المسار: الأمم المتحدة – عن القدس العربي: عقد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك مؤتمراً صحافياً في مقر المنظمة الدولية في نيويورك، الأربعاء، استعرض خلاله رؤيته لأوضاع حقوق الإنسان عالمياً، ودور الصحافة والمجتمع المدني في الدفاع عنها، قبل أن يجيب عن أسئلة تناولت العقوبات المفروضة على آليات حقوقية دولية، وتصاعد خطاب الكراهية، والأوضاع في غزة ولبنان واليمن وسوريا، فضلاً عن تداعيات أزمة التمويل التي تواجهها مفوضيته.
واستهل تورك ملاحظاته بالتأكيد أن أغلبية الناس في مختلف أنحاء العالم ما زالوا متمسكين بحقوق الإنسان ويرفضون القسوة، رغم ما وصفه بتنامي أجندة مناهضة للحقوق يجري الترويج لها بصورة منسقة. وقال إن كثيرين يشعرون بالعزلة وبأن تعاطفهم مع الضحايا لا يربطهم بالآخرين، ولا سيما في ظل طبيعة النقاشات على منصات التواصل الاجتماعي.
وأوضح أن إطلاقه “التحالف العالمي لحقوق الإنسان” قبل أسابيع يهدف إلى إبراز حقوق الإنسان باعتبارها قوة للتغيير والتعبئة المجتمعية. وأشار إلى التحركات التي قادها الشباب والنساء في صربيا وبنغلاديش ونيبال ومدغشقر، معتبراً أنها تعكس مطالبة الأجيال الجديدة بمكافحة الفساد وعدم المساواة واحترام حقوقها.
وأكد المفوض السامي أن قضايا حقوق الإنسان لم تعد منفصلة عن الملفات الكبرى التي يتعامل معها المجتمع الدولي، بل تشمل الذكاء الاصطناعي، والتغير المناخي والعدالة المناخية والحروب. ودعا الصحافيين إلى مواصلة طرح الأسئلة الحقوقية في مختلف مجالات عمل الأمم المتحدة.
كما وصف الصحافيين والعاملين في وسائل الإعلام بأنهم جزء من منظومة حقوق الإنسان، وأعرب عن تضامنه مع من تعرضوا للاعتداء أو القتل، ولا سيما في مناطق النزاع. وقال إن حرية الصحافة واستقلالها ليسا أمرين مضمونين، ولذلك يتعين مواصلة الدفاع عنهما.
وخلال الحوار، أثارت “القدس العربي” مسألة العقوبات المفروضة على المحكمة الجنائية الدولية والمقررة الخاصة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي، إلى جانب حماية الخبراء والآليات المستقلة العاملة في مجال حقوق الإنسان
وقال تورك إن العقوبات المفروضة على المحكمة الجنائية الدولية والمقررة الخاصة “غير مقبولة” ولا تتفق، من وجهة نظر المفوضية، مع القانون الدولي. وأضاف أن مكتبه دعا مراراً إلى رفعها، محذراً من أن هذه الإجراءات تضعف المحكمة وأصحاب الولايات المستقلة التابعين لمجلس حقوق الإنسان.
وأوضح أنه سيتوجه في الأسبوع التالي إلى لاهاي لمخاطبة جمعية الدول الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية، حيث سيؤكد أهمية المحكمة داخل منظومة حقوق الإنسان ودورها في تحقيق المساءلة. وشدد على أن الخلاف مع آراء خبير مستقل لا يبرر فرض عقوبات عليه، داعياً الدول الأعضاء إلى استخدام نفوذها من أجل إلغاء هذه التدابير.
وفي رده على سؤال آخر لـ”القدس العربي” حول انتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا والتهكم على الإسلام والمسلمين في الولايات المتحدة خاصة في فترة الانتخابات، قال تورك “نعم هناك تصعيد في الخطاب المعادي للمسلمين في الولايات المتحدة. وقد اطلعت على تصريحات مروعة استهدفت المجتمع المسلم”. وأضاف أن الفترات الانتخابية تشهد غالبا ارتفاعاً في الخطابات العنصرية مثل معاداة السامية وكراهية المسلمين، إلى جانب الهجمات على النساء العاملات في السياسة ومجتمع الميم. ودعا إلى ضرورة وقف خطاب الكراهية والتحريض على العنف، واصفاً إياهما بأنهما “بغيضان وغير مقبولين”. وأعرب عن أمله في أن تواجه المجتمعات هذه الخطابات برد قوي.
