الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

معهد بحوث الأمن القومي (INSS) 7/1/2026

صعود دول الخليج كقوى عظمى في مجال الذكاء الاصطناعي وتداعياته الجيوسياسية

بقلم: إيلان زلاي 

في نهاية عام 2025، وافقت الولايات المتحدة لأول مرة على تصدير أحدث رقائق الذكاء الاصطناعي من شركة إنفيديا إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، بكمية أولية تبلغ عشرات الآلاف من الرقائق لكل منهما. يُعدّ هذا تطورًا تكنولوجيًا واقتصاديًا تاريخيًا: ففي السنوات القادمة، تخطط الدولتان لاقتناء مئات الآلاف من هذه الرقائق لتشغيل مراكز الحوسبة والبيانات – وهو حجم لا تملكه أي دولة أخرى باستثناء الولايات المتحدة والصين – بهدف معلن يتمثل في امتلاك حصة كبيرة من قدرة العالم على إنتاج وتخزين الذكاء الاصطناعي. كما تُسرّع قطر، ثالث أغنى دولة في الخليج، من وتيرة بناء قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي لتتبوأ مكانة رائدة عالميًا في هذا المجال.

وقد أدركت دول الخليج الثلاث أهمية الذكاء الاصطناعي في نهاية العقد الماضي، واعتمدته كركيزة أساسية لاستراتيجياتها في التنويع الاقتصادي – “رؤيا 2030 في السعودية وقطر، و”رؤيا 2031” في الإمارات. يستغلون “الفرصة الذهبية” الحالية لارتفاع أسعار النفط والغاز لتمويل قفزة تكنولوجية متسارعة تحسبًا للانخفاض المتوقع في الطلب العالمي عليهما. وكما قال وزير المالية السعودي محمد الجدين ببساطة: “بدلًا من تصدير النفط، سنصدر البيانات”.

تنظر الرياض وأبوظبي والدوحة إلى الذكاء الاصطناعي كبديل استراتيجي طويل الأمد للنفط والغاز من عدة جوانب: فعائدات صادرات الطاقة تُمكّنهم من الحفاظ على نموذج “دولة المنفعة” – وهي دولة لا تفرض ضرائب، وتوفر الرعاية الاجتماعية والدعم، وتحافظ على قطاع عام ضخم – وفي المقابل تتمتع بشرعية دون مشاركة سياسية من المواطنين. ويُسوّق حكام الخليج للذكاء الاصطناعي كوسيلة للحفاظ على آليات الرعاية والدعم هذه من خلال توفير وظائف ذات رواتب عالية وعائدات بديلة للدولة. وعلى الصعيد الدولي، يُشبه الذكاء الاصطناعي النفط والغاز في كونه “محركًا” اقتصاديًا متعدد القطاعات يؤثر على قطاعات مختلفة (بما في ذلك التمويل والصناعة والأمن)، وبالتالي فإن السيطرة على “عائقه” ستمنح دول الخليج نفوذًا واسعًا ودائمًا على الاقتصاد العالمي.

يُضاف إلى ذلك البُعد الأمني. فعلى مدى عقود، استند الأمن القومي لدول الخليج على معادلة غير رسمية: تُؤمّن دول الخليج إمدادات طاقة مستقرة، وتُؤمّن الولايات المتحدة لها الأمن، كما تجلّى ذلك في حرب الخليج عام 1991. إلا أنه خلال العقد الماضي، تراجع الاعتماد العالمي على نفط الخليج، وتضاءل الالتزام الأمريكي تبعًا لذلك، وهو ما برز جليًا في عدم الرد على الهجوم الإيراني على منشآت نفطية في شرق السعودية عام 2019. وقد أوضح هذا الحدث لحكام الخليج أن آبار النفط لم تعد تُمثّل رصيدًا ذا أهمية عالمية بالغة. لذا، تعمل دول الخليج الثلاث على تنمية رصيد استراتيجي جديد: إنشاء شبكة من مراكز البيانات العملاقة – البنية التحتية المادية التي تُطوّر وتُخزّن فيها نماذج لغة الذكاء الاصطناعي المُستخدمة في كل منزل (مثل ChatGPT أو Gemini) – وذلك بالشراكة مع جميع عمالقة التكنولوجيا الأمريكية، بما في ذلك جوجل، وOpenAI، ومايكروسوفت، وأمازون، وxAI، وأوراكل، وسيسكو. إن المنطق وراء هذه الاستراتيجية بسيط: فكما لم يستطع الاقتصاد العالمي تحمل انقطاع إمدادات الطاقة من الخليج في الماضي، فإنه في المستقبل لن يكون قادراً على تحمل انقطاع تشغيل مراكز البيانات هذه، وبالتالي ستدعم واشنطن الاحتياجات الأمنية لدول الخليج.

بالإضافة إلى ذلك، يخدم الذكاء الاصطناعي جهود حكام الخليج في صدّ الانتقادات الموجهة إليهم بشأن انتهاكات حقوق الإنسان، ومنع المطالبات بتغيير سلوكهم، كما فعلوا بنجاح كبير حتى الآن باستخدام قوة النفط والغاز. فمن خلال جعل الشركات الغربية تعتمد على البنية التحتية الحاسوبية التي يبنونها، وتطوير نماذج لغوية محلية، ستتمكن الدول الثلاث من تصفية المحتوى الحساس أو الناقد، وصقل روايتها المرغوبة، وتعزيز “قوتها الناعمة” ضمن تدفق المعلومات العالمي.

 مزايا عديدة، ولكن صعوبات أيضاً

تستمد دول الخليج قدرتها على أن تصبح قوى عظمى في مجال الذكاء الاصطناعي من مزيج فريد من المزايا الكامنة. وأهمها السيولة النقدية: إذ تمتلك العائلات الحاكمة الثلاث ثروة سيادية تُقدّر بنحو ثلاثة تريليونات ونصف تريليون دولار. ويُعدّ هذا رأس المال بالغ الأهمية في سباق الذكاء الاصطناعي، الذي يتسم بـ”وفورات الحجم” الهائلة، حيث لا يستطيع المنافسة بفعالية على المستوى العالمي إلا من يستطيع استيعاب تكاليف تكرار الأبحاث والبنية التحتية. ثانيًا، نظرًا لكونها منتجة ضخمة للنفط والغاز الطبيعي، تتمتع دول الخليج الثلاث بوفرة في الكهرباء الرخيصة، إذ تستهلك عمليات الحوسبة في مجال الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من الطاقة (تستهلك شريحة واحدة منها ما يعادل استهلاك منزل في الضواحي). وفي حين يتجه معظم العالم بسرعة نحو نقص في الكهرباء الكافية لتلبية الطلب المتزايد على الذكاء الاصطناعي، فإن احتياطيات الكهرباء في دولتي الخليج تتجاوز الاستهلاك المحلي.

يُضاف إلى ذلك وفرة الأراضي المتاحة في صحاري البلدين الشاسعة، إذ يتطلب تخزين البيانات والنماذج على المدى الطويل مساحات شاسعة، فضلًا عن وجود حكومات مركزية فعّالة تتمتع بمرونة تنظيمية ودون بيروقراطية أو قيود ديمقراطية أخرى. كما يُعد الموقع الجغرافي للدول، على المسار الرئيسي للألياف الضوئية تحت سطح البحر الذي يربط أوروبا وآسيا وأفريقيا، والذي يمر عبره معظم تدفقات المعلومات العالمية، مثاليًا لمراكز البيانات لأنه يسمح بأقل زمن استجابة. كل هذه المزايا مجتمعة تُمكّن دول الخليج من بناء مراكز البيانات ووحدات التخزين بسرعة أكبر وعلى نطاق أوسع من الولايات المتحدة أو أوروبا، وبتكاليف تشغيل أقل للشركات التي ستستخدمها.

مع ذلك، فإن مسيرة هذه الدول الثلاث نحو ريادة الذكاء الاصطناعي لا تخلو من التحديات. أولًا، تعاني من نقص حاد في الكفاءات البشرية اللازمة، مما يضطرها إلى استقدام خبراء من الخارج، الأمر الذي يؤدي إلى تبني سريع لتقنيات تفتقر إلى أساس علمي متين، ويعرض هذا القطاع لخطر التخلي عنه في أوقات الأزمات. ثانيًا، هناك اعتماد كبير على المعدات المستوردة. أخيرًا، يتطلب مناخها الصحراوي، حيث تصل درجات الحرارة صيفًا إلى حوالي خمسين درجة مئوية، تبريدًا مكثفًا لمراكز البيانات. تستهلك هذه العملية كميات متزايدة من المياه (إذ يعتمد استهلاك المياه في هذه الدول على تحلية المياه، التي بدورها تتطلب طاقة)، ​​مما يخلق حلقة مفرغة قد تزيد من انبعاثات الكربون والاحتباس الحراري، بل وتعطل إمدادات الطاقة والمياه للسكان.

إضافةً إلى ذلك، ونظرًا لطبيعة الأنظمة الاستبدادية في دول الخليج، فإن آلياتها لحماية الخصوصية والأخلاقيات والرقابة على التطبيقات ذات الاستخدام المزدوج (العسكري والمدني) أضعف بكثير من نظيرتها في الأنظمة الديمقراطية. يبرز غياب الفصل بين أبحاث وتطوير الذكاء الاصطناعي وآليات الأمن والاستخبارات في دول الخليج بشكل خاص في الإمارات العربية المتحدة، حيث يتولى طحنون بن زايد، شقيق الرئيس ذي النفوذ، مسؤولية كلا المجالين في آن واحد. في الواقع، سبق أن انكشف استخدام الإماراتيين للتكنولوجيا تحت غطاء مدني لأغراض استخباراتية، عندما تبين أن تطبيق مراسلة إماراتياً شائعاً هو أداة تجسس حكومية. لذا، يتزايد القلق في الغرب من استخدام النماذج والبيانات في القمع الداخلي، مما قد يثني الشركات عن تخزين النماذج الحساسة و”الأوزان” (نواتج تدريب النماذج) في مراكز البيانات التي تُبنى في الخليج.

