع غزة من مستويات خطيرة من الفقر والبطالة.
ويمثل الارتفاع الجنوني لأثمان الدقيق والأرز والبقوليات القلق الأكبر لسكان غزة، خاصة أن الأسر الغزية تعتمد على هذه السلع لملء البطون، في ظل عدم توفر الكثير من المواد الغذائية، أو بسبب عدم قدرتهم على شراء تلك السلع.

المواطن‭ ‬محمد‭ ‬طالب‭:‬ الوضع‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الصعوبة،‭ ‬وأخشى‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬الأزمة‭ ‬إلى‭ ‬الفترة‭ ‬الماضية‭ ‬

وارتفع ثمن كيس الدقيق بوزن 25 كيلوغراماً، من 25 شيكلاً إلى أكثر من 80 شيكلاً (الدولار الأمريكي يساوي 3.7 شيكل)، وكذلك ارتفعت أثمان البقوليات والأرز إلى ثلاثة أضعاف ثمنها الذي كان قبل الأزمة.
ومن ضمن ما طاله ارتفاع الأثمان من الخضروات، كانت البطاطا والطماطم، حيث قفز الثمن من 5 شواكل إلى نحو 15 شيكلاً، كما ارتفعت أثمان خضروات أخرى مثل البصل والليمون والباذنجان إلى ثلاثة أضعاف.

عجز السكان

وتقول عطاف صبح، وهي سيدة في منتصف العقد السادس، إنها لم تعد قادرة على شراء العديد من السلع الأساسية لأسرتها الممتدة التي تتكون من ثلاثة أبناء وأسرهم، ومن ضمنها العديد من الأطفال الذين لا يصبرون على الجوع.
وتوضح عطاف لـ«القدس العربي» أن ما لدى أسرتها من دقيق في المنزل لا يكفي إلا لأيام معدودة، وأنها وجهت أسر أبنائها لتقنين كميات الاستهلاك اليومي، خشية عدم القدرة على شرائه لاحقاً، وهو أمر أعاد إليها ذكريات الفترة التي سبقت اتفاق وقف إطلاق النار الحالي، حين ضربت مجاعة خطيرة القطاع، لعدم توفر المواد التموينية بسبب الحصار الإسرائيلي المشدد وقتها.
وبعد أن أمضت أكثر من ساعتين في أحد أسواق البسطات في مدينة خان يونس جنوب القطاع، لم تعد هذه السيدة إلا بكمية قليلة جداً من الخضروات وبعض المعلبات التي تحتوي على بقوليات مطهوة أو معدة للأكل، وقالت: «سعر كيلو البندورة (الطماطم) والبطاطا ارتفع إلى أكثر من ضعف ثمنه السابق».
ولهذا السبب، عادت الكثير من الأسر إلى استهلاك ما لديها من مخزون قليل جداً من البقوليات والأرز لطهيها، على أمل تجاوز الأزمة الحالية، وعلى مدار الأيام الثلاثة الماضية، كان الطبق الأساسي على مائدة الطعام لأسرة محمد طالب التي تقطن في مدينة غزة، إما العدس أو الأرز.

إجراءات‭ ‬اتخذت‭ ‬بحق‭ ‬بعض‭ ‬التجار‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬شبهات‭ ‬قانونية‭ ‬ومخالفات‭ ‬تتعلق‭ ‬بالكسب‭ ‬غير‭ ‬المشروع

ويقول هذا الرجل الخمسيني لـ»القدس العربي»: «الوضع في غاية الصعوبة، وأخشى أن تعود الأزمة إلى الفترة الماضية»، ويشتكي كأغلب سكان قطاع غزة من وضع اقتصادي في غاية الصعوبة، ومن عدم امتلاكه المال اللازم لشراء هذه السلع بالأثمان الجديدة.
وقد عبّر عن هذا الحال السكان الذين كانوا يتجولون في أسواق قطاع غزة، وفي أغلبها كانت تتعالى الأصوات المستنكرة لهذا الغلاء، حيث يخشى السكان على أطفالهم من الجوع.
ويحذر المهندس زاهر الوحيدي، المتحدث باسم وزارة الصحة، من خطر كبير على سكان غزة بسبب قلة الطعام، ويؤكد أن التقرير الصادر عن وحدة المعلومات الصحية في الوزارة يتوقع أن يواجه أكثر من 1.4 مليون مواطن مستويات الأزمة الغذائية أو أسوأ حتى نهاية عام 2026.
ويوضح أن 157 طفلاً توفوا بسبب سوء التغذية، وهم ثلث إجمالي الوفيات، لافتاً النظر إلى تسجيل 158,001 حالة سوء تغذية حاد بين الأطفال دون الخامسة منذ 2024 وحتى آب / أغسطس 2026، منها 28,716 حالة شديدة تهدد الحياة، مشيراً إلى أن عام 2025 كان الأسوأ بتسجيل 94,086 حالة، وذكر أن نسبة فقر الدم بين الحوامل ارتفعت من 41% قبل الحرب إلى 67% في عام 2025، ولا تزال عند 61% في عام 2026.
ويؤكد الوحيدي أن الحق في الغذاء يمثل «حقاً إنسانياً أصيلاً لا يسقط بالحرب»، مناشداً المجتمع الدولي والأمم المتحدة التحرك العاجل لضمان دخول الغذاء والمكملات العلاجية والأدوية بشكل آمن ومستدام ودون قيود، وإعطاء الأولوية للأطفال والحوامل والمرضعات وكبار السن، ودعم إعادة إحياء الإنتاج الغذائي المحلي.

