الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

هآرتس 16/1/2026

شهود وأقمار صناعية: إسرائيل تعبث بـ”الخط الأصفر” لتوسيع نفوذها بقطاع غزة

بقلم: يردين ميخائيلي

بعد ثلاثة أشهر على إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، كشفت صور أقمار صناعية عن تطورات مهمة على طول قطاع غزة، منها تعزيز الجيش الإسرائيلي لسيطرته على طول خط حدود السيطرة في القطاع. هذا الخط المعروف بـ “الخط الأصفر” يمتد في بعض الأحيان مئات الأمتار داخل الأراضي التي من المفروض رسمياً أن تكون تحت سيطرة حماس. ويمكن رصد مناطق دمار تتسع رقعتها حتى في ظل وقف إطلاق النار، بما في ذلك منطقة جباليا وحي الشجاعية، داخل الأراضي التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، بل وحتى خارجها. وفي الأراضي التي تسيطر عليها حماس، تظهر تجمعات خيام جديدة أقيمت لإيواء عشرات آلاف النازحين الغزيين.

كل هذه التطورات تحدث في ظل وضع انتقالي في القطاع، بعد تطبيق جزئي فقط لخطة ترامب، وفي ظل استمرار إطلاق النار والتفجيرات والاشتباكات بشكل دائم.

وقف إطلاق النار الرسمي في تشرين الأول وإطلاق سراح الرهائن كان من المفروض أن يكون مرحلة انتقالية نحو التنفيذ الكامل لخطة ترامب، التي وعدت بتنظيم انسحاب الجيش الإسرائيلي من معظم قطاع غزة وإعادة تأهيله وتقديم الإغاثة للنازحين ونزع سلاح حماس. وقد تحققت بعض هذه الخطوات بالفعل، حيث تمت إعادة الرهائن الأحياء وجثث القتلى باستثناء جثة واحدة، إلى إسرائيل. لقد انسحب الجيش الإسرائيلي جزئياً وأصبح القطاع الآن مقسماً على طول خط السيطرة – الخط الأصفر، لكن الأطراف لم تنتقل بعد إلى المرحلة الثانية في الاتفاق، وما زال الوضع الانتقالي مستمراً. أول أمس، أعلن المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف عن الانتقال إلى المرحلة الثانية في خطة ترامب، لكن نتنياهو قال إن هذا مجرد خطوة إعلانية.

الجيش الإسرائيلي يسيطر على 54 في المئة تقريبا من أراضي القطاع. وتحليل صور الأقمار الصناعية المحدثة لشركة “بلانت لابس” يظهر بأنه بعد دخول الاتفاق إلى حيز التنفيذ، أعاد الجيش الإسرائيلي تنظيم قواته وانتشارها، على طول الخط الأصفر الذي وصفه رئيس الأركان إيال زامير مؤخراً بأنه “خط الحدود الجديد لإسرائيل”. وكجزء من هذه الخطوة، أنشأ الجيش الإسرائيلي مواقع متقدمة جديدة في الأراضي الخاضعة لسيطرته. ووفقاً لمنظمة فورنزيك آركيتكتشر البريطانية، فقد أنشأ الجيش الإسرائيلي منذ وقف إطلاق النار وحتى منتصف كانون الأول 13 موقعاً متقدماً جديداً في قطاع غزة، منها موقعان كبيران في جباليا، التي هي مرتفعة جداً ويمكن رؤية مسافة بعيدة منها. وقد شمل إنشاؤها تدمير مبان وإخلاء مناطق واستخدام فرق هندسية ثقيلة لإقامة سواتر ترابية مرتفعة تتيح مراقبة شمال القطاع كله. وقد نشر فلسطينيون أفلام فيديو في الشبكة تظهر هذه المواقع.

ويتبين من صور الأقمار الصناعية بأن الجيش الإسرائيلي يواصل تدمير مئات المباني الأخرى في جباليا، حول المستشفى الإندونيسي، منذ وقف إطلاق النار. معظم الدمار في الجانب الإسرائيلي من الخط الأصفر، كما يظهر في المنشورات الرسمية للجيش الإسرائيلي، لكن يبدو أن منازل كثيرة أخرى دمرت في الجانب الغربي من الخط. وتظهر أفلام فيديو من الأرض الارتفاع الكبير للمواقع الجديدة في جباليا. أحد الأفلام نشرته “كان 11”.

منطقة الخط الأصفر هي بؤرة ثابتة للأحداث وإطلاق النار والقتل، حسب بيانات رسمية للجيش الإسرائيلي وشهادات فلسطينية. وقد قتل 449 فلسطينياً في مواقع متفرقة في قطاع غزة منذ إعلان وقف إطلاق النار، وأصيب 1246 شخصاً آخر حسب بيان وزارة الصحة الفلسطينية، التي لم تميز بين المدنيين والمسلحين. وحسب اليونيسيف، فإن 100 قتيل كانوا من الأطفال والشباب. وفي إحدى الحوادث قتل طفلان أبناء 10 و12، كانا يبحثان عن الحطب، حسب إفادة عائلتيهما، بغارة جوية. وقد صرح الجيش الإسرائيلي لاحقاً بأنه هاجم شخصين اشتبه فيهما بعبور الخط الأصفر، وأنه عمل على “إزالة التهديد”. منذ وقف إطلاق النار، قتل ثلاثة جنود في جنوب القطاع بنار مضادة للدبابات وقناصة من حركة حماس.

الخط نفسه غير محدد بشكل متواصل على الأرض، إذ وضع الجيش الإسرائيلي مكعبات صفراء صغيرة تفصل بينها أحيانا مئات الأمتار لتحديد مساره. وقد أفاد فلسطينيون بأن الجيش الإسرائيلي يحرك هذه المكعبات أحياناً غرباً، إلى داخل المناطق التي تسيطر عليها حماس. ويظهر تحليل صور الأقمار الصناعية وجود فجوة في مناطق مختلفة على طول الخط الأصفر بين مكان المكعبات الصفراء على الأرض ومكان الخط الأصفر مثلما هو محدد في منشورات الجيش الإسرائيلي الرسمية، بما في ذلك خريطة باللغة العربية قدمها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي لسكان قطاع غزة.

ففي حي الشجاعية في شرق مدينة غزة، يمكن تشخيص المكعبات الصفراء في صور الأقمار الصناعية، حيث إنها تقع على بعد حوالي 300 متر غرب الخط الأصفر الرسمي الظاهر على خريطة الجيش الإسرائيلي. وقد رصدت وسائل إعلام دولية مواقع أخرى لا يتطابق فيها الإعلان الرسمي مع الواقع على الأرض. ومثلما كشفت “هآرتس” قبل شهر، فمنذ وقف إطلاق النار والجيش الإسرائيلي واصل هدم مئات المباني في الشجاعية، غرب الخط الأصفر الرسمي، وصولاً إلى خط المكعبات الصفراء.