 صورة الوضع

تُعدّ دولة الإمارات العربية المتحدة، التي أنشأت وزارة حكومية متخصصة في الذكاء الاصطناعي عام 2017، رائدةً في هذا المجال، إذ بُنيت صناعة الذكاء الاصطناعي فيها كمنظومة متكاملة في العاصمة أبوظبي، وتضم شركة G42 التقنية شبه الحكومية، ومعهد التكنولوجيا والابتكار الحكومي، وصندوق الثروة السيادي للذكاء الاصطناعي MGX. وقد أنشأت الإمارات حتى الآن 35 مركزًا للحوسبة على أراضيها، أبرزها “ستارغيت”: مركز حوسبة فائق التوسع، من المتوقع افتتاحه تدريجيًا عام 2026، ليخدم عمالقة التكنولوجيا الأمريكية بقدرة حاسوبية تصل إلى خمسة جيجاوات، وهي الأكبر خارج الولايات المتحدة. وستساهم كوريا الجنوبية في تزويد المركز بالكهرباء (الذي يعادل استهلاكه استهلاك مدينة نيويورك)، بما في ذلك من خلال مفاعلات نووية سبق أن بنتها للإمارات.

انضمت المملكة العربية السعودية إلى سباق الذكاء الاصطناعي متأخرةً قليلاً عن الإمارات، لكنها تستثمر بكثافة في هذا المجال، وقد تتفوق عليها في غضون سنوات قليلة. وقد وضعت لنفسها هدفاً طموحاً يتمثل في أن تصبح ثالث أكبر لاعب في العالم في هذا المجال بعد الولايات المتحدة والصين. تُدار صناعة الذكاء الاصطناعي السعودية مركزياً من خلال شركة “هيومن”، وهي شركة وطنية متخصصة في الذكاء الاصطناعي، وتُعد نظاماً مغلقاً تابعاً مباشرةً لولي العهد السعودي والحاكم الفعلي، الأمير محمد بن سلمان. في الواقع، تسعى الرياض إلى إعادة تطبيق نموذج شركة النفط الوطنية “أرامكو” الناجحة في “هيومن”، حيث تُسيطر “هيومن” على جميع مراحل إنتاج وتوزيع النفط السعودي، مما يسمح للسعوديين بتعزيز نفوذهم على الاقتصاد العالمي من خلال تنظيم العرض والأسعار. تُشغّل “هيومن”حالياً عشرين مركز بيانات في جميع أنحاء المملكة، وتخطط خلال العقد القادم لتوفير قدرة حاسوبية تزيد عن ستة جيجاوات.

أما صناعة الذكاء الاصطناعي في قطر، فتتقدم بوتيرة أبطأ بكثير من نظيرتها في السعودية والإمارات، وأهدافها في هذا المجال أقل وضوحاً. ركزت قطر حتى الآن بشكل أساسي على دمج تطبيقات الذكاء الاصطناعي من الشركات العالمية في الخدمات الحكومية والتحول الرقمي، وعلى بناء مركز إقليمي للبنية التحتية السحابية، وذلك عادةً من خلال شركة الاتصالات شبه الحكومية “أوريدو”. وعلى عكس جيرانها الذين يستثمرون بكثافة في بناء مراكز البيانات، لا تدير قطر حاليًا سوى خمسة مراكز حوسبة، ومن المتوقع أن تصل طاقتها القصوى إلى نصف جيجاوات بحلول نهاية العقد. وفي العام الماضي، أنشأت قطر شركة وطنية للذكاء الاصطناعي، هي “QAI”، لإدارة هذا المجال تحت مظلة واحدة، واستثمرت في شركة “أنثروبيك” الأمريكية الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي (التي تُشغّل نموذج لغة كلود). ويهدف هذا المزيج من المعرفة المكتسبة من التعاون الدولي، والبنية التحتية السحابية لتخزين البيانات، وتوافر الكهرباء الاستثنائي في بلد يمتلك أكثر من عُشر احتياطيات الغاز في العالم، إلى وضع هذه الإمارة الصغيرة كلاعب عالمي مهم في مجال الذكاء الاصطناعي، وإن لم يكن على نطاق جيرانها الخليجيين الأكبر حجمًا.

تستند طموحات دول الخليج الثلاث في مجال الذكاء الاصطناعي إلى الرغبة في تحقيق “سيادة الذكاء الاصطناعي”، أي السيطرة على سلسلة القيمة بأكملها – رأس المال، والخبرة، والمعالجة، وتدريب النماذج وتطويرها، والتخزين – بطريقة تُبقيها تحت سيطرتها. وتُمكّنها من الاحتفاظ بالمعرفة والمنتجات المتراكمة بأقل قدر ممكن من الاعتماد على الدول والشركات الأجنبية. ولذلك، وخلافًا للنمط الشائع في دول الخليج المتمثل في شراء المنتجات والخدمات جاهزة بالكامل، تقوم الدول الثلاث بتوليد البيانات بنفسها وتخزينها في سحابة محلية ذات سيادة؛ بل إن السعودية والإمارات طورتا نماذج لغوية سيادية مفتوحة المصدر استنادًا إلى هذه البيانات، مما يضمن عدم سيطرة الموردين الأجانب على الشفرة أو كيفية تشغيلها. وقد أوضح وزير الاقتصاد الإماراتي، عبد الله بن طوق المري، هذه الأهمية عندما صرّح في عام 2025: “الذكاء الاصطناعي عنصر من عناصر السيادة. وكما تُستثمر الميزانيات في الأمن السيبراني، ينبغي أيضًا الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. هذه هي سيادة كل دولة”.

ويكمن الفارق بين الرؤية والواقع في رأس المال البشري. لهذا السبب، تُشغّل دول الخليج برامج تدريبية محلية للمهندسين وعلماء البيانات والمطورين والباحثين وغيرهم من المهنيين الأساسيين في صناعة الذكاء الاصطناعي. وفي حالة المملكة العربية السعودية والإمارات، تُعدّ هذه البرامج ضخمة، إذ أعلنت السعودية عن نيتها تدريب 100 ألف خبير في هذه المجالات بحلول عام 2030. وفي كلا البلدين، يبدأ تدريب الجيل القادم في المدارس، حيث أُدمجت حصص تنمية مهارات الذكاء الاصطناعي منذ هذا العام، ويستمر في المؤسسات الأكاديمية المحلية: ففي أبوظبي، تأسست جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي عام 2020، وهي أول مؤسسة أكاديمية في العالم مُخصصة لهذا المجال، وفي السعودية، توجد جامعتان للعلوم والتكنولوجيا في جدة (KAUST) وفي الرياض ( KACST) (مدينة الملك عبد الله للعلوم والتقنية). أما قطر، فتُشغّل برنامجًا تدريبيًا أصغر حجمًا في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث تُعدّ جامعة قطر وجامعة حمد بن خليفة مركزين رئيسيين له. وتستقطب هذه المؤسسات في الدول الثلاث نخبة من المعلمين العالميين، وتتعاون مع شركات أمريكية كبرى مثل مايكروسوفت وإنفيديا وجوجل في التدريب العملي.

إضافةً إلى ذلك، تُشغّل الحكومة السعودية “مناطق الذكاء الاصطناعي” (بيئات تدريب وتطوير الذكاء الاصطناعي بالتعاون مع أمازون)، و”حاضنات التكنولوجيا” (التي تُقدّم الدعم والبنية التحتية للشركات الناشئة المحلية)، و”وادي الكميات” (بيئة حاضنة لأبحاث الحوسبة الكمومية، وهي تقنية يُتوقع أن تُحفّز الذكاء الاصطناعي في المستقبل).

وتُسهم مبادرات التدريب في دول الخليج مجتمعةً في توفير كوادر بشرية ماهرة ومتنامية لقطاعات الذكاء الاصطناعي المحلية، مع الحفاظ على المعارف والبيانات والتطورات المُتراكمة داخل الدول الثلاث وتحت إشراف حكوماتها. ولا يقتصر طموح دول الخليج على اللحاق بالمعرفة الموجودة في الغرب والصين، بل يتعداه إلى الريادة في تطوير تقنيات وأجهزة المستقبل.

الصراع بين القوى

لا يُغيّر تكثيف الجهود المبذولة لتطوير المعرفة المحلية من حقيقة أن صناعات الذكاء الاصطناعي في دول الخليج ستعتمد، في المستقبل المنظور، على أجهزة مستوردة تُصنّع بشكل شبه حصري في الولايات المتحدة والصين. تتمتع الولايات المتحدة حاليًا بتفوق تكنولوجي واضح، إذ تُعدّ شركتا Nvidia وAMD الأمريكيتان الوحيدتين في العالم القادرتين على إنتاج رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة ووحدات معالجة الرسومات (GPUs) اللازمة لتدريب النماذج الضخمة. خلال فترة رئاسة جو بايدن، تبنّت الإدارة الأمريكية نهج “الاحتواء”، الذي يقضي بتقييد تصدير الرقائق إلى “دول وسيطة” لا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالولايات المتحدة – بما في ذلك دول الخليج – خشية تسريب التكنولوجيا الأمريكية إلى الصين. في المقابل، تدعم إدارة دونالد ترامب الحالية، بتشجيع من قطاع التكنولوجيا، التوزيع السريع للرقائق الأمريكية إلى الدول الوسيطة (“نهج الانتشار”)، وذلك لمنع الشركات الصينية من سدّ الفجوة. إلى جانب المصالح الاقتصادية، يُعدّ هذا جزءًا من التنافس بين القوى العظمى على القدرة الكهربائية العالمية، والتي يُتوقع أن تكون غير كافية في السنوات القادمة لمواكبة الطفرة في مجال الذكاء الاصطناعي. تسعى الولايات المتحدة إلى توجيه وفرة الكهرباء في الخليج نحو أجهزتها وشركاتها، لا إلى الصين.

