المسار : الحرب الإسرائيلية – الأميركية جاءت بعد محاولة فرض شروط لم يكن بإمكان إيران قبولها، وانضمام حزب الله إلى الحرب كان متوقعًا، لكن في إسرائيل خيبة أمل من عدم تجدد المظاهرات في شوارع إيران وعدم فرار عناصر من قواعد قوات الأمن.
وجهت إسرائيل والولايات المتحدة في حربهما المتواصلة منذ أسبوع ضربات شديدة ضد إيران وألحقت بها خسائر كبيرة، وفي هذه الأثناء تعلنان أن الحرب ستتواصل وتأملان، وبشكل خاص حكومة بنيامين نتنياهو، بأن الحرب ستنتهي بسقوط النظام. لكن الجيش الإسرائيلي لا يلتزم بنهاية كهذه، حسب محللين عسكريين، وإنما باستهداف ترسانة الصواريخ البالستية والمنشآت النووية في إيران.
الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يعلن أنه قد يعود إلى مفاوضات مع إيران تتمحور حول برنامجها النووي. لكنه كان قد أعلن في نهاية الحرب السابقة، في حزيران/يونيو الماضي، أنه دمّر البرنامج النووي بقصف منشأة فوردو، وأنهى الحرب على هذا الأساس.
هل أنهى ترامب تلك الحرب، وأرغم إسرائيل على وقفها، على أساس كاذب؟ في حينه قالت الاستخبارات الأميركية إن البرنامج النووي لم يُدمّر، وإن إيران نقلت حوالي 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى مكان آمن. ونفى ترامب ذلك، لكن نتنياهو اعترف لاحقًا بأن إيران لا تزال تحتفظ بكمية اليورانيوم المخصب هذه.
ما يقوله ترامب الآن بشأن مفاوضات نووية، والحديث عن التزام الجيش الإسرائيلي باستهداف البرنامج النووي، يعني أن البرنامج النووي لا يزال موجودًا ولم يُدمَّر. وعموما، الاعتقاد بين الخبراء في العالم هو أن برنامجًا نوويًا لا يمكن تدميره، لأن الخبرات النووية متوفرة، أي أنه حتى لو كانت أقوال ترامب صحيحة فإن بإمكان إيران إعادة بناء برنامج نووي.
تطوير برنامج نووي في إيران بدأ في عهد الشاه، محمد رضا بهلوي، لأغراض سلمية وبدعم ومساعدة أميركية – أوروبية. وبعد الثورة الإيرانية، في العام 1979، رفض المرشد الإيراني آية الله الخميني تطوير برنامج نووي عسكري. وتطوير كهذا بدأ بعد تولي خلفه علي خامنئي منصب المرشد، ولكن ليس بصنع سلاح نووي وإنما بتخصيب اليورانيوم، والقول إن لدى إيران برنامجًا نوويًا من أجل ردع خصومها.
الشاه كان دمية بأيدي الولايات المتحدة والغرب وإسرائيل، التي استولت على موارد إيران وخاصة النفط. ولذلك فإن الجمهورية الإسلامية في إيران، نظام آيات الله، منذ تأسيسها كانت معادية للغرب ولأميركا خصوصًا، وتمثل ذلك فور اندلاع الثورة باحتجاز الرهائن في السفارة الأميركية في طهران، “أزمة الرهائن”، التي تم حلها سلميًا بإطلاق سراحهم. وبعد ذلك شن نظام صدام حسين في العراق حربًا على إيران دامت ثماني سنوات وألحقت خسائر وأضرارًا فادحة بإيران.
العداء لنظام آيات الله لم يكن بسبب كونه نظامًا استبداديًا يقمع الحريات، فنظام الشاه كان دكتاتوريًا وأكثر استبدادية، وكذلك أنظمة دول الخليج. العداء للنظام الإيراني سببه الثورة التي أطاحت بحليف هام لأميركا والغرب، وبضمنه إسرائيل، وإلحاق أضرار بمصالحهم، وتخوف حكام الخليج من تقليد الثورة الإسلامية في دولهم.
