المسار: تحويل معاناة شعب بأكمله إلى وسيلة للمزايدة الانتخابية، فهو تعبير عن أزمة أخلاقية وسياسية لا يمكن أن تسترها كل التصريحات العسكرية ولا كل استعراضات القوة
في استعراض جديد للقوة على حساب الفلسطينيين، تبجّح وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس بتهجير ألفي فلسطيني من منازلهم في الخليل، خلال تصريحات أدلى بها للقناة 12 في التلفزيون الإسرائيلي، متحدثاً أيضاً عن تنفيذ عمليات عسكرية في عشرات القرى ومئات المواقع في أنحاء الضفة الغربية، تحت ذريعة ما تسميه إسرائيل «إحباط الإرهاب».
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل أصبح تهجير الفلسطينيين من منازلهم، وترويع العائلات، واقتحام المدن والقرى، وهدم المنازل، والاعتقال والضرب، إنجازاً يتباهى به وزير الجيش الإسرائيلي أمام جمهوره؟ وأي إنجاز سياسي أو عسكري يمكن لمسؤول إسرائيلي أن يسجله في سيرته الذاتية، إذا كان عنوانه التنكيل بشعب واقع تحت الاحتلال؟
إن ما يجري في الضفة الغربية ليس جديداً على السياسات الإسرائيلية، ولا يتوقف على وجود يسرائيل كاتس أو غيره في منصب وزير الجيش. إنها سياسة متواصلة تقوم على الضغط العسكري، وتوسيع الاقتحامات، وفرض العقوبات الجماعية، وتقييد حركة الفلسطينيين، وتحويل حياتهم اليومية إلى سلسلة من المعاناة والخوف.
ويأتي حديث كاتس عن تنفيذ عمليات في نحو أربعين قرية وأربعمائة موقع في أنحاء الضفة الغربية في وقت تتصاعد فيه المداهمات والتهديدات، وتنتشر البوابات الحديدية على مداخل المدن والبلدات الفلسطينية، بما يزيد من عزل التجمعات السكانية ويضاعف معاناة المواطنين.
ثلاثة أيام قبل الانتخابات الإسرائيلية.. والفلسطيني في مرمى المزايدات
إن توقيت هذه التصريحات، قبل ثلاثة أيام من الانتخابات الإسرائيلية، يطرح تساؤلات جدية حول توظيف العمليات العسكرية والتنكيل بالفلسطينيين في المنافسة السياسية الداخلية، ولا سيما في أوساط اليمين المتطرف الذي يسعى إلى الظهور بمظهر الأكثر تشدداً وعدوانية.
ففي حسابات هذه التيارات، يبدو أن استعراض القوة ضد الفلسطينيين بات وسيلة للمزايدة على الخصوم، وأن الاقتحامات والاعتقالات والتهجير ومصادرة الأراضي والاعتداء على أشجار الزيتون تتحول إلى رسائل انتخابية موجهة إلى الناخب الإسرائيلي.
وهنا تكمن خطورة المشهد؛ إذ يصبح الفلسطيني، الذي يدافع عن أرضه وحقه في الحياة والحرية، حاضراً في الحملات الانتخابية الإسرائيلية بوصفه هدفاً لاستعراض القوة، فيما يجري تسويق المعاناة الفلسطينية باعتبارها دليلاً على التشدد والقدرة على فرض الوقائع بالقوة.
ولعل الأرقام التي أعلنها كاتس لا تعكس وحدها حجم ما يجري على الأرض، في ظل اتساع نطاق الاقتحامات والإغلاقات والتهديدات العسكرية، وما يتعرض له الفلسطينيون من اعتداءات تطال المنازل والأراضي الزراعية ومصادر رزقهم، بما فيها أشجار الزيتون التي تمثل جزءاً من هويتهم الوطنية والاقتصادية.
التنكيل ليس إنجازاً.. والاحتلال لا يصنع أمناً بالقوة
إن الاستئساد على الفلسطينيين لا يمثل انتصاراً، وتهجير العائلات لا يصنع أمناً، وتدمير الممتلكات ومصادرة الأراضي لا يمنح الاحتلال شرعية، مهما حاول المسؤولون الإسرائيليون تقديم هذه الممارسات في صورة إنجازات عسكرية.
وإذا كان كاتس يتباهى بما يصفه بالنشاط الهجومي لجيشه، فإن السؤال الأهم يبقى: إلى متى ستظل حياة الفلسطينيين وحقوقهم وأرضهم وقوداً للمزايدات السياسية الإسرائيلية؟ وإلى متى سيبقى التصعيد العسكري وسيلة لاسترضاء جمهور اليمين المتطرف على حساب شعب يطالب بحقه في الحرية وتقرير المصير؟
إن ما تشهده الضفة الغربية عشية الانتخابات الإسرائيلية يستدعي تحركاً سياسياً وحقوقياً دولياً جاداً، يتجاوز بيانات الاستنكار إلى مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، والعمل على حماية المدنيين الفلسطينيين ووقف التهجير القسري والاعتداءات المتواصلة.
فالفلسطيني ليس ورقة انتخابية، وأرضه ليست ساحة لاستعراض العضلات، وبيوته وأشجار زيتونه ليست مادة للدعاية السياسية. أما تحويل معاناة شعب بأكمله إلى وسيلة للمزايدة الانتخابية، فهو تعبير عن أزمة أخلاقية وسياسية لا يمكن أن تسترها كل التصريحات العسكرية ولا كل استعراضات القوة

