المسار «عن عرب ٤٨» : يرى الباحث المقدسي شادي الشرفا أن الإقامة في القدس تحوّلت من حق قانوني إلى أداة فحص وسيطرة، يُطالَب الفلسطيني من خلالها بإثبات وجوده الدائم في مدينته.
في مقالة بعنوان “إعادة هندسة الوجود الفلسطيني: الإقامة المقدسية كمساحة للسيطرة الاستعمارية”، نُشرت على موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية، يشير الباحث المقدسي شادي الشرفا إلى تاريخ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 بوصفه نقطة انعطاف حادة في السياسة الإسرائيلية المتعلقة بالإقامة في القدس.
ويقول الشرفا إنه، على الرغم من أن إجراءات “مركز الحياة” وسحب الإقامة ليست جديدة، فإن الأشهر التي تلت هذا الحدث اتسمت بتغيير نوعي في حجم الإجراءات ووتيرتها ومنطقها، بحيث لم تعد الإقامة مسألة قانونية ثابتة نسبيًا، بل أصبحت جزءًا من منظومة أمنية يُعاد تشكيلها في ظل حالة طوارئ مفتوحة.
ويضيف الباحث أن الاعتماد الموسّع على الصلاحيات الإدارية شكّل أحد أبرز مظاهر هذا التحول، لا سيما في قضايا تُعرَّف بأنها “تهديد أمني” أو “دعم للإرهاب”.
وعلى الرغم من غياب إدانة قضائية في العديد من الحالات، استخدمت السلطات هذه الصلاحيات لفتح ملفات جديدة بهدف سحب الإقامة استنادًا إلى مؤشرات فضفاضة أو نشاط رقمي في الفضاء الإلكتروني. ويعكس ذلك انتقال السياسة من منطق الإقامة بوصفها حقًا، إلى منطق الإقامة المشروطة بـ”السلوك المقبول”.
وفي هذا السياق، يشير الشرفا إلى رصد مؤسسة “الحق” تزايدًا ملحوظًا في استخدام سلطات الاحتلال ومنظومة وزارة الداخلية لمنشورات الفلسطينيين على مواقع التواصل الاجتماعي، بما في ذلك التعبير السياسي الرمزي، أساسًا لفتح ملفات تحقيق أو اتخاذ إجراءات إدارية قد تصل إلى سحب الإقامة أو منع تجديدها.
الشرفا، الذي عانى شخصيًا من سحب إقامته المقدسية بعد خروجه من السجن، يقول: “سُحبت هويتي سابقًا بذريعة سياسية، وتحولتُ إلى مقيم غير شرعي في مدينتي. عشت عامين من دون هوية، ثم أصبحت أحمل إقامة مؤقتة تُجدَّد كل بضعة أشهر”.
ويضيف أن هذا الشكل من الإقامة الهشة، الذي عاشه شخصيًا، ليس استثناءً، إذ تشير دراسات حديثة نُشرت عام 2024 إلى أن إسرائيل تستخدم الإقامة المؤقتة آليةً لإعادة تشكيل العلاقة القانونية للفلسطينيين بالمدينة.
ويقول في هذا السياق إن هذه المقالة لا تنطلق من موقع رصد خارجي، بل من تماس مباشر مع التجربة، وتستند إلى قصص الناس، والمشهد اليومي في مكاتب وزارة الداخلية، وطرقات البيوت التي تُفتح فجرًا أمام لجان التفتيش، أو ما يُسمى “التأمين الوطني”، وإلى التجارب الشخصية التي قد تقود المرء أحيانًا إلى تصنيفه “مقيمًا غير شرعي” في مدينته. وهي قصص لا تُقرأ بوصفها وقائع فردية، بل بوصفها أجزاءً من بنية سياسية وقانونية تعيد إنتاج علاقة الفلسطيني بمدينته عبر ما يبدو ظاهريًا إجراءات إدارية.
وبهذا المعنى، تصبح الإقامة في القدس، وفق تعبيره، ليست مجرد وثيقة تُجدَّد، بل حيّزًا يُنتزع ويُفحَص ويُعاد تفسيره باستمرار. ويحاول الاقتراب من هذه البنية عبر سرد يربط بين المشاهد الحياتية اليومية وتحول الفلسطيني، في كل مرة، إلى كائن مطالب بإثبات وجوده في المكان الذي يُفترض أنه جزء أصيل منه.