ويقول مؤيدو نهج “الانتشار” إنه سيؤدي على المدى البعيد إلى ترسيخ تبعية أعمق للدول المُشترية للولايات المتحدة نظرًا لتفوقها التكنولوجي. في الواقع، على الأقل في حالة الإمارات، فقد أظهرت استعدادها للنأي بنفسها نوعًا ما عن الصين فيما يتعلق بالتكنولوجيا الأمريكية: فعندما اكتشفت الولايات المتحدة في عام 2022 أن التكنولوجيا التي نقلتها شركة G42 الإماراتية إلى شركة هواوي الصينية للاتصالات – المرتبطة بأجهزة الاستخبارات والجيش في بكين – استُخدمت من قِبل الصين لتطوير قدرات صاروخية تُهدد الطائرات الأمريكية، وافقت الإمارات، تحت ضغط من واشنطن، على قطع علاقات G42 مع هواوي لمواصلة تلقي التكنولوجيا المتقدمة من الولايات المتحدة. تقول مصادر إماراتية إن أبوظبي اتخذت حينها قراراً استراتيجياً بالاعتماد الكامل على التكنولوجيا الأمريكية لتحقيق طموحاتها في مجال الذكاء الاصطناعي. وبالمثل، وكجزء من الموافقة على بيع رقائق بلاكويل المتطورة من إنفيديا إلى السعودية والإمارات العام الماضي، ستلتزم الدولتان بفصل البنى التحتية القائمة على هذه الرقائق، فصلاً تاماً ومنهجياً، عن الأنظمة التي تستخدم تكنولوجيا هواوي.

ومع ذلك، فبينما تسمح دول الخليج الثلاث باستخدام التكنولوجيا الأمريكية، فإنها تواصل استراتيجيتها للموازنة بين القوتين العالميتين، في مجال الذكاء الاصطناعي كما في غيره من المجالات. أولاً، لأن إمدادات الرقائق الأمريكية معرضة باستمرار لخطر تغيير السياسات أو الأولويات في واشنطن، وهو ما قد يحدث في ظل إدارة مستقبلية. ثانياً، نظراً لمعدل النمو المتسارع لقطاعات الذكاء الاصطناعي فيها، فإنها تحتاج إلى مواصلة شراء المعدات والخدمات التكنولوجية من الصين، لأنها أرخص بعشرات بالمئة من نظيراتها الأمريكية، وخالية من القيود التنظيمية المتعلقة بحقوق الإنسان والاستخدام المزدوج. وهكذا، تُزوّد ​​شركات التكنولوجيا الصينية، بما فيها هواوي وعلي بابا وتينسنت، دول الخليج الثلاث بالبيانات والبنية التحتية السحابية، وتتعاون معها في مجالات التدريب والمعرفة على غرار نظيراتها الأمريكية. في الواقع، ستكون صناعات الذكاء الاصطناعي في الخليج الأولى من نوعها عالميًا التي تتعايش فيها التكنولوجيا الأمريكية والصينية.

وبذلك، تُصبح دول الخليج ساحةً محوريةً في الصراع بين القوى على النظام التكنولوجي للقرن الحادي والعشرين، لا سيما بين مشروع IMEC الذي تقوده الولايات المتحدة و”طريق الحرير الرقمي” الصيني (الذراع التكنولوجي لمبادرة “الحزام والطريق”)، واللذان يتنافسان على الربط المادي والرقمي بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا. وتستغل دول الخليج ثرواتها ومزاياها الإضافية في مجال الذكاء الاصطناعي للحصول على تنازلات من الصين والولايات المتحدة، ليس فقط في المجال التكنولوجي، بل أيضًا على المستوى السياسي. أولاً وقبل كل شيء، يأمل حكام الخليج الثلاثة أن الوعود التي قطعوها للرئيس ترامب العام الماضي باستثمار أكثر من ثلاثة تريليونات دولار في السوق الأمريكية على مدى السنوات المقبلة – مع التركيز على الشراكات في مجال الذكاء الاصطناعي – ستشجع أيضاً الإدارات القادمة في واشنطن على مواصلة تزويدهم بالرقائق المتقدمة والدفاع العسكري المرغوب فيه.

 التداعيات المحلية والإقليمية

يُضيف الجهد المتوازي لدول الخليج الثلاث في مجال الذكاء الاصطناعي بُعدًا جديدًا إلى تنافسها الهادئ والمستمر، والذي يمتدّ على الصعيدين الاقتصادي – حيث تتنافس الدول الثلاث على جذب الاستثمارات والشركات والعمالة المتعلمة – والجيوسياسي، كما هو الحال في السودان واليمن، اللتين شهدتا توترات مؤخرًا. ويُعزز امتلاك بنية تحتية حاسوبية حساسة حاجة هذه الدول الثلاث المُلحة لحماية أراضيها من التهديدات الخارجية والصراعات الإقليمية.

علاوة على ذلك، سيُختبر رهان السعودية والإمارات الضخم على الذكاء الاصطناعي في ظل احتمالية حدوث “فقاعة” تكنولوجية في هذا المجال – توقعات مُبالغ فيها قد تنفجر في مجال لا يزال يتطور بسرعة – مما يُؤدي إلى ضياع الاستثمارات والبنية التحتية المُنشأة دون تحقيق الأرباح المرجوة. ويجدر التذكير أيضًا بأن تطوير الذكاء الاصطناعي في هاتين المملكتين جزء من “تجربة” اجتماعية أوسع، تتمحور حول تغيير أنماط الحياة والبيئة المعيشية مع الحفاظ على النظام القبلي والملكي دون ديمقراطية أو مساواة. في الحالة السعودية تحديدًا، حيث يترافق التغيير مع قمع المؤسسة الدينية المؤثرة، يبرز احتمال حدوث ردود فعل داخلية سلبية، لا سيما في غياب العائد الاقتصادي الموعود. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن دولتي الخليج تمتلكان خبرة في مشاريع اتسمت بالطموح المفرط وانهارت أمام الواقع (على سبيل المثال، مدينة نيوم في السعودية، التي تم تقليص خطتها الطموحة لصالح توجيه الموارد نحو الذكاء الاصطناعي)، وبقيت إما غير مكتملة أو مشاريع فاشلة. وعلى وجه الخصوص، فإن تنمية شريحة واسعة من السكان ذوي المستوى التعليمي العالي والمهارات التقنية المتقدمة يضع النظامين الملكيين في منطقة مجهولة في الخليج، بل وفي العالم العربي عمومًا. وسيواجه نموذج المحسوبية التقليدي – الذي تقدم فيه الحكومة الرعاية والخدمات مقابل الولاء السياسي – تحديًا من قبل شريحة من الأفراد المتعلمين ذوي الخبرة اللازمة والمرتبطين بالاقتصاد العالمي. إن توسع هذه الشريحة أيضاً بين السكان الأجانب المقيمين في الدول الثلاث، ولا سيما في الإمارات وقطر حيث عدد المواطنين قليل، قد يُغير طبيعة العلاقات بين الحكومة والمجتمع، لدرجة أن “سيادة الذكاء الاصطناعي” المحلية ستعتمد فعلياً على خدماتهم. وسيتعين على الأسر الحاكمة منع هذا التحول في التوازن السياسي والاجتماعي من تقويض النظام السياسي الاستبدادي القائم، كما فعلت، بصعوبة بالغة، في الانتقال من الاقتصاد التقليدي إلى اقتصاد النفط في القرن الماضي.

 التداعيات والتوصيات لإسرائيل

يمثل الصعود السريع لدول الخليج في مجال الذكاء الاصطناعي تحديًا غير مسبوق لتفوقها التكنولوجي الإقليمي، الذي اعتمد لعقود على نظام بحثي محدود ولكنه عالي الجودة. إن قدرة دول الخليج على استقطاب الكفاءات العالمية، بما في ذلك من إسرائيل، إلى جانب امتلاكها لبنية تحتية حاسوبية متطورة على نطاق لا مثيل له في إسرائيل، تُقلص بسرعة الفجوة في الكفاءات البشرية في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات مقارنةً بإسرائيل، مما يُضعف الميزة النسبية لإسرائيل. ومن المتوقع أن يُحوّل هذا التوجه تدفقات رأس المال من وإلى إسرائيل نحو الرياض ودبي، اللتين تُصبحان بشكل متزايد مركزين تنافسيين لـ”وادي السيليكون” في الشرق الأوسط.

ويتفاقم خطر فقدان إسرائيل لتفوقها التكنولوجي بسبب الفجوة بين الاستراتيجيات الوطنية طويلة الأجل التي تبنتها دول الخليج الثلاث في العقد الماضي، وتأخر إسرائيل المستمر في صياغة استراتيجية متعددة السنوات للذكاء الاصطناعي. حذّر تقرير صادر عن لجنة ناغل المعنية بتسريع الذكاء الاصطناعي في أغسطس/آب 2025 صراحةً: “إن الدول التي تفشل في التنظيم السريع والفعّال ستتخلف عن الركب بشكل لا رجعة فيه”.

على الصعيد الأمني، ستُمكّن البنى التحتية السيادية للذكاء الاصطناعي دول الخليج من تطوير قدرات عسكرية واستخباراتية متقدمة، على مستوى كان حكرًا على إسرائيل في المنطقة. ويأتي التهديد المباشر من قطر، نظرًا لنهجها العدائي تجاه إسرائيل، والذي يتجلى في دعمها للمنظمات الإرهابية والدعاية المعادية عبر شبكة الجزيرة وغيرها من المنصات. سيُمكّن الذكاء الاصطناعي السيادي قطر من تشغيل أنظمة تأثير أكثر تطورًا، ما يُحتّم على إسرائيل الاستعداد لحرب وعي قائمة على الذكاء الاصطناعي من منظور عدائي.