أصل الخلاف

وتعود الأزمة إلى الخلاف الذي حصل مؤخراً، بعد اتهام السلطات الإسرائيلية الجهات الحكومية في قطاع غزة التي تديرها حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، بفرض رسوم ضريبية جديدة على البضائع التي تمر للسكان، وقد نشب خلاف واضح بين الجهات المختصة في غزة وعدد من التجار الكبار الذين توكل إليهم مهام إدخال البضائع إلى قطاع غزة، بسبب هذه الرسوم، حيث قام الجانب الإسرائيلي بإغلاق المعبر، ما خلق الأزمة الحالية.
وقد رفض المكتب الإعلامي الحكومي في غزة الاتهامات الإسرائيلية بجمع سلطات غزة ضرائب جديدة من التجار، وأن ذلك هو السبب في إغلاق المعبر، وقال الإعلام الحكومي إنها «مزاعم وأكاذيب»، وإنها تأتي في إطار «حملة تضليل سافرة تهدف إلى تبرير سياسات الحصار والتجويع المستمرة ضد القطاع».
وأكد البيان نفياً قاطعاً لفرض أي ضرائب أو رسوم حكومية على الشاحنات التجارية طوال السنوات الثلاث الماضية، مراعاةً للظروف الاستثنائية، وأن مبلغ 10,000 شيكل المثار من قبل الاحتلال يتعلق بـ»مبادرة مجتمعية اختيارية» يشارك فيها رجال أعمال لصندوق وطني تُوجَّه موارده بالكامل لدعم الفئات الأكثر هشاشة، ومشاريع الإيواء والصرف الصحي والإغاثة.
وأعلن عن توجيه رسائل ومخاطبات رسمية عاجلة إلى الوسطاء في مصر وقطر وتركيا، إضافة إلى القائم بأعمال المنسق الخاص لعملية السلام راميز الأكبروف، ومدير «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، والمفوض العام للجنة الوطنية لإدارة غزة علي شعث؛ لوضعهم في صورة الحقائق الدامغة، وشدد على التزامه بتطبيق القانون ومكافحة احتكار السلع والتلاعب بالأسعار.
وأعلن عن إجراءات اتُّخذت بحق بعض التجار، قال إنها تستند حصراً إلى «شبهات قانونية ومخالفات تتعلق بالكسب غير المشروع، وخاضعة للأصول القضائية».
ومن المتوقع أن يجري حل الخلاف في غضون الساعات القادمة، بما يتيح حل المشكلة وعودة تدفق البضائع، وذلك وفقاً لما أكده مصدر مطلع لـ»القدس العربي»، لكن أزمة ارتفاع أثمان السلع ربما ستحتاج إلى أيام أخرى لتنتهي، بسبب شح المواد التموينية في الأسواق، بعد أيام الإغلاق الطويلة.

فقر وبطالة

وفي غزة، تشتكي أغلب الأسر من الفقر والبطالة، اللذين بلغا مستويات خطيرة جداً، وقد كشف تقرير أصدره في وقت سابق البنك الدولي أن كل سكان قطاع غزة يعانون من الفقر مع بلوغ نسبته حاجز 100 في المئة، بالإضافة إلى تجاوز التضخم 250 في المئة، بسبب تداعيات الحرب الإسرائيلية المستمرة على القطاع، فيما يشير جهاز الإحصاء الفلسطيني إلى أن البطالة بلغت معدلات قياسية وغير مسبوقة، بوصولها في قطاع غزة إلى حوالي 75%.
ولذلك يُخشى أن تحول هذه الأزمة، في حال استمرت أو عادت من جديد بسبب الخلاف على إدخال البضائع، دون قدرة السكان على امتلاك طعامهم اليومي، وهي أزمة كانت قائمة سابقاً، وتسببت في المجاعة التي قضت على العشرات من السكان في أوقات سابقة، خاصة أن تقارير لجهات إغاثية دولية تؤكد وجود حالات سوء تغذية في قطاع غزة بمستويات خطيرة.
وكان المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» ريكاردو بيريس، قد قال: «بالنسبة لأطفال غزة، تتغلغل تبعات الحرب في كل تفاصيل حياتهم اليومية، بما في ذلك أماكن نومهم، وما يأكلونه، وإمكانية تلقيهم التعليم»، وأوضح أنه على الرغم من تحسن الوضع الغذائي منذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار العام الماضي، فإن مخاطر سوء التغذية لا تزال قائمة، مما يستدعي استمرار تدفق المساعدات الإنسانية والسلع التجارية إلى القطاع على نطاق واسع.
وأخيراً، أظهر تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، التابع للأمم المتحدة، أن نحو 1.4 مليون شخص، أي ما يمثل 67 في المئة من سكان غزة، يواجهون حالياً مستويات حرجة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد (المرحلة الثالثة أو أعلى من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي)، مقارنة بـ1.6 مليون شخص أو 77 في المئة من السكان في نهاية العام الماضي، فيما لا يزال نحو 212 ألف شخص يواجهون ظروفاً طارئة (المرحلة الرابعة من التصنيف)، ويعيش كثير منهم في مناطق قريبة من الخط الخاضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، حيث لا يزال الوصول إلى المساعدات الإنسانية والخدمات بالغ الصعوبة.
وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، وبرنامج الأغذية العالمي، أن الأسر في غزة لا تزال تكافح لتلبية احتياجاتها الأساسية.

Share This Article