وجار رد من الجيش الإسرائيلي: “وفقاً لخطة وقف إطلاق النار، يتم تنفيذ عمليات الجيش الإسرائيلي لمواجهة تهديدات التنظيمات الإرهابية في غزة بقيادة حماس، التي خرقت وقف إطلاق النار مراراً وتكراراً، ويعمل الجيش الإسرائيلي على تحديد الخط الأصفر بصرياً، بما يتوافق مع الظروف الميدانية وتقييم الوضع العملياتي المحدث، وينفذ العمليات المطلوبة في المنطقة مع بذل الجهود لتقليل الضرر الذي يلحق بالمدنيين بقدر الإمكان ووفقاً للقانون الدولي”. ولم يرد الجيش على أسئلة مثل: لماذا لا يتم تحديث موقع المكعبات في المنطقة على الخريطة الرسمية؟ ولماذا لا يتم تحديد الخط بشكل مستمر على الأرض بطريقة تقلل الضرر الذي يلحق بالمدنيين؟ ولماذا يتسع نطاق تدمير المباني، حتى خارج الخط الأصفر، في المنطقة التي تسيطر عليها حماس؟

الدمار الذي استمر في الأشهر الأخيرة، يضاف إلى محو مدن كاملة في القطاع أثناء الحرب. وحسب أحدث تقرير صادر عن مركز الفضاء للأمم المتحدة، الذي رصد حجم الدمار في قطاع غزة حتى منتصف تشرين الأول، فقد دُمر أو تضرر أكثر من 80 في المئة من مباني القطاع نتيجة الحرب. وقد نتجت عن هذا الدمار واسع النطاق أزمة نزوح جماعية يعاني منها سكان غزة بشدة. وحسب الأمم المتحدة، يكافح مئات آلاف الأشخاص من أجل البقاء في خيام تضررت بسبب الأمطار والرياح ومياه البحر، أو في مبان معرضة للانهيار، ويبلغ إجمالي عدد المحتاجين للمساعدة 1.3 مليون شخص. في هذا الأسبوع فقط، دمرت أو تضررت آلاف الخيام والملاجئ المؤقتة التي كانت تؤوي عشرات آلاف الأشخاص بسبب الأمطار والرياح الشديدة.

مؤخراً، نشرت “هآرتس” بأن أطباء في قطاع غزة رصدوا ارتفاعاً في معدل الإصابة بالأمراض ودخول المستشفيات، ويعزى ذلك جزئيا إلى تأثير الإقامة الطويلة في الخيام المبللة. وأفادت وزارة الصحة الفلسطينية بوفاة سبعة أشخاص بسبب البرد منذ بداية فصل الشتاء، إضافة إلى قتل 25 شخصاً آخر من سكان غزة بسبب انهيار المباني. على هذه الخلفية، تظهر صور الأقمار الصناعية التي حصلت عليها “هآرتس” أربعة تجمعات خيام كبيرة على الأقل في المنطقة التي تخضع لسيطرة حماس في الأسابيع الأخيرة، اثنان في وسط القطاع في منطقة ممر نتساريم الذي يقسم القطاع، واثنان في شمال مدينة غزة. وحسب اللجنة المصرية، وهي هيئة معنية بتقديم المساعدات في القطاع، فإن المجمع القريب من ممر نتساريم مخصص لإيواء 15 ألف عائلة. وفي إطار جهود مساعدة النازحين، قامت وكالات الأمم المتحدة أيضاً بتسوية أرض في حي حمد في خان يونس وأقامت هناك مجمع خيام لنقل بعض النازحين بعيداً عن الظروف الصعبة على الشاطئ. ورغم هذه الإجراءات ثمة حاجة إلى جهود جبارة لمساعدة أعداد كبيرة من النازحين الذين يعيشون في الخيام منذ سنتين.

في إطار الانتقال إلى المرحلة الثانية، سيتم إنشاء منطقة سكنية لسكان غزة غير المنتمين لحماس في المناطق الخاضعة لسيطرة إسرائيل. وكشفت صور الأقمار الصناعية التي نشرتها “هآرتس” قبل أسبوع عن أعمال حفر وإجلاء وتسوية قرب رفح في منطقة يقول الجيش بأنها مخصصة لهذا الغرض. وقد تم توثيق أعمال حفر بدأت قبل شهر تقريبا على مسافة تزيد على كيلومتر مربع واحد (ألف دونم). وأفادت مصادر عسكرية أن هذه المنطقة ستؤوي في المرحلة الأولى 20 ألف غزي.

مع ذلك، ليس معروفاً حتى الآن إذا كانت الأطراف ستنتقل بالفعل إلى المرحلة الثانية، ومتى سيكون ذلك. 

——————————————

معاريف 16/1/2026

أمام “نزع سلاح حماس”.. إسرائيل لويتكوف: لا حل إلا باستئناف الحرب

بقلم: جاكي خوجي

وكأن الوعد بنزع سلاح حماس لم يشطب من الخطاب الإعلامي في إسرائيل. لا أحد يتعهد بذلك، ولا يحاول أي صحافي إزعاج أصحاب القرار بالأسئلة. من يبحث لسنة أو أقل إلى الوراء سيجد أنها مهمة لاحت على رأس قائمة الشروط التي حددها نتنياهو لوقف الحرب، بل وكررها عدة مرات في خطاباته. وكأنه كان وعداً مبالغاً فيه. ليس لأنه غير عادل، بل لأنه معقد لا مثيل له. 

سنة أخرى من القتال وربما أكثر بقليل قد تحمل حماس إلى نهايتها المرجوة. لكن ترامب أطفأ النور على هذه الحرب، وكل هجوم للجيش الإسرائيلي هذه الأيام يتم بشكل مقنون، وبإذن من القيادة الأمريكية في “كريات غات” وبشكل وإن كان يؤلم حماس ويزعج رجالها، لكنه لا يخدم هدف إبادتها. فضلاً عن ذلك: ترى حماس في خطة ترامب فرصة للنجاة. وبشكل متناقض، يمكن القول إنها كفيلة بأن تنقذ الحركة وذراعها العسكري من المصير المر الذي تعده لها إسرائيل.

إن مهمة نزع سلاح حماس ليست على رأس أولويات الدول ذات الصلة في غزة؛ لا لأنها لا تريد ذلك، بل اضطراراً. سيسر مصر أن ترى تفككها، وكذا الإمارات التي تقود من خلف الكواليس منذ سنين صراعاً ضد منظمات الجهاد. أما الأردنيون فسيسرهم هذا أكثر من الجميع؛ لأن حماس تستخدم الأردن لأغراضها، وهي في السنوات الأخيرة هربت من أراضيها سلاحاً كثيراً للمسلحين في الضفة. وسيسر ترامب أيضاً الذي يعمل على حملة ضد “الإخوان المسلمين” وفروعهم المختلفة. ولكن ماذا؟ لكل هؤلاء مهمة أهم، وهي إيقاف غزة على أقدامها. مصلحتهم اقتصادية وأمنية. إعمار غزة سيجلب امتيازات بناء لعشرات الشركات العقارية والمقاولات الدولية، وهذا مصدر دخل كبير. الاستقرار الأمني مطلوب لضمان تدفق الاستثمارات لتمويل هذا المشروع.