يُضاف إلى ذلك الأهمية الجيوسياسية الأوسع لإسرائيل: إذ ستُمثّل الأصول المتنامية لدول الخليج في البنية التحتية والتكنولوجيا ثقلًا موازنًا للمزايا النسبية التي تتمتع بها إسرائيل في مجالي الاستخبارات والأمن السيبراني للولايات المتحدة، ما يُعزز مكانة دول الخليج كشريك استراتيجي مُفضّل لواشنطن. قد يؤدي هذا التوجه إلى مزيد من تآكل مكانة إسرائيل التاريخية في المنطقة باعتبارها “الطريق إلى واشنطن”، بل وقد يضر بالعلاقة الخاصة بينها وبين الولايات المتحدة عندما تتعارض المصالح مع مصالح دول الخليج.

تجدر الإشارة، على وجه الخصوص، إلى أنه من المتوقع أن تُسرّع المملكة العربية السعودية، سعيًا منها لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء، من تطوير برنامجها لتوليد الطاقة النووية (وهي قدرة تفتقر إليها حاليًا)، وهو ما يتطلب مراقبة دقيقة وحوارًا مستمرًا مع الولايات المتحدة بشأن مخاطر امتداد استخدامات هذه التقنية إلى الأغراض العسكرية. ومن المتوقع أيضًا أن تبذل دول الخليج جهودًا مماثلة في مجال الدفاع الجوي، بهدف حماية البنى التحتية الحاسوبية في حال وقوع هجوم خارجي. وفي هذا السياق، تحظى الخبرة الإسرائيلية في هذا المجال بشهرة واسعة في الإمارات والسعودية، مما يُتيح فرصة لتوسيع نطاق التعاون القائم.

لذا، فإلى جانب التحديات، يُتيح صعود دول الخليج كقوى في مجال الذكاء الاصطناعي فرصًا لإسرائيل: إذ يُمكن أن يُسهم اندماجها الذكي في النظام التكنولوجي الإقليمي المتنامي في تعزيز التعاون العلمي والاقتصادي، والذي يُمكنها من خلاله استئناف مسيرة تعزيز التطبيع. تُكمّل صناعة التكنولوجيا المتقدمة الإسرائيلية إلى حد كبير نظيرتها السعودية والإماراتية: فهي تفتقر إلى المرونة البيروقراطية والتنظيمية، والإدارة المركزية، والظروف المادية الملائمة، والاستثمارات الحكومية الضخمة، لكنها تتفوق فيما تفتقر إليه دول الخليج: رأس المال البشري، والابتكار، والمبادرة، والقدرات البحثية، التي يمكن أن تُكمّل بشكل فعّال القوة المالية والبنية التحتية للسعودية والإمارات.

في الوقت نفسه، ستفقد هذه المعادلة، التي شكّلت حتى الآن أساسًا متينًا للعلاقات بين إسرائيل ودول الخليج، أهميتها تدريجيًا مع تقدّم دول الخليج في تراكم المعرفة السيادية، وبالتالي فإن إسرائيل في سباق مع الزمن للاستفادة القصوى من ميزتها النسبية ما دامت قائمة.

في ضوء ذلك، ينبغي على إسرائيل صياغة استراتيجية طويلة الأجل للذكاء الاصطناعي تُركّز على تنمية رأس المال البشري والحدّ من هجرة العقول، والاستفادة من مزاياها الحالية في البرمجيات والعلوم والتنظيم لبناء أطر تعاون مع الإمارات والسعودية، قدر الإمكان في ظل غياب العلاقات الدبلوماسية، مع مراقبة ومنع نقل المعرفة والتقنيات الإسرائيلية الحيوية إلى قطر. إلى جانب المراقبة الدقيقة للتطورات ذات الإمكانات العسكرية والاستخباراتية وتعميق الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، قد تكون المبادرات متعددة الجنسيات مثل “باكس سيليكا” بمثابة الأساس للتنظيم الإقليمي الفعال.

——————————————

موقع واللا، معهد مسغاف7/1/2026

استراتيجية هزيمة النظام الإيراني

بقلم: موشيه بوزايلوف 

 لفهم كيفية إسقاط النظام الإيراني، لا بد أولًا من فهم ماهية هذا النظام. فهو ليس دكتاتورية تقليدية، ولا  دولة قومية عادية تسيطر عليها نخبة أيديولوجية. منذ ثورة 1979، بُني في إيران هيكل فريد: دولة ذات ركيزتين متوازيتين – تعيشان جنبًا إلى جنب، وتغذيان بعضهما بعضًا، لكنهما في الوقت نفسه مترابطتان بطريقة تنطوي على قوة هائلة وإمكانية الانهيار.

هذا الفهم ليس نتاجًا لنظرية غربية أو تحليل أكاديمي مجرد، بل هو نتاج حوارات معمقة وتحقيقات مع مصادر إيرانية رفيعة المستوى، بعضها من داخل النظام نفسه. بالنسبة لهم، هذا ليس نموذجًا تفسيريًا، بل وصف واقعي لكيفية عمل النظام.

الركيزة الأولى هي النظام الثوري. هذا هو جوهر السلطة الحقيقية في إيران: المرشد الأعلى، ومجلس صيانة الدستور، والحرس الثوري، وقوات الباسيج، والقضاء الثوري، والإمبراطوريات الاقتصادية والدينية. إنها آلية غير منتخبة، لا تتطلب شرعية شعبية، وتعمل من منظور خلاصي طويل الأمد. تمتلك هذه الآلية الأسلحة، والمعلومات الاستخباراتية، ونصيب الأسد من الاقتصاد، والقدرة على القمع. وهي في نظرها ليست “حكومة” بل هي فاعل الثورة. في المقابل، يقف الركن الثاني – الدولة الرسمية: البرلمان، والحكومة، والرئيس، والجيش النظامي، والشرطة، والبيروقراطية المدنية. هذه هي إيران التي تعمل تجاه مواطنيها وتجاه العالم. وهي تُعنى بشؤون الحياة اليومية – الاقتصاد، والبنية التحتية، والتعليم، والعلاقات الخارجية. وهي منتخبة جزئيًا، ومحدودة الصلاحيات، وتخضع لإشراف مركزي، ولكن بدونها لا يمكن للدولة أن توجد.

تكمن الميزة الكبرى لهذا الهيكل ذي الشقين في قدرته على البقاء. فما دام الركيزتان تعملان معًا، يستطيع النظام الصمود أمام الصدمات: الاحتجاجات، والأزمات الاقتصادية، والتغييرات الرئاسية، وحتى العقوبات القاسية. تُهدد الاحتجاجات في المقام الأول الركيزة المدنية؛ ويُلحق الفشل الاقتصادي الضرر بالدولة الرسمية في المقام الأول، لكن الركيزة الثورية تظل مستقرة، ومسلحة، ومنظمة. لذلك، لا تكفي ثورة واحدة. فمن الممكن الإطاحة بحكومة دون الإطاحة بنظام. هذه هي قوة هذا الهيكل.

لكن هنا تكمن نقطة ضعفه وفرصته في آنٍ واحد. فالركيزتان ليستا متطابقتين، لا في مصالحهما، ولا في حساسياتهما، ولا في مصادر شرعيتهما. تحتاج الركيزة الثورية إلى نجاحات خارجية، ومكانة مرموقة، وشعور بالقوة، وسيطرة. بينما تحتاج الركيزة المدنية إلى الاستقرار، واقتصاد مزدهر، وعلاقات دولية سليمة. ما دام يُنظر إلى الثورة على أنها تخدم الدولة، يبقى التوتر محتملاً. لكن ما إن تُعتبر عبئًا يُهدد وجود إيران ذاتها، حتى تبدأ عملية إضعاف الولاءات.

هنا تلوح الفرصة التاريخية. ليس المقصود “الإطاحة بنظام” في حدثٍ درامي واحد، بل عملية منهجية يفقد فيها الركيزتان قدرتهما على دعم بعضهما البعض.

وانطلاقًا من هذا الفهم، يمكن استخلاص خمسة مبادئ أساسية لوضع آلية صنع القرار:

 أولًا: مبدأ الفصل. يجب أن يكون هناك انفصالٌ واعٍ بين “إيران” و”الثورة”. ليس المقصود هنا مواجهة بين عدو خارجي والشعب الإيراني، بل نضالٌ ضد ثورة متطرفة تُهدد مستقبل البلاد.

ثانيًا: مبدأ عدم التكافؤ. لا ينبغي ممارسة الضغط نفسه على الركيزتين. فالركيزة المدنية حساسة للشرعية والاقتصاد، بينما الركيزة الثورية حساسة للهيبة والإخفاقات وتقويض القدرة على السيطرة.

ثالثًا: مبدأ تقويض الوكلاء. تستند قوة الركيزة الثورية إلى النجاحات في الساحات الخارجية. فالفشل المتواصل هناك يُضعف مكانتها داخليًا أكثر بكثير من أي خطاب أو عقوبة.

رابعًا – مبدأ تفتت النخب. ليس الشعب وحده من يُطيح بهذا النوع من الأنظمة. نقطة الانهيار هي عندما يتوقف البيروقراطيون والضباط والتقنيون عن رؤية مستقبل في ظل الثورة.

خامسًا – مبدأ عامل الزمن. إنه صراع استنزاف، لا صراع لحظة. سلسلة من فقدان السيطرة التدريجي، تتراكم حتى يتوقف النظام عن العمل كآلية واحدة متكاملة.

لن ينهار النظام الإيراني كبرج، بل قد ينهار في اللحظة التي يتوقف فيها الركنان اللذان يُمسكانه عن دعم بعضهما. من يُدرك هذا يُدرك أيضًا أن الفرصة سانحة.

——————————————-

هآرتس 7/1/2026

كتلة نتنياهو مستعدة للانتخابات والمعارضة منقسمة وتكرر أخطاء الماضي

بقلم: رفيت هيخت

ان انضمام نشطاء بارزين في الاحتجاج ضد الحكومة، على رأسهم موشيه ريدمان وعميدرور، الى حزب الديمقراطيين هو خطوة طبيعية. حزب يئير غولان هو العنوان السياسي لكثير من اعضاء الاحتجاج والديمقراطيين، على رأسهم جلعاد كريب ونعمة لازيني، برزوا بدرجة كبيرة في هذه الساحات عندما قاتلوا من اجل حقوق المتظاهرين. مع ذلك، يمكن ان نرى في هذا الانضمام الاحتفالي ايضا نغمة النهاية الرمزية لحلم اليسار في الترشح المشترك ضمن حزب ليبرالي واحد كبير بقيادة غادي ايزنكوت، الذي يضم ايضا حزب يوجد مستقبل برئاسة يئير لبيد.

