الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

هآرتس 24/4/2026 

مع تشكيك في قدرات ترامب العقلية وضرر اقتصادي عالمي يفوق التوقعات: هل تخرج طهران من الحرب أكثر قوة؟

بقلم: عاموس هرئيلِ 

في منتصف الأسبوع، قبيل انتهاء وقف اطلاق النار، وقبل السماح لوفد ايران بالذهاب الى باكستان، اعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمديد وقف اطلاق النار في الخليج حتى اشعار آخر. وأفادت مصادر في الإدارة الامريكية لبراك ربيد، من “اخبار 12، بان هذا التمديد في الواقع هو محدود، ويتراوح بين 3 – 5 أيام. بكلمات أخرى، ما زال خطر اندلاع حرب خليجية جديدة قائم، اذ قد يؤدي تعثر المفاوضات الى اندلاع موجة قتال أخرى في وقت مبكر في الأسبوع القادم.

مع ذلك، يبدو انه يمكننا التحدث عن رغبة واضحة، يبدو ان ترامب يرغب في انهاء هذه الحرب والتوصل الى اتفاق. تكمن الصعوبة في الاختلافات الجوهرية بين مواقف الطرفين. ورغم ان الرئيس الأمريكي طرح بالفعل ترتيب محتمل يتمحور حول اخراج اليورانيوم المخصب وفرض قيود على حق ايران في التخصيب لمدة عشرين سنة (ايران مستعدة لمدة 5 – 7 سنوات). في المقابل، وعد ترامب بالافراج عن أموال ايران المجمدة في الخارج (20 – 27 مليار دولار)، الامر الذي يمكن ان يوفر دفعة قوية لاقتصاد ايران المتعب. ولكن تصميم النظام في صورته الجديدة والمتشددة على محاولة انتزاع المزيد من التنازلات من الأمريكيين، قد يدفع الرئيس في نهاية المطاف الى استئناف الحرب، التي يبدو انه سئم منها.

الى ان يحدث ذلك سيبقى الصراع اقتصادي في جوهره: حصار امريكي في جنوب مضيق هرمز، ردا على اغلاق الإيرانيين للمضيق نفسه. وقد شاهد الجانبان القوة المدمرة للعقوبات الاقتصادية وتاثيرها التراكي بعيد المدى على الأسواق. وتزداد التقديرات بالتدريج التي تقول بان الضرر الحقيقي الذي لحق بالاقتصاد العالمي اكبر بكثير من التوقعات الأولية.

حتى لو تصاعد الصراع اكثر فانه ما زال من غير المؤكد ان يؤدي الى عملية برية للجيش الأمريكي على الأراضي الإيرانية. يصعب تصديق ان الرئيس يسعى الى تكرار تجربة فيتنام أو العراق. كثيرا ما يعود ترامب الى التهديد باستخدام قوته المفضلة: تدمير البنى التحتية المدنية والاقتصادية بشكل لم يشاهده العالم من قبل. واذا تحقق هذا التهديد فسيكون التدمير من الجو وبمساعدة إسرائيل. ويسعى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو باستمرار الى تحقيق ذلك. من المفروض ان تعيد هذه الخطوة ايران الى طاولة المفاوضات بشروط افضل، بعد ان يتم اثبات التفوق العسكري الأمريكي مرة أخرى. ولكن الصعوبات ستبقى على حالها. فترامب يخوض حرب لا تحصل على الشعبية في الداخل، ضد خصم عنيد لا يكترث جناحه المركزي بمعاناة الشعب والخسائر الاقتصادية لبلاده. وقد أفادت التقارير في هذا الأسبوع بان القوات الجوية الامريكية تعاني من نقص حاد في الذخيرة، الامر الذي قد يؤثر على قدرتها على بسط نفوذها في ساحات أخرى في ارجاء العالم.

أما لفتة رفع الاعلام الامريكية الى جانب الاعلام الإسرائيلية على طول طريق القدس – تل ابيب السريع، التي ظهرت محرجة، لن تساعد. ولم يكلف ترامب نفسه عناء زيارة إسرائيل، ولا حتى لتسلم جائزة إسرائيل من رئيس الحكومة. ربما يتعلق الامر بالحالة المزاجية: فالحرب الممتدة تضعف شعبية الرئيس، حتى ان وسائل الاعلام المحافظة في أمريكا تنشر مقالات تشكك في قدرته الادراكية والعقلية.

بصراحة، في جولة الحرب هذه يبدو أحيانا ان الجنرال رافي ميلو، قائد قيادة المنطقة الشمالية، يتم تصويره كضابط لا يمكنه التهرب من قول الحقيقة الكاملة. ومثل قادة القيادات الإقليمية السابقين، يكتشف ميلو ان كل لقاء تقريبا بينه وبين المواطنين يتم تسجيله وتسريبه لوسائل الاعلام. عندها تسعى وحدة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بجهد لطمس التناقض بين الخط الرسمي للحكومة وهيئة الأركان العامة وبين الواقع كما يراه اعلى ضابط في الساحة اللبنانية.

لقد مر تصريح ميلو الأخير مرور الكرام. ففي كلمة القاها في مراسم احياء ذكرى يوم الشهداء في قرية فراديم في الجليل قال الجنرال: “يوجد الان مئات المقاتلين داخل لبنان ينفذون عمليات عسكرية ويشنون هجمات لإزالة أي تهديد من الشمال. لدينا القوة والعزيمة ونعرف المهمة جيدا، والعدالة هي حليفتنا”.

النقطة الهامة هنا تتعلق بمئات المقاتلين. حتى الأسبوع الماضي كان الجيش الإسرائيلي يتحدث عن خمس فرق عسكرية تنتقل على الأرض في جنوب لبنان. كان هذا مبالغة كبيرة، ففي الواقع نادرا ما ادخل الجيش وحدات احتياط الى لبنان هذه المرة، وتحت قيادة كل فرقة عملت تشكيلات جزئية من فرق القتال التابعة للواء، معظمها من القوات النظامية. بعد وقف اطلاق النار الذي فرضه ترامب غادر جزء كبير من القوات. وما زال الجيش الإسرائيلي يسيطر على خط من المواقع على التلال الموجودة على بعد 8 – 10 كم شمال الحدود الدولية مع لبنان، بهدف معلن وهو منع الصواريخ المضادة للدروع من إصابة البلدات على الحدود. ولكن حجم القوات وعبء المهمات انخفض بشكل كبير.

لذلك، تم ذكر مئات المقاتلين وليس آلاف أو عشرات الآلاف، مثلما اعتقد الإسرائيليون خطأ. وهذا بشكل غير مباشر هو أيضا خلفية عمليات النهب واسعة النطاق في جنوب لبنان، التي كشف عنها ينيف كوفوفيتش في “هآرتس”. عندما تقل النشاطات ويختفي الشعور بالخطر، يجد الجنود الوقت للتورط.

اسألوا المحاربين القدامى في المنطقة الأمنية وحرب لبنان الأولى. فقد تفاجأ كثيرون منهم في بداية هذا الأسبوع عندما سمعوا ان الجيش يتفاخر بعملية وحدة شلداغ التي انتشرت على سلسلة جبال كريستوفاني، “في عملية خاصة قبل دقائق من وقف اطلاق النار”. في الواقع كان الجيش الإسرائيلي قد سيطر بالفعل على سلسلة الجبال عند سفح جبل الشيخ المتاخم لجبل دوف عدة مرات من قبل. ومشكوك فيه ان تكون هناك أي ميزة خاصة لتلك العملية.

وينطبق نفس الامر على ما حدث منذ ان ارسل الجيش الإسرائيلي القوات في بداية شهر آذار. كانت المشكلة الرئيسية في حينه تتعلق بحجم القوات. فالقوات التي دخلت الى القتال انتشرت بشكل غارات على مستوى كتائب على القرى في جنوب لبنان، لم تسيطر هذه القوات باستمرار على خط دفاع محدد، بل كانت تتحرك في المنطقة وخارجها حسب الحاجة. ويكمن خلف ذلك فهم – لا يقره الرأي العام في العادة – ان الوحدات النظامية ووحدات الاحتياط منهكة، وأنه لا يمكن تكليفها بمهمات طموحة جدا.

——————————————

هآرتس 24/4/2026 

يجب علينا عدم استخدام اللاسامية لتبرير الاعمال الوحشية في غزة والضفة

بقلم: رافي فالدن

ان كراهية اليهود، المعروفة باسم “معاداة السلامية” منذ القرن التاسع عشر، رافقت شعبنا منذ فجر تاريخه. وقد تجلت مظاهرها الدموية في الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش والمذابح في أوروبا والدول العربية، وبلغت الذروة في الكارثة. لقد عانى اليهود على مر الأجيال من الشعور بالعجز. لم تكن لديهم أي وسيلة لحماية انفسهم، لا سيما عندما كانت الإساءة لهم تمارس أو يتم التشجيع عليها من قبل السلطات وبمشاركة الجماهير. لقد تفاوت مستوى معاداة السامية بين فترات ومجتمعات مختلفة، لكنها لم تختفي. وقد ساهمت عوامل اجتماعية ودينية وسياسية، بين حين وآخر، في تفاقمها.

يشمل تعريف معاداة السامية، مثلما وضعه معهد “يد واسم”، الذي اقرته الحكومة الإسرائيلية في القرار رقم 2315 في العام 2017 ما يلي:

الدعوة الى قتل اليهود أو الاضرار بهم، والتحريض على هذه الأفعال أو تبريرها باسم أيديولوجيا متطرفة أو رأي ديني متطرف، وتوجيه اتهامات باطلة تجرد اليهود من الإنسانية، وتحميل اليهود، كشعب، مسؤولية اعمال شريرة، حقيقية أو متوهمة، ونفي حق الشعب اليهودي في تقرير مصيره.

منذ إقامة الدولة تغير وضعنا. لدينا دولة ذات سيادة واقعية، تمكننا من التحكم بمصيرنا. مع ذلك، لا سيما في السنوات الأخيرة، نما بيننا الشعور بالاضطهاد، وساد الاعتقاد بان افعالنا تندرج ضمن حدود الاخلاق والعدالة، وان الادعاءات الموجهة ضدنا تنبع من معاداة عمياء للسامية لا أساس لها من الصحة. ينطبق هذا النهج أيضا على المجتمعات والدولي التي كانت تظهر حتى فترة قريبة التعاطف مع دولة إسرائيل، التي أصبحت الان تنتقدها، واحيانا بشدة.

اذا تأملنا تعريف معاداة السامية المذكور أعلاه، واستبدلنا كلمة “اليهود” بكلمة “العرب”، فسنجد أننا اليوم، في دولة إسرائيل، نرتكب نفس الأفعال التي اتهمنا بها غير اليهود على مر الأجيال.

بايحاء متعمد من سياسيين وقادة رأي في إسرائيل، بمن فيهم حاخامات وأعضاء في المؤسسة الأمنية، تدفعهم الأيديولوجيا المسيحانية والشعور بالتفوق، يجري تجريد العرب من انسانيتهم بشكل ممنهج. وهذا يجيز ايذاءهم، بل وقتلهم، بدون أي شعور بالندم. ان التعميم المطلق بان سكان قطاع غزة “كلهم حماس” يبرر القتل الجماعي للابرياء، بما في ذلك الشيوخ والنساء والأطفال. أيضا يشجع على التهجير القسري ويجيز السجن لفترة طويلة بدون محاكمة، وتجاهل التعذيب. يبرر هذا النظام تجويع شعوب بالكامل، ويمنع وصول المرضى، بما في ذلك آلاف الأطفال، لتلقي العلاج الذي ينقذ الحياة.

ان الفظائع التي تنفذ كل يوم ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية – تخريب الممتلكات، الإهانة والقتل – لا تختلف في جوهرها عن مذابح القوزاق في أوروبا. هنا أيضا لا يوجد رادع للمشاغبين عن الاستمرار في أعمالهم، حيث لا تقوم قوات الامن بما يلزم لحماية الضحايا، بل على الاغلب تساعد المهاجمين. ويكاد لا يتم اعتقال المشاغبين، وحتى عند اعتقالهم يظهر نظام القضاء تساهل كبير معهم.

يفتي الحاخامات بعدم جواز تاجير الشقق للعرب في إسرائيل، وعدم جواز تشغيلهم. أيضا تطرح ذرائع تتعلق بوجوب الحفاظ على نقاء العرق اليهودي. يضاف الى ذلك قانون عقوبة الإعدام الذي تم سنه مؤخرا والذي ينص على تطبيق عقوبة الإعدام فقط على العرب المتهمين بتنفيذ اعمال عدائية ضد اليهود. لنتذكر انه في العصور القديمة، عندما كنا مملكة ذات سيادة، كان يوصف مجلس السنهدرين، الذي يفرض عقوبة الإعدام مرة كل سبعين سنة بانه مجلس سنهدرين مميت (المشنيه، الآية 1 و10).

