المسار: دفع الحظر الإسرائيلي المتواصل على إدخال الأواني وأدوات المطبخ إلى قطاع غزة، حرفيي صناعة الفخار إلى العودة للعمل من جديد، في محاولة لتعويض النقص الحاد الذي تشهده أسواق القطاع من الأواني المنزلية.
وتعيش صناعة الفخار في غزة واحدة من أكثر مراحلها هشاشة منذ نشأتها، بعد أن تحولت من نشاط حرفي كان يعمل فيه مئات العمال والفنيين، إلى صناعة مهددة بالاندثار، في أعقاب استهداف الاحتلال الإسرائيلي لغالبية العاملين في المهنة، وتدمير معظم الورش، لا سيما في البلدة القديمة من مدينة غزة.
وعلى مدار سنوات طويلة، شكلت ورش الفخار جزءا أصيلا من تاريخ المدينة وهويتها الاقتصادية، ونجحت في ترك بصمتها في أسواق عدة دول حول العالم عبر تصدير العديد من المنتجات مثل “قلل المياه”، الصحون، الجرار، القدور، المباخر، بالإضافة للتحف والتماثيل والهدايا، حيث تميزت صناعة الفخار الغزية بنمط فريد جعلها مختلفة عن نظيراتها في بقية دول العالم.
إلا أن حرب الإبادة الإسرائيلية قلبت هذا المشهد رأسا على عقب، بعدما دمر الاحتلال أغلب الورش، وألحق أضرارا جسيمة بمواقع الإنتاج، فضلا عن الانقطاع شبه الكامل للتيار الكهربائي، الذي كانت تعتمد عليه الماكينات في المراحل الأساسية من العمل، لا سيما في عجن الطين، وصولا إلى أفران النار وهي المرحلة النهائية من صناعة المنتج.
ووفقا لمصادر اقتصادية ، فإنه لم يتبق في قطاع غزة سوى ثماني ورش فخار تعمل حاليا، بعد أن دمر الاحتلال أكثر من خمسين ورشة خلال حرب الإبادة، ما أدى إلى فقدان مئات العاملين لمصادر دخلهم.
من جانبه، قال الحرفي صالح كشكو إنه كان يمتلك ورشتين لصناعة الفخار في حواصل منزله بحي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة، غير أن الاحتلال دمرهما بالكامل خلال قصف المربع السكني في الأيام الأولى للعدوان، مشيرا إلى أنه لم يتمكن منذ ذلك الحين من الوصول إليهما بسبب وقوعهما خلف ما يُعرف بـ”الخط الأصفر.
وأضاف كشكو أنه خسر ورشتين ورثهما عن والده، يزيد عمرهما عن مئة عام، موضحا أن صناعة الفخار تمثل جزءا أصيلا من تاريخ عائلته، توارثوها جيلا بعد جيل، لكن الاحتلال أعادهم إلى نقطة الصفر، وأفقدهم القدرة على ممارسة مهنتهم كما في السابق.
وتابع: “منذ وقف إطلاق النار، سعينا جاهدين لإعادة تشغيل المعمل، فقمنا بتصميم معمل مصغر، إلا أننا نواجه تحديات كبيرة في حجم الإنتاج”، مبينا أنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى ربع كمية الإنتاج التي كانوا يحققونها قبل الحرب.
وأشار إلى أن غياب الماكينات أجبر الحرفيين على مضاعفة جهودهم في أعمال شاقة، تبدأ من نخل الطين وعجنه يدويا، مرورا بتشكيل الأواني، وصولا إلى إدخالها الأفران، دون مقابل إنتاجي مماثل، ما يفاقم من معاناة العاملين ويهدد مستقبل هذه الحرفة العريقة.
تجدر الإشارة إلى أن صناعة الفخار تعد من أقدم الحرف اليدوية في تاريخ الإنسان، ووصلت الأراضي الفلسطينية قبل أربعة آلاف سنة، وتحتل غزة المرتبة الأولى بين المدن الفلسطينية في صناعة الأواني التراثية من الطين الأحمر، ولا يزال الحرفيون يعملون على توريث المهنة لأبنائهم حفاظاً عليها من الضياع، فضلا عن أنها مصدر رزق وطوق نجاة لهم.
المصدر : قدس برس