 الخطة المصرية

إذن، كيف بحق السماء يرى كل هؤلاء اللاعبين حماس في السنوات القادمة؟ الفرضية، أن حماس لن تنزع سلاحها طوعاً. يتعين على آخرين عمل ذلك بدلاً منها. اللجنة الإدارية الفلسطينية التي أعلن عنها هذا الأسبوع بمشاركة حماس والسلطة، لا تستهدف سوى تلبية احتياجات السكان المدنية. عدد أعضائها الـ 15 كلهم مهنيون في الملفات المختلفة بلا تفويض أمني ومعرفة من هذا النوع.

حماس نفسها لن تجعل الحياة سهلة على من يرغب في نزع سلاحها. حماس حركة تحرير وكفاح. ومهمة هذه الحركات تغيير الواقع. لهذا الغرض تولد. وسيلتها لتحقيق التغيير هي التضحية على أنواعها. أما النجاة بأي ثمن فليست مهمتها العليا، وإلا فلعله كان مناسباً لها أن تستبدل مكانتها لحزب غير مسلح. عندما تنزع منها إمكانية تغيير الواقع، فستقاتل وتضحي حتى لو أدى الأمر إلى فنائها. ومن ثم، فإنها لن تتنازل عن الوسائل لتحقيق الهدف، أي السلاح. 

ينبغي استخدام القوة لنزع سلاح حماس، وليس العسكرية فقط؛ لقد وضع المصريون خطة لعمل ذلك تبناها البيت الأبيض، وتتضمن تنحية حماس عن كل منصب رسمي وإعادة السلطة إلى غزة. وبعد ذلك، تجند الاستثمارات لإعمار القطاع. وستعمل فيما لا تكون حماس في الحكم. التي تأخذ الأمن على عاتقها هي قوة أجنبية برقابة دولية. إذا لم يكن الحكم في يدها، فسيودع في يد آخرين، ولن يصل إليها المال، وستجف من تلقاء نفسها.

هذا السيناريو يتطلب صبراً ومثابرة. وفيه عنصر رهان: لن نعرف مثلاً إذا كانت حماس لن تقاتل القوات الأجنبية التي تهدد سيطرتها وتدفع هذه القوات إلى الانثناء. في هذا الوضع، سيفر المستثمرون. ولن نعرف إذا كانت إسرائيل ستوافق على أن تأخذ الزمن بعد 7 أكتوبر.

وثمة إمكانية أخرى على الطاولة، وهي استمرار الحرب بصدارة إسرائيلية. حماس أعادت كل المخطوفين تقريباً، وبالتالي لم تعد أيادي الجيش الإسرائيلي مكبلة كما كان. كل ما نحتاجه هو أمر عسكري للدخول واستكمال المهمة. غير أن هذا الحل أيضاً مليء بالألغام. سننجح في إبادة حماس، لكن السؤال: ماذا بعد ذلك؟ 

سيقتل الجيش في مهمته الكثيرين أيضاً، وسيخرب مباني وبنى تحتية. سيقضم القتال من نسيج الحياة في القطاع وعملياً سيدمر بقايا المبنى التنظيمي المتبقية فيه. في نظر الدول المساهمة في الحل وعلى رأسها الولايات المتحدة، ستنصرف من هنا وتأخذ معها النية الطيبة والمال. عندها، سنبقى بدون حماس، لكن مع مليوني فلسطيني فقير ومصدوم.

لا أحد يعد بأننا بعد طرد حماس نهائياً، سنعرف كيف نبني واقعاً جديداً هناك. لقد أثبتت إسرائيل على مدى السنين بأنها تستصعب بناء واقع سياسي جديد. هذه مهمة تتطلب طول نفس، وفهماً إنسانياً، وقدرة على مواجهات تحديات معقدة في سكان أجانب، وفهماً بأن الحل المنشود سيأتي في سنين وليس فوراً. الصبر ليس ميزة بارزة لدى أصحاب القرار في إسرائيل.

الخبراء يدركون المقصود حين يقال “نزع سلاح حماس”. لكن نزع السلاح منهم تماماً تبدو مهمة لن تتم بإرادتهم الطيبة. كما يمكن السعي إلى نزع جزئي؛ أي تدمير الأنفاق والصواريخ ومصانع إنتاج السلاح وترك البنادق في أيديهم كي يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم من أعداء داخليين. ومثل هؤلاء كثيرون هذه الأيام.

أول أمس، أعلن المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف عن دخول المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار. وكتب في شبكة X أنه سينزع سلاح كل الجهات غير المرخصة في القطاع. كيف سينزع، لم يقل. هي صياغة ليست بشرى طيبة لإسرائيل. في القطاع أربع ميليشيات تنميها إسرائيل. وكأنه لا يكفي لإسرائيل أن دافع نزع سلاح حماس ليس في ذروته، فها هو المسؤول الأمريكي يلمح بأن القوات الموالية للجيش الإسرائيلي ستكون مطالبة بعمل ذلك.

——————————————-

يديعوت أحرونوت 16/1/2026

المفاوضات “خطأ استراتيجي” والخيار العسكري سيطيل حكم خامنئي.. والحل: تعاظم الاحتجاج