هذه المظاهر تساعد اللاساميين وتوفر لهم الذخيرة لمزاعمهم: ها هم اليهود المسالمون يكشفون عن حقيقتهم. في ظل حكمنا كانوا بائسين وحقيرين، أما الان، حيث وصلوا الى السلطة، فانهم يكشفون اليهودية على حقيقتها. عنصرية، وحشية، فظاظة، قسوة، تسلط، عدم احترام قيم كرامة الانسان وقدسية الحياة.

أيضا المظهر الخارجي للمشاغبين اليهود ضد العرب يعزز حجج اللاساميين: قضبان حديدية وسلاح في أيديهم، مرفقة بتبجح ظاهر على انتمائهم اليهودي، مع اظهار القبعة المنسوجة الكبيرة والاهداب التي تلوح بها الرياح. ان رؤية الحاخامات وهم يقومون بتشجيعهم يذكر بالصورة النمطية لليهودي في الرسومات الكاريكاتيرية اللاسامية، سيئة الصيت.

من الأمور الخطيرة بشكل خاص تصريحات المشاغبين والسياسيين الذين يقومون بدعمهم، والذين يتمسكون بايديولوجيا مسيحانية وهمية، التي تبرر الاعمال الوحشية في قطاع غزة وفي الضفة الغربية، لانها مستوحاة من وصايا اله اليهود. ما زالت صورة واحدة لمشهد فظيع منقوشة في ذاكرتي: اثناء اعمال الشغب في حوارة، وفي ضوء السنة اللهب بسبب احراق البيوت – بدون تحذير سكانها بمغادرتها – تجمع المشاغبون لاداء صلاة المغرب، وانتشرت في كل ارجاء العالم صور الاحتفالات والسرور من موت الأطفال الفلسطينيين، مصحوبة بهتافات “الموت للعرب” و”لتحترق قريتكم”.

كان شن الحرب على غزة في اعقاب فظائع 7 أكتوبر مبرر، وحصل على الدعم الدولي. ظهرت الصعوبة في الرأي العام العالمي عندما تحول الامر الى حرب انتقام وحشية لا هوادة فيها. في هذه النقطة وجهت لنا انتقادات شديدة حتى من الذين قاموا بدعمنا في البداية. انتشرت هذه الانتقادات في ارجاء العالم واجتاحت رجال الدولة والمثقفين والجامعات والعلماء والفنانين، بل ووصلت الى درجة مقاطعة الإسرائيليين وإسرائيل.

رغم ان موجة الكراهية الحالية تم تشجيعها من قبل عناصر تؤيد الإسلام، الا ان رد الفعل التلقائي لممثلي الحكومة الإسرائيلية وانصارها كان “ها هي اللاسامية المالوفة تعود من جديد”. ان لوم اللاسامية هو امر مناسب لهم، لانه يسمح لهم بتجاهل المظالم التي يرتكبونها. ويستمرون في اقناع انفسهم بانهم على حق وانهم اخلاقيون، وان كل الاتهامات تنبع فقط من اللاسامية. هذا النهج خطير لانه يمنعهم من مراجعة انفسهم وتوضيح ادراك جوهر الانتقادات الموجهة لنا.

من المظالم الأخرى التي سببتها الاعمال الوحشية والتخريب في غزة وفي الضفة الغربية، هي الضرر الذي لحق بالجاليات اليهودية في ارجاء العالم. لقد عادت اللاسامية الموجودة في ارجاء مختلفة في العالم الى الظهور، الامر الذي أدى الى الاضرار بالممتلكات والارواح، وتسبب ذلك في القلق وعدم الامن في اوساط اليهود في كل ارجاء العالم.

يطالبنا انبياء إسرائيل والرؤية التي قامت عليها دولة إسرائيل بأن نكون مجتمع نموذجي ونور للاغيار. فلنتجنب التشبث باللاسامية التي عانينا منها عبر الأجيال كذريعة للتهرب من المسؤولية، ولنمنع حتى ادنى بوادرها من التسلل الينا.

——————————————

هآرتس 24/4/2026

إسرائيل تستهدف حزب الله، السعودية وامريكا تستهدفان محورا مناهضا لإيران

بقلم: تسفي برئيل 

بدأ وقف اطلاق النار في لبنان يشبه وقف اطلاق النار الذي وقع عليه لبنان وإسرائيل في تشرين الثاني 2024. وقد استقبل اطلاق النار من قبل حزب الله على قوات الجيش الإسرائيلي وعلى إسرائيل برد مصحوب بتصريحات علنية لمسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى حول “انهيار وقف اطلاق النار” و”استعداد الجيش الإسرائيلي لاحتمالية استئناف الحرب”. ولكن بالتوازي مع الحوار العسكري، رغم معارضة حزب الله الذي يسعى الى تخريبه، ما زالت هذه الخطوة السياسية غير المسبوقة مستمرة، ولا تقتصر رعايتها على الولايات المتحدة، التي امرت إسرائيل بوقف اطلاق النار، بل هي تشمل مصر والسعودية، اللتان تشاركان فيها بشكل كثيف.

وصل امس المبعوث السعودي الخاص يزيد بن فرحان، الذي يتولى حقيبة لبنان نيابة عن ولي العهد محمد بن سلمان، الى بيروت بعد أسبوع واحد فقط من لقائه في الرياض مع علي حسن خليل، مبعوث رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري. تعمل السعودية في لبنان بالتنسيق مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الفرنسي عمانويل ميكرون، الذي حث ترامب على التوصل الى وقف اطلاق النار وفرضه على إسرائيل.

في حين تنظر إسرائيل الى اللقاءات الدبلوماسية مع لبنان على انها خطوة قسرية لن تؤدي الى نزع سلاح حزب الله، بل ستحد فقط من قدرتها على التحرك ضده، ترى السعودية ومصر في الساحة اللبنانية استمرارا للصراع ضد نفوذ ايران في المنطقة، وفي نفس الوقت ساحة قد تقوض نهاية الحرب مع ايران. لطالما كانت السعودية لاعبة رئيسية في الساحة اللبنانية منذ فترة دعمها السياسي والاقتصادي لرئيس الوزراء رفيق الحريري قبل اغتياله في 2005. ومنذ ذلك الحين غيرت السعودية سياستها عدة مرات، وفي السنوات الأخيرة كادت أن تبعد نفسها عما يحدث في لبنان.

في 2016 قررت السعودية تجميد مليارات الدولارات من المساعدات على خلفية مواقف حزب الله. وبعد سنة فشل ابن سلمان في مساعيه لاجبار رئيس الوزراء سعد الحريري، نجل رفيق الحريري، على ابعاد حزب الله من الحكومة وقطع العلاقات مع ايران في لبنان. وفي تشرين الثاني 2017 دعا ابن سلمان الحريري الابن، واتخذ خطوة غير مسبوقة بدعوته لرئيس الوزراء اللبناني الى الرياض، لكن بدلا من اللقاء الدبلوماسي الذي وعده به، قام باعتقاله في احد فنادق المدينة الفاخرة واجبره على اعلان استقالته. الحريري امتثل للطلب، لكن بعد اطلاق سراحه سافر الى باريس ومن هناك الى بيروت حيث اعلن ان استقالته لاغية وباطلة.

لم يقتصر فشل السعودية في كبح جماح ايران في لبنان فقط. ففي نفس السنة التي اعتقل فيها الحريري، فرضت السعودية ودولة الامارات والبحرين ومصر حصار اقتصادي خانق على قطر، وكان من بين شروط رفع هذا الحصار مطالبة قط بالتوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، وقطع العلاقات مع ايران بالدرجة الأولى. استمر الحصار حتى العام 2021، لكن بعد سنتين وقعت السعودية، بوساطة الصين، على اتفاق استئناف العلاقات الدبلوماسية مع ايران. اتسمت هذه العلاقات بالفتور، وغلب عليها الخطاب التصالحي بدون أي مضمون يذكر. امتنعت السعودية عن استثمار الأموال في ايران، واقتصر خيار التعاون العسكري على الكلام. وعندما اندلعت الحرب في غزة في تشرين الأول 2023 كانت السعودية هي التي فتحت الباب امام الإيرانيين للمشاركة في مؤتمرات القمة العربية والإسلامية، واصبح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي صاحب بيت في الرياض.

أتاح سقوط نظام الأسد وتولي احمد الشرع الحكم في سوريا فرصة جديدة للسعودية من اجل العودة الى بلاد الشام وترسيخ مكانتها مع تركيا كحليفة لسوريا. استثمر ابن سلمان مئات الملايين في تمويل النظام الجديد، وتعهد باستثمار مليارات أخرى في إعادة اعمار البلاد. وكما تذكرون، كان هو أيضا الذي “اجبر” ترامب على مصافحة احمد الشرع والترحيب بـ “قائد قوي يقوم بعمل رائع” ورفع العقوبات عن سوريا. لقد سوق ابن سلمان للشرع لدى ترامب ليس فقط كحليف محلي، بل أيضا كخيار محتمل لبناء جدار فاصل بين ايران ولبنان.

عندما تم انتخاب جوزيف عون رئيسا للبنان في كانون الثاني 2025، وتم تشكيل حكومة نواف سلام بعد شهر، قررت السعودية فتح صفحة جديدة مع حكومة لبنان، رغم ان حزب الله كان ما يزال شريك فيها. في نهاية السنة الماضية رفعت السعودية معظم الحواجز التجارية بين الدولتين، التي كانت مفروضة رسميا بسبب تهريب المخدرات من لبنان الى السعودية، وأيضا اظهار ترددها في اتخاذ إجراءات ضد حزب الله. وفي محادثاته الأخيرة مع القيادة اللبنانية وعد ابن سلمان بالمساعدة في إعادة اعمار لبنان.

اما ايران فقد تلقت ضربة قاسمة بسقوط نظام الأسد والضرر الكبير الذي الحقته إسرائيل بحزب الله، فقد ادركت الابعاد الاستراتيجية التي ستترتب على هذا الاضطراب، ووجدت نفسها في مازق بشان كيفية الرد على سيطرة تركيا والسعودية على ما كان حتى ذلك الحين مجال نفوذها شبه الحصري.

بدون تسميتها بصراحة، المح خامنئي الى ان تركيا مسؤولة الى جانب إسرائيل والولايات المتحدة، عن سقوط نظام الأسد، لكنه لم يذكر السعودية. أيضا واصلت ايران علاقاتها التجارية الكاملة مع تركيا، ولم تتاثر علاقاتها الدبلوماسية مع السعودية. في الحرب الدائرة ضد ايران أصبحت السعودية هدفا رئيسيا للصواريخ والمسيرات الإيرانية، وتعرضت منشآتها النفطية لاضرار كبيرة، ومع اغلاق مضيق هرمز اضطرت السعودية، مثل دول الخليج الأخرى، الى تقليص تسويق نفطها. ورغم ان السعودية تشغل خط أنبوب النفط الذي يربط شرق البلاد بميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر، الا انه في حالة استمرار ازمة الخليج فان هذا المسار البديل، الذي لا يستطيع في كل الأحوال استيعاب كل انتاج السعودية من النفط، معرض أيضا لهجمات إيرانية أو هجمات متجددة من الحوثيين.

مع ذلك، لم تقطع السعودية علاقاتها مع ايران، بل ان وزير خارجية ايران عباس عراقجي تحدث هاتفيا مع نظيره السعودي في الأسبوع الماضي وتناقشا في “طرق تخفيف حدة التوتر في الخليج”. عشية اللقاء الأول للوفد الإيراني والوفد الأمريكي في اسلام اباد، اشترط محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني ورئيس الوفد، حضور الوفد بوقف اطلاق النار في لبنان، وقد مارست السعودية نفوذها الكامل على ترامب للموافقة على هذا الشرط كي لا تنهار المفاوضات قبل أن تبدأ.

في هذا السياق ينبغي النظر الى جهود السعودية واستجابة ترامب حتى الان لتعزيز العملية السياسية بين إسرائيل ولبنان. فالبنسبة للسعودية بعد سقوط نظام الأسد، أتاح لبنان فرصة لاستكمال انفصال ايران عن جناحها الغربي. وترى السعودية ان قرار حكومة بيروت نزع شرعية حزب الله العسكرية يبرر منح لبنان فرصة المشاركة في عملية استراتيجية شاملة، كما يبرر ذلك أيضا وجود الحكومة في بيروت والبقاع، وقرارها البدء في مفاوضات سياسية تهدف في نهاية المطاف الى التوصل الى اتفاق سلام مع إسرائيل. وترى السعودية امامها “محور” تشارك فيه سوريا ولبنان، وبمساعدة الضغط الأمريكي الكبير على العراق لتحييد نفوذ المليشيات الشيعية. وسيتمكن هذا المحور من تحقيق هدف ترامب على الأقل، وهو ابعاد ايران عن وكلائها المسلحين.