ولإلقاء مزيد من الضوء على هذا الموضوع، أجرى “عرب 48” هذا الحوار مع الباحث شادي الشرفا:
“عرب 48”: موضوع “الإقامة” في القدس ليس جديدًا، ويستعمله الاحتلال إحدى أدوات إفراغ المدينة من أهلها الأصليين وتقليص الحضور الفلسطيني فيها. وقد لمستَ ذلك شخصيًا بسحب هويتك بعد خروجك من السجن، علمًا بأن القرار اتُّخذ خلال وجودك في الأسر. لكن هذا الموضوع، شأنه شأن قضايا أخرى، اتخذ بعد السابع من أكتوبر أبعادًا جديدة من حيث النطاق والأساليب، كما تقول؟
الشرفا: القضية الأساسية أن هناك سياسة إسرائيلية ممنهجة منذ احتلال المدينة، أو شطرها الشرقي عام 1967، تستهدف هندسة الوجود الفلسطيني في القدس، أي إفراغها من أهلها الأصليين بشكل منهجي وبطيء، وقد تسارعت هذه السياسة بعد السابع من أكتوبر، بهدف الوصول إلى الأغلبية اليهودية الإسرائيلية التي يسعون إليها.
والموضوع ليس خافيًا؛ فهناك إجراءات واضحة ومعلنة، وتصريحات على ألسنة وزراء ومسؤولين إسرائيليين، وخطط وتقارير منشورة، كلها تصب في مخطط تقليص الوجود الفلسطيني في المدينة، ما يؤكد أننا أمام سياسة استعمار استيطاني تندرج ضمن إطار التطهير العرقي الجاري في فلسطين.
سياسة سحب الهويات تقع في صلب هذا المخطط، وهي إحدى أهم أدواته، وتُستخدم بذَرائع متعددة، وتتكامل مع خنق سبل العيش وتضييق حيّز البناء الفلسطيني، بحيث لا تتجاوز نسبة الأراضي المسموح للمقدسيين البناء فيها 13% من مساحة شرقي القدس.
“عرب 48”: أنت عشت تجربة شخصية مع “سحب الهوية” في أعقاب خروجك من السجن؟
الشرفا: عند خروجي من السجن أمضيت سنتين من دون “إقامة”، بكل ما يترتب على ذلك من انعدام التأمين الصحي والتأمين الوطني وحرية التنقل وغيرها، إلى أن تدخلت إحدى المؤسسات الحقوقية ورفعت قضية أمام المحكمة الإسرائيلية، التي أمرت بمنحي “إقامة مؤقتة” في ضوء عدم امتلاكي جنسية أخرى.
وبحسب القرار، كان من المفترض أن تكون الإقامة المؤقتة لمدة سنتين، لكن عندما ذهبت إلى مكاتب الداخلية لاستلامها، تبيّن أنها لستة أشهر فقط، ما يعني أنك كل ستة أشهر مطالب بإثبات مجدد بأنك تعيش في القدس، أو ما يسمونه “إثبات مركز الحياة”، عبر إثبات السكن، ودفع ضريبة “الأرنونا”، وتقديم فواتير المياه والكهرباء، وغيرها من المتطلبات التعجيزية، حتى إنهم في المرة الأخيرة جددوا لي الإقامة لمدة ثلاثة أشهر فقط.