وفي ما يتعلق بالأرض الفلسطينية المحتلة، قال تورك إن المفوضية تواصل مراقبة الانتهاكات وتوثيقها وإصدار التقارير بشأن غزة والضفة الغربية، إلى جانب عملها في لبنان وسوريا. واعتبر أن استمرار جمع الوقائع ونشرها يمثل وظيفة أساسية لإيصال المعلومات إلى العالم والاحتفاظ بسجل يمكن الاستناد إليه في جهود المساءلة.
وقال إن رسالته إلى الحكومة الإسرائيلية المقبلة هي عدم مواصلة النهج الحالي القائم على الحرب والتصرف كما لو كانت إسرائيل فوق القانون الدولي. وأضاف أن على السلطات الإسرائيلية احترام التزاماتها بموجب القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، معرباً عن أمله في أن تغير الحكومة الجديدة مسارها بصورة جوهرية.
وفي غزة، أوضح تورك أن المفوضية لا تراقب أعمال السلطات الإسرائيلية وحدها، بل تتابع كذلك ممارسات حركة “حماس” والسلطة الفلسطينية. وجدد إدانته لهجمات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، وأعرب عن قلقه من المعلومات المتعلقة بإعدام فلسطينيين على أيدي “حماس”، واصفاً هذه الأفعال بأنها عمليات قتل خارج نطاق القضاء.
وأضاف أن الفلسطينيين في غزة باتوا محصورين في مساحة لا تتجاوز نحو 30 في المئة من أراضي القطاع، فيما يستمر مقتل فلسطينيين بنيران القوات الإسرائيلية. وأكد رفض المفوضية أي محاولة لترهيب السكان أو استخدام العنف ضدهم، بما في ذلك من جانب “حماس”.
وفي لبنان، أعلن تورك أن فريق التحقيق الذي أرسلته المفوضية في حزيران/ يونيو يعمل على استكمال تقييمه، وأن التقرير سيصدر خلال الأسابيع المقبلة. وقال إن الوثيقة لا تزال قيد الصياغة، ولذلك لم يقدم نتائج نهائية بشأن الانتهاكات التي يجري فحصها.
وأشار إلى أنه زار لبنان في نهاية تموز/ يوليو، وتفقد أحياء تعرضت للقصف في بيروت والتقى ضحايا ونازحين من الجنوب. وأضاف أن بعض النازحين أبلغوه بأنهم لم يتمكنوا من العودة، بينما وجد آخرون منازلهم مدمرة عندما حاولوا الرجوع.وقال إن أعمال الهدم والدمار في المناطق الجنوبية المحاذية لإسرائيل، إلى جانب عدم قدرة أعداد كبيرة من النازحين على العودة، تثير مخاوف جدية بشأن احترام القانون الدولي الإنساني. وأكد أن هذه الوقائع تحتاج إلى متابعة قوية وإلى بحث مسألة المساءلة.
وفي اليمن، أفاد تورك بأن جماعة الحوثيين تحتجز 71 موظفاً تابعاً للأمم المتحدة، بينهم ثمانية من موظفي مفوضية حقوق الإنسان، موضحاً أن بعضهم محتجز منذ سنوات في ظروف صعبة. وطالب بالإفراج عنهم فوراً ومن دون شروط، معتبراً احتجازهم انتهاكاً لامتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها ولحقوقهم الأساسية.
وبشأن الهجمات على المطارات والمنشآت المدنية في السعودية، قال إن استهداف مطار مدني يثير تساؤلات بشأن احتمال ارتكاب جرائم حرب، إلا إذا كان الموقع يشكل هدفاً عسكرياً وفق قواعد القانون الدولي الإنساني. وأوضح أنه لا يمتلك أحدث المعلومات التي تتيح له تحديد ما إذا كان التجويع يُستخدم وسيلة من وسائل الحرب في اليمن.
أما في سوريا، فأعلن تورك أنه سيزور البلاد خلال الأسابيع المقبلة. وقال إن المفوضية تسعى إلى دعم السلطات في بناء العدالة الانتقالية وإصلاح نظامي العدالة والقانون وترسيخ سيادة القانون.
وأشار إلى أن مكتب المفوضية أصبح، للمرة الأولى، قادراً على العمل ميدانياً داخل سوريا، وهو ما لم يكن متاحاً سابقاً. وأقر باستمرار تحديات خطيرة، مستشهداً بما شهدته السويداء والساحل في اللاذقية، لكنه أعرب عن أمله في الاستفادة من الوجود الميداني لدعم نظام قانوني يشمل جميع السوريين، بمن فيهم الأقليات العرقية. ولم يقدم معلومات محدثة عن الاعتداءات التي قيل إنها استهدفت نازحين أكراداً أثناء محاولتهم العودة.