من اجل تنفيذ هذه الخطوة تركز السعودية جهودها الدبلوماسية على استقطاب شريك شيعي لبناني للانضمام للمحادثات في واشنطن والعملية السياسية كلها. ولتحقيق ذلك تحتاج الى موافقة نبيه بري، ولكن هذا السياسي القوي (88 سنة) الذي يملك “الورقة الشيعية” الى جانب حزب الله، لم يحسم امره بعد. وقد بدأ المحللون في لبنان بالفعل بالتكهن حول نية إعادة النظر في توزيع المناصب الرفيعة في لبنان كجزء من الهدايا التي ستقنع نبيه بري بالموافقة على شراكة شيعية في المحادثات مع إسرائيل. ويشير هذا الى التقسيم المنصوص عليه في اتفاق الطائف من العام 1989، الذي انهى الحرب الاهلية. وينص الاتفاق على ان يكون الرئيس مسيحي ورئيس الوزراء سني ورئيس البرلمان شيعي. ومشكوك فيه ان يكون لهذا الاقتراح أي أساس، لانه يمكن ان يؤدي الى انهيار المعادلة السياسية الهشة أصلا.

رغم تاييد نبيه بري لقرار الحكومة اللبنانية الإبقاء على احتكارها للسلاح في لبنان، وعدم معارضته للقاءات بين السفراء، ولكنه، مثل حزب الله وحكومة لبنان، يطالب أيضا بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها والسماح بعودة سكان القرى الذين في معظمهم من الشيعة، الذين طردوا من جنوب لبنان، والسماح بإدخال المساعدات الإنسانية. وهذا ثمن لا ترغب إسرائيل في دفعه، لا سيما في ضوء هجمات حزب الله الأخيرة. وكالعادة يبقى السؤال مطروح حول قرار ترامب. ويرتبط هذا القرار بشكل وثيق بنجاح أو فشل مساعي استئناف المفاوضات مع ايران، وبقوة نفوذ السعودية أيضا.

——————————————

يديعوت أحرونوت 24/4/2026

النصر المطلق الذي لم يتحقق

بقلم: ناحوم برنياع ورونين بيرغمان

 تُعدّ عملية إسقاط النظام في إيران المحرك الرئيسي للحرب والنصر المطلق الذي لم يتحقق. قصةٌ كبيرة، استخباراتية وعسكرية وسياسية. تمت الموافقة على نشر التفاصيل المنشورة هنا من قِبل الرقابة العسكرية.

ظهرت أفكار الإطاحة بالنظام في إيران في الموساد خلال عهد مئير داغان، في ظل حكومة أولمرت. كانت الفكرة هي التخلص من المرشد الأعلى علي خامنئي وتعيين شخصية من داخل النظام يتم تجنيدها سرًا مكانه. ظهرت معارضة من أعلى مستويات أسرة الاستخبارات، وتم التخلي عن الفكرة. انقلب داغان على نتنياهو. عندما عاد إلى مكتب رئيس الوزراء عام 2023، سأل مرارًا وتكرارًا عما إذا كانت هناك خطط جاهزة للإطاحة بالنظام.

يمكن فهم سبب نجاح الفكرة مع داغان ونتنياهو وكبار قادة الموساد اليوم: ففي عملية سرية بارعة، كان من الممكن، ظاهريًا، حل جميع التهديدات التي تشكلها إيران الخمينية دفعة واحدة: النووية والصاروخية، بالإضافة إلى وكلائها. ضغط نتنياهو؛ وتحمس الموساد؛ بينما أبدى جهاز الاستخبارات تحفظات.

انخرطت إسرائيل على مر السنين في محاولات للتأثير على الأنظمة في الشرق الأوسط وخارجه، وكان الموساد في الغالب هو العامل المحوري. وكانت أهم هذه المحاولات انتخاب بشير الجميل رئيسًا للبنان، في عهد رئيس الوزراء مناحيم بيغن. وانتهت هذه المحاولة بهزيمة مُرّة، حُفظت كعبرة ودرس في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. إن محاولة تغيير التاريخ عبر منظمة سرية أمرٌ بالغ الخطورة.

وعقب تلك المحاولة، شاع في لبنان قولٌ يقول: “إذا أردت أن تعرف مكان سكن كل إرهابي في بيروت، فاسأل الموساد؛ وإذا أردت أن تعرف إلى أين يتجه لبنان، فاسأل الآخرين”. وربما ينطبق هذا القول أيضًا على إيران.

عُيّن ديدي برنياع رئيسًا للموساد عام 2021. وكانت إيران، لسنوات، ساحة عمليات الموساد الرئيسية. أمر برنياع بتغيير جذري في هذا المجال الذي كان هامشيًا حتى ذلك الحين، حيث قاد تحركاتٍ للتأثير على الرأي العام الإيراني. وفي عهده، أصبح هذا المجال محورًا أساسيًا في الحملة ضد إيران.

يمكن إسقاط أي نظام من أعلى، بالاعتماد على كبار المسؤولين، أو من أسفل، بتأجيج الاحتجاجات الجماهيرية والمقاومة المسلحة من قبل الأقليات. وقد اختارت إسرائيل كلا الخيارين في آن واحد: فهي ستُطيح برأس الدجاجة وتُحرق أرجلها.

إن مصطلح “النفوذ” المُجرّد لا يُعبّر عن حجم الجهد والتعقيد المبذولين. ففي مواجهة نظامٍ مُدمّر، أنشأت إسرائيل آلةً سامةً خاصة بها. بدأت هذه المنظمة عملها قبل أربع سنوات، وبلغت مرحلة التشغيل الكامل قبل عامين ونصف. إنها منظومة أسلحة، إذا ما تم تفعيلها بكامل طاقتها، يُمكن أن تكون فتاكةً تتجاوز حدود الشبكة الاجتماعية.

إذا كان بإمكان هذه المنظومة إثارة احتجاجاتٍ تُطيح بنظام، فلا بد من الأخذ في الاعتبار المتظاهرين الذين سيُذبحون حينها بنيران رشاشات حاشيته، لا سيما إذا لم يكن سقوط النظام مؤكدًا.

شكّلت عمليتا “سهام الشمال” في أيلول 2024 و”الأسد الصاعد” في حزيران 2025 محطتين هامتين في عملية صنع القرار. فقد تحررت كل من القيادة السياسية – رئيس الوزراء – وكبار المسؤولين الأمنيين من قلق التنفيذ. فمن يتقن تفجير آلاف أجهزة التعقب دفعة واحدة يشعر بأنه قادر على فعل أي شيء. كما يعتمد الأمن الإسرائيلي على الشعور بأن الأمريكيين يدعمونه بشكل كامل: فقد سعوا لسنوات للانتقام من حزب الله لمقتل مئات الأمريكيين، جنودًا وعملاء وكالة المخابرات المركزية. وقد أدى القضاء على نصر الله وغيره من كبار مسؤولي حزب الله إلى إغلاق دائرة دموية بالنسبة لهم. أتاحت لهم عملية “الأسد الصاعد” فرصة الاطلاع عن كثب على أداء شعبة الاستخبارات والقوات الجوية والموساد كشركاء كاملين. كانت هناك حماسة لأداء إسرائيل على جميع مستويات الحكومة الأمريكية. فهل كان هناك أيضًا اتفاق على جميع جوانب الخطة الإسرائيلية؟ سيأتي الاختبار لاحقًا.

 ثمن تقديم الموعد

في ختام عملية الأسد الصاعد، أعلن ترامب ونتنياهو أن التهديدين الوجوديين لإسرائيل، النووي والصاروخي، قد زالا لأجيال. لكن الواقع كان أقل إشراقًا، وقد أدركت قوات الأمن الإسرائيلية ذلك واستوعبته، وبدأت الاستعداد للجولة التالية. وحذر الخبراء من أن قصف البنية التحتية الإيرانية من الجو لن يحل المشكلة. فحتى لو حقق نجاحًا باهرًا، فإنه سيجرنا حتمًا إلى جولة أخرى تلو الأخرى، إلى حفرة أقسمنا ألا نسقط فيها بعد السابع من أكتوبر. والخطوة الوحيدة للخروج من هذه الحلقة المفرغة هي الإطاحة بالحكم.

لقد كانت الخطة تهدف إلى اندلاع الحرب في حزيران 2026. وبحلول ذلك الشهر، كانت الاستعدادات ستكتمل والظروف مهيأة. ولكن في كانون الثاني من هذا العام، خرج عشرات الآلاف من الإيرانيين إلى الشوارع، بشروطهم الخاصة. وكان وراء هذه المظاهرات العمل الهائل الذي قامت به إسرائيل. لم تُسقط الاحتجاجات النظام الإيراني، بل يقول البعض إنها لم تُسقطه بعد، لكن كان لها أثرٌ حاسمٌ في مكانٍ بعيد، في مارالاغو، مقرّ إقامة ترامب في فلوريدا.

ردّ النظام الإيراني بعنفٍ فاجأ أجهزة الاستخبارات وأثار فزع العالم. وتشير تقديراتٌ موثوقةٌ إلى مقتل ما بين 7000 و8000 مدني. أعلن ترامب أن “المساعدة قادمة”، مُرسّخًا بذلك التزامًا واسع النطاق. وقد انضمّ الإيرانيون إلى هذا الالتزام قبلهم، وكذلك فعل الإسرائيليون.

أمر ترامب القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) بإرسال قواتٍ إلى الخليج. ووجّه نتنياهو الجيش الإسرائيلي والموساد بتقديم موعد العملية. تحدّث وزير الدفاع يسرائيل كاتس عن هذا الأمر خلال زيارةٍ لشعبة الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي مطلع آذار، قائلاً: “كان من المُخطّط للعملية منتصف العام، ولكن نظرًا للتطورات والظروف – ما حدث داخل إيران وموقف الرئيس الأمريكي – أصبح من الضروري تقديم موعدها إلى شباط”. وقد كان لتقديم الموعد ثمنٌ باهظ.

كانت خطة الإطاحة بالنظام عنصرًا أساسيًا في خطة الحرب الشاملة، بل جوهرها. في ذروة الاحتجاجات والمجزرة، في 16 كانون الثاني، سافر رئيس الموساد برنياع إلى الولايات المتحدة. وعرض الخطة على نظرائه الأمريكيين، سواء كانوا عسكريين أم لا. ووفقًا لمصدر مطلع على التفاصيل، عُرضت الخطة كاملةً، بما في ذلك الإطاحة بالنظام. وتتلقى القيادة المركزية الأمريكية معلومات عن الخطة من نظرائها في الجيش الإسرائيلي. ويتوجه رئيس الأركان إلى واشنطن. وتستعد الإدارة الأمريكية للحرب، لكن من غير الواضح ما إذا كانت ستلتزم بجميع مراحلها.

 مكالمة من أنقرة

في الثالث من كانون الثاني 2026، وفي عملية كوماندوز خاطفة، دون وقوع خسائر في الجانب الأمريكي، اختُطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته فلوريس من قصرهما. وفي غضون ليلة واحدة، استعادت البلاد سيطرتها، تحت إدارة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. عزز نجاح العملية شعبية الرئيس وثقته في سلطته. كان ترامب مقتنعًا بأن قدرات النظام العسكري الذي تحت إمرته لا حدود لها. تزامنت نشوة ترامب مع طموح نتنياهو. كان إسقاط النظام في إيران مهمته في الحياة، وتحقيق حلمه، وردّه الساحق على هزيمة السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

في الحادي عشر من شباط، وصل نتنياهو إلى البيت الأبيض. وفي اجتماع عُقد في غرفة العمليات، ظهر رئيس الموساد برنياع على شاشة مكالمة جماعية مشفرة، متحدثًا من إسرائيل. عرض برنياع الخطة على الرئيس بكل تفاصيلها. كان الجو إيجابيًا. كان ترامب يتخيل ما فعلته فنزويلا في طهران. لكنه لم يكن يعلم أن فنزويلا لا مثيل لها. عاد نتنياهو إلى بلاده بشعورٍ بأن ترامب وهو متفقان تمامًا، فلا وجود لأي خلاف بينهما. وقد حظيت الخطة بموافقةٍ كاملةٍ على جميع عناصرها.

في اليوم التالي، وفي اجتماعٍ عُقد في الغرفة نفسها، بحضور الرئيس ولكن دون حضور الإسرائيليين، ناقش كبار مسؤولي الإدارة تفاصيل خطة الإطاحة بالنظام. كان الجو مختلفًا. وقد كُشف عن مضمون النقاش في كتابٍ لماغي هابرمان وجوناثان سوان، ونُشر فصلٌ منه في صحيفة نيويورك تايمز.

كانت خطة الإطاحة بالنظام معقدة. بدأت باغتيال المرشد الأعلى وكبار قادة الحكومة في غاراتٍ جويةٍ مُستهدفةٍ نفذها سلاح الجو الإسرائيلي. ولأول مرةٍ في تاريخ دولة إسرائيل، يُتخذ قرارٌ باغتيال رئيس دولة. أما ترامب، فكان وضعه مختلفًا. فالقانون الأمريكي يُقيّد سلطة الرئيس في اغتيال الزعماء الأجانب. وطالما أن إسرائيل هي من تُنفذ عملية الاغتيال، فإن ترامب مُعفى من المسؤولية. بل إنه رحّب بالاغتيال.