بقلم: تساحبي هنغبي

 “يا بيبي، إذا كان ثمة شيء ما أعرف عمله فهو الصفقات. هذا ما عملته طوال حياتي!”. هذا القول سمعه نتنياهو من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أثناء المحادثات في موضوع البرنامج النووي الإيراني. فقد كان الرئيس الأمريكي مقتنعاً بقدرته على الوصول مع القيادة الإيرانية إلى اتفاق نووي جديد أكثر نجاحاً من سابقه. كان لإسرائيل شكوك. علمتها تجربة الماضي بأن الاتفاق الوحيد الذي تستعد إيران للتوقيع عليه هو ذاك الذي لا يحبط سعيها إلى سلاح نووي. وكل محاولة لفرض تنازل طوعي عليها عن القدرات الهامة التي جمعتها حتى الآن في الطريق إلى القنبلة ستصطدم بطريقة مفاوضات طورها الإيرانيون إلى مستوى الخبرة العليا: تسويف دائم دون أي جدوى. بخلاف رؤساء سبقوا ترامب، مهما كان من متفائل، فهو لا يعاني من وهم ذاتي. فقد أعطى أولوية للدبلوماسية لكنه حدد لها حدوداً. فقد طرح ترامب على خامنئي إنذاراً لا لبس فيه: المفاوضات التي الطريق المفضل لكلينا، لكن أمامنا 60 يوماً للوصول إلى اتفاق. ليس أكثر. شهران عقيمان مرا، وفي اليوم الـ 61 انطلقت حملة “الأسد الصاعد”. يمكن التقدير بأن الولايات المتحدة لم تفاجأ ولم تتحفظ ولاحقاً انضمت إلى المعركة. قبل نحو 30 سنة نشر ترامب، الذي كان في حينه صاحب عقارات غني، كتاباً شائعاً وصف فيه فن المفاوضات الذي أدى إلى نجاعه التجاري. غير أن هوة عميقة تفصل بين مفاوضات تجارية ومفاوضات تجريها دولة عقلانية مع نظام أصولي طاغية. غاية الأول هي رفع الربح المالي إلى الحد الأقصى، الهدف الذي يمكن للطرفين أن يحققاه من خلال تقدير عاقل للحسابات والمعطيات والسيناريوهات العقلانية. ملايين الصفقات توقع في العالم الاقتصادي كل يوم بيومه، بفضل حقيقة أن المفاوضين يتمكنون من العثور على نقطة التوازن الأفضل بين مصالحهم. لكن في ساحة المفاوضات السياسية حين يكون أحد الطرفين لاعباً متزمتاً وطاغية، فالعوامل التي تصمم نتائجها تختلف تماماً. فمصير الحوار ستمليه عناصر مؤثرة تتواجد بقدر أقل تسيداً في العالم التجاري: التزام أيديولوجي، إيمان ديني، إرث تاريخي، اعتبارات سياسية، كرامة وطنية. لقد تعرض ترامب لهذا الواقع منذ ولايته الأولى حين لم تؤد جهوده الخاصة لتحقيق توافقات مع زعيم كوريا الشمالية كيم يونغ أون إلى الاختراق المنشود. وفي ولايته الحالية أيضاً شهد خيبات أمل، ليس كنتيجة للموقف العنيد من الزعيم الإيراني الأعلى فحسب، بل أيضاً في موضوع مبادرته لإنهاء الحرب في أوكرانيا. والآن تصل الولايات المتحدة مرة أخرى إلى مفترق طرق في الموضوع الإيراني. إن استعداد البيت الأبيض لاستئناف المفاوضات الآن مع إيران فقد يتبين أنه خطأ استراتيجي متسرع. لا يوجد حبل نجاة ناجع أكثر للنظام الشيعي المتزمت الذي يشعر بالأرض تهتز تحت أقدامه. لا توجد ضربة أقسى للجماهير المحتجة الشجاعة الذين نالوا في أسابيع قليلة بثمن أنهاراً من الدم زخماً تاريخياً في صراع طويل السنين للحرية. من الصعب تصديق أن الرئيس الأمريكي ليس واعياً لذلك، ولهذا فالأنباء عن فتح فوري للمفاوضات بين الدولتين كانت سابقة لأوانها جداً. ماذا ينبغي للولايات المتحدة أن تفعله الآن؟ يبدو الرئيس ترامب مصمماً على أن ينفذ التزامه العلني لإنقاذ الشعب الإيراني. لهذا الغرض، عليه أن يأمر بحشد قوة مناسبة لمنطقة الخليج الفارسي تسمح للقيادة الوسطى الأمريكية بجمع قدرة عمل ميدانية في المجال الهجومي والمجال الدفاع، في الساحتين البحرية الجوية. قبل أمر المعركة، فإنه حتى قوة عظمى عالمية تحتاج إلى إعداد دقيق وحشد أقصى لقدرات الدفاع الجوي، الاتصالات، الاستخبارات، الصحة، الذخيرة، اللوجستيات ومنظومات القيادة والتحكم. يمكن التقدير بأن الولايات المتحدة استعدت على مدى أسابيع لهجوم دقائق قليلة نفذها طيارو B2 على ثلاثة مواقع النووي الإيراني في حزيران الماضي. خطوة عسكرية أمريكية أخرى، وإن كان من غير المعقول أن تتضمن مهام برية مثل الاجتياح الليلي في فنزويلا، ستكون معقدة وواسعة أكثر. لذا، فإن الاستعدادات التي تضمن نجاحها يجب أن تكون جذرية. هل ستؤدي عملية أمريكية إلى إسقاط النظام؟ تقديري، ليس بوسع هجوم عسكري أن يسقط النظام. الجيش الإيراني يعد أكثر من نصف مليون جندي نظامي وعدد مشابه من جنود الاحتياط. يخدم في الحرس الثوري نحو 200 ألف مسلح ومدرب. قوات حفظ النظام التي تسمى “الباسيج” تعد أكثر من مليون شخص. هذه حجوم ستنجح في امتصاص ضربة جوية، مهما كانت واسعة ولن تتناثر في أعقابها في كل صوب. إذا ما أصيب قادة في هذه المنظومات، فسيعني بدائل لهم منذ الآن. الأمر صحيح أيضاً بالنسبة لضرب شخصيات مركزية في قيادة النظام. ففي إيران مخزون واسع النطاق من رجال الدين المتزمتين والمسؤولين في الحاضر وفي الماضي في الحرس الثوري، ممن هم ملتزمون بفكر النظام الأيديولوجي وسيخلفون القيادة الحالية إذا ما أصيبت. إصابة كهذه لا بد أنها تسحق صورة القوة للنظام، لكن مشكوك أن تتضرر قدرته على أداء بمدى حرج. حتى في اليوم التالي للهجوم، ستتبقى قوة مضادة مسلحة ومنظمة جاهزة في إيران لاستغلال الهزة والاستيلاء على الحكم.  ما المنفعة إذاً من خطوة عسكرية أمريكية؟   المساهمة الفورية معنوية. قوى الاحتجاج ستحظى بريح إسناد غير مسبوق. ولأنهم لم يعودوا وحدهم وأن العالم الحر لن يتخلى عنهم هذه المرة وأن لهم -لأول مرة في تاريخ إيران- شركاء أقوياء في الساحة الدولية كفيلة بأن يكون لها تأثير حاسم على دوافعهم لمواصلة الصراع رغم الثمن الذي يدفعه هم وعائلاتهم. لتواصل الاحتجاج واتساعه أهمية عليا: كي ينهار النظام بالفعل في نهاية الأمر، فالمطلوب إيمان شخصيات مركزية في أجهزة الأمن المختلفة، وأساسا في الجيش الذي يشكل جزءاً مخلصاً من الجمهور الإيراني بأن بديل حكم الشيوخ لم يعد خيالياً. إن إثبات طول نفس، والاستعداد التضحية، وبلورة قيادة لقوى الاحتجاج، ستعظم احتمال اختيار مراكز ثقل في أجهزة الحكم والوقوف إلى جانب الجماهير في اللحظات الحاسمة. كيف ينبغي لإسرائيل أن تعمل في هذه الفترة؟  الحرص على لجم لفظي هو السياسة الصحيحة. لا ينبغي الانحراف عنها حتى عندما يتعاظم إغراء التعبير. واضح أنه لا ينبغي التنكر لصرخة الشعب الإيراني المتطلع إلى الحرية. لكن كل قول زائد من جهة رسمية سيشكل أداة لدى النظام لتشويه سمعة المتظاهرين وطهارة نواياهم. بالطبع، إذا ما أطلقت إيران الصواريخ نحو إسرائيل سواء عقب هجوم أمريكي أم كخطوة مبكرة، فعلينا أن نرد بقوة واسعة. هذا بالتأكيد تطور لا يمكن الاستخفاف به. أنا مقتنع بأن المسؤولين عن ذلك يستعدون سواء في كل ما يتعلق بالدفاع عن الجبهة الداخلية أم في المستوى الهجوم. لكن ما دامت إسرائيل تقف في مقدمة المواجهة، فخيراً تفعل إذا ما انتظرت الأحداث ولم تشجعها.