“عرب 48”: ما يسمونه “إثبات مركز الحياة” يُستعمل ذريعةً أساسية لسحب هويات المقدسيين. فالمقدسي، لكي يحافظ على هويته المقدسية، مطالب بالبقاء ملتصقًا بالمدينة، ولا يستطيع، مثل باقي البشر، الانتقال للسكن فترةً زمنية في مدينة أخرى داخل وطنه ثم العودة من دون أن يفقد هويته. وهو مُطالب بحمل فواتير الأرنونا والمياه والكهرباء لإثبات أنه ما زال يسكن في القدس ولم يغادرها. وبهذا المعنى، يُعامَل بصفته “مشروع سحب محتمل”، لا صاحب حق ثابت في مدينته، كما تقول؟
الشرفا: صحيح. والمشكلة أن جزءًا كبيرًا من أهل القدس يُضطرون للانتقال للعيش في الضفة الغربية، ليس رغبةً في مغادرة مدينتهم، بل بسبب عدم توفر أماكن سكن داخل المدينة نتيجة تضييق الاحتلال على الحيّز السكني. أولًا، عبر تقليص المساحة المخصصة للبناء؛ وثانيًا، بسبب صعوبة استصدار رخص البناء وارتفاع تكلفتها؛ وثالثًا، نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية للمقدسيين الناجم عن عزل القدس عن مجالها الحيوي الفلسطيني.
ومن لا يستطيع البناء، ويرغب في استئجار شقة، لا يمكنه الصمود أمام الأجور المرتفعة، إذ يبلغ إيجار الشقة المتواضعة ما بين 5 و6 آلاف شيكل، فيما تدفع بعض العائلات ما بين 7 و8 آلاف شيكل شهريًا، وهو عبء ثقيل جدًا قياسًا بمداخيل المقدسيين.
“عرب 48”: هل تتحدث هنا عن الأحياء العادية، وليس عن الأحياء الراقية مثل الشيخ جراح؟
الشرفا: الأحياء التي تُصنَّف راقية، مثل الشيخ جراح، لا يستطيع السكن فيها سوى الأجانب ذوي الدخول المرتفعة، ممن يعملون في القنصليات والمؤسسات الدولية، حيث تتكفل هذه المؤسسات بدفع الإيجارات. أما الفلسطينيون، فلا قدرة لهم على تحمّل مثل هذه التكاليف، وهم بالكاد يستطيعون تأمين إيجارات الشقق في الأحياء العادية، ما يدفع بعضهم إلى الانتقال للعيش في مدن وقرى مصنفة ضمن الضفة الغربية، أو في الأحياء الواقعة خلف الجدار.
والمشكلة أنك تبقى مقيّدًا بما يسمونه “مركز الحياة” المفروض عليك إثباته، ما يعني أن المقدسي يُفرَض عليه أن يعيش في ما يشبه “سجن القدس”، وإذا خرج من هذا السجن تصبح هويته مهددة، من دون أي مراعاة لواقع المقدسيين أو لامتداداتهم العائلية المتجذرة منذ مئات السنين.
وبهذا المعنى، يحوّلك الاحتلال من صاحب أرض إلى ضيف، بل إلى ضيف “غير مرغوب فيه” من قبل مؤسسة الدولة. وهناك ذرائع عديدة لسحب الهوية، لكن المستجد الأخطر هو سحبها على خلفية سياسية.
“عرب 48”: هل سُحبت هويتك تحت هذه الذريعة؟
الشرفا: نعم. كنت في السجن عندما تفاجأت عام 2002 برسالة من وزير الداخلية الإسرائيلي آنذاك، إيلي يشاي، يبلغني فيها بقراره، استنادًا إلى الصلاحيات الممنوحة له وفق القانون، سحب هويتي بذريعة أنني استغلتها للإضرار بدولة إسرائيل، وهي ادعاءات غير صحيحة، وشكّلت سابقة في هذا السياق.
ورغم أن التبليغ كان عام 2002، فإنني اكتشفت بعد خروجي من السجن أن الإجراءات بدأت فعليًا عام 2005، بينما دخل سحب الهوية حيّز التنفيذ عام 2014، أي خلال فترة وجودي في الأسر.
في البداية، اعتقدت أن القرار شعبوي، ولا يتعدى كونه جزءًا من المزاودات بين وزراء الأحزاب الإسرائيلية المختلفة، لكن بعد خروجي أدركت أن الأمر حقيقي، إذ أصبحت شخصًا “غير مرغوب فيه”، وأن العامل الوحيد الذي حال، ولا يزال، دون طردي هو عدم امتلاكي جنسية أخرى.