بعد مئة ساعة من العمليات الجوية، من المفترض أن تبدأ المرحلة الثانية من مسيرة إسقاط النظام. تتألف هذه العملية من ثلاثة محاور. أولها، غزو بري من العراق تقوده ميليشيات كردية. وقد أجرى صحفيون أجانب وصلوا إلى إقليم كردستان العراق مقابلات مع قادة ومقاتلين انضموا إلى قوات الغزو في الأسابيع الأخيرة. وأفادوا بأنهم يعتزمون الوصول أولاً إلى إقليم كردستان إيران، ثم، عند انضمام الأكراد الإيرانيين إليهم، القيام بمسيرة حاشدة نحو العاصمة طهران. ما حدث في سوريا أواخر عام 2024، حين سحقت الميليشيات الجهادية جيش بشار الأسد في غضون أيام، سيتكرر في إيران.

لا يخفى على أحد حجم الحشد الجماهيري متعدد القبائل والأحزاب للأكراد والبلوش والأهوازيين في إقليم كردستان العراق. ووفقًا لعدة مصادر، فإن المخابرات الإيرانية على علم مسبق بالغزو المزمع، وتُطلع المخابرات التركية عليه. بدورها، تُطلع المخابرات التركية الرئيس أردوغان، الذي يُلقب بـ”ترامب”. سيحرص أردوغان على تحويل أي محاولة إلى كارثة.

المرحلة الثانية هي خروج الشعب الإيراني إلى الشوارع. على ترامب أن يدعوهم إلى ذلك. في الوقت نفسه، ستُغذّى المظاهرات بآليات النفوذ التي بُنيت في إسرائيل. ستُقصف قوات الباسيج، شرطة أمن النظام، من الجو وتُشلّ حركتها.

 المرحلة الثالثة هي إقامة قيادة بديلة

تبدأ الحرب بدايةً موفقة. تُقصى القيادة الإيرانية أو تختفي، خوفًا من الإقصاء. يتلقى نظام القيادة والسيطرة ضربة قاضية – على الأقل هكذا تبدو الأمور من الخارج في ذلك الوقت. يدعو ترامب، في أمسية من النشوة، الإيرانيين إلى الخروج إلى الشوارع. ينضم نتنياهو إلى الدعوة. لا يخرجون، ومن السهل فهم السبب: الشوارع تُقصف من الجو؛ ويتأكد الحرس الثوري من الأسفل من أن أي شخص يخرج سيُعتبر جاسوسًا ويُقتل على الفور. في لحظة حاسمة من الحرب، انتصر الخوف من الموت على كراهية النظام. اختارت الجماهير البقاء في منازلها. توقفت دعوات أمريكا وإسرائيل للتظاهر في الشوارع فجأة، مع إعلان نية استئنافها لاحقًا.

كما فشلت المحاولة الكردية للغزو. في الثاني عشر من شباط، وخلال مؤتمر صحفي في البيت الأبيض، استمع ترامب إلى نائب الرئيس فانس، ووزير الخارجية روبيو، ومدير وكالة المخابرات المركزية راتكليف، وهم يعربون عن معارضتهم الشديدة لخطة تغيير النظام. وصف روبيو الخطة بأنها “هراء”، ووصفها راتكليف بأنها “مهزلة”. استمع ترامب.

تُثير أفكار تغيير النظام مقاومةً فطريةً لدى ترامب، فهو يخشى إحداث الفوضى. وكما أظهر في فنزويلا، فهو لا يريد تغيير نظام، بل يريد إخضاعه. ولا تُثير المعارضة في المنفى اهتمامه، ويرفض لقاء نجل الشاه.

ثم جاء الاتصال الهاتفي من أنقرة. لدى أردوغان حساباتٌ شخصيةٌ مع الأكراد، وإسرائيل، وحلف شمال الأطلسي، والولايات المتحدة. ومن المهم بالنسبة له منع الأكراد من الظهور بمظهر المنتصرين في الحرب، لأن ذلك سيُعيد إحياء مطالبهم بإقامة دولتهم، وانتزاع أراضٍ من تركيا والعراق وإيران. وهو يُنافس نتنياهو على كسب تأييد ترامب، وربما الأهم من ذلك، أنه يُريد إنهاء الحرب مع إيران وتركيا في وضع قوة إقليمية، البوابة التي لا بدّ لكل قوة عظمى من المرور عبرها. إسرائيل، بتطلعاتها وقوتها العسكرية ومكانتها في البيت الأبيض، هي المنافس، الخصم. قال نتنياهو في 12 آذار إن إسرائيل الآن “قوة إقليمية، وفي بعض المجالات قوة عالمية”. وقد سبقه أردوغان في ذلك.

في 17 نيسان، عقد أردوغان مؤتمراً دولياً بعنوان “منتدى أنطاليا الدبلوماسي”. حضر المؤتمر 5000 مشارك، من بينهم وزراء ورؤساء دول، وتوزعوا على فنادق شاملة الخدمات تحظى بشعبية كبيرة لدى الإسرائيليين. كانت رسالة أردوغان واضحة: ترامب مُتأثر، ولا يُوثق به. الولايات المتحدة ضرورية لنا، لكنها تفرض إرادتها ولا يُمكن التنبؤ بتصرفاتها.

انضم إلى أردوغان خلال الحرب لاعب آخر، ازدادت أهميته مع تفاقم المأزق الأمريكي. اسمه عاصم منير، ويُطلق على نفسه رتبة مشير. هو قائد الجيش الباكستاني وأقوى رجل في البلاد. وهو من المقربين لترامب: فقد التقى به شخصياً مرتين، وربما أكثر، في الأشهر الأخيرة. وقد أشار رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى ذلك.

أقنعت مكالمة أردوغان الهاتفية ترامب. أمر بوقف الغزو قبل ساعات من عبور القوات الكردية الحدود، وبعد أن بدأ سلاح الجو بتطهير ممر للمهاجمين داخل إيران بالقصف.

امتثلت إسرائيل. كانت مهيمنة في إعداد خطة العملية؛ وشريكًا متكافئًا في سماء طهران؛ وفي البيت الأبيض، في اليوم الرابع من الحرب، أمام أول قرار قيادي منذ بداية الحملة، تم استبعاد إسرائيل. منذ تلك اللحظة، تضاءل النفوذ الإسرائيلي على عملية صنع القرار. ويتزامن هذا مع تزايد الانتقادات داخل حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” (MAGA) بشأن الحرب، وخيبة الأمل من عدم انهيار النظام. فانس، الذي لم يكن يرغب في الحرب أصلًا، وروبيو، الذي فكر في عملية سريعة، يبحثان عن مخرج يُبعدهما عن مسؤولية الفشل. وبطبيعة الحال، انحازا لإسرائيل. يُصوَّر نتنياهو على أنه شخص استغل ترامب والولايات المتحدة؛ وتُصوَّر خطة الإطاحة بالنظام على أنها خيال مصحوب بعقاب.

على الرغم من استخدام حق النقض في واشنطن، وعلى الرغم من عدم خروج الاحتجاجات إلى الشوارع وعدم عبور قوات الغزو الحدود، فإن الغارات الجوية على نقاط تفتيش الباسيج مستمرة. وتُعدّ فجوة الاستهداف موضوعًا مطروحًا على جدول أعمال المناقشات العملياتية في إسرائيل. ويرى البعض أن هذه الهجمات أجبرت سلاح الجو على تأجيل قصف أهداف أكثر أهمية، مثل المنشآت المرتبطة بالمشروع النووي ومستودعات الصواريخ. كانت أولوية الأهداف (مصطلح يُستخدم في سياق خطة الهجوم اليومية للجيش) موضوع نقاش يومي داخل النظام الإسرائيلي. وعند نشوب أي خلاف، كان رئيس الأركان هو الحكم النهائي.

 تقييم الأيام الثلاثة

دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب بتقدير خاطئ لقدرة النظام على البقاء. هزّ اغتيال المرشد أركان النظام، لكنه لم يمنع انتقالًا منظمًا للسلطة، وفقًا لوصية خامنئي. كما لم تمنع عمليات القصف إعادة بناء هيكل القيادة والسيطرة. والأسوأ من ذلك، أن النظام اكتشف قوة مضيق هرمز في تغيير مسار الحرب. لم يكن الأمريكيون مستعدين لهذه الخطوة وعواقبها الاقتصادية الوخيمة. أشارت جميع التقييمات الاستخباراتية قبل الحرب إلى احتمال إغلاق المضيق. فلماذا تفاجأ الأمريكيون؟ أحد التفسيرات المحتملة هو أن ترامب كان متأكدًا من انهيار النظام في غضون أيام. في بداية الحرب، تحدث ترامب مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وطلب من بريطانيا الانضمام إلى الحرب. فأجابه ستارمر بأنه سيعود لمناقشة الأمر معه لاحقًا. أسبوع. يرد ترامب: “الأسبوع القادم ليس جيدًا! ستنتهي الحرب خلال ثلاثة أيام.”

بعيدًا عن مسألة إسقاط النظام، حقق الموساد والجيش الإسرائيلي إنجازات تكتيكية مبهرة خلال الحرب. حلقة “زئير الأسد”، كسابقتها في السلسلة الأسد الصاعد، مليئة بأدلة لا حصر لها على العلاقة الوثيقة بين المعلومات الاستخباراتية عالية الجودة من داخل الهدف، من أعماق حكم آيات الله، والتي توفرها الاستخبارات العسكرية عمومًا والوحدة 8200 خصوصًا، وقدرة القوات الجوية على ترجمة هذه المعلومات في الوقت الفعلي إلى أهداف وتدميرها.

ساعد مئات من عملاء الموساد القوات الجوية في تضييق الخناق عليها لضرب مركبات مرتبطة بمنظومة الصواريخ، واستهداف كبار مسؤولي النظام، ومهاجمة عشرات نقاط تفتيش الباسيج وقوات الأمن الداخلي، بعد أن حدد العملاء على الأرض مواقع نقاط التفتيش والمركبات وصوروها. بعد عدة ليالٍ من الهجمات، لم يعد عناصر الباسيج يرغبون في مواجهتهم.

 لم يتبقَّ سوى القرار

في اليوم الرابع من الحرب، حين لم تتحقق المعجزة، انطلقت حملة داخل المؤسسة الأمنية للتساؤل عن سبب عدم تحققها، وهل ستتحقق يومًا ما. هذه الحملة متعددة الجنسيات، تنطلق من جبال كردستان إلى المقر العسكري في إسرائيل وغرف العمليات في واشنطن. ومع استمرار حرب الأربعين يومًا وظهور نتائجها النسبية، اشتد النقاش. وهو جزء من نقاش أوسع حول حرب الألف يوم، الحرب التي بدأت قبل 930 يومًا، في 7 أكتوبر 2023، ولم تنتهِ بعد على جميع جبهاتها.

إن الخيط الأخير في كل حرب هو الرواية. هل انتصرنا أم خسرنا؟ من تفوق ومن يتحمل اللوم؟ من غرق في المفاهيم ومن تألق برؤية ثاقبة؟ في بداية الحرب، تبنى نتنياهو بكل حماسة تغيير النظام كأحد الأهداف الثلاثة للحرب، إلى جانب الأسلحة النووية والصواريخ. هذا هو الهدف المركزي الذي يروج له الموساد: إسقاط النظام. صاغ الجيش الإسرائيلي الأمر بشكل مختلف: الهدف هو تهيئة الظروف التي تسمح بتغيير الحكم. هذه ليست مجرد كلمات. منذ بداية الحرب في غزة، حرص الجيش الإسرائيلي على صياغة أهدافه الحربية بحذر، متجنباً تقديم أهداف مطلقة. وقد تنقل نتنياهو بين الصيغ المختلفة، وفقاً لما تقتضيه الظروف، ووفقاً لفرص النجاح.

وصرح المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، العميد إيفي دافرين، في 15 آذار: “نحن نعمق الضرر الذي يلحق ببنى النظام. كجيش، ليس هدفنا إسقاط النظام، بل نهيئ الظروف تدريجياً للشعب الإيراني لتولي زمام الأمور في البلاد. أما ما سيفعله الشعب الإيراني، فهو بأيديهم”.

منذ اليوم الخامس للحرب، أعطى نتنياهو الأولوية لصياغة الجيش على صياغة الموساد. وأصبح الهدف النهائي المتمثل في إسقاط النظام احتمالاً مرحباً به، وتقع مسؤولية تنفيذه على عاتق جهات أخرى. هذا مهم لأنه، بافتراض أن فرصة الإطاحة بنظامٍ بالطريقة التي أعدتها إسرائيل قد استُنفدت تقريبًا، يبرز التساؤل حول ما فعلناه. سيلقي البعض باللوم على ترامب، الذي أوقف الغزو الكردي، بينما سيلقي آخرون باللوم على مطامع الموساد.