——————————————

هآرتس 16/1/2026

تخويف ترامب بحرب إقليمية.. هكذا أصبحت الوساطة العربية درعاً أمنياً لإيران

بقلم:  تسفي برئيل

العنوان الرئيسي في صحيفة “الوطن” السعودية أمس لم يكن يتعلق بإيران أو بالهجوم الذي توقف أو بالمظاهرات، بل تم تخصيصه لمساعدة بمبلغ نصف مليار دولار، الذي تنوي السعودية إرساله لليمن. قراء الصحيفة الذين بحثوا عن معلومات حول ما يحدث في إيران وجدوا نبأ قصيراً على هامش الأخبار، الذي ورد فيه أن ترامب وعد بمساعدة المتظاهرين. هكذا أيضاً في صحيفة “عكاظ” السعودية واسعة الانتشار، التي استهلت بمساعدة سخية وعد بها ملك السعودية لليمن. عنوان الخبر حول إيران اكتفى بالإبلاغ أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قال للأمين العام للأمم المتحدة بأن “جهات إرهابية هي التي مست بالمتظاهرين، وقطعت رؤوسهم وأحرقت مباني حكومية”. ثمة قراءة مشابهة في الصحف المؤيدة للحكومة في مصر، مثل “المصري اليوم” و”الشروق” و”الأهرام”، كانت تحتاج من القارئ التزود بعدسة تكبير للعثور على الأخبار القصيرة التي تناولت بأسلوب جاف ما كان يحدث في إيران أو قرار ترامب.

مصادر سعودية قالت لوسائل إعلام عربية بأن التوجيهات الحكومية كانت قاطعة. وبحسبها، ستتخذ وسائل الإعلام في الدولة “موقفاً حيادياً” تجاه الأحداث، ويجب أن يكون النشر عنها قصيراً، وموضوعياً لا تحليلات فيه. ولكن تقليص النشر في الدول العربية عن مظاهرات تهدد النظام ليس موقفاً “محايداً”، بل سياسة، هدفها الأول منع “انزلاق التماهي” إلى حدودها، كان يكفيها “ربيع عربي” واحد.

لكن إلى جانب الموقف الرسمي والإعلامي الملتزم بهذا التوجيه، والذي تجلى أيضاً في تصريحات السعودية وقطر بأنهما لن تسمحا باستخدام أراضيهما كمنصات لإطلاق هجمات ضد إيران، فقد كثف قادة دول المنطقة، لا سيما دول الخليج ومصر وتركيا، الجهود الدبلوماسية بشكل غير مسبوق. وأفادت مصادر تركية بأن وزير الخارجية هاكان فيدان أجرى مؤخراً سلسلة محادثات مع نظيره الإيراني، بالتزامن مع وزراء خارجية الولايات المتحدة والسعودية وقطر والإمارات، بهدف صياغة موقف واحد ضد الهجوم.

وحسب مصادر عربية وتركية تحدثت مع صحيفة “هآرتس”، فإن وزراء خارجية هذه الدول، الذين أجروا أيضاً “محادثات ضغط” مع كبار المسؤولين في البيت الأبيض والإيرانيين، عرضوا على نظرائهم الأمريكيين سيناريوهات كارثية قد تتطور في كل المنطقة إذا تعرضت إيران للهجوم وسقط النظام الإيراني لاحقاً. وحسب أحد المصادر، فقد حذرت الرياض واشنطن من أن “إيران قد تنزلق إلى حرب داخلية شاملة، وهو وضع سيمهد لبيئة خصبة لنشاطات التنظيمات الإرهابية، وستتفكك إيران بين كيانات تمتلك أسلحة استراتيجية، ومواطنين ومنظمات ستسيطر على كل أنواع السلاح، والنتيجة أشبه لما حدث في سوريا في عهد الأسد أو في ليبيا، وسترتفع أسعار النفط بشكل يضرب بالاقتصاد العالمي وستكون الولايات المتحدة هي الضحية الرئيسية”.

 السعودية والإمارات، التي شاركت أيضاً في الحملة المذعورة لمنع الهجوم على إيران، أوضحتا للإدارة الأمريكية بأنهما لا تخشيان فقط هجوماً إيرانياً ضدهما، بل تخشيان أيضاً من تعطيل التجارة في الخليج العربي الذي قد يصبح حقل ألغام ومنطقة هجوم إذا شعر النظام في إيران بأنه يقاتل على وجوده.

تركيا تتشارك في الحدود مع إيران بمسافة 530 كم تقريباً، وقد توترت العلاقات بينهما منذ سقوط نظام الأسد وتولي أحمد الشرع للحكم في سوريا. ويشعر الأتراك بالقلق إزاء موجات اللاجئين التي قد تغرق بلادهم في حالة اندلاع حرب في إيران، وإزاء تصاعد إرهاب الأكراد على أراضيهم، لأن القوات الكردية الإيرانية قد تتحد مع القوات الكردية في العراق وسوريا. وقدر معلق تركي في محادثة مع صحيفة “هآرتس” بأنه “في مثل هذه الحالة ستكون معركة تركيا ضد الأكراد في سوريا بمثابة لعبة أطفال مقارنة مع ما قد يحدث على حدودها الشرقية. إيران ليست فنزويلا أو غرينلاند أو غزة، التي يعتقد ترامب أنه قادر على السيطرة عليها. نحن نتحدث عن 90 مليون نسمة تقريبا، سينقسمون بين القوات المسلحة ومنظمات وحركات معادية، وعناصر عرقية متنافسة لن تتردد في الهتاف “الموت لأمريكا” و”الموت لترامب” بعد تحريرهم من نظام آية الله.

أمام هذا التجند العربي والتركي لمنع الهجوم في إيران، كان على الوسطاء تقديم ما يرضي ترامب والتراجع عن موقف. وبالفعل، بعد الأيام العشرة الأولى للمظاهرات، يبدو أن الجهود المبذولة لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بدأت تؤتي أكلها. وأكد ترامب نفسه بأن الإيرانيين تواصلوا معه لاستئناف المفاوضات، وأن “لقاء معهم تم التخطيط له بالفعل”. وكان من المفروض أن يكون هذا اللقاء بين ستيف ويتكوف وعراقجي بهدف استئناف المحادثات من حيث توقفت في حزيران عندما بدأت الحرب مع إسرائيل. ولكن ترامب ألغى في اليوم التالي خطة استئناف المفاوضات بذريعة حجم المتظاهرين الذين قتلوا في مواجهات مع قوات الأمن الإيرانية، وانتقل إلى الاستعداد العملياتي للهجوم، بما في ذلك تحريك القوات وإجلاء الموظفين الأمريكيين المدنيين ووضع القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط في حالة تأهب قصوى.