ايزنكوت، مثل لبيد، لا يتماهى ولا يريد التماهي مع رموز كابلان. ولا نريد الحديث عن اصدقائهم الاخرين في الكتلة مثل بني غانتس ونفتالي بينيت وافيغدور ليبرمان، الذين يهربون، كالهرب من النار، من هذا التماهي. “الان بينيت لا يجب عليه فقط ان يشرح لماذا هو يسير مع العرب، بل يجب عليه تبرير ايضا الارتباط مع الذين برروا بعيون اليمين رفض الخدمة واطلقوا حملة “أنت الرئيس، اذا أنت متهم”، قال مصدر في المعارضة. “هذا الجمهور في كل الحالات كان ليئير غولان. ومن غير الواضح لماذا يهتف لهم”.

في الديمقراطيين لا يتاثرون من الانتقاد. “اذا غادي ايزنكوت أو أي شخص آخر خاف من الاحتجاج فليكن”، قال مصدر رفيع في الحزب. “ريدمان ليس شخص رايكالي، ومؤيدونا هم رجال الاحتجاج”، قال مصدر آخر. “زخم الانضمام جيد لنا”. في الديمقراطيين يرون في يئير لبيد شيء “عالق في حنجرة الكتلة”، الذي رفضه الاتحاد معهم من شانه ان يكلف كل الكتلة ثمنا باهظا. “يوجد لغادي ايزنكوت الحق والواجب في تاسيس الحزب الديمقراطي الاسرائيلي”، قال مصدر رفيع في الديمقراطيين. “ولكن لبيد حتى الان يعيش في وهم انه سيجلب مصوتين من اليمين، ويرفض أن يفهم ان بينيت وليبرمان احتلا هذا المكان. عمليا، تتراكم هنا ثلاثة احزاب تتنافس على نفس الجمهور”.

سؤال المليون الذي ستساهم الاجابة عليه بشكل كبير في ترتيب الفوضى بين الكتل، وهو سؤال الى اين سيذهب ايزنكوت – هل سيكون رقم 1 في قائمة لبيد أو رقم 2 في قائمة بينيت. هناك ايضا احتمالية هزلية بدرجة معينة على خلفية اعلان ايزنكوت عندما ترك غانتس، انه يفعل ذلك بهدف خلق ارتباط، وانه سيتنافس في الاصل لوحده. “كل واحد يقول: بالتاكيد يجب الاتحاد، لكن قبل أي شيء آخر أنا ساعزز قوتي”، قال مصدر في المعارضة عن سلوك اللاعبين المختلفين. ايزنكوت سيحسم هذا الامر فقط بعد الاعلان عن انتخابات. والتقديرات بخصوص مسار سيره تتغير طبقا للمتحدث ولمصالحه (في اوساط لبيد على قناعة بانه سيترشح معهم، في حين انه في اوساط الذين يحبون بدرجة اقل هذا الارتباط يدفعونه الى احضان بينيت).

ايضا في الاحزاب العربية الامور لم تنته بعد. منصور عباس يواصل نهج حزبه التحرري، وبعد اعلانه عن انفصاله عن مجلس الشورى اعلن في هذا الاسبوع بان حزبه ايضا سيرحب بمرشحين يهود. عباس يرغب في خوض الانتخابات في هيكل حزبي ثنائي، على الارجح مع حزب “تاعل” برئاسة احمد الطيبي، بينما ستتنافس قائمة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (حداش) وحزب “بلد” على اصوات المجتمع العربي، وسيتم التوصل الى اتفاق بين الحزبين بشان فائض الاصوات.

المرشحون الآخرون يرغبون في الترشح في قائمة عربية موحدة. وحسب مصادر في الاحزاب العربية فان منصور عباس يخشى من ان يؤدي ارتباطه مع “بلد” سيفوت عليه فرصة دعوته لتشكيل حكومة تغيير اخرى. ويقولون: “من غير الواضح ما الذي يخشاه. اذا اراد الانسحاب بعد الانتخابات من اجل الانضمام لحكومة بينيت فلن يمنعه أي أحد”. هكذا، في الوقت الذي فيه كتلة الائتلاف منظمة حسب بنية هيكلية محكمة وفعالة تضم الليكود، الحريديين، الصهيونية الدينية والكهانيين، فانه ما زال الوسط واليسار واليمين المعارض لنتنياهو في حالة من الارتباك والفوضى، الامر الذي يذكرنا بالاستعداد للانتخابات الكارثية الاخيرة في تشرين الثاني 2022.

احد اعضاء المعارضة قال: “العزاء الوحيد هو ان هؤلاء في نهاية المطاف هم اشخاص مسؤولون، ولن يقوم أي واحد منهم بالمخاطرة التي اتخذت في الانتخابات الاخيرة وادت الى هذه السنوات الصعبة”. مع ذلك، هناك بالفعل من يقلقون، وربما هم محقون في ذلك. “عندما لا يتم تنظيم الامور في الوقت المناسب ينتهي بك الامر بالوصول الى وقت الذروة تحت الضغط وتستسلم للضغط، وهذا من شانه ان يكون له ثمن باهظ”.

——————————————

هآرتس 7/1/2026

الطريق من الطرابين الى الحرب الاهلية تمر عبر بن غفير

بقلم: تسفي برئيل 

قرية الطرابين لا توجد في قطاع غزة أو في الضفة الغربية أو في شرقي القدس. سكانها هم مواطنون اسرائيليون، الذين تم احتلالهم من قبل شرطة اسرائيل في عملية “مدهشة”، قادها مجرد ادين بدعم منظمة ارهابية والتحريض على العنصرية. هذا الشخص، ايتمار بن غفير، الذي كان يجب على المحكمة العليا اتخاذ قرار اذا ما كان يستطيع اصلا مواصلة شغله لمنصب وزير الامن الوطني بسبب ادعاء المستشارة القانونية للحكومة بانه يتدخل في عمل الشرطة، حيث انه “لا مناص من التوصل الى استنتاج انه لا يمكن حماية الجمهور من السلوك الممنهج للمس باستقلالية الشرطة”؛ هذا الشخص هو الان التهديد الحقيقي على سلامة وامن مواطني الدولة.

الاوصاف مخيفة. “كانت هناك طفلة صغيرة تقف في ساحة منزل الجيران عندما اقتحم عشرات رجال الشرطة، بقيادة قائد الشرطة، المكان بدون سابق انذار. لقد حاصروا المنزل واغلقوا الساحة. الطفلة بقيت محتجزة. لم يسمح لاحد بالخروج اليها. وقف مقاتل مسلح امامها. والدتها وخالاتها وقفن على بعد مسافة قصيرة وهن ينادين باسمها وخائفات على مصيرها”، (آيدن سولومون ويهوشع براينر، “هآرتس”، 5/1). شاب بدوي تم التحقيق معه لثلاث ساعات تقريبا من قبل احد رجال الشباك قال: “شعرت وكان منظمة اجرامية تتحدث معي. قالوا لي: أنت لست اقوى من الدولة”.

هذا مشهد مرعب هدفه الترهيب. يجب الذكر أنه ايضا في الطرابين يعيش مجرمون وعصابات تملك السلاح، الذين مسوا بقرى المنطقة واحرقوا حسب الاشتباه سيارات وسيطروا على الطرق الرئيسية. ولكن عصابات الجريمة تعمل ايضا في نتانيا، هرتسليا، تل ابيب والخضيرة، التي لم يتم فيها اغلاق الشوارع والاولاد لم يقفوا امام مسدس شرطي. حيث ان هناك بحر يفصل بين عمل الشرطة المنظم والممنهج، الذي يستند الى المعلومات والاعتقالات المحددة وتقديم للمحاكمة، وبين مهرجان وحشي مغطى اعلاميا، يهاجم مباشرة قرية باكملها.

الامر لا يتعلق بعملية لاحباط الجريمة، بل بعرض عبثي لجهاز دولة عنيف يفحص حدود وحشيته. هذا تنظيم لا يهتم بقتل مئات المواطنين العرب، والذي لا يمكنه أو لا يريد أن يمنع التنكيل المروع للمستوطنين بالفلسطينيين في الضفة. والذي يحتفل باعتقال النساء اللواتي وضعن الكراسات في كنيس، ويريد التحقيق مع عضو الكنيست احمد الطيبي لانه اهان المتحدث بلسان الشرطة، ولكنه يقف مثل الدمية في وجه تذمر عضوة الكنيست تالي غوتلب بسبب استدعائها للتحقيق معها.

هذه فقط هي الاعراض. فحسب استطلاع نشره المعهد الاسرائيلي للديمقراطية في تشرين الثاني الماضي، فانه لـ 47 في المئة من الجمهور يوجد “ثقة قليلة” بالشرطة، و20 في المئة لا توجد لهم ثقة على الاطلاق، وحوالي ثلث الجمهور يثق بها بشكل كبير (في اوساط الجمهور العربي، وهذا غير مفاجيء، فقط يوجد لـ 19 في المئة ثقة بالشرطة). ربما الاكثر اهمية هي المعطيات التي بحسبها فقط 6 في المئة من المستطلعين المتماهين مع معسكر اليسار يثقون بالشرطة، في حالة الوسط فان النسبة هي 27 في المئة، وفي اوساط المؤيدين لليمين فان 43 في المئة يثقون بالشرطة. هذه ايضا ليست احصائيات مذهلة.