ينصبّ النقاش حاليًا على الجدول الزمني. كلا الجانبين يقول الحقيقة. يتساءل أحد الجانبين: أين الانهيار الذي توقعناه بعد مئة ساعة؟ بينما يقول الجانب الآخر: كان من المفترض أن يحدث الانهيار في المرحلة التالية، المرحلة الثالثة من حرب الإطاحة بالنظام. أوقفنا ترامب في المرحلة الثانية، ثم أوقفنا وقف إطلاق النار. كل شيء جاهز الآن للمرحلة الثالثة. ينقصنا فقط القرار.

ربما نغفل النقطة الأساسية هنا: هل كانت ولا تزال هناك فرصة عملية لخطة إسرائيلية للإطاحة بنظام في بلد يبلغ تعداد سكانه 90 مليون نسمة، بنظام متجذر، وحشي، وغير مقيد؟ هل استثمرنا شجاعةً كبيرة في مشروع لم يكتمل بعد؟

هناك أيضًا دروس للمستقبل. ينظر أولئك الذين وضعوا حبهم لإسرائيل في سبيل إسقاط النظام الإيراني بقلوب مثقلة إلى المسعى الأمريكي للتوصل إلى اتفاق مع إيران. في أفضل الأحوال، سيُنهي الاتفاق البرنامج النووي، لكنه لن يتناول الصواريخ والإرهاب الإقليمي. والأسوأ من ذلك، كما يقول معارضو الاتفاق، أنه سيمنح النظام الإيراني استقرارًا وحصانة. فبفضل رفع العقوبات، سيُحوّل الاتفاق عشرات المليارات من الدولارات إلى النظام الإيراني، سيُستخدم جزء منها لتهدئة الاحتجاجات الشعبية، وجزء آخر في تطوير الصواريخ، وجزء ثالث في إعادة تأهيل الوكلاء، حزب الله وحماس والحوثيين والميليشيات في العراق. حربٌ كان يُفترض أن تُساعد الشعب الإيراني على تغيير الحكم تنتهي بترسيخه وإراقة دماء معارضيه في الداخل.

ما بدأ كخطوة إسرائيلية طموحة وواسعة النطاق، حاسمة في نتائجها، ينتهي بخيبة أمل. لم يتبقَّ أمام مُروّجي الخطة في إسرائيل سوى التمني بتجدد الصراع.

——————————————

هآرتس 24/4/2026

في جهاز الامن لم يتعلموا، واخطاء جدار الفصل ستتكرر أيضا في الغور

بقلم: شاؤول ارئيلي

بعد مرور 24 سنة على قرار حكومة اريئيل شارون بناء جدار الفصل على طول الخط الأخضر، حان الوقت لاختباره. تبين ان الفجوة بين الوعود والواقع ليست فقط فجوة تقنية أو مالية، بل هي فجوة مفاهيم عميقة. فالجدار الذي بني باسم الامن لا يحقق هدفه لانه لم يصمم أصلا  كمشروع امني. كان من المفروض ان ترشد هذه الرؤية المؤسسة الأمنية عند تحديد مسار الجدار الجديد الذي يبنى حاليا في غور الأردن كجزء من مشروع “السلك الثاني” – لكن يبدو انها لم تتعلم أي شيء.

عندما تم اتخاذ قرار بناء الجدار في 2002، في خضم الانتفاضة الثانية، كان المنطق منه واضح: انشاء نظام يوفر انذار مبكر، ويؤخر التسلل ويسمح لقوات الامن الاستجابة السريعة. مع ذلك، حتى في ذلك الحين، كما جاء في عرائض قدمت للمحكمة العليا على مر السنين، لم يعكس المسار المختار هذا المنطق، بل مزيج من الاعتبارات الدبلوماسية والتسوية السياسية، وما بدأ كانحراف عن المنطق الأمني تحول مع مرور الوقت الى نظام.

من اجل فهم عمق المشكلة يكفي النظر الى البيانات والاقتباسات الرسمية التي تبين ثلاثة إخفاقات نظامية متسقة:

عدم الترابط المادي. حسب تقارير مراقب الدولة، لا يوجد الا 61 في المئة تقريبا من المسار محاط بسور. بكلمات، عشرات الكيلومترات غير مسيجة على الاطلاق، كما هي الحال في غوش عصيون وشرقي القدس وجنوب جبل الخليل، والسبب في ذلك هو الضغط السياسي الذي يستخدمه رؤساء مجلس “يشع” وممثليه في الكنيست، خلافا لموقف المؤسسة الأمنية. يضاف الى ذلك مئات الثغرات – بعضها صغير وبعضها واسع بما يكفي لمرور السيارات التي يعبر فيها آلاف الأشخاص كل يوم. وحتى استبدال السياج بجدار عالي مثلما هي الحال في جنوب غرب جبل الخليل، بتكلفة إضافة تبلغ مليارات الشواقل، لم يقدم رد مناسب على عمليات التسلل. لسنوات حذرت مصادر امنية مختلفة من انه “ليس هناك فعليا وجود لسياج”. فالحاجز غير المتصل لا يشكل عائقا – هذا ما صرحت به المؤسسة الأمنية في 2003.

ينسب ذلك الى غياب استجابة عملياتية فعالة. وتشير البيانات الرسمية الى ان اقل من 1 في المئة من عمليات التسلل في الحاجز تواجه برد من القوات البرية. وحتى في هذه الحالة، عندما تصل أوقات الاستجابة الى عشرات الدقائق، كما شهد على ذلك ممثل حرس الحدود في لجنة الكنيست، يفقد النظام العملياتي جدواه. والسبب هو نقص القوات بسبب انشغال الكثير من الكتائب في تامين المستوطنات. حتى في ضوء تحذير رئيس الأركان في الشهر الماضي، لا يبدو ان الوضع يتحسن.

يعزى ذلك أيضا الى غياب الانفاذ والردع. في جلسات الكنيست والتقارير الرسمية، قرر مسؤولو انفاذ القانون بان نقص مرافق الاعتقال يؤدي الى اطلاق سراح المشتبه فيهم وإلغاء لوائح الاتهام. فبدون عقاب فعال يغيب الردع، وبدون الردع يفقد العائق معناه.

تؤدي هذه الإخفاقات الثلاثة الى وضع تتضرر فيه كل العناصر التي يقوم عليها المنطق العملياتي – الكشف، الاستجابة والانفاذ. وعندما تتضرر هذه العناصر الثلاثة يصبح ذلك خلل بنيوي عميق.

هنا يتجلى بعد آخر للمشكلة وهو البعد القانوني. فعلى مر السنين قدمت المؤسسة الأمنية حجة متسقة للمحكمة العليا وهي ان المسار حدد لاسباب امنية، وان انتهاك حقوق الفلسطينيين هو نتيجة متناسبة وضرورية لهذه الاعتبارات. وبناء على هذا الادعاء تم فحص الطعون المقدمة ضد المسار، وتمت الموافقة على أجزاء كبيرة منه (للعلم: قدمت رأي امني بصفتي خبير نيابة عن مقدمي الطعون).

مع ذلك، خلال جلسات الاستماع تبين ان مسار الجدار لم يكن مدفوعا بالمقام الأول باعتبارات امنية، بل باعتبارات تتعلق بتوسيع المستوطنات. وقد دفع ذلك المحكمة الى رفض المسار في حالات كثيرة، وانتقاد المؤسسة الأمنية التي اخفى ممثلوها هذه الاعتبارات عن المحكمة.

ان عدم تحقيق الجدار للفائدة الأمنية المنسوبة اليه يلزم المحكمة العليا بإعادة النظر في التوازن بين الاعتبارات الأمنية والضرر الذي يلحق بحقوق الفلسطينيين؛ ليس لان المحكمة أخطأت في السابق، بل لان الواقع المعروض امامها غير قائم. فعندنا تنعدم الفائدة يضعف الادعاء بان الضرر الذي يلحق بالفلسطينيين متناسب. وينبغي ان يكون هذا الدرس حاضر امام المحكمة العليا الان في جلسات الاستماع المتعلقة ببناء الجدار الجديد في غور الأردن.

هناك أيضا البعد الدولي. فعلى مر السنين قدمت إسرائيل الجدار كاداة امنية متميزة. وبالفعل يعترف القانون الدولي بحق الدولة في الدفاع عن نفسها وبناء جدار على أراضيها. ولكن عندما يتبين ان الجدار، المقام خارج حدود إسرائيل، لا يوفر الحماية التي يدعي توفيرها، يظهر التساؤل ما اذا كان الاعتبار الرئيسي من اقامته هو الامن أو الرغبة في تحديد حدود الضم المستقبلي. هذا التساؤل حاضر في النقاشات والقرارات الدولية، ويؤثر على كيفية تقييم الدول الأخرى لسياسة إسرائيل.

هنا نعود الى جوهر المشكلة. ان جدار الفصل ليس مجرد مشروع امني، بل هو جزء من سياسة أوسع، تستند الى ثلاثة مباديء تاريخية لتحديد حدود إسرائيل: الامن، الوضع الديمغرافي والاستيطان. هذه المباديء التي وضعت في ثلاثينيات القرن الماضي رافقت سياسة إسرائيل لعقود. ومع ذلك، عندما تتعارض هذه المباديء يجب الحسم بينها. في حالة جدار الفصل لم يتم اتخاذ أي قرار، بل تم ابتكار حل هجين: مسار يسعى الى ان يكون حدود امنية وأداة سياسية في نفس الوقت. هذا الحل الهجين غير مستقر. لم يتم استيعاب هذا الدرس، والدليل على ذلك هو البدء في بناء الجدار العازل الجديد في غور الأردن، الذي يهدف الى تعزيز الاستيطان في الغور، ومثلما صرح وزير الدفاع يسرائيل كاتس مؤخرا، الى فصله عن الضفة الغربية وضمه.

لقد سعت إسرائيل منذ خطط الاستيطان في سبعينيات القرن الماضي الى إقامة “مساحات امنية” تحدد الوقائع السياسية على الأرض. وقد تبنى الجدار الذي أقيم بعد عقود هذا الهدف الى درجة كبيرة. يكمن جوهر الامر في ان الجدار الأمني من المفروض ان يبنى حسب مبادئ الكفاءة التشغيلية، فيما يبنى المسار السياسي حسب مبادئ السيادة المتفق عليها. عندما يتم الخلط بين هذين المبدأين تكون النتيجة حل وسط يضر الطرفين. يعرض الامن للخطر ولا يتم اتخاذ أي قرار سياسي.

بعد مرور 24 سنة على بدء الانشاء يمكن القول بشكل حازم بان فشل العائق لا ينبع فقط بسبب عدم استكماله أو نقص الميزانيات، بل بسبب الفجوة بين التصميم والتنفيذ.  فطالما ان الحاجز يقدم كأداة امنية، لكنه يدار جزئيا لاعتبارات سياسية، فانه لا يمكن توقع ان يوفر الامن الكامل.

المفارقة تكمن في ان الفكرة الاصلية – الفصل المادي الذي يمكنه تقليل الاحتكاك وتحسين السيطرة الأمنية – ما زالت صحيحة. ولكن لتحقيقها يلزم شرط أساسي واحد وهو الاتساق. فاذا كان العائق أداة امنية فانه يجب استكماله بالفعل وتطبيقه وتخصيص الموارد المطلوبة له. واذا كان أداة سياسية فيجب التصريح بذلك علنا وتحمل العواقب. ويتجلى هذا الاستخفاف بوضوح في التوسع العمراني الكثيف للمزارع والمواقع الحدودية شرق السياج القديم. يظهر الإرهاب اليهودي الذي يستخدمونه زيف ادعاء الرغبة في “تقليل الاحتكاك”، وان الهدف هو اقصاء الفلسطينيين من منطقة الفصل وطردهم من المناطق ج الموجودة شرق السياج.

في غضون ذلك لا ينتظر الواقع قرار، بل يتجاوز السياج عبر ثغرات مادية وفكرية. وسواء كان هؤلاء مقيمين غير شرعيين أو مجرمين أو إرهابيين فان النتيجة واحدة: السياج الذي يصان ولا يفعل لا يحمي، بل يوهم فقط بالحماية.

——————————————

معاريف 24/4/2026 

ترامب في “استراتيجية التورّط”.. هل يقبل الإيرانيون بسحق هويتهم القومية لصون “كرامته الشخصية”؟

بقلم:  د. ليراز مرغليت 

 “هذا ليس حصارا، هذه لغة”، يقول روبرت ماكنمارا، وزير الدفاع الأمريكي في فيلم “13 يوما”، فيما كان يحاول ان يشرح لرجال الجيش بان ما تفعله الولايات المتحدة تجاه كوبا ليس موضوعا حربيا. هذه خطوة تستهدف الحديث مع خورتشوف بلا كلمات. الضغط، لكن لا الاغلاق. التهديد، لكن لا الاذلال. هذا ما فهمه الرئيس الأمريكي جون كينيدي في 1962: انه في الازمة لا يحسم فقط كم قوة توجد لك، بل أيضا كيف تدفع الطرف الاخر لان يفسر هذه القوة. أي خطوة بالوعي تتخذها تجاهه.