ولكن في الوقت الذي ينتظر فيه العالم رد الرئيس، الذي أظهر غطرسته المعروفة، لم يتوقف الوسطاء العرب وتركيا عن محاولة إيجاد “مخرج” لنزع فتيل ما وصف بأنه “سيناريو مؤكد لحرب إقليمية”. هنا يكمن سر أحد الاختفاءات المثيرة للاهتمام. هل كان ترامب أو أحد مستشاريه هو الذي اقترح مطالبة إيران بوقف إطلاق النار على المتظاهرين وتنفيذ الإعدامات كشرط لوقف الهجوم، أم أن إحدى دول الوساطة هي التي طلبت معرفة ما إذا كان ترامب سيوقف الهجوم في حالة امتثال إيران؟ أو إذا شاركت دول أخرى مثل روسيا والصين في هذا الجهد المشترك؟

 الصعوبة التي واجهت الوسطاء كانت ذات شقين؛ فبعد أن دعا ترامب المتظاهرين إلى السيطرة على مؤسسات الدولة وطمأنتهم بأن “المساعدة قادمة”، بدا وكأنه ينأى بنفسه عن سياسته السابقة التي صرح فيها بأنه لا يطمح إلى إسقاط النظام، وانتقل إلى استراتيجية جديدة تعتبر إسقاط النظام هدفاً مفضلاً ومحتملاً، وأن الولايات المتحدة مستعدة للمشاركة فيه بشكل مباشر. ولمنع الهجوم، كان من الضروري إعادة ترامب إلى “نمط” تفكيره السابق، وإقناعه بالعواقب الوخيمة والإقليمية التي قد تنجم عن أي هجوم، ومحاورة التركيز على السبب نفسه، وحجم القتل، الذي دفعه إلى إصدار أوامر للاستعداد للهجوم (إذا كان ينوي تنفيذه بالفعل). الصعوبة الثانية كانت إقناع القيادة في إيران بوقف عمليات القتل الجماعي وإعدام النشطاء المعتقلين الذين حكم عليهم بالإعدام بسرعة.

حسب مصادر عربية، فإن سلطنة عمان، التي تربطها علاقات وثيقة وخبرة واسعة في الوساطة مع السعودية، تتحرك أمام إيران. وأما السعودية فتلعب للمرة الثانية دوراً محورياً في دعم إيران سياسياً. ففي الأشهر الأخيرة، رفعت مستوى التعاون الدبلوماسي مع طهران وشجعت إيران على استئناف المفاوضات حول الاتفاق النووي. وتسعى السعودية أيضاً إلى إقناع إيران بإصدار أوامر لحزب الله للموافقة على نزع سلاحه، بل عرضوا عليها مساعدات اقتصادية واستثمارات ضخمة في حالة التوصل إلى اتفاق لرفع العقوبات عنها.

الأربعاء، ظهر أن جهود الإقناع أثمرت. فإيران بدأت في بناء رواية جديدة، فوزير الخارجية عراقجي أبلغ في مقابلة مع “فوكس نيوز” بأنه “بعد ثلاثة أيام من النشاطات الإرهابية، بدأ الهدوء يسود الآن. نحن في سيطرة كاملة… لا نية لإعدام أي شخص ولن تكون هناك إعدامات”. سواء كانت سيطرة كاملة أم لا، فإن التخلي عن الإعدامات التي سمح بها المرشد الأعلى لا يعتبر تراجعاً أو استسلاماً، بل يستند إلى “عدم الحاجة”، فبعد تحقيق “السيطرة الكاملة” وبعد أن “ساد الهدوء” لا حاجة حتى إلى الردع. وكأنه خطة محكمة، سارع ترامب إلى التوضيح بأنه “حصل على معلومات موثوقة” تفيد بتوقف عمليات القتل، وأنه لا خطط للإعدامات. حالة التأهب انخفضت، وتم فتح سماء إيران، وربما نسمع من ترامب نفسه خلال أيام (أو ساعات) عن الدول التي ينبغي لإيران أن تشكرها على موافقته على وقف الهجوم.

مع ذلك، هذا هو ترامب، لا مناص من ملاحظة التحذير المعتادة بأن كل شيء لديه غير متوقع، هناك إمكانية دائمة لإعطائه الإذن بشن حرب عسكرية. ولكن إذا كان قراره بوقف الهجوم ليس “مناورة” أو “تمويهاً”، بل نتيجة تحليل واقعي لما سمعه في الفترة الأخيرة من قادة مقربين منه ويقدر آراءهم، فهو بذلك يعيد عبء اتخاذ القرار إلى إيران والمتظاهرين والنظام ويضع نفسه في موقف المراقب في الوقت الحالي. في الأيام القريبة القادمة، سيتضح إذا كان قراره قد حرر حركة الاحتجاج من خطر الاغتيالات ومن ثم حقق المساهمة التي وعد بها المتظاهرين، وما إذا كان النظام الإيراني سيفي بالتزاماته ليس تجاه ترامب فقط، بل أيضاً تجاه دول الوساطة العربية التي أصبحت، بدافع حماية نفسها، بمثابة الدرع الأمني لإيران.

——————————————

هآرتس 16/1/2026

إسرائيل: إذا صدر العمل عن حماس فهو “إرهاب” وإذا صدر عن اليهود فهو “حق”

بقلم: كارولينا ليندسمان

تساءل حن معنيت في مقاله الذي نشر أمس: كيف يعقل أن تسارع المحكمة العليا لإبطال تعيين آريه درعي، المدان سابقاً بتهمة الرشوة والتهرب من الضرائب، كوزير، وهي في الوقت نفسه ترفض الطعون المقدمة ضد تعيين بن غفير، المدان بتهمة التحريض على العنصرية، والانتماء لمنظمة إرهابية، وحيازة مواد دعائية لمنظمة إرهابية، وعرقلة عمل ضابط في الشرطة، والمشاركة في تجمع محظور والقيام بأعمال شغب، في منصب الوزير المسؤول عن الشرطة؟ (“هآرتس”، 15/1).

الإجابة ليست في موازنة الاتهامات، بل في المعنى المعطى لها؛ فالكلمات مضللة. نحن نقرأ عبارة “الانتماء لمنظمة إرهابية”، لكننا نعرف أن المقصود هو منظمة “كاخ”. رسمياً، ما زالت منظمة “كاخ” و”كهانا حي” تصنف كمنظمات إرهابية في إسرائيل منذ العام 1994، ولم يتم إلغاء هذا التصنيف قط. ولكن من الواضح بنفس القدر أن الأرضية الأيديولوجية لهما (التفوق اليهودي والملكية اليهودية الحصرية على البلاد) لم تعد على الهامش، بل في التيار الرئيسي.

هذا أمر قاله بصراحة نتنياهو في رده العلني على روتم سيلع، التي تجرأت على الحديث عن دولة كل مواطنيها. “إسرائيل ليست دولة كل مواطنيها، بل هي الدولة القومية للشعب اليهودي، له فقط”، هكذا صححها. ناهيك عن شرعية الترحيل وتطبيع الثأر الجماعي. لقد أصبح الاعتقاد السائد أنه “لا يوجد أبرياء في غزة”. وحتى الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية لا يثير اهتمامهم. فقد أصبحت عبارة “لا يوجد شيء اسمه إرهاب يهودي” شائعة. وحتى عندما لا ينفون ذلك، فإنهم يقللون من شأنه، بما في ذلك نتنياهو نفسه.

