حرب البيانات: الصراع الأمريكي-الصيني على السيادة الرقمية ومستقبل الفضاء الرقمي العالمي

المسار :مع تصاعد الاعتماد على الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، تحوّلت البيانات إلى أحد أهم مصادر القوة في النظام الدولي، لتصبح محور صراع رئيسي بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين حول السيادة الرقمية. ويتركز هذا الصراع على من يمتلك البيانات، ومن يتحكم في تدفقها، ومن يستطيع استثمارها اقتصاديًا وأمنيًا.

في السياق الاقتصادي والسياسي، تُعتبر البيانات أصلًا إنتاجيًا أساسيًا، يشبه رأس المال والموارد الطبيعية، حيث تشكّل المادة الخام لتطوير الذكاء الاصطناعي، وتحسين الكفاءة الاقتصادية، وتعزيز أدوات المراقبة والتخطيط، فضلاً عن تأثيرها على السلوك الاجتماعي والسياسي. ولذلك لم تعد البيانات مجرد مسألة شركات، بل أصبحت قضية مرتبطة مباشرة بالأمن القومي والسيادة الوطنية.

أحد أبرز الأمثلة على هذا الصراع كان قضية تطبيق TikTok، الذي أثار جدلاً أمريكيًا حول إمكانية استغلال البيانات خارج الإطار التجاري، مما دفع واشنطن إلى اتخاذ إجراءات تقييدية ضد الشركة الأم، في خطوة تعكس تحول الولايات المتحدة من خطاب الانفتاح الرقمي إلى خطاب الحماية والسيادة.

في المقابل، تبنت الصين نموذجًا واضحًا لحماية سيادتها الرقمية، حيث حجبت معظم المنصات الأمريكية الكبرى، وفرضت على الشركات الأجنبية تخزين البيانات داخل البلاد، كما استثمرت في بناء بدائل وطنية قوية مثل WeChat وBaidu وAlibaba، ما مكّنها من تطوير منظومة رقمية شبه مكتفية ذاتيًا.

هذا الصراع يعكس نهاية العولمة الرقمية غير المقيدة، وبداية مرحلة جديدة تهيمن فيها اعتبارات السيادة والتنظيم على حرية السوق، بحيث لم يعد الإنترنت فضاءً عالميًا موحدًا، بل أصبح يتجه نحو الانقسام إلى منظومات رقمية متنافسة، تحكمها اعتبارات سياسية وقانونية متباينة.

ويترتب على هذا التحول انعكاسات واسعة على دول كثيرة تواجه تحديات تتعلق بالبنية التحتية الرقمية وحماية البيانات، والتعامل مع شركات تكنولوجية تنتمي لمعسكرات متنافسة. ومع تزايد أهمية البيانات في التنمية والحوكمة، ستصبح السيادة الرقمية أحد التحديات المركزية للدول في القرن الحادي والعشرين، ليصبح التحكم في البيانات معيارًا جديدًا للقوة الدولية، إلى جانب الاقتصاد والقدرات العسكرية.

Share This Article