كما ان هذا هو السبب الذي جعل كينيدي يختار كلمة “حجر” (Aquarium) وليس “حصار” Blockade)).

هذا يبدو كتفصيل فني، لكن نفسيا كانت هذه كل القصة. “الحصار هو شبه اعلان حرب. اما الحجر فهو ضغط يبقي فتحة للمفاوضات. لقد عرف كينيدي بانه اذا ما حشرت خصما في الزاوية دون أن تبقي له مسار خروج فانك لا تردعه بل تدفعه لان يصلب مواقفه. تدفعه لان يشعر بانه اذا انسحب الان فانه لا يخسر فقط بل يهان. والاهانة العلنية هي احد الأمور القليلة التي يبدي البشر وكذا الزعماء استعدادا لان يدفعوا عليه ثمنا لا يطاق.

اذا ما فحصنا صورة الوضع حيال ايران، بعد سبعة أسابيع من شن الولايات المتحدة وإسرائيل حربا مفاجئة، وصفتا الزعيم الأعلى علي خامنئي وحملتا ايران لان تغلق مضائق هرمز، فاننا نوجد في داخل منطق معاكس تماما لمنطق كينيدي. ترامب لم يختار كلمة حجر بل الكلمة الأكثر فظاظة ممكنة – الحصار.

في 13 نيسان بدأت الولايات المتحدة حصارا بحريا رسميا على موانيء ايران. في نهاية الأسبوع ردت ايران باغلاق كامل للمضيق واطلقت النار على ناقلات هندية وهذا الأسبوع اعلن ترامب بانه اذا لم تقبل ايران اقتراحه – فانه سيمحو كل محطة طاقة وكل جسر في ايران”. توجد هنا محاولة فاعلة وواضحة للاهانة. والفرق بين أزمة الصواريخ في كوبا وبين الوضعية حيال ايران هائل. ترامب لا يحاول إخفاء قوته بقوة رقيقة. هو يفعل العكس: يلوح بها، يكتبها باحرف كبيرة في الشبكة، يتأكد من ان يرى الجميع بان ايران انكسرت.

هنا تدخل الى العمل نفسية الكلفة الجماهيرية. فكلما قيل التهديد بصوت اعلى وامام عيون اكثر، هكذا يكون الثمن على التراجع عنه اكبر – للطرفين. ترامب لم يعد يمكنه ان يوافق على اقل مما وعد به على الملأ، وايران – تحت الزعيم الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، الذي لا يزال يرسخ شرعيته امام شعب رأى زعيمه يصفى – لا يمكنه ان يبدو كخانع امام دولة صفت اباه.

 مفاوضات على الهوية

وعندها تدخل الى العمل الالية الثانية، التي لعلها هي الأقوى في السلوك البشري تحت الضغط. رد الفعل، فعندما يشعر الانسان بان أحدا ما يحاول أن يفرض عليه قرارا، فانه لا يقاوم فقط القرار نفسه – بل يقاوم مجرد حقيقة أن احد يحاول أن يفرض عليه ذلك، وعندها يبدو في الغالب رد فعل مضاد يستهدف القول للعالم ان أحدا لن ينجح في أن يفرض عليه شيئا. وهو سيفضل ان يدفع ثمنا عاليا، واحيانا هداما على أن يشعر بانه سلبت منه القدرة على الاختيار.

عندما يشعر زعيم دولة مع نحو 90 مليون مواطن بانه اذا قال “نعم” فانه لن يعتبر فقط كمن هزم بل أيضا كمن اختار الا يحاول فان الاعتبارات تختلف تماما. هذا لن يعود حساب كلفة – منفعة. هذه مفاوضات على الهوية. وعندما تتحول المفاوضات لان تكون على الهوية – فان الناس والدول مستعدون لان يصلوا الى أماكن هي خارج كل منطق اقتصادي او عسكري.

وهنا بالضبط النقيض التام لقصة كينيدي. في 1962 كان النصر الأمريكي نصرا هادئا. الصواريخ أخرجت من كوبا، لكن بالمقابل وافقت الولايات المتحدة بهدوء على اخراج الصواريخ من تركيا ووعدت علنا الا تغزو. زعيم روسيا نيكيتا خورتشوف لم يضطر لان يقف امام الكاميرات كي يعترف بانه استسلم. هذا بالضبط ما أتاح للتصعيد ان يتوقف.

اما الان فالمبنى معاكس. ترامب يحتاج لان يكون النصر علنيا، صاخبا، مصورا. يحتاج لان تنثني ايران امام العالم. لكن في اللحظة التي يعرف فيها النصر هكذا، فانها هي اللحظة التي يصبح فيها متعذرا أيضا. لان الطرف الاخر لا يمكنه أن يمنحك إياه دون أن يهين نفسه.

في النهاية، فان أزمات كهذه لا تحسم فقط حسب عدد الطائرات، السفن او الصواريخ. هي تحسم حسب مسألة هل يشعر الطرف الاخر بانه تبقى له سبيل للعمل دون أن يمحو نفسه. لقد فهم كينيدي بانه لاجل منع الحرب هناك حاجة ليس فقط لاستخدام القوة بل وأيضا لتغليفها بحيث يتمكن الخصم بان يستسلم دون ان يبدو كمستسلم. أما ترامب، في هذه اللحظة على الأقل، سيفعل العكس بالضبط – يبني وضعية يكون فيها الطريق الوحيد لإيران لان تشعر انها لم تنكسر هو ان تواصل اطلاق النار. هذا بالضبط الخطر. ليس في ما يهدد بعمله بل بالشكل الذين أدت اليه تصريحاته للطرف الاخر بان يشعر بان لا مفر له غير الا يستسلم.

*باحثة سلوك في العصر الرقمي، جامعة رايخنر، هَرتسيليا

——————————————

هآرتس 24/4/2026

إسرائيليون لقضاة يرتعدون خوفاً من ائتلاف نتنياهو: محكمة عليا أم”سديه تيمان”؟

بقلم: أسرة التحرير

مداولات المحكمة العليا حول إقامة لجنة تحقيق رسمية أجريت أمس بدون جمهور، خشية أعمال الشغب. هذه الخطوة المتطرفة اتخذت الأسبوع الماضي فبمداولات حول إقالة الوزير بن غفير، ويبدو أنها أصبحت حالة طبيعية جديدة تحاول المحكمة تأدية مهامها تحت تهديدات العنف. حتى قبل المداولات، اعتدى أقرباء شهداء من المؤيدين للحكومة وشتموا أهالي ثكلى يطالبون بإقامة لجنة تحقيق رسمية تحقق في الملابسات التي قتل فيها أبناؤهم. مشاهد المشادات بين أهالي ثكلى على خلفية سياسية أصبحت واقعاً يومياً في إسرائيل.

أثناء المداولات، حاول متظاهرون اقتحام القاعة فيما كانوا يشتمون ويهددون، واضطر القضاة بالإخلاء خوفاً على سلامتهم. ما هكذا تبدو “الديمقراطية اللامعة”، كما وصفها رئيس الدولة إسحق هرتسوغ، بل دولة تعيش أزمة، ولا شيء طبيعياً أو اعتيادياً في أن يتداول القضاة حديثهم تحت تهديدات عنف ويختبئون في مكاتبهم بينما يحاول مواطنون محرضون اقتحام قاعة المداولات.

قبل نحو سنة ونصف، رأينا عشرات المواطنين، يرافقهم نواب من الكنيست، يقتحمون معسكر “سديه تيمان” لمنع عملية تحقيق تجريها الشرطة العسكرية. حتى اليوم، لم ترفع لائحة اتهام ضد أي منهم. كما أن لائحة الاتهام ضد جنود القوة 100 ألغيت هي أيضاً. من لم يفرض القانون في “سديه تيمان” أتاح الواقع اليوم الذي يقتحم فيه مواطنون المحكمة العليا ويهددون عملها. وهذا ليس تهديداً على قضاة العليا فقط، بل اعتداء خطير على الديمقراطية الإسرائيلية.

يتم هذا الهجوم بتشجيع من قيادة الدولة. في “سديه تيمان” وفي المحكمة العليا على حد سواء، استجاب المقتحمون بتحريض من جانب رئيس الوزراء ووزرائه ضد منظومة القانون والعدل. هذا هجوم من الداخل يستهدف تقويض الاستقرار في المجتمع الإسرائيلي، إثارة المواطنين ضد مؤسسات الدولة وفرض الرعب على المعقل الأخير الذي لا يزال يحمي القانون في دولة إسرائيل. فمن يشجع هذا السلوك معني بأن يرى دولة إسرائيل تنهار تحت نظام فوضوي من جمهور محرض.

القضاة مردوعون كما يبدو. فحسب ملاحظاتهم في المداولات، ربما يخافون الحسم بشأن إقامة لجنة تحقيق رسمية. اقترح بعض من القضاة ببساطة انتظار الانتخابات، وبذلك، نقل الحسم إلى الجمهور الإسرائيلي. وهم يتجاهلون حقيقة أن الاقتحامات العنيفة للمداولات والأعمال المناهضة للديمقراطية في الكنيست هي ذراعان للهجوم ذاته. إذا ما واصل القضاة إبداء مثل هذا الوهن أمام هجمات على سلطة القانون والديمقراطية، سيكتشفون بأن الشعب بالفعل سيحسم في هذه المسائل، وليس عبر صندوق الاقتراع، بل بقوة الذراع.

——————————————

هآرتس 24/4/2026

المستوطنون ينفّذون جرائم حرب في الضفة بدعم من الجيش الإسرائيلي: الإدانات لا تكفي

بقلم: أريك أشيرمان

نحن المجموعات التي تنشط في “الحضور الوقائي” داخل المجتمعات الفلسطينية المهددة بالتهجير، نتحدى اليوم الذين يتحدثون في البلد وخارجها عن عنف المستوطنين، بأن يُحدثوا تغييراً حقيقياً من خلال الانضمام إلينا على الأرض.

من المهم أن يرفع الحاخامات أصواتهم، وأن يوقّع وزراء سابقون من حزب الليكود، مثل دان مريدور ومئير شطريت، على إعلان مدفوع يقول إن أعمال الشغب التي ينفّذها المستوطنون في الضفة الغربية هي جرائم حرب مدعومة من الجيش.

لا يكاد يمر يوم دون تقارير في وسائل الإعلام الرئيسة تتحدث عن عنف المستوطنين، ونسمع عن ضغوط جديدة على إسرائيل من أقرب حلفائها في الإدارة الأميركية؛ ومع ذلك، يستمر العنف على الأرض، لا بل يتصاعد، ويحظى بدعم أكثر مباشرة ووضوحاً من قواتنا الأمنية.

هذا الدعم يفوق كل ما رأيته خلال ثلاثين عاماً من قيادتي لمنظمات حقوق إنسان إسرائيلية.

وأولئك الذين يقولون إنهم يعارضون عنف المستوطنين، لكنهم لا يفعلون شيئاً، إنما يقدّمون النصر على طبق من ذهب للذين يطردون الفلسطينيين بالعنف.

لدى المستوطنين قدر كافٍ من الالتزام يجعلهم مستعدين للتخلي عن مصادر رزقهم، وحتى عن أمنهم، من أجل ما يؤمنون به. فهم لا يكتفون بالكلام، بل يعملون على الأرض ليلاً ونهاراً، بينما معظمنا لا يفعل ذلك.

لو أن واحداً في المئة فقط ممن يزعمون أنهم يعارضون عنف المستوطنين والاحتلال تطوّع للعمل على الأرض، ولو في دورية واحدة شهرياً، لتغيّرت قواعد اللعبة.

نحن بحاجة إليكم معنا في حضور وقائي قانوني وغير عنيف.

نحن بحاجة إلى 20 متطوعاً يكونون حاضرين على مدار الساعة في كل واحد من المجتمعات المهددة بالزوال، ويرافقون الذين يرغبون في العودة إلى بيوتهم.

تقول المحكمة العليا والدولة باستمرار إن المجتمعات المُهجَّرة يمكنها العودة، لكنهما لا تأمران بحمايتها.

وبالمناسبة، يوجد اليوم في الميدان مدافعون عن حقوق الإنسان من سن العشرين وحتى السبعين.

وفي الواقع، أفضل دليل على قيمة الوجود في الميدان هو الاستخدام الكبير من طرف الجيش لأوامر “مناطق عسكرية مغلقة” تُفرض على المناطق التي نعمل فيها.

يتم تطبيق هذه الأوامر ضدنا، ويقول لنا الجنود بصراحة إنهم لن يطبّقوها على المستوطنين.