الشيء نفسه ينطبق على الإشارة المتكررة إلى قيام بن غفير بإزالة شعار سيارة رئيس الحكومة إسحق رابين قبل اغتياله بشهر (“كما وصلنا إلى هذا الشعار، سنصل إلى رابين”). الآن حتى الذين يعارضون الاغتيال السياسي من حيث المبدأ، لا يحزنون بالضرورة (على أقل تقدير) على اغتيال رابين واغتيال السلام. أما اليمين الذي يمثل أغلبية الجمهور، فإنهم يتهمون رابين ليس فقط بكارثة أوسلو، بل حتى يتهمونه بأحداث 7 أكتوبر.

 لذلك، لا معنى للتكرار الاستحواذي لماضي بن غفير الإجرامي. عندما تكون التهمة هي “التحريض ضد العرب”، تفقد كلمة “تحريض” شدتها. معظم الإسرائيليون لا يرون غضاضة في مثل هذا التحريض، أما عندما تكون التهمة “دعم الإرهاب”، ويكون الإرهاب موجهاً للعرب، فإن كلمة “إرهاب” لا تقرأ مثلما تقرأ عندما نقول كلمة حماس، بل تعتبر صفة ازدرائية ليبرالية وليس كتعريف ملزم.

الكلمات لا تحمل معنى ثابتاً، بل تتغير مع الوقت ومع روح العصر ومع هوية المتحدثين. في 1994 لم تكن المحكمة العليا لتتردد في استبعاد بن غفير، لأنه هو وأمثاله كانوا يعتبرون في حينه أشخاصاً يسيرون أثناء النوم، ولا يمثلون إجماعاً خفياً. الآن، من يؤيد الأفكار الكهانية لا يعتبر الإرهاب اليهودي إرهاباً، أو أنه لا يتأثر من ذلك.

 يثور في إسرائيل غضب عندما يصف البعض المخربين بأنهم “مقاتلون من أجل الحرية”، ويعتبرون ذلك تشويهاً أخلاقياً. ولكن هذا هو صورة دقيقة لموقفنا من الإرهاب اليهودي. فمن يتماهون مع أهداف الفلسطينيين توقفوا عن اعتبار عملياتهم عمليات إرهابية، بالضبط مثلما من يتبنون مواقف كهانا؛ لا يستغربون من انتماء وزير الأمن الوطني لمنظمة إرهابية.

ليس هناك أي مشكلة عميقة للإسرائيليين مع بن غفير، ولا يجدون مشكلة حقيقية في ماضيه وفي نظرته لرابين أو صلته بـ “كاخ”. لم يعد اسم كهانا كلمة مسيئة. لذلك، فإن حن معنيت على حق: مسؤولية مواجهة بن غفير وأمثاله لا تقع على عاتق المحكمة العليا، بل على عاتق الجمهور. المشكلة ليست في الشخص، بل في الإجماع الذي يعمل ضمنه.

——————————————

هجرة العقول تتفاقم.. “إسرائيل” تسجّل ميزان هجرة سلبياً للأكاديميين

نحو 55 ألف إسرائيلي من متخرجي البكالوريوس والماجستير يعيشون في الخارج، و16% من حاملي الدكتوراه. يعود سبب المغادرة جزئياً إلى هجمات الحكومة على الأوساط الأكاديمية.

بقلم: ليور داتل

صحيفة “ذا ماركر” الإسرائيلية  17/1/2025 

تشهد “إسرائيل” نزيفاً متزايداً في صفوف الباحثين والعلماء. فبحسب معطيات دائرة الإحصاء المركزية التي نُشرت يوم الثلاثاء 16 كانون الأول/ديسمبر، سُجّلت في عام 2024 زيادة في نسبة الإسرائيليين الحاصلين على شهادة الدكتوراه الذين انتقلوا للعيش في الخارج لفترة تتجاوز ثلاث سنوات.

وتشير البيانات إلى ارتفاع عدد المقيمين في الخارج، سواء بين الباحثين الشباب أم بين مجموع الباحثين عموماً. فباحثون، استثمرت الدولة كثيراً في تعليمهم، وكان بإمكانهم تقديم إسهام حاسم للاقتصاد وللبحث العلمي في “إسرائيل”، يعملون ويعيشون اليوم خارج البلاد.

وتؤكد دائرة الإحصاء المركزية أنه في عام 2024 انتقلت “إسرائيل” إلى ميزان هجرة سلبي للأكاديميين؛ إذ غادر عدد من الأكاديميين الحاصلين على شهادة جامعية أولى فما فوق إلى الخارج بما يفوق عدد الأكاديميين الذين عادوا إليها. ووفق المعطيات، فإن العقول المهاجرة تتسم بالشباب، وارتفاع المستوى التعليمي، وتنحدر من التجمعات السكنية الميسورة في “إسرائيل”، ولا سيما من منطقة هشارون وتل أبيب.

وتتعلق هذه المعطيات بفترة الحرب والانقلاب القضائي، لكنها تعكس اتجاهاً تصاعدياً آخذاً في التعمق. فبحسب البيانات، يعيش اليوم أكثر من ربع الإسرائيليين الحاصلين على دكتوراه في الرياضيات (25.4%) خارج البلاد، وكذلك 21.7% من حاملي الدكتوراه في علوم الحاسوب، و19.4% في علم الوراثة، و17.3% في الأحياء الدقيقة، و17% في الفيزياء، و14% في الكيمياء، ونسب مشابهة بين حاملي الدكتوراه في الهندسة الكهربائية وعلم الأحياء.

إضافة إلى ذلك، تُظهر معطيات دائرة الإحصاء أن 23% من متخرجي الدكتوراه من معهد وايزمان يعيشون اليوم في الخارج، وكذلك 18.2% من متخرجي الدكتوراه من التخنيون (المعهد الإسرائيلي للتكنولوجيا)، و15% من متخرجي الدكتوراه في العلوم من جامعة تل أبيب. كما يعيش خارج “إسرائيل” 10% من متخرجي الدكتوراه في العلوم من جامعة أريئيل، و7% من متخرجي الدكتوراه من جامعة بار إيلان. واعتباراً من عام 2024، يعيش في الخارج 11.9% من الإسرائيليين الحاصلين على دكتوراه و8.1% من الحاصلين على درجة الماجستير.

وتتعلق المعطيات بأصحاب الشهادات الأكاديمية الذين حصلوا عليها بين الأعوام 1990 و2018، ما يعني أنه لا يمكن عزو الظاهرة فقط إلى من يُجرون أبحاث ما بعد الدكتوراه في الخارج، بل إلى أكاديميين إسرائيليين متعلمين يحملون شهادة الدكتوراه وانتقلوا للعيش خارج البلاد بشكل دائم.