مفاوضات عبثية وشروط تعجيزية
الحرب الأميركية – الإسرائيلية الحالية على إيران سببها المباشر أن إيران رفضت الاستسلام للشروط التي حاولت إدارة ترامب فرضها خلال المفاوضات القصيرة والعبثية، بهدف منع إيران من حيازة قدرات تمكنها من الدفاع عن نفسها أمام أي عدوان، بوقف العمل في برنامجها النووي، ومنعها من إنتاج صواريخ بالستية بحيث ألا يزيد مدى صواريخها عن 300 – 500 كيلومتر، ووقف دعمها لمنظمات موالية لها، وتعطيل قدراتها البحرية.
يصعب تخيل أن دولة مثل إيران، توصف حتى في إسرائيل بأنها “دولة عظمى إقليمية”، ستوافق على شروط كهذه، تجردها من أي قدرة للدفاع عن نفسها فيما هي مستهدفة. لكن اللافت هو أن إسرائيل تمارس إستراتيجية تدمير جيوش، مثلما فعلت في سورية في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد، عندما استهدفت قوات الجيش السوري وأسلحته وسلاحه الجوي. والآن تسعى إسرائيل إلى تدمير القوات الإيرانية، أي الجيش والحرس الثوري وقوات الباسيج، بدون علاقة بممارسات قمعية وإنما من أجل تشجيع احتجاجات داخلية أملا بالوصول إلى إسقاط النظام.
حزب الله دخل إلى الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة، وكان واضحًا أن حزب الله سيدخل إلى الحرب إلى جانب إيران بعد تهديد إسرائيل وأميركا بإسقاط النظام واغتيال خامنئي في الضربة الأولى على طهران، وأنه لن يأبه بتهديدات إسرائيل بأنها ستستهدف البنية التحتية لدولة لبنان. ولا يبدو أن إسرائيل ستنفذ تهديدها هذا ضد دولة لبنان، وإنما ستواصل عملياتها وغاراتها ضد حزب الله ومواقعه مثلما تفعل منذ وقف إطلاق النار، في تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
يسقط قتلى مدنيون لبنانيون في الهجوم الإسرائيلي على لبنان. وفي حال طالت الحرب على إيران وبقي حزب الله ملتزمًا بها وألحق أضرارًا وخسائر بإسرائيل، ليس مستبعدًا أن تنسخ إسرائيل حرب الإبادة في غزة إلى لبنان ضد الحاضنة الشعبية لحزب الله في جنوب لبنان والبقاع.
يدعي ضباط إسرائيليون أن تدمير منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية سيستغرق أسبوعين على الأقل. وحسب محللين عسكريين إسرائيليين، فإن الغارات الإسرائيلية – الأميركية ضد قواعد أجهزة الأمن وقياديين في إيران لم تؤدِ إلى تحقق آمال إسرائيلية وأميركية بخروج مظاهرات إلى الشوارع في إيران ضد النظام، ولا إلى فرار عناصر في قوات الأمن، كما أنه ليس واضحًا ما الذي سيؤدي إلى انهيار النظام.
بدلا من ذلك، يبدو الآن أن إيران وحزب الله يطلقان صواريخ بشكل متزامن على إسرائيل، وبوتيرة أعلى، في محاولة لاختراق الدفاعات الجوية الإسرائيلية، وأن عدد الصواريخ في كل رشقة ضئيل، ما يدل على إصرار إيران على استمرار الحرب وأنها قد تطول. ويطلق حزب الله صواريخ باتجاه منطقة وسط إسرائيل وليس على شمالها فقط.
الجمهور اليهودي في إسرائيل يؤيد الحرب على إيران بشكل مطلق وبنسبة 91.5%، حسب استطلاع “معهد أبحاث الأمن القومي” في جامعة تل أبيب. لكن الوضع مختلف كليًا في الولايات المتحدة. فقد قال 27% من الأميركيين إنهم يؤيدون الحرب، وعبر 43% عن معارضتهم لها، وامتنع 29% عن إبداء رأيهم.