حتى عندما لا يشارك الجنود أنفسهم في العنف، مثلما يحدث كثيراً، فإن القادة الذين يفرضون أوامر الإغلاق يعرفون أن ذلك بمثابة حكم بالإعدام على المجتمعات الفلسطينية عندما يمنعون وجودنا، لكنهم يسمحون للمستوطنين العنيفين بالدخول.

أولئك الذين يسعون لطرد الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم يريدون إبعادنا لتمكين المستوطنين من ممارسة العنف دون عائق، وغالباً دون توثيق.

أي أن مَن يُصدرون هذه الأوامر يؤمنون بأن لوجودنا تأثيراً.

نسمع من قوات الأمن أننا نحن المشكلة، وكأن شرّ المعتدين ليس هو السبب، بل وجودنا هو الذي “يستفزهم” لكي يُقدموا على ضرب الناس وإحراقهم وقتلهم.

وكأن كل شيء سيكون هادئاً لو أننا لم “نستفزهم” بالدفاع عن أشخاص لا تحميهم قوات الأمن.

في الواقع، يحدث معظم الاعتداءات عندما لا نكون موجودين، لكن قوات الأمن محقة في نقطة واحدة: لولا وجودنا لعمّ الخراب، لأن مجتمعات كاملة كانت ستغادر بيوتها، فضلاً عن عشرات المجتمعات التي اختفت فعلاً.

كان هناك أماكن كثيرة لم نعُد نسمع فيها ثغاء الأغنام، ولا ضحكات الأطفال.

يمكننا أن نتحدث بلا نهاية عن أخطاء حكومتنا وقوات الأمن والمستوطنين تجاه الإسرائيليين الفقراء، وتجاه المواطنين غير اليهود، وبصورة خاصة تجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية. لكن كما نتعلم في كتاب “فصول الآباء”، ليس القول هو الأساس بل الفعل.

وكان الحاخام أبراهام يهوشع هشل يقول دائماً: “في المجتمع الحر المذنبون قلة، لكننا جميعاً مسؤولون”.

لا يزال اليهود الإسرائيليون، بل حتى غير اليهود من المواطنين، يتمتعون بدرجة معينة من الديمقراطية.

وأضيف إن الشعب اليهودي كله، وكل مَن لديه ضمير من البشر والدول، شركاء في هذه المسؤولية. كوننا “في الجانب الصحيح” عندما نحتج، أو نشارك في تظاهرات، لا يعفينا ذلك من هذه المسؤولية؛ يمكن أن تخفف التظاهرات عن ضمائرنا، لكنها لا تغيّر السياسات في مواجهة حكومة غير مكترثة بالرأي العام.

يشعر كثيرون بأن لا شيء مما يمكننا فعله سيؤثر، لكن علينا أن نتحدى أنفسنا ونقوم بأفعال ملموسة ربما يكون لها تأثير.

تُعلمنا التقاليد اليهودية أن ننظر إلى الحياة كميزان: لا نعرف قط إذا ما كان الفعل الصغير الذي نقوم به، والذي يبدو عديم القيمة في لحظته، هو الذي سيرجّح الكفة على المستوى الشخصي، أو الكوني.

لا أستطيع أن أزعم أن الحضور الوقائي ينجح دائماً، لكنه ينجح أحياناً.

والأهم من ذلك، أنه ذو معنى كبير بالنسبة إلى الفلسطينيين.

فهم يقولون لنا كثيراً إنه لولا وجودنا، لكانوا غادروا منذ زمن.

لقد فرغت منطقتان في نطاق مسؤولية منظمتي بسبب أوامر الإغلاق التي منعتنا من الوجود مع سكانهما.

عندما أتحدث مع الفلسطينيين، أكون صريحاً: علينا أن نجرب كل شيء، لكنني لا أستطيع أن أضمن أن أي إجراء سيُتخذ سيوقف العنف، أو مصادرة الأراضي، أو اقتلاع الأشجار.

الشيء الوحيد الذي أستطيع قوله هو: “مهما حدث، لن تكونوا وحدكم”.

أفكر في مئات السنين التي كنا فيها، نحن اليهود، وحدنا عندما كانت أبوابنا تُحطَّم في الليل.

إن عدم ترك الفلسطينيين وحدهم هو نداء قوي ينبع من التاريخ والتقاليد اليهودية.

نظراً إلى الجهود المكثفة التي يبذلها أصحاب السلطة لمنع الحضور الوقائي، فإنه لا يمكن أن يكون الأداة الوحيدة، ولم يكن كذلك يوماً. لكنه سيظل أداة أساسية إذا تمكنّا من تجنيد عدد كافٍ من الأشخاص للحفاظ عليه وتوسيعه.

هناك مجتمعات لا تُفرَض عليها أوامر إغلاق، وإذا فُرضت أوامر إضافية، فسيصبح السبب الحقيقي لها أكثر وضوحاً، وهو ما يعزز قدرتنا على الطعن فيها أمام القضاء.

بحسب فهمي، فإن قانون “لا تقف مكتوف الأيدي أمام دم قريبك” – المستند إلى الوصية في التوراة – يعني أن هناك حالات يُلزمنا فيها القانون الإسرائيلي بدخول مناطق مغلقة عندما لا تكون قوات الأمن التي بلّغناها بشأن الخطر موجودة، أو غير قادرة على الوصول في الوقت المناسب لحماية الأرواح والأملاك.

أعلم أن هناك مَن لا يرون سوى الشعب اليهودي، ولا يحترمون إنسانية غير اليهود، وسيفعلون كل ما في وسعهم لعرقلة مبادرات مَن يحترمون كرامة الإنسان وحقوقه. فلنُظهر نحن روحاً نضالية.

——————————————

عن موقع “معهد دراسات الأمن القومي” 24/4/2026

تحوّل عميق: هكذا تقوم إسرائيل ببسط سيادتها على الضفة الغربية

بقلم: أودي ديكل وتامي كينر

تخضع سياسة الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية لتحوّل سياسي – أيديولوجي واسع؛ فمنذ تشكيلها، وبشكل خاص بعد السابع من تشرين الأول، تدفع الحكومة الحالية نحو تغيير جوهري في النظام القانوني والإداري والمُلكية في المنطقة، ولا يتعلق الأمر بخطوات متفرقة، بل بخطة منظمة يقودها مسؤولون حكوميون لتوسيع الاستيطان، وترسيخ ملكية الأراضي، وتعميق السيطرة المدنية الإسرائيلية، وإغلاق أي إمكانية لتسوية مستقبلية تقوم على مبدأ حلّ الدولتين، مع إضعاف السلطة الفلسطينية، وفي الواقع تهيئة الظروف لفرض السيادة الإسرائيلية.

يشير هذا المسار إلى تغيير عميق في سياسة الحكومة: الانتقال من مفهوم “إدارة الصراع” مع الفلسطينيين إلى تبنّي “خطة الحسم” التي يروّجها اليمين الأيديولوجي. هذه الخطة، التي عرضها الوزير سموتريتش في سنة 2017، تهدف إلى إنهاء الطموحات الوطنية الفلسطينية وتحقيق رؤية “أرض إسرائيل الكاملة”، عبر الضم وفرض السيادة على كامل الضفة الغربية.

وفي إطارها، تُطرَح أمام الفلسطينيين خيارات محدودة: الإقامة دون حقوق سياسية، أو الهجرة، إلى جانب القمع بالقوة لأيّ مقاومة من جانب مَن لا يتخلى عن طموحاته الوطنية.

ويمكن أن يُعزَّز هذا التوجه أيضاً بفكرة “الأمن المطلق” التي تشكلت بعد السابع من تشرين الأول، والتي ترى أن أيّ تهديد يستدعي رداً عسكرياً، مع الحفاظ على حرية العمل العملياتي للجيش والسيطرة الأمنية الكاملة، بينما يُنظر إلى التهدئة، أو التسوية السياسية، كخطر استراتيجي.

وعلى الرغم من أنه لم يطرأ تغيير على الوضع القانوني للمنطقة رسمياً، إذ لا تعلن إسرائيل ضماً رسمياً، ويبقى “الاحتلال العسكري” هو الإطار القانوني الظاهري، فإن الحكومة تعمل فعلياً، وبالتدريج، على فرض سيادة أمر واقع في الضفة الغربية، عبر مسارات عديدة تغيّر طبيعة السيطرة في المنطقة جوهرياً.

عرض الاستيطان حاجة أمنية

تسعى الحكومة لتبرير سياستها بالاعتماد أساساً على اعتبارات أمنية، بهدف بناء شرعية داخلية واسعة، وتتجنب عرضها كقرار أيديولوجي يتعلق بحق اليهود في الاستيطان في كل مناطق الضفة الغربية، وإغلاق الطريق أمام أيّ تسوية سياسية مستقبلية.

في هذا السياق، وفي أثناء إدارة المواجهة مع إيران، قام وزير الدفاع، إسرائيل كاتس، بزيارة مجلس شومرون (السامرة)، وصرّح بأن تعزيز الاستيطان، وبشكل خاص في شمال “السامرة”، “يمثل مصلحة أمنية واضحة لدولة إسرائيل”، مؤكّداً الالتزام بتعزيز “التمسك بالأرض وضمان أمن جميع مواطني إسرائيل”.

وشدد كاتس، هو ورئيس المجلس الإقليمي شومرون، يوسي دغان، على أن الاستيطان في شمال “السامرة” يشكّل “حزام الحماية لإسرائيل”.

في الواقع، تتجاهل هذه السياسة تحذيرات الجهات الأمنية بشأن العبء العملياتي الذي تسبّبه بؤر الاستيطان المنتشرة، حيث تضاعفت المساحة التي يُطلب من الجيش حمايتها.

وفي هذا السياق، حذّر رئيس الأركان، إيال زامير و”رفع عشرة أعلام حمراء”، لا بل أشار إلى أن “الجيش ربما ينهار على نفسه”.

وبسبب نقص الوحدات المخصصة للأمن الجاري، يزداد الاعتماد على وحدات الدفاع الإقليمي وقوات الاحتياط المحلية والمدنيين المسلحين، ما يطمس الحدود بين القوة العسكرية النظامية والمدنيين.

إن الانتشار الواسع للمستوطنات والبؤر الاستيطانية والمزارع يطيل خطوط الدفاع بشكل كبير، ويزيد في الضغط على انتشار القوات: مساحة أكبر، نقاط أكثر تباعداً، طرق وصول أكثر، حواجز أكثر، نقاط احتكاك أكثر، وحاجة أكبر إلى قوات وموارد، وبدلاً من تركيز القوات على مكافحة “الإرهاب” وحماية خط التماس، يتم توجيهها لحماية هذه البؤر، وهو ما يؤثر سلباً في جاهزية الجيش في حالات الطوارئ، ويقلل من التدريبات، ويؤدي إلى استدعاءات واسعة للاحتياط، وفي ظل هذا الواقع، يتعمق انخراط الجيش في المجالات المدنية.

محور الاستيطان: تثبيت الملكية والتوسع المتسارع للاستيطان

يقف في صلب هذا التوجّه تغيير عميق في نظام الأراضي، يهدف إلى تثبيت الملكية الإسرائيلية على الأرض.

يتم الدفع بهذا التغيير من خلال قرارات المجلس الوزاري السياسي – الأمني في شباط 2026، بشأن فتح سوق الأراضي أمام الشراء المباشر من طرف الإسرائيليين (إلغاء القانون الأردني)، وإعادة الدولة لاعباً ناشطاً في شراء الأراضي، وتقليص القيود وآليات الرقابة على صفقات العقارات (إلغاء شرط “تصريح الصفقة” وفتح سجل الأراضي أمام الجمهور).

وفي هذا السياق، قررت الحكومة استئناف تسوية الأراضي في المنطقة (C) في الضفة الغربية لأول مرة منذ سنة 1967، وهي خطوة ذات طابع سيادي تؤدي إلى تسجيل نهائي لملكية الأراضي.

في موازاة ذلك، تسرّع الحكومة توسيع الاستيطان، عبر المصادقة على خطط بناء، واتخاذ خطوات لتنظيم المستوطنات وربطها بالبنى التحتية، حتى قبل استكمال إجراءات تنظيمها، وتشريع البؤر الاستيطانية غير القانونية، وتوسيع الاستخدامات الزراعية.

وتُدعم هذه التوجهات بخطوات إضافية، منها: السيطرة على أراضٍ وإقامة أكثر من 100 مزرعة زراعية، واستثمارات واسعة في البنى التحتية والطرق، وزيادة مخصصات الأمن للمستوطنات، وهو ما تم تثبيته ضمن خطة حكومية بقيمة تقارب 2.7 مليار شيكل لمدة خمسة أعوام لتعزيز البنية التحتية “خارج الخط الأخضر”. وتجلّت هذه السياسة بوضوح في قرار المجلس الوزاري في نهاية آذار 2026، القاضي بإقامة 34 مستوطنة جديدة في المنطقة (C)، عبر تشريع 10 بؤر استيطانية غير قانونية وبناء 24 مستوطنة جديدة.