وبحسب دائرة الإحصاء، سُجّلت في عام 2024 زيادة في عدد المغادرين الجدد من “إسرائيل”، مقابل تراجع في عدد العائدين إليها بعد إقامة طويلة في الخارج. وتُعرّف الدائرة العائدين من الخارج بأنهم من عاشوا خارج البلاد أكثر من ثلاث سنوات وعادوا قبل أكثر من عامين. فمنذ عام 2022 بدأت ظاهرة تراجع عدد العائدين، وفي المقابل، منذ عام 2023 بدأ ارتفاع عدد الإسرائيليين الذين ينتقلون للعيش في الخارج لفترات طويلة.

كما تُظهر المعطيات زيادة في نسبة الباحثين الشباب (الذين أنهوا دراستهم بين 2014 و2018) من حاملي الدكتوراه الذين انتقلوا إلى الخارج. فعلى سبيل المثال، بلغت نسبة الباحثين الشباب الحاصلين على دكتوراه في العلوم الدقيقة والهندسة والمقيمين في الخارج 14.9% في عام 2024، مقارنة بـ13.4% بين من حصلوا على الدكتوراه في الأعوام 2011–2013.

كذلك ارتفعت نسبة مجموع حاملي الدكتوراه (الذين أنهوا دراستهم بين 2015 و2018) المقيمين في الخارج في عام 2024 إلى 11.7%، مقارنة بـ11.4% في عام 2020، و10.7% في عام 2016، وهو ارتفاع قدره 9.3% خلال عقد واحد.

كما فحصت دائرة الإحصاء التوزيع الجغرافي للتجمعات السكنية التي ينتمي إليها الأكاديميون المقيمون اليوم خارج “إسرائيل”. وتُظهر المعطيات أن نحو 11% من الأكاديميين الذين نشأوا في رمات هشارون (حتى سن 18) يعيشون اليوم في الخارج، إلى جانب نسب مرتفعة بين سكان تل أبيب، هرتسليا، عومر، إيفن يهودا، زخرون يعقوب، رعنانا، كفار سابا، كوخاف يائير، وهود هشارون.

الحكومة الإسرائيلية تدفع الأكاديميين إلى الخارج

إلى جانب الحرب والانقلاب القضائي، قد تعود أسباب الهجرة وتراجع الرغبة في العودة إلى “إسرائيل” لدى حاملي الدكتوراه إلى ظروف البحث العلمي وتعامل الحكومة الحالية مع الأكاديمية. فمنذ تشكيلها، تشن حكومة نتنياهو هجوماً متواصلاً على الأكاديمية ومؤسسات البحث، يقوده وزير التربية والتعليم يوآف كيش، الذي يعمل كذلك على فرض سيطرة على منظومة التعليم العالي.

إضافة إلى ذلك، تتعرض ميزانيات التعليم العالي في “إسرائيل” لتآكل مستمر. فقد جرى تقليص ميزانية التعليم العالي عدة مرات منذ تشكيل الحكومة، في وقت تُوزَّع فيه أموال ائتلافية. ونتيجة لذلك، تتراجع الموارد المخصصة للبحث العلمي وبناء البنى التحتية البحثية المتقدمة، ما يدفع الباحثين إلى الانتقال أو البقاء في الخارج، حيث تُعرض عليهم رواتب أعلى وميزانيات بحث وبنى تحتية أفضل.

بلغت ميزانية التعليم العالي لعام 2025 نحو 14 مليار شيكل، ومن المتوقع أن تبقى عند مستوى مشابه في عام 2026، وذلك رغم تراجع الإيرادات من منح البحث الأجنبية بسبب المقاطعة الأكاديمية المتصاعدة ضد “إسرائيل”. وخلال السنوات الخمس الأخيرة، جرى تقليص ميزانية التعليم العالي بنحو 700 مليون شيكل، معظمها نتيجة تقليصات أفقية.

ومؤخراً، ومع افتتاح السنة الدراسية الأكاديمية في تشرين الأول/أكتوبر، أقرت الحكومة تقليصاً بقيمة 40 مليون شيكل من ميزانية التعليم العالي لتمويل زيادة ميزانية وزارة الأمن القومي. وقبل ذلك بشهر، جرى تقليص آخر بنحو 150 مليون شيكل لتمويل نفقات الدبلوماسية العامة لوزارة الخارجية.

وفي موازاة ذلك، تُفيد الجامعات الإسرائيلية بتراجع حجم المنح المقدمة من صندوق الأبحاث الأوروبي، وهو المموّل الرئيسي للنشاط البحثي في “إسرائيل”. ويُرجّح أن يكون السبب هو المقاطعة الأكاديمية المتفاقمة، التي تشكل عاملاً إضافياً لهجرة الباحثين الإسرائيليين، إذ تعرقل حصولهم على مصادر تمويل والعمل المشترك مع باحثين بارزين حول العالم. والنتيجة: انتقال الباحثين الإسرائيليين إلى الخارج وانفصالهم عن الأكاديمية الإسرائيلية.

منذ مطلع عام 2000، سُجّل استقرار بل وحتى تراجع في عدد الأكاديميين الإسرائيليين المقيمين في الخارج، بما في ذلك حاملو شهادتي البكالوريوس والماجستير، ويُعزى ذلك إلى إنشاء الكليات الأكاديمية في فترة حكومة رابين، ما ساعد الباحثين على البقاء في البلاد ووسّع نطاق التعليم العالي.

وخلال الخمسة عشر عاماً الماضية، قاد مجلس التعليم العالي عدة برامج لـ«إعادة العقول»، ولا سيما الباحثين البارزين العاملين في الخارج، إلا أن نتائج هذه الجهود تراجعت بفعل الاتجاهات الأخيرة. ووفق معطيات دائرة الإحصاء، يعيش اليوم نحو 55 ألف أكاديمي إسرائيلي (من حملة البكالوريوس حتى الدكتوراه) في الخارج.

مع ذلك، تُظهر البيانات تراجعاً معتدلاً في نسبة حاملي شهادتي البكالوريوس والماجستير المقيمين في الخارج. فعلى سبيل المثال، انخفضت نسبة حاملي الماجستير في الطب المقيمين في الخارج من 5.2% في عام 2020 إلى 3.8% في عام 2024. كما تراجعت نسبة حاملي الماجستير المقيمين في الخارج إلى 3.2% في 2024 مقارنة بـ3.9% في 2016، وتراجعت نسبة حاملي البكالوريوس إلى 3.5% مقارنة بـ5.1% في 2016.

في المقابل، يعيش في الخارج 21% من متخرجي الماجستير في الموسيقى من المؤسسات الإسرائيلية، و16.7% من متخرجي الماجستير في علوم الحاسوب، و13.6% في الرياضيات، ونحو 15% في العلاقات الدولية، و13.1% في الفيزياء، ونحو 12% في الكيمياء.

أما بين متخرجي البكالوريوس، فيعيش في الخارج 25.8% من متخرجي الموسيقى، ونحو 20% من متخرجي اللغة الإنجليزية وآدابها، ونحو 20% من متخرجي العلاقات الدولية.

—————–انتهت النشرة—————–

Share This Article