المسار: لم يكن قرار تأجيل الانتخابات الفلسطينية مجرد استجابة لتعقيدات حالت دون إجرائها، بل عكس أزمة سياسية مركبة، تداخلت فيها رهانات على نتائج الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية، وحسابات داخلية مرتبطة بأزمات وخلافات داخل بعض التنظيمات الفلسطينية، عجزت قياداتها عن معالجتها عبر أطرها وآلياتها الديمقراطية. وبدلاً من تحمل المسؤولية عن معالجة هذه الاختلالات، جرى ترحيل تداعياتها إلى المستوى الوطني، وتحميل الشعب الفلسطيني ثمن أزمة لم يكن طرفاً في صنعها، بحرمانه من حقه في اختيار ممثليه وتجديد شرعيات مؤسساته.
وتكمن خطورة هذا النهج في استمرار المراهنة على المتغيرات الخارجية، وكأن مستقبل القضية الفلسطينية مرهون بما ستفرزه صناديق الاقتراع في تل أبيب وواشنطن، في حين تشير المؤشرات إلى استمرار صعود اليمين الإسرائيلي وتنامي التطرف والإجماع على مواصلة الاستيطان والضم والتهجير ورفض الحقوق الوطنية الفلسطينية. كما أن الإدارة الأمريكية، أياً كانت توازناتها السياسية، ليست بالضرورة بصدد إحداث تحول جوهري في سياساتها أو وضع القضية الفلسطينية على رأس أولوياتها.
والأجدر بنا، بدلاً من انتظار نتائج الانتخابات في دولة الاحتلال والولايات المتحدة وغيرها، أن نجعل من تجربتنا الديمقراطية وتداول السلطة وتجديد الشرعيات أساساً لقوتنا السياسية ومصداقيتنا. فليس المطلوب أن ننتظر التغيير لدى الآخرين، بل أن نكون نحن نموذجاً في احترام الإرادة الشعبية ودورية الانتخابات والتداول الديمقراطي للمسؤولية، وأن نستمد قدرتنا على التأثير من قوة نظامنا السياسي ووحدة مؤسساتنا وشرعيتها. وتزداد خطورة هذه الرهانات في ظل استمرار حرب الإبادة والعدوان على قطاع غزة، ومحاولات فرض ترتيبات سياسية تتجاوز جذور الصراع، وفي مقدمتها ما يسمى «مجلس السلام»، الذي يثير تساؤلات جدية بشأن تحوله إلى غطاء لإدارة نتائج جرائم الاحتلال بدلاً من مساءلته وإنهاء عدوانه. وفي الوقت نفسه، تبقى عوامل التهجير القسري قائمة، وتتواصل محاولات تكريس الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية، بما يهدد وحدة الأرض والشعب والمشروع الوطني الفلسطيني.
الحوار الوطني المطلوب إرادة فورية لا وعود جديدة في هذا السياق، جاء تأجيل الانتخابات مقترناً بالتعهد بإطلاق حوار وطني شامل، إلا أن مرور الأسابيع دون بلورة مسار حواري جدي، والاكتفاء بلقاءات واتصالات ثنائية متفرقة، يطرح تساؤلات حول مدى جدية الأطراف الفلسطينية في تنفيذ هذا التعهد. إن تكرار جولات الحوار دون تنفيذ مخرجاتها، واستمرار التردد والاشتراطات المتبادلة، أسهما في إضعاف ثقة الأطراف والدول الراعية بجدية القيادة والفصائل في إنجاز المصالحة واستعادة الوحدة. وهذه الثقة لا يمكن استعادتها بالتصريحات، وإنما بمبادرات عملية والتزامات واضحة تثبت وجود إرادة سياسية حقيقية.
وهنا، فإن الكرة في الملعب الفلسطيني. والمطلوب البدء فوراً، ودون أي تأجيل، بحوار وطني شامل يضم جميع القوى والفصائل والمكونات الوطنية، بعيداً عن الإقصاء والاشتراطات المسبقة، والبناء على التفاهمات التي تحققت في القاهرة والجزائر وموسكو وبكين، وصولاً إلى اتفاقات ملزمة وآليات تنفيذ وجداول زمنية محددة. فمسؤولية استعادة الحوار تقع بالدرجة الأولى على الأطراف الفلسطينية، ولا يجوز إبقاء المبادرة رهينة تحرك الدول الراعية أو ضغوطها.
إن استمرار الانقسام وغياب الانتخابات المنتظمة يضعفان الموقف الفلسطيني ويعمقان الفجوة بين الشعب ومؤسساته. فالشرعية لا تستمد من التاريخ أو الاعتراف الدولي وحدهما، بل تتجدد بإرادة الشعب وحقه في اختيار ممثليه ومحاسبتهم.
ومن هنا، فإن المطلوب التوافق على مسار سياسي واضح لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية وانتخابات المجلس الوطني، وإعادة بناء منظمة التحرير وتطوير مؤسساتها على قاعدة الشراكة والتعددية والديمقراطية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والإطار الوطني الجامع لكل مكوناته. كما ينبغي أن يقترن ذلك باستراتيجية وطنية موحدة لمواجهة الاحتلال والاستيطان والضم والتهجير، وحماية وحدة الأرض الفلسطينية بين قطاع غزة والضفة الغربية، وتعزيز الصمود والمقاومة الشعبية، وتوحيد الجهود السياسية والدبلوماسية والقانونية.
إن المرحلة الراهنة لا تحتمل مزيداً من إدارة الأزمة أو تدوير الخلافات، بل تتطلب شجاعة سياسية ومبادرة فورية تنقل الحالة الفلسطينية من الانقسام إلى الشراكة، ومن الوعود إلى التنفيذ و من إدارة الأزمة إلى صناعة التغيير، فالوقت الذي يمر دون وحدة أو انتخابات يستثمره الاحتلال لتوسيع الاستيطان ومصادرة الأرض وفرض وقائع تهدد الوجود الفلسطيني ومستقبل مشروعه الوطني.
لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار للحوار الوطني باعتباره مسؤولية فلسطينية مشتركة، واستعادة ثقة الشعب والشركاء الدوليين بجدية الموقف الفلسطيني وقدرته على تنفيذ التزاماته. إن صناعة التغيير تبدأ من داخلنا، ولا تتحقق بانتظار ما ستسفر عنه الانتخابات لدى الآخرين. فلا وحدة دون شراكة، ولا حوار دون إرادة والتزام، ولا شرعية ديمقراطية دون انتخابات دورية حرة وتداول للمسؤولية. والكرة اليوم في الملعب الفلسطيني، والمطلوب الانتقال من الانتظار إلى المبادرة، ومن إدارة الانقسام إلى إنهائه، ومن الرهان على المتغيرات إلى امتلاك القدرة على صناعة التغيير.
بقلم د.ماهر عامر : من انتظار المتغيرات إلى صناعة التغيير.. الوحدة والشراكة وتجديد الشرعيات ضرورة وطنية