ويُعَد هذا العدد غير مسبوق للمستوطنات التي تمت المصادقة عليها في قرار واحد. ومع إضافة 68 مستوطنة أُخرى صادقت عليها الحكومة منذ كانون الثاني 2023، يصل المجموع إلى نحو 102 مستوطنة.

إن توزيع هذه المستوطنات، بالقرب من تجمعات سكانية فلسطينية بين منطقتَي (A) و(B) ، وبانتشار واسع (في مناطق جنين، ورام الله، والخليل، وغور الأردن)، يمنحها تأثيراً مباشراً في الجغرافيا، إذ يضرّ بالاستمرارية الإقليمية الفلسطينية، ويزيد الاعتماد على طرق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، ويعزّز الاحتكاك اليومي بين السكان اليهود والفلسطينيين.

إن حقيقة أن هذه المستوطنات، في معظمها، مخططة خارج الكتل الاستيطانية وخارج مسار الجدار (الذي يُنظر إليه كخط دفاع مركزي)، تُبرز الفجوة بين التبرير الأمني الذي تعرضه الحكومة وبين سياستها الفعلية؛ فإذا كان الجدار يهدف إلى تحقيق الأمن، فإن توسيع الاستيطان خارجه لا ينسجم مع هذا المنطق.

وتزداد هذه الفجوة وضوحاً في ظل تجاهُل المجلس الوزاري لتحذيرات الجهات الأمنية، التي تشير إلى أن توسيع وتفريق نقاط الاستيطان يزيد العبء على الجيش ويُضعف الأمن الجاري، وبشكل خاص مع تصاعُد عنف المستوطنين الذي يتطلب تخصيص موارد لإدارة الاحتكاك.

علاوة على ذلك، فإن القرار، الذي تم اتخاذه خلال الحرب مع إيران، بقيَ سرياً بهدف تقليل الضغط الأميركي، بعد الانتقادات التي عبّرت عنها إدارة ترامب بشأن تصاعُد عنف المستوطنين ومخاوفها من تغيير الوضع القائم.

في المحصلة، إن انتشار المستوطنات خارج الكتل الاستيطانية وخط الدفاع، وتجاهُل التحذيرات الأمنية، وطريقة تمرير القرار، أمور كلها تشير إلى أن الاعتبارات الأيديولوجية، وليس الأمنية البحتة، هي التي تقود سياسة الحكومة، وتُظهر استعدادها لتوسيع الاستيطان حتى على حساب الأعباء الأمنية وتعميق التوترات السياسية مع الحلفاء.

محور الإنفاذ: توسيع الصلاحيات إلى مناطق خاضعة لإدارة السلطة الفلسطينية

في موازاة ذلك، قُرِّر توسيع صلاحيات الإنفاذ الإسرائيلية إلى ما بعد المنطقة (C)، لتشمل أيضاً مناطق (A) و(B) في مجالات المياه والبيئة والتراث والآثار.

هذا التوسع سيمكّن إسرائيل من إصدار أوامر، ووقف أعمال، والتأثير بشكل مباشر في التخطيط والبنية التحتية والتطوير في المناطق التي تديرها السلطة الفلسطينية. ويشير ذلك إلى انتقالٍ من إنفاذ أمني محدود إلى تدخُّلٍ إداري مستمر، وتقليص الاستقلالية الإدارية والحوكمة والتخطيط لدى السلطة الفلسطينية، وتعميق التدخل الإسرائيلي في الإدارة اليومية. محور الإدارة: الانتقال إلى سيطرة مدنية مؤسسية في مواقع حساسة.

أمّا في محور الإدارة، فقُرِّر نقل صلاحيات التخطيط والبناء في منطقة المستوطنات في الخليل ومحيط الحرم الإبراهيمي إلى الإدارة المدنية، مع تجاوُز بلدية الخليل، وكذلك إنشاء إدارة إسرائيلية لقبر راحيل بصلاحيات وميزانية ثابتة.

تشير هذه الخطوات إلى الانتقال من أطرٍ قائمة على الاتفاقيات إلى إدارة إسرائيلية مباشرة، وتؤسس لبنية حكم دائمة، كذلك تعزز الحضور المدني الإسرائيلي في مواقع حساسة ذات أهمية دينية وتاريخية، وتخلق أطر إدارةٍ مدنية مؤسسية لم تعُد تعتمد على الحكم العسكري.

محور الحوكمة: إضعاف السلطة الفلسطينية

في الوقت عينه، تتخذ الحكومة خطوات مباشرة لإضعاف السلطة الفلسطينية، وبسبب النظرة إليها كجهة منافِسة على السيطرة في الميدان، تُطبَّق وسائل ضغط اقتصادية وإدارية وسياسية، من بينها تأخير وتقليص تحويل أموال المقاصة، ومنع عودة العمال الفلسطينيين إلى العمل في إسرائيل، وفرض عقوبات على مسؤولين في السلطة، وتهدف هذه الإجراءات إلى إضعاف أدائها وتقويض مكانتها لدى السكان الفلسطينيين.

ووصف البنك الدولي وضع السلطة في نهاية سنة 2025 بأن السلطة في حالة أزمة مالية عميقة، إذ تعرّضت أموال المقاصة، التي تشكل مصدر دخلها الرئيس، لاقتطاعات كبيرة من طرف الحكومة الإسرائيلية خلال سنة 2025، ومنذ أيار 2025 توقفت تحويلاتها بالكامل.

ونتيجة لذلك، لم تعُد السلطة قادرة إلّا على دفع 50 – 70% من الرواتب الشهرية، مع تقليص النفقات الاجتماعية الأساسية.

وأدى ذلك إلى تعميق أزمة الثقة بين السكان الفلسطينيين والسلطة، إلى جانب اتهامات بالفساد، وهو ما يعزز صورة تراجُع القدرة على الحكم الذاتي.

تُنفَّذ هذه الخطوات أيضاً خلافاً لموقف المؤسسة الأمنية، إذ تستهدف تقويض قدرة السلطة على الحكم – وهي الجهة الفلسطينية الوحيدة القادرة على الحفاظ على النظام العام، وتلبية حاجات السكان، وكبح حركة “حماس” في الضفة الغربية، والعمل ضمن تنسيق أمني مع الجيش الإسرائيلي، وذلك بسبب كونها شريكاً محتملاً في حوار سياسي مع إسرائيل، وأساساً لإقامة دولة فلسطينية.

وتتجاهل إسرائيل تداعيات تآكل الحوكمة، بما في ذلك خطر نشوء فراغ سلطوي وفقدان السيطرة على الأجهزة الأمنية الفلسطينية.

إن مثل هذا الوضع سيجعل إسرائيل مضطرة إلى تولّي مهمات السلطة: فرض النظام وتوفير الخدمات للسكان الفلسطينيين، أي تحمُّل عبء أمني – مدني ثقيل.

ومع تراجُع قدرة السلطة الفلسطينية على الحكم، يزداد خطر عودة نشاط مجموعات مسلحة غير خاضعة لسيطرتها، وكذلك خطر ما يُعرف بـ”انقلاب البنادق”، أي أن تقوم الأجهزة الأمنية بتوجيه سلاحها ضد قوات الجيش الإسرائيلي والمستوطنين… وبالنسبة إلى تيارات اليمين الأيديولوجي في إسرائيل، الساعية للدفع بـ”خطة الحسم”، فإن تطوراً كهذا ربما يشكل فرصة لتفكيك السلطة نهائياً.

عنف المستوطنين وتطبيق القانون الانتقائي – كمحور مكمّل

إلى جانب الأدوات المؤسسية، يشكّل عنف المستوطنين والإرهاب اليهودي ضد الفلسطينيين آلية مكمّلة؛ فهذه ليست ظاهرة هامشية، بل نمط عمل ممنهج يشمل التهديد، والاعتداء على الأشخاص والأملاك وإحراقها، والنهب، ورشق المركبات الفلسطينية بالحجارة، والاستيلاء القسري على أراضي الرعي، ودفع الفلسطينيين بعيداً عن مصادر المياه والأراضي الزراعية ومناطق السكن، وصولاً إلى التهجير الفعلي.

بحسب معطيات الجيش الإسرائيلي سُجِّل في سنة 2025 نحو 870 حادثة “جريمة قومية” (زيادة بنحو 27%، مقارنة بالعام السابق)، بينما تفيد الأمم المتحدة بوقوع 1732 “حادثة عنف مستوطنين”.

وعلى الرغم من الفجوة بين الأرقام نتيجة اختلاف أساليب التصنيف، فإن المصدرين يشيران إلى الاتجاه نفسه: ارتفاع مستمر في عدد الحوادث، وفي شدّتها.

ولا يقتصر هذا العنف على مجموعة صغيرة من الأفراد، بل يشارك فيه أيضاً مستوطنون مسلحون، وأفراد من وحدات الدفاع الإقليمي (مستوطنون يخدمون في الاحتياط ويعملون عسكرياً في مناطق سكنهم)، وأعضاء فرق الطوارئ المحلية. وبدلاً من تعزيز الأمن، تؤدي هذه القوى إلى زيادة الاحتكاك وتصاعُد العنف، مع طمس الحدود بين المدني والعسكري.

في ظل غياب تطبيق قانوني حازم ورادع من طرف قوات الأمن والشرطة، إلى جانب خطوات لإلغاء الاعتقالات الإدارية وإضعاف الوحدة اليهودية في جهاز الأمن العام، ومع وجود رسائل متساهلة ودعم ضمني من الحكومة، يولّد هذا العنف ضغطاً مستمراً على المجتمعات الفلسطينية، ويساهم في تغيير أنماط السيطرة على الأرض وخصائصها.

إن هذا الامتناع من الردع يسمح بتفاقُم الظواهر السلبية دون كبح، ليصبح بحد ذاته أداة من أدوات السياسة.

الدلالات

في المجمل، تغيّر محاور عمل الحكومة بشكل جذري بنية وطبيعة السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية؛ فهي تعبّر عن الانتقال من سيطرة عسكرية مؤقتة على منطقة متنازَع عليها بانتظار تسوية سياسية مستقبلية، إلى نموذج سيطرة مدنية مؤسسية بصلاحيات موسعة، مع نقل مركز القوة من المؤسسة الأمنية إلى المستوى السياسي – المدني.

وبالتوازي، تتلاشى الفروق بين المنطقة (C) ومناطق (A) و(B)، وهو ما يؤدي إلى تآكل سريع للإطار التعاقدي لاتفاق المرحلة الانتقالية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وإغلاق المسارات التي يمكن أن تتيح تسوية سياسية قائمة على حل الدولتين في المستقبل.

وبعكس التصريحات بشأن الحاجة إلى “أمن مطلق” وتصوير الاستيطان كوسيلة لتحقيقه، فإن سياسة الحكومة لا تهدف إلى تحقيق استقرار أمني طويل الأمد، بل إلى تشكيل واقع جديد: “يهودا” و”السامرة”، كمنطقة خاضعة لسيطرة إسرائيلية دائمة. ومن المرجّح ألّا يؤدي الضغط المستمر على السكان الفلسطينيين إلى استسلام سياسي، أو هجرة، مثلما يأمل بعض المسؤولين، بل ربما يؤدي إلى نتائج معاكسة.

فهؤلاء المسؤولون يعوّلون على “هدوء مضلل”، تحقّق موقتاً نتيجة عمليات الإحباط التي ينفّذها الجيش وجهاز الأمن، فضلاً عن التنسيق الأمني مع السلطة، وكذلك خوف السكان الفلسطينيين من تحويل المنطقة إلى غزة أُخرى، لكن واقعاً يُترَك فيه الفلسطينيون دون حقوق، ومع حيّز سياسي محدود وتحت ضغط دائم، ومع تآكل السلطة وآليات التنسيق الأمني، فإن الطريق يمكن أن يمهّد لتصاعُد “الإرهاب” وزيادة الدافع إلى عنف واسع النطاق.

خلاصة

تشهد ساحة الضفة الغربية تحولاً مفاهيمياً وسياسياً عميقاً يحمل تداعيات استراتيجية كبيرة على إسرائيل؛ ففي ظل خطاب أمني ومفهوم “الأمن المطلق”، تغيّر الحكومة بنية وطبيعة السيطرة الإسرائيلية في المنطقة.

عملياً، تشير سياساتها وخطواتها إلى هدف واضح: فرض السيادة الإسرائيلية، وإغلاق الطريق أمام أي تسوية سياسية مستقبلية، مع إضعاف السلطة الفلسطينية ودفع الفلسطينيين إلى خارج المنطقة.

ونتيجة لذلك، ربما تواجه إسرائيل مخاطر كبيرة، تشمل اندلاع موجات عنف شديدة، وتآكلاً أخلاقياً داخلياً، وتصنيفها دولة فصل عنصري، وتعميق عزلتها الدولية، وتجميد علاقات السلام القائمة و”اتفاقيات أبراهام”.

عن موقع “معهد دراسات الأمن القومي”

—————-انتهت النشرة—————–

Share This Article