المسار : يواصل مشروع بحثي جديد تسليط الضوء على أهم المعالم التاريخية والأثرية، ولا سيما في مجال العمارة في فلسطين التاريخية، في إطار مواجهة ترهّل الذاكرة والنسيان وعمليات الطمس والتغييب. ويتناول المشروع الموسوم بعنوان «الرملة العاصمة المنسيّة»، الذي يُنفَّذ برعاية مركز «عتيق» للآثار والتراث، بإدارة الباحث الدكتور عبد الرازق متاني، وبإشراف ورعاية لجنة أمناء الوقف الإسلامي في مدينة الرملة داخل أراضي 48.
ويشمل المشروع إصدار كتاب جديد بعنوان «الرملة العاصمة المنسيّة: مسح ودراسة المقدسات والآثار الإسلامية في مدينة الرملة (715–1917م)»، إلى جانب تدشين موقع إلكتروني تفاعلي للتعريف بمقدسات المدينة، وعرض فيلم وثائقي يروي قصة الرملة بلغة بصرية حديثة تستند إلى المعطيات الأثرية والتاريخية.
ويقوم الكتاب على دراسة شاملة للمقدسات والآثار الإسلامية في مدينة الرملة منذ نشأتها الأموية في مطلع القرن الثامن الميلادي وحتى نهاية العهد العثماني، مستندًا إلى منهجية تكاملية وشمولية تمزج بين التحليل الأثري، والقراءة التاريخية، والمسح المعماري، وتوظيف السجلات الوقفية والوثائق الأصلية. كما يقدّم العمل قراءة نقدية للأدبيات السابقة، خاصة المسوحات الغربية، مثل سجلات الانتداب البريطاني والمسح المعماري لمباني العصور الوسطى والعثمانية، مستفيدًا من منشورات مجلس البحث البريطاني في بلاد الشام حول الرملة، ليحوّل هذه المواد من مراجع خارجية إلى قاعدة بيانات حيّة توثق تاريخ المدينة وتحكي قصتها.
من النقش إلى السحابة الرقمية
ينظر الدكتور عبد الرازق متاني إلى الرملة بوصفها مختبرًا حيًا لتاريخ العمارة الإسلامية في جند فلسطين، فيجمع بين المسح الميداني للمعالم، وتحليل النقوش، وقراءة السجلات الوقفية، وربطها بنتائج الحفريات الأثرية المتفرقة التي أُجريت في المدينة خلال العقود الماضية. ويتميّز المشروع بتوظيف تقنية المسح الليزري السحابي ثلاثي الأبعاد لعدد من المعالم الرئيسة في مدينة الرملة، التي يقطنها اليوم نحو 25 ألف نسمة، معظمهم من الوافدين من مناطق أخرى بعد نكبة عام 1948.
ويشمل المسح معالم بارزة، من بينها المسجد العمري الكبير، ومسجد الفضل بن عباس، ومسجد أبو العون، ومعالم أخرى، ما يتيح قراءة دقيقة للطبقات المعمارية وتتبع مراحل البناء والترميم، ويمهّد لإنتاج نماذج رقمية تحفظ صورة هذه المعالم في مواجهة التغييرات العمرانية المتسارعة. كما يقدّم المشروع الرملة بوصفها مدينة إسلامية النشأة، لا امتدادًا متأخرًا لعمران بيزنطي، مستندًا إلى شواهد معمارية وأثرية تشير إلى أن الرملة مثّلت مرحلة حضارية جديدة في تاريخ المنطقة.
وينسجم هذا الطرح مع اتجاه متزايد في الدراسات الأثرية التي تعيد قراءة تاريخ المدن الإسلامية بعيدًا عن الروايات والقراءات الاستشراقية التقليدية.
وتكشف الدراسة عن دور الرملة في إعادة تعريف خريطة الازدهار الحضاري في بلاد الشام، إذ تصبح آثارها ومعالمها مقياسًا تُقارن به مكتشفات مواقع أخرى، بما يسهم في تصحيح نسب كثير من اللقى والبنايات التي أُلصقت تعسفًا بالفترات البيزنطية أو غير الإسلامية.
مدينة تنهض من الركام
يربط المشروع بين سجلات الكوارث الطبيعية والحروب والتحولات العمرانية في الرملة، مستعرضًا أثر الزلازل المدمّرة في القرن الحادي عشر الميلادي، ولا سيما زلزالي عامي 1033م و1068م، اللذين دمّرا أجزاء واسعة من المدينة وأسهما في تغيير بنيتها السكانية والعمرانية.
غير أن الرواية التي يقدّمها الباحث لا تتوقف عند مشهد الدمار، بل تبرز قدرة الرملة على النهوض المتكرر عبر مشاريع إعمار مملوكية وعثمانية شملت إعادة بناء المساجد، وترميم البنية التحتية، وتوسيع شبكة الأوقاف، ما يجعل المدينة نموذجًا للاستمرارية الحضارية في مواجهة الانقطاع والنسيان وآثار الكوارث.
وفي تقديمه للكتاب، يروي الدكتور متاني، ابن مدينة قلنسوة في منطقة المثلث، حكايته الطويلة مع الرملة، منذ زيارة مدرسية عابرة إلى برجها الشهير، وصولًا إلى تخصيص مساحات واسعة لها في أطروحته للدكتوراه حول عمارة المساجد في جند الأردن وفلسطين، لتتحوّل المدينة من موضوع دراسة إلى شريك في تشكيل مساره العلمي والإنساني.
أول الغيث
لا يتوقف مشروع «الرملة العاصمة المنسيّة» عند حدود الورق، بل يفتح أفقًا رقميًا واسعًا عبر موقع إلكتروني في طور التوسّع، يضم خرائط تفاعلية، وصورًا توثيقية للمساجد والمقامات والمقابر