ان اقتحام الطرابين بعملية وصفها المجلس الاقليمي القسوم بأنها حملة علاقات عامة تعاقب بشكل غير متوازن سكان القرية، التي قتل فيها محمد حسين الطرابين – هي فقط “مشروع تجريبي”. وهي مثال صارخ على استعراض عنيف للقوة. ويكتسب هذا الاعتداء شرعية مشوهة لانه عندما يتعلق الامر بالجرائم التي يرتكبها العرب ضد اليهود فانه يتم تصنيفها دائما تقريبا بأنها “ارهاب قومي”. ولكن الامر لم يكن هكذا لو أنه حدث العكس.

الان يمكن توقع ان يكون لهذا المشروع التجريبي المزيد من القرى العربية والمدن المختلطة، وبالتالي، فان الطريق الى عملية “حارس الاسوار 2” قصيرة. ينظر الى تدخل بن غفير غير القانوني في عمل الشرطة بالخطأ بانه مجرد تجاوز اجرائي للحدود. وفي اخطر الحالات، كما تقول المستشارة القانونية للحكومة، هو انتهاك لاسس الديمقراطية. ولكن الحقيقة خطيرة اكثر. فبن غفير لا يطمح الى تعزيز الحوكمة، بل هو يسعى بجهد الى اشعال حرب اهلية.

——————————————

هآرتس 7/1/2026

عندما يتحول تجويع الاسرى الى اداة سياسية مشروعة

بقلم: نوعا ستات

في الوقت الذي تواصل فيه الحكومة خرق احكام المحكمة العليا وجدت نفسي قبل بضعة اسابيع في رواق المحكمة العليا. “عيدن يروشالمي نقص وزنها 36 كغم، هل هذا الامر لا يهمك”، صرخت علي امرأة في الوقت الذي كان فيه يناقش التماس لجمعية حقوق المواطن ضد تجويع اسرى امنيين. هذه اللحظة كانت تدل على ان هناك خط تم اجتيازه: الجوع تحول الى اداة سياسية مشروعة، والمس بحقوق الانسان تحول الى وسيلة لاثبات الولاء الاخلاقي. نحن ندين بدون تحفظ تجويع المخطوفين وجرائم حماس، لكننا لا نعتبر ذلك مبررا لتجويع الاخرين والتنكيل بهم.

لقد اوضحت الايام الاخيرة الى أي درجة هذه اللحظة لم تكن استثنائية. فمن تقارير رسمية صادرة عن مكتب النائب العام من زياراته في السجون الامنية – التي منع نشرها خلال اشهر وكشف عنها في الاسبوع الماضي في “هآرتس” (31/12)- الا انه خلال الحرب منع سجناء امنيون من الحصول على المياه للشرب، احيانا لساعات وحتى كجزء من العقاب الجماعي.

هناك في رواق المحكمة ازداد بروز فهم الى أي درجة ابتعدنا عن المبدأ الاساسي الذي استندت اليه حقوق الانسان. الحقوق ليست جائزة لاشخاص جديرين، ولا يتم سحبها ممن يثيرون الغضب أو الخوف أو الاشمئزاز. بالعكس، الاختبار الحقيقي لأي مجتمع ولسلطة القانون هو الدفاع بالتحديد عن حقوق من يسهل وربما من الطبيعي الرغبة في عقابهم بكل طريقة ممكنة.

قصة النضال من اجل حقوق السجناء الامنيين تجسد السيطرة الكهانية على مؤسسات مختلفة في الدولة، وتدل على عجز حراس العتبة وجهاز القضاء والمس المستمر بسيادة القانون. ولكن اكثر من ذلك هذا يعلمنا عن التدهور الاخلاقي والقيمي لدولة اسرائيل. تقارير النيابة العامة التي اخفيت خلافا للاجراءات بذريعة ان نشرها سيشكل خطر على امن الدولة. هذه التقارير تكشف عن نمط التجويع والعنف والاهانة.

في اطار سلسلة المس بحقوق الانسان للسجناء، فان الخرق الاول من الخروقات للقانون الدولي، التي ليس عليها خلاف وقائعي مطلقا، هي منع وصول الصليب الاحمر الى السجناء الامنيين. الصليب الاحمر زار السجناء في السجون الاسرائيلية منذ 1967 وحتى 7 اكتوبر. هذه الجمعية توجد لها مكانة واضحة في القانون الدولي، وفي المواثيق الموقعة عليها اسرائيل وفي القانون الاسرائيلي. يوجد لها معرفة عميقة بالسجون والظروف السائدة فيها، ولديها خبرة في اجراء محادثات مع السجناء. القانون الدولي في هذا الموضوع لا يرتبط بالمعاملة بالمثل، الامر الذي يعني ان اسرائيل لا يمكنها التهرب من التزاماتها لان حماس (في احد الانتهاكات الصارخة للقانون والاخلاق) لم تسمح للصليب الاحمر بزيارة المخطوفين.

في شباط 2024 رابطة حقوق المواطن قدمت التماس للمحكمة العليا وطلبت فيه ان تلتزم الحكومة بقواعد القانون وان تسمح بالزيارات. ولانه لا يوجد أي امكانية قانونية لتبرير هذه السياسة فان الدولة طلبت تاجيل وتاجيل آخر والمزيد من التاجيل للجلسة – تقريبا 40 مرة الى ان انتهت الحرب. ايضا الان، حيث انتهى النقاش، وهذا الموضوع ينتظر البت فيه، فان الدولة لم تطرح أي ذريعة قانونية، وايضا الان حيث لم يعد هناك منذ اشهر كثيرة أي مخطوفين في غزة الذين يمكن للصليب الاحمر زيارتهم، ما زالت الحكومة تمنع الصليب الاحمر من زيارة السجون.

في نيسان 2024، في اعقاب وجود عدد كبير من الشهادات عن تجويع قاسي في السجون، قدمت الرابطة التماس حول تجويع السجناء الامنيين. حسب القانون يجب عدم المعاقبة او التخويف بواسطة منع الطعام عن السجناء (يمكن منع تقديم تسهيلات بواسطة الكانتينا، ولكن يجب عدم المس بالطعام الاساسي). أي نقاش في ملفات السجناء رافقه هجوم شديد من قبل منظمات اليمين المتطرف التي القت علينا في المحكمة (وخارجها) المسؤولية عن الوضع الصعب للرجال والنساء المخطوفين.

في ايار 2024 قدمنا التماس طلبنا فيه اغلاق منشأة الاعتقال “سديه تيمان”. وخلافا لطلبات اخرى، على خلفية المواد القاسية، عقدت المحكمة جلسة سريعة في هذا الملف، وحتى انها بتت فيه وقالت انه يجب اغلاق هذه المنشأة في ايلول 2024. خلال الجلسات التي عقدت في هذا الملف كشفت قضية الاغتصاب في هذه المنشأة، التي ادت الى قيام اعضاء كنيست باقتحام القاعدة العسكرية. لحظة اقتحام القاعدة توضح مدى سرعة انزلاق انتهاك حقوق الانسان. فالانتهاك الذي يظهر بسيط أو حتى مشروع لحقوق المجرمين، ادى في غضون بضعة اشهر الى تاييد علني للاغتصاب، واعمال عنف من قبل اعضاء كنيست ومنظمات يمينية ضد القواعد العسكرية وسيادة القانون. ان حماية الحقوق الاساسية تشبه البطانية، التي عندما يتم البدء بسحب خيوطها كل شيء ينهار، وتنهار سيادة القانون بسرعة خيالية.

في ايلول 2025 بتت المحكمة العليا في الالتماس حول التجويع وقالت انه لا يتم تقديم طعام كافي للسجناء وانه على مصلحة السجون اصلاح هذا الوضع. ضمن امور اخرى قالت المحكمة العليا بانه يجب اعطاء، على الفور، طعام اضافي للسجناء الذين يطلبون ذلك. وان يتم فحص بصورة شاملة ودائمة الوضع الصحي للسجناء وتاثير التغذية على صحتهم. من شهادات كثيرة وصلت الى جمعية حقوق المواطن فان السجناء لا يبلغون عن أي تغيير في وضع الغذاء منذ اتخاذ هذا القرار.

في تشرين الثاني 2025 قدمنا طلب بسبب اهانة المحكمة ضد مفتش ادارة السجون الذي يخرق قراراتها. خلال مناقشة التماسات الجمعية ياتي الكثير من الضباط الكبار الى هذه الجلسات. يمكن رؤية ان بعضهم مسرورون بالاتجاه الجديد الذي يقوده الوزير بن غفير ويتعاونون معه. آخرون يظهرون مهانين وقلقين. تاثير آخر لانتهاك حقوق الانسان الاساسية هو المس بالقدرات المهنية والمعايير المهنية لاعضاء مصلحة السجون، الذين هم مهنيون ورجال خدمة عامة. ايضا هذا المس الشديد والمتواصل ستكون له تاثيرات بعيدة المدى.

العبء الهائل للاحداث الاخبارية وصدمة 7 اكتوبر تخلق تسامح في الخطاب العام تجاه انتهاك حقوق الانسان للفلسطينيين بشكل عام والسجناء الفلسطينيين بشكل خاص. قد يتم النظر الى هذه القضية كهامشية وغير مهمة، وحتى انها ترف لا حاجة اليه في الوقت الراهن. ولكن قصة النضال خلال السنتين الاخيرتين تظهر مدى مركزيتها. فالخطاب الذي يسمح باساءة معاملة السجناء وتجويعهم يضفي الشرعية على مناقشة عقوبة الاعدام، وتجاهل القانون يؤدي الى هجمات لم يكن بالامكان تخيلها من قبل حراس العتبة واهانة المحكمة. حتى في الاوقات العصيبة والمليئة بالانشغال يجب ان يكون النضال من اجل حقوق الانسان الاساسية حازم وشجاع وثابت.

