المسار : في ليلة 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حين قطعت إسرائيل الاتصالات والإنترنت عن قطاع غزة، وجد أكثر من مليوني فلسطيني أنفسهم في عزلة شبه تامة عن العالم، بالتزامن مع تصعيد القصف واتساع رقعة الدمار.
ولم يكن الصمت الذي فرضه انقطاع الشبكة مجرد غياب للأصوات والرسائل، بل كان حاجزًا حال دون طلب الاستغاثة، وعقّد جهود الإنقاذ، وترك الصحافيين أمام معركة إضافية لإيصال صور المجازر وشهادات الناجين إلى العالم.
ومنذ ذلك الحين، تكررت انقطاعات الاتصالات في ظل استهداف البنية التحتية للقطاع، حتى بات الاتصال بالإنترنت تحديًا يوميًا للصحافيين الذين يسابقون الخطر والوقت لنقل ما يجري.
ووفقًا لمؤشرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني الصادرة في 16 أيار / مايو 2024، انقطع الاتصال بشكل كامل عن أكثر من مليوني مواطن وأكثر من عشر مرات.
وقدّر المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي أن القوات الإسرائيلية دمّرت أكثر من نصف البنية التحتية للاتصالات في غزة بالكامل، وألحقت أضرارًا بنحو ربعها الآخر.
وبين القصف وانقطاع الكهرباء وصعوبة إصلاح الشبكات، لم يعد الوصول إلى الإنترنت مسألة تقنية فحسب، بل أصبح جزءًا من معركة الصحافيين اليومية لكسر العزلة ونقل حقيقة ما يتعرض له الفلسطينيون في غزة.
تحت الخطر
يقول هاني أبو رزق، الصحافي في جريدة «الحياة الجديدة»، إن انقطاع الإنترنت والاتصالات في قطاع غزة دفع الصحافيين إلى البحث عن وسائل بديلة لمواصلة عملهم وإرسال الأخبار والصور إلى مؤسساتهم الإعلامية، في ظل القصف المتواصل وصعوبة التواصل مع العالم الخارجي.
ويوضح في حدث مع «القدس العربي» أنهم لجأوا إلى استخدام الشرائح الإلكترونية ومنها شريحة سلكوم التي كان يستخدمها العمال الفلسطينيون العاملون داخل إسرائيل، في محاولة للحصول على إشارة إنترنت تتيح لهم إرسال المواد الصحافية التي يوثقون من خلالها المجازر والأحداث الميدانية.
ويضيف أبو رزق أن البحث عن الاتصال لم يكن مهمة سهلة، إذ اضطر الصحافيون إلى التوجه نحو مناطق قريبة من شاطئ البحر أو الحدود، حيث تتوافر إمكانية التقاط إشارات الشبكات الإسرائيلية.
لكن هذه المناطق كانت قريبة من مواقع تمركز قوات الاحتلال الإسرائيلي، ما جعل الوصول إليها محفوفًا بالمخاطر، خصوصًا مع استمرار القصف وتحليق الطائرات المسيّرة وإطلاق النار.
وكان الصحافيون يجدون أنفسهم أمام خيار صعب البقاء في أماكنهم مع تعذر إرسال المواد الصحافية، أو المخاطرة بحياتهم للوصول إلى نقطة اتصال تتيح لهم نقل ما يجري في غزة إلى العالم.
ويستحضر أبو رزق استشهاد الصحافي حسام المصري، الذي ارتبط استشهاده بمخاطر العمل الصحفي في الميدان، بوصفه تذكيرًا بالثمن الباهظ الذي قد يدفعه الصحافيون في سبيل أداء رسالتهم.
فالحصول على إشارة الإنترنت لم يكن مجرد تحدٍّ تقني، بل كان في بعض الأحيان مغامرة محفوفة بالموت، في ظل غياب وسائل الاتصال الآمنة.
ويرى أبو رزق أن قصف مقاسم الاتصالات وتدمير البنية التحتية للشبكات أسهما في عزل قطاع غزة عن العالم، وأعاقا وصول الصور والشهادات إلى المؤسسات الإعلامية الدولية.
ويشير إلى أن انقطاع الاتصالات جعل توثيق المجازر ونقل تفاصيلها أكثر صعوبة، فيما اضطر الصحافيون إلى ابتكار حلول بديلة وملاحقة إشارات الشبكات في المناطق الخطرة، في محاولة لكسر العزلة المفروضة على القطاع وإبقاء ما يجري فيه مرئيًا للعالم.
بدائل
وتعددت البدائل التي لجأ إليها الفلسطينيون للتغلب على انقطاع الاتصالات، من بينها استخدام شرائح الاتصال الإسرائيلية والمصرية، والشرائح الرقمية eSIM التي تتيح الاتصال بشبكات خارجية، إلى جانب إنشاء شبكات إنترنت محلية تعتمد على تقنيات مثل واي ماكس WiMAX.
لكن هذه الوسائل تختلف في قدرتها على توفير الاتصال، وتواجه تحديات تتعلق بالتغطية والتكلفة وتوافر الأجهزة، ما يحد من إمكانية الاعتماد عليها بصورة مستمرة.
لم تكن صافناز اللوح، مراسلة قناة «أصيل» في غزة، تخوض معركتها في الميدان وحده، بل كانت تواجه معركة أخرى لا تقل خطورة، عنوانها البحث عن الإنترنت لإيصال صور المجازر إلى العالم.
فمع بداية الإبادة الجماعية، وبينما كان الفلسطينيون يبحثون عن سبل للنجاة من القصف، كانت اللوح تسابق الوقت لنقل ما يجري، وسط انقطاع الاتصالات وصعوبة إرسال المواد الصحافية، في محاولة لإبقاء صوت غزة حاضرًا أمام العالم.
وتستذكر، في حديث مع «القدس العربي»، كيف كانت تضطر إلى صعود الطابق الرابع بحثًا عن إشارة إنترنت تتيح لها رفع موادها الصحافية، باستخدام شريحة إلكترونية تابعة لشركات الاتصالات الإسرائيلية.
ولم تكن المهمة سهلة، إذ لم يكن بحوزتها في بداية الحرب هاتف يدعم هذه التقنية، وكانت تمتلك كاميرا فقط، ما اضطرها إلى الاعتماد على الحاسوب لإرسال المواد إلى القناة، في عملية شاقة تستنزف الوقت والجهد. وتضيف أن الصحافي الشهيد صـــــالح الجعفراوي ساعدها لاحقًا في شراء هاتف يدعم الشرائح الإلكترونية، الأمر الذي سهّل عليها الاتصال بالإنترنت وإرسال تغطياتها، لكنه لم ينهِ بقية التحديات التي واجهتها.
ومع ضعف الاتصال في مناطق عديدة، اضطرت أحيانًا إلى التوجه نحو أماكن خطرة وقريبة من تمركز قوات الاحتلال الإسرائيلي، بينها محور نتساريم، حيث كانت إشارة الإنترنت أقوى، ما يساعدها على رفع المواد الصحافية بسرعة أكبر.
وهناك، كانت تحاول إنجاز مهمتها بينما الرصاص يحيط بها وطائرات كواد كابتر تحلق فوق رؤوس الموجودين في المكان. ولم يكن العثور على نقطة إنترنت يعني انتهاء المعاناة، إذ كانت تواجه أحيانًا عقبة أخرى تتمثل في عدم وجود مصدر لشحن أجهزتها.
وهكذا، لم يقتصر عمل اللوح على توثيق الأحداث ونقلها، بل امتد إلى مواجهة سلسلة من المخاطر والعقبات التقنية واللوجستية، في رحلة يومية لإيصال حقيقة ما يجري في غزة إلى العالم.
مراكز التضامن
ولم تقتصر تداعيات انقطاع الإنترنت والاتصالات في قطاع غزة على عزل السكان عن العالم، بل امتدت لتضع الصحافيين أمام تحديات غير مسبوقة، هددت قدرتهم على نقل الأحداث وتوثيق الانتهاكات.
وتقول علا كساب، عضو الأمانة العامة لنقابة الصحافيين الفلسطينيين ورئيسة لجنة التدريب، إن الصحافيين واجهوا منذ الأيام الأولى للعدوان الإسرائيلي ظروفًا بالغة الخطورة، في ظل القصف المتواصل واستهداف المؤسسات الإعلامية ونقص الكهرباء والوقود وصعوبة التنقل بين المناطق.
وتضيف أنه بعد عشرين يومًا من العدوان، انقطعت خدمات الإنترنت والاتصالات الهاتفية عن معظم أنحاء القطاع، ما أدى إلى عزل الصحافيين عن مؤسساتهم الإعلامية والعالم الخارجي، وأعاق إرسال الأخبار والصور والشهادات الميدانية، في وقت كانت فيه الحاجة إلى نقل الحقيقة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
وتوضح كساب أن نقابة الصحافيين تحركت منذ الساعات الأولى لانقطاع الاتصالات، فأصدرت بيانات عاجلة حذرت فيها من المخاطر التي تهدد حياة الصحفيين، وحمّلت سلطات الاحتلال المسؤولية عن سلامتهم، خصوصًا بعد فقدان الاتصال بمئات الزملاء.
كما طالبت الأمانة العامة للنقابة المؤسسات الدولية والحقوقية بالتدخل العاجل لتوفير الحماية للصحفيين وضمان قدرتهم على أداء عملهم.
ولم يتوقف دور النقابة عند البيانات والمناشدات، بل امتد إلى تقديم الدعم الميداني بالتعاون مع الاتحاد الدولي للصحافيين، من خلال توزيع مستلزمات السلامة وبطاريات الشحن، رغم الظروف الإنسانية والأمنية القاسية.
وفي مرحلة لاحقة، عملت النقابة بالتعاون مع الاتحاد الدولي وعدد من المؤسسات الداعمة على إنشاء مراكز التضامن الإعلامي في خان يونس ودير البلح ومدينة غزة، لتوفير بدائل عملية للصحافيين بعد تدمير أكثر من 140 مؤسسة إعلامية.
وقد أتاحت هذه المراكز خدمات الإنترنت والطاقة ومعدات العمل الصحافي، ما ساعد الصحافيين على مواصلة تغطية الأحداث وإرسال موادهم إلى وـــــسائل الإعلام، في محاولة للحد من آثار العزلة الرقمية والإبقاء على صوت غزة حاضرًا في التغطية الإعلامية الدولية.
ففي غزة، لم يكن انقطاع الإنترنت مجرد حرمان من الاتصال، بل جدارًا عازلًا يحجب صور المجازر ويضاعف عزلة الضحايا.
وبين الشبكات المدمرة والمناطق الخطرة، أصبح البحث عن إشارة مغامرة قد تكلف الصحفي حياته، في معركة لا تقتصر على نقل الخبر، بل على انتزاع الحقيقة من قلب الصمت، كي لا تُدفن مع أصـــــحابها تحت الركام.