كما يتراجع الدعم السياسي في الولايات المتحدة لترامب، في ظل تخوفات من أزمة اقتصادية عالمية تلوح في الأفق بسبب الحرب، وخاصة احتمال إغلاق إيران لمضيق هرمز أمام الملاحة العالمية وإمدادات النفط من دول الخليج، الأمر الذي سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وذلك في الوقت الذي لا تظهر فيه مؤشرات على احتمال سقوط النظام الإيراني.
سقوط نتنياهو أم سقوط النظام الإيراني؟
يأمل نتنياهو، وإسرائيل عموما، بأن سقوط النظام الإيراني سيشكل ضربة قاضية للقضية الفلسطينية. وعبر نتنياهو عن ذلك خلال مقابلة أجرتها معه قناة “فوكس نيوز” التي تفسح له مجالا واسعا للكذب والتضليل. وزعم خلال المقابلة أن إسقاط النظام الإيراني سيقود إلى تطبيع علاقات بين إسرائيل والسعودية، وقال إن “سلامًا بين إسرائيل والسعودية سيكون ممكنًا بسبب الحرب في إيران”.
وبدا نتنياهو أنه يعتبر القوة النووية دمية تلهو بها الدول، وقال ردا على سؤال حول ما إذا استدرج ترامب إلى الحرب على إيران، إن “ترامب أدرك أن إيران نووية هي خطر مباشر على مدن في الولايات المتحدة”، كأن إيران ستهاجم أقوى قوة نووية في العالم بسلاح نووي لا تمتلكه ولا يتوقع أن تمتلكه في المستقبل المنظور. وتابع نتنياهو أن الظروف التي ستنشأ بعد الحرب ستسمح للشعب الإيراني بالعمل من أجل تغيير النظام.
إلا أن محللين إسرائيليين يؤكدون أنه تم شن الحرب على إيران بلا هدف عسكري واضح بشأن ما يمكن تحقيقه في الحرب. والتخوف الأكبر الذي يعبر عنه الإسرائيليون، سياسيون وصحافيون، هو أن ترامب قد يملّ من الحرب ويعلن نهايتها قبل أن يحقق شيئا مهما، مثل الشروط التي وضعها أمام الإيرانيين في المفاوضات. وهو ما يحذر منه نتنياهو شخصيا، بأن اتفاقا محتملا لوقف إطلاق النار يجب ألا يشمل الموضوع النووي، وإنما أن يشمل الصواريخ البالستية ووكلاء إيران.
لكن نتنياهو يريد تحقيق هدف آخر من الحرب أيضا، وربما أهم من سقوط النظام في إيران، وهو أن يبقى في الحكم وإنقاذ نفسه من قرار محكمة يزجه في السجن على إثر محاكمته المستمرة منذ سنوات بمخالفات فساد. ويتوقع أنه إذا سقط نتنياهو عن الحكم في الانتخابات العامة المقبلة خلال العام الجاري، وهذه إمكانية واردة وفقا للاستطلاعات (بدلا من سقوط النظام الإيراني مثلا)، فإن محاكمته ستتسارع. ولذلك فإنه في ظل الحرب يدفع ائتلافه تشريعات ضمن خطة إضعاف جهاز القضاء وسيطرة حكومته عليه.
وبشن الحرب على إيران، منع نتنياهو استمرار الاحتجاجات والمظاهرات ضده، لأن التجمعات محظورة حاليا، وحوّل النقاش في إسرائيل نحو الحرب، فيما دخلت أحزاب المعارضة إلى سباق حول تأييد الحرب وتشديد الهجوم على إيران، لتعلن أنه في الحرب لا فرق بين الحكومة والمعارضة، في تعبير عن وحدة إسرائيلية داخلية بين من يكنون الكراهية لبعضهم.