——————————————

يديعوت احرونوت 7/1/2026

في القدس ينظرون الى ايران

بقلم: يوسي يهوشع 

مع عودة رئيس الوزراء من لقائه مع الرئيس الامريكي دونالد ترامب، عقد بنيامين نتنياهو بحثا ضيقا وحساسا بمشاركة قادة جهاز الامن. عرض في اللقاء التفاهمات والتوافقات التي عاد بها من واشنطن بالنسبة لمواصلة حرية عمل إسرائيل في عموم الساحات: ايران، لبنان، غزة، سوريا، اليمن ويهودا والسامرة. في جهاز الامن يستعدون لوضع يكون فيه الجيش الإسرائيلي مطالبا في اثناء السنة القريبة القادمة بالعمل في كل واحدة من هذه الساحات – بعضها بشكل متدرج وبعضها حتى بالتوازي. لكن التطوران في ايران وعلى رأسها ضعضعة حكم آيات الله هي في هذه المرحلة السبب المركزي الذي يصمم اتخاذ القرارات في القدس.

تركز شعبة الاستخبارات جهودها في ايران على ثلاثة مستويات مركزية: متابعة حثيثة وبلورة صورة وضع دقيقة لاجل تفادي تفويت سيناريوهات متطرفة، مثلا حصل في الماضي مع سقوط نظام الأسد؛ استمرار جمع المعلومات عن اهداف نوعية وهي مسيرة بدأت مع انتهاء حملة “الأسد الصاعد” قبل نحو سبعة اشهر، كاعداد بمعركة مستقبلية؛ وإعطاء اخطار مركز لامكانية نار مكثفة ومفاجئة بصواريخ باليستية. في إسرائيل يشددون على انه مثلما استخلصت الدروس في حرب الـ 12 يوما هكذا في طهران أيضا استوعبوا بان ضربة مفاجئة هي عنصر حرج في حسم المعركة. وبناء على ذلك، في إسرائيل يتابعون ليس فقط النوايا الإيرانية بل أساسا القدرات.

الى جانب الاستخبارات، يستكمل سلاح الجو استعدادا مزدوجا: بناء خطط هجوم على المنظومات القتالية والطائرات المُسيرة للعدو، وبالتوازي تعزيز منظومة الدفاع الجوي في كل مستوياته، في ظل استخلاص الدروس من المواجهة السابقة وإدخال تطويرات جديدة – بينها أيضا قدرات الليزر. لولا التطورات في ايران، يحتمل أن ما كان تردد على الاطلاق: خطة الهجوم على حزب الله التي اعدت وتوجد على الرف كانت ستخرج الى حيز التنفيذ. فقد تلقى نتنياهو ضوء اخضر من الرئيس ترامب، والجيش أوضح بان من ناحيته الاستعدادات استكملت. الحسم الان هو أساسا في مسألة التوقيت.

والى ذلك نشر ان حزب الله بدأ بنشر سري لوحدات قتالية ووسائل قتال استراتيجية انطلاق من التقدير في المنظمة بان المواجهة مع إسرائيل هي مسألة وقت وان الواقع بعد جلسة لجنة الرقابة على وقف النار سيكون مختلفا. ومع انه لم ينزع سلاح حزب الله في القدس يقدرون بان وضعه دون بشكل جدي: المنظمة تعمل بنحو 20 في المئة من قوتها، الجيش الإسرائيلي يحوز خمسة استحكامات خلف الجدار، قوة الرضوان لا تشكل تهديد اجتياح مثلما كانت في الماضي وقدرات الدفاع الجوي – مع ادماج منظومات الليزر توفر جوابا فاعلا حتى لسيناريوهات قاسية.

وبالتالي فان المسألة المركزية ليست اذا كان ينبغي العمل بل متى: الانتظار للتطورات في ايران، الحليف الاستراتيجي لحزب الله ام استغلال نافذة الفرص الحالية – وربما حتى مواصلة سياسة الهجمات اليومية في لبنان، بلا قيود فيما أن المنظمة تمتنع عن الرد حتى على تصفية مسؤولين كبار في قيادتها العسكرية.

——————————————

يديعوت 7/1/2026

هكذا يعمل وزراء في الحكومة ومسؤولون في المستوطنات لتسريع فرض السيادة

بقلم: اليشع بن كيمون

رؤساء الاستيطان في يهودا والسامرة بقيادة الوزيرن بتسلئيل سموتريتش واوريت ستروك من الصهيونية الدينية يخطون هذه الأيام رؤياهم للعام 2026 فيما أن الهدف الأساس هو جلب عائلات كاملة الى مناطق يهودا والسامرة كي يستوطنوا في المناطق التي اقرها الكابنت. وصحيح حتى اليوم، يدور الحديث عن أراض هي فارغة تماما.

التوقع هو أن في الأسابيع وفي الأشهر القريبة سنرى مزيدا من المستوطنات، مزيدا من البنى التحتية والبناء الفعلي. والخطوة كما يأمل قادة الاستيطان ستؤدي عمليا الى انهيار فكرة الدولة الفلسطينية وتجعل مسألة السيادة مفتوحة.

ستأتي العائلات بداية الى مزرعة في شكل مساكن مؤقتة لتبني اسرتها الجماعية رويدا رويدا حتى إقامة مبان قائمة، مؤسسات تعليم وشق طرق في داخل المستوطنات. وشرح مصدر رفيع المستوى في الاستيطان يقول: “اذا كان العام 2025 سنة ثورة في القرارات وفي تغيير مفهوم العمل، فان العام 2026 هو سنة الميدان وسنرى بالفعل اقدام على الأرض.

وكان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وعد سموتريتش والصهيونية الدينية في الاتفاقات الائتلافية إقامة 70 مستوطنة. القسم الأكبر منها يوجد منذ الان على الأرض وكان الحديث يدور عن الشرعنة باثر رجعي لكن بعضها جديد تماما. حتى الان قررت الحكومة إقامة وشرعنة باثر رجعي لـ 69 مستوطنة فيما ان 20 منها جديدة تماما. وكنا كشفنا في “يديعوت احرونوت” ثورة المستوطنين في كل ما يتعلق بمستوطنات شمال السامرة والشطب الفعلي لقانون فك الارتباط. عمليا، فان قانون فك الارتباط لم يشطب عمليا فقط بل من ناحية المستوطنين الوضع الحالي حتى افضل مما كان في 2005. وبين المستوطنات الجديدة التي سيتم اسكانها توجد سانور إذ جاء منذ الان إذن الإسكان في عيد البوريم القريب القادم. والجيش يعد منذ الان المحاور وينقل قيادات لهذا الغرض.

في جبل عيبال أيضا يعتزم أناس مجلس السامرة بفرض تواجد يهودي قريبا لكن ليس فقط في شمال السامرة. “مدينة التمور” في غور الأردن يفترض أن تستوعب سكانا حريديم هي الأخرى توجد قيد التنفيذ الى جانب عدد آخر من المستوطنات التي ستغلف مدينة أريحا الفلسطينية. في كل ما يتعلق بالحدود الشرقية – تقود وزارة ستروك ثورة حقيقية. وعلى حد قول مسؤولين كبار في المستوطنة، تستند الخطوة الى حاجة امنية وتغيير مفهوم الامن الإسرائيلي في حدود ما بعد هجوم 7 أكتوبر.

الحاجة الأمنية تترجم في الميدان الى توسيع الاستيطان. على طول الحدود، وفي الجيوب أيضا ستقام مؤسسات تعليم – بينها معاهد مدارس التسوية ومزارع رعوية في أن عدد المزارع توجد منذ الان على مسافة بالحد الأدنى من الحدود. التلاميذ سيجتازن تأهيلات وسيحمون بسلاحهم سكان الحدود وفقا للسيناريو المطروح. ضمن أمور أخرى يخطط لاقامة مدرسة تسوية حريدية قرب قرية العوجا.

هذه التغييرات لم تقع في فراغ وهي نتيجة تغييرات تشريعية هامة للحكومة والكابنت. ضمن أمور أخرى الغاء إقرار وزير الدفاع ورئيس الوزراء في كل مرحلة من مراحل تقدم وحدات السكن في المناطق والذي سبق للكابنت ان الغاه في حزيران 2023.

إضافة الى التمدين العملي لكل القسم المدني في الإدارة المدنية، ابتداء من تعيين نائب مدني عبر نقل عشرات الصلاحيات القانونية الى مستشارين مدنيين وانتهاء بقرارات الاخلاءات والدفع قدما بالبناء. هذا فيما ان من يدير هذه العمليات هي مديرية التسوية – هيئة أقامها سموتريتش لتنفيذ كل الثورة.

عندما نربط كل شيء معا تنكشف الصورة الاستراتيجية التي تخنق القرى الفلسطينية وتمس بشكل ميؤوس منه بإقامة دولة فلسطينية. وهكذا تجلب إسرائيل الى السيادة بحكم الامر الواقع على الأرض. وتشرح مصادر في الاستيطان بانه كانت فرصة ذهبية لاحلال السيادة في أيلول الماضي، الى أن جاء الرئيس الفرنسي عمانويل ماكرون بخطوة الاعتراف بدولة فلسطينية. في تلك الأيام، كما تروي مصادر استيطانية كانت إسرائيل على مسافة خطوة عن اعلان السيادة والتي توقفت فقط بسبب اقوال ترامب الذي أراد زعماء الدول في الخليج لغرض استكمال الصفقة في قطاع غزة. “لكن السيادة توجد على الأرض، وهذا لا بد سيأتي”، قضى مصدر في الاستيطان.

الاستيطان في ارقام

حتى الان أقيمت أو شُرعنت

69 مستوطنة (اكثر من 20 – جديدة تماما)

150 مزرعة رعوية

45.187 وحدة سكن جديدة اقرت

25.959 دونم أعلنت كاراضي دولة

نحو  50 في المئة من تلك الأراضي للدولة التي أعلنت منذ أوسلو

اكثر من 200 كيلو متر من المحاور المختلفة تم شقها

966 مبان فلسطينية دمرت بالمتوسط في السنة

537 مبنى فلسطيني كان يهدم في الماضي بالمتوسط السنوي

——————————————

هآرتس 7/1/2026

عزيزي جندي الاحتياط: الثمن الاضافي الذي سيجبيه تهرب الحريديين

بقلم: سامي بيرتس

سنتان وربع من الحرب خلقت عبء لا يحتمل على من يخدمون. ايضا ادت الى تبذير مليارات الشواقل في اعقاب ادارة غير ناجعة لموارد الاحتياط وسلسلة من الظواهر المرفوضة التي تطورت خلال الحرب. هذه الظواهر نمت على خلفية السلوك الفضائحي للحكومة، التي بيد دفعت قدما بقانون اعفاء الحريديين، وباليد الاخرى بنت سلم من الحوافز لرجال الاحتياط، الذي في مرحلة معينة تحول الى سلم من التشويه وحتى الفساد.