“عرب 48”: سبق أن جرى سحب هويات أعضاء المجلس التشريعي التابعين لحركة حماس من القدس، ومؤخرًا جرى إبعاد صلاح الحموري بعد سحب هويته؟
الشرفا: سحب هويات أعضاء المجلس التشريعي من حركة حماس جرى عام 2006، أما صلاح الحموري، الذي أُبعد مؤخرًا إلى فرنسا، فكان يحمل الجنسية الفرنسية. وقد قيل لي صراحة: “أنت مثل الحموري، ولو كنت تمتلك جنسية أخرى لكنت اليوم خارج البلاد”.
هذا الأمر ساعدني في المحكمة، إذ قالت القاضية إنه لا يعقل أن أبقى دون تعريف قانوني، خاصة أنني لا أمتلك جنسية أخرى. كما لم يكن بإمكانهم طردي إلى الضفة الغربية، لأن السلطة الفلسطينية ترفض منحي “إقامة” أو “هوية ضفة”، وهو موقف سياسي يهدف إلى عدم تشجيع طرد الفلسطينيين من القدس. لذلك، أمرت المحكمة بمنحي إقامة مؤقتة أبقتني في المدينة. لكن بقائي في القدس هو بقاء مشروط، يتطلب إثباتًا دائمًا بأنني مقيم فيها، وملتزم بالقانون، وأدفع الضرائب، ولا “أتدخل في الشؤون الأمنية”، وغيرها من الذرائع التي تُستخدم لسحب الهوية. وأنا ألتزم بكل ذلك قسرًا، إلى حد أنني أخشى المبيت خارج القدس ولو ليلة واحدة، خوفًا من اتخاذ ذلك ذريعة للادعاء بأنني أقيم خارج المدينة.
وكما أشرت في المقال، تُستخدم وسائل رقابة إلكترونية واسعة، تشمل الهواتف وكاميرات المراقبة المنتشرة في شوارع القدس وعلى الحواجز، إضافة إلى الاستعانة بمتعاونين، من موظفي وزارة الداخلية وغيرهم، لمراقبة المقدسيين داخل المدينة وفي الضفة الغربية.
“عرب 48”: أشرتَ إلى أن هذه السياسة تفاقمت بعد السابع من أكتوبر، كيف تُرجم ذلك على الأرض؟
الشرفا: بعد السابع من أكتوبر، نلمس حزمة من القوانين والإجراءات والسياسات التي تشير إلى أن أمرًا خطيرًا يحدث، مع تسارع واضح في سحب الهويات المقدسية. وقد مُنحت السلطات مساحة أوسع لتنفيذ هذه الإجراءات، فيما أصبح القضاء الإسرائيلي شريكًا فعليًا في هذه الحملة، بعدما انجرف مع التيار السائد، وانزاح أكثر نحو اليمين المتطرف، على حساب الفلسطينيين، الذين لم يعد لهم أي ملجأ قضائي يُذكر.
“عرب 48”: في قضايا الأرض وهدم البيوت، ازداد انحياز القضاء الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر. لكن ماذا عن ما يُسمى “المناطق الرمادية”، مثل كفر عقب؟
الشرفا: نحن نتحدث عن مناطق تقع خارج الجدار، لكنها تُصنَّف إداريًا ضمن بلدية القدس. وعلى الرغم من أن البلدية لا تقدم لها أي خدمات، فإن السكان هناك يدفعون ضريبة الأرنونا للحفاظ على هوياتهم المقدسية.
وقد تحولت هذه المناطق، وخاصة كفر عقب، إلى ملاذ لمن لا يستطيعون تحمّل تكاليف البناء أو إيجار الشقق داخل القدس. نحن أمام حالة رمادية: السلطة الفلسطينية لا تستطيع فرض إجراءاتها هناك، وإسرائيل لا ترغب في فرض سيطرتها الكاملة، رغم تبعية هذه المناطق لبلدية القدس التي تجبي منها الضرائب. لذلك، نشهد بناءً عشوائيًا وعمارات شاهقة، وسوءًا في البنى التحتية، ومظاهر متعددة تعكس حالة فقدان السيطرة.
شادي الشرفا: طالب دكتوراه في العلوم الاجتماعية، وباحث مختص في الشؤون الإسرائيلية.
المصدر… عرب ٤٨