التشويهات واساءة استخدام الحوافز ترتبط بدرجة كبيرة بفشل عدم تجنيد الحريديين – لقد طوروا في اوساط من يخدمون الشعور بـ “يحق لي”، الذي بعضهم اخذه بعيد جدا الى درجة ان بعض هذه الظواهر المرفوضة يتم التحقيق فيها في هذه الاثناء في سلطة الضرائب وفي قسم التحقيق مع رجال الشرطة.

حسب وزارة المالية فان تكلفة الاحتياط منذ بداية الحرب هي 70 مليار شيكل، منها 20 مليار اعطيت كمنحة بناء على مدة الخدمة والحالة الاجتماعية ومستوى الاخطار والمناصب القيادية وما شابه. وقد منح الاستخدام غير المحدود للامر رقم 8 للقادة مرونة كبيرة في تجنيد الجنود، وفي جدول الاجازات، وفي مرحلة معينة ايضا في استخدام ايام الاحتياط كعملة لشراء المعدات والغذاء للوحدة. ويجري التحقيق في عدة حالات مع موردي الغذاء والمعدات الذين قدموا سلع وخدمات مقابل ايام الخدمة في الاحتياط.

هذا الاسبوع كشف في “ذي ماركر” عن اسلوب جديد: يقوم القادة باستدعاء الجنود بشكل وهمي فقط لتحصيل رواتب الاحتياط من صندوق صغير للوحدة. وبواسطة استخدام هذه الاموال يمولون حفلات انهاء الخدمة وشراء المعدات والهدايا للجنود. ويتم تحديد مبلغ ايام الاحتياط بناء على مستوى راتب الجندي في الحياة المدنية، 321 – 1690 شيكل في اليوم. ومن اجل ضمان ملء صندوق الوحدة باكثر الطرق نجاعة فانه يتم ارسال استدعاء وهمي الى اصحاب اعلى الرواتب.

الحديث يدور عن ظاهرة فاسدة وغير مقبولة، تشير الى سوء استخدام الاموال العامة، ولكنها تنبع من سلوك الحكومة في كل ما يتعلق بموارد الاحتياط: الحوافز المشوهة التي وضعتها وزارة المالية (بحسن نية من اجل تكريم ومكافأة من يخدمون)، من اجل مواصلة رجال الاحتياط المثول للخدمة، والسهولة المفرطة في استخدام الامر 8، الذي وضع بالفعل دفتر شيكات مفتوح في يد الكثير من القادة، كل ذلك وسع الفجوة غير المحتملة التي ظهرت بين الجمهور الذي يخدم وبين الجمهور الذي يتهرب من الخدمة.

يوجد لتشجيع الحكومة على تهرب الحريديين من الخدمة تكلفة اقتصادية – اجتماعية باهظة، ابرزها العبء الذي لا يطاق على جنود الاحتياط، الذين اجبروا على الخدمة مئات الايام منذ بداية الحرب، ويتوقع ان يخدموا سبعين يوم في السنة في السنوات القادمة. اضافة الى الضرر الكبير الذي يلحق بسوق العمل. صحيح ان تكلفة جنود الاحتياط تبلغ 70 مليار شيكل، الا ان التكلفة الاقتصادية التي تشمل ايضا غياب هؤلاء الجنود عن سوق العمل تقدر بنحو 120 مليار شيكل. وهناك بالطبع تكلفة عائلية وشخصية باهظة، ناهيك عن التعرض للاذى أو حتى الموت. وتتمثل التكلفة الاضافية في اساءة استخدام ايام الخدمة في الاحتياط، الامر الذي ينبع من الشعور بان الحكومة لا تبذل جهدها لتخفيف العبء عن جمهور المجندين، وهو توسيع دائرة المجندين.

الامر ليس مجرد رشوة تقدم لمن يخدمون بالفعل على شكل منحة اضافية أو كلمة طيبة، بل ببساطة الاهتمام بان الجمهور الذي لا يخدم يجب عليه المشاركة في تحمل العبء.

في الواقع يوجد اتفاق ضمني هنا. فالحكومة تدرك انها تلقي عبء لا يطاق على كاهل من يخدمون في الجيش، بينما تشجع قوانين التهرب من الخدمة. لذلك هي تدفع لهم رواتب عالية. ويدرك الجنود الذين يخدمون بان هذه محاولة لكسب تعاونهم وجعلهم يمتثلون للخدمة رغم التمييز الصارخ، والنتيجة هي اساءة استخدام ايام الاحتياط وظهور العديد من الممارسات غير المشروعة والفاسدة بدون ان تحاول قيادة الجيش كبح جماحها. فالجيش لا يواجه من يخدمون، لان الحكومة لا تواجه من يتهربون من الخدمة.

——————————————

هآرتس 7/1/2026 

السادية تزدهر عندما لا يبالي المشاهدين، والجناة يشعرون بحرية اذى الاخرين

بقلم: عميره هاس

 “ألا يوجد للعرب 52 دولة؟ ليذهبوا اليها”، هكذا لخصت الناشطة المؤثرة هدار مختار رؤيتها للشقق الرخيصة للشباب اليهود في الضفة الغربية. وتنهي حديثها بابتسامة. ايتمار بن غفير يتفاخر مثل نابليون وهو يسير في قرية الطرابين وهو يبتسم. اعلان يشيد بنساء يضحكن ويعشن بسرور في مستوطنة يهودية خالصة، على اراضي وينابيع سرقت من الفلسطينيين في غرب رام الله. جنود يبتسمون ابتسامة عريضة وخلفهم المباني التي قاموا بتفجيرها للتو في غزة، وعدد قليل من السارقين مع الشعر المجعد والسوالف وهم يستلقون على فراش في بيت في تجمع فلسطيني للبدو، وهم يبتسمون. هم على قناعة بان هذا التجمع الذي عليه الدور في قائمة الذبح، كي تقام مكانه فيلا بربع السعر ليهود سعداء، شعب سعيد وراض عن نفسه. يدير بسعادة افعاله الى حين الوصول الى الحسم النهائي. حتى الطرد النهائي.

 هناك ايضا لحظات السعي الى النصر والانتصار، التي الابتسامة التي رافقتها لم يتم توثيقها. شد القيود على ايدي المعتقل الى ان يتوقف تدفق الدم في يديه، وركله على ظهره، انينه، معتقل آخر وآخر. آلاف غيرهم. عائلة يتم طردها من بيتها خلال عشر دقائق، وعائلة اخرى، وعشر عائلات اخرى، و100 ألف آخرين. جندي يحمل رشاش، يرى الام كبيرة السن وهي تركض بذعر بعد سقوط حذاءها من قدمها. قاض يقر منع طبيب من غزة عمره 62 سنة من المغادرة الى البلاد التي يعيش فيها ابنه. لا يوجد دليل على ان وضعه الاقتصادي صعب، هكذا حكم حضرة القاضي. الوزير بتسلئيل سموتريتش، الذي يقوم بابتزاز ملايين الشواقل من الفلسطينيين، والجندي الذي يصادر سيارة العائلة، بالنسبة اليهما السيطرة هي امر مفرح.

 هل الضغط على زر يحرر قنبلة من مسيرة هو مجرد عزف على البيانو؟ هل القوة تعتمد على الممثلين في الفيديو، الذين سيصفقون عندما يتصاعد الدخان على الشاشة؟ هل سيتوقفون عن مشاهدة اشلاء اللحم والاطراف المبتورة من تحت الانقاض؟ هذا مشهد مؤلم جدا. من المؤسف أن تمحى ابتساماتهم. الجرافات تقتلع المزيد من اشجار الزيتون وآلاف غيرها، بأمر من القائد آفي بلوط. اذا لم يتمكن السائق في المقصورة المحصنة من الاستمتاع بتحطم الاغصان وصوت سحق الزيتون الناضج، فانه سيستمتع من المشهد الذي يراه: امرأة ترفع يديها وفمها مفتوح وهي تصرخ، ثم ترمي نفسها على الارض التي يتم قلبها.

 هل يعرف السادي انه كذلك؟ هذا سؤال نفسي ممتع، هذا ما قالته لي الخبيرة في التشات جي.بي.تي وشرحت الفرق بين السادية المرضية والسادية اليومية. هل المحتلون هم ساديون، شددت على السؤال، وهي اجابت بحذر: هم ليسوا كذلك بشكل تلقائي، ولكن الاحتلال يخلق احيانا اوضاع من الاهانة والوحشية، التي تتماهى مع السادية. الجيش الاسرائيلي لا ينطبق عليه التعريف المرضي للسادي، قالت الخبيرة، لكنها وافقت على ان السيطرة المستمرة على شعب آخر يمكن ان تخلق سلوكيات تشبه السادية.

 هل اللامبالاة تجاه المعاناة التي يلحقها المجتمع بالآخرين تعتبر نوع من السادية الجماعية؟ رغم ان الطب النفسي لا يتبنى هذا التعريف كاضطراب سريري، اجاب محاوري، الا انه هناك بالتاكيد خلل اجتماعي واخلاقي هنا. فاللامبالاة هي ارض خصبة لنمو السادية. والمشاركة في اعمال القسوة تقوي الروابط داخل المجموعة المهيمنة وتعزز آليات المكافأة: القبول الاجتماعي، المكاسب السياسية والشعور بالتفوق. السادية تزدهر عندما يبقى المشاهدون غير مبالين، والجناة يشعرون بحرية تصعيد الاذى الذي يتسببون به للاخرين.

—————–انتهت النشرة—————–

Share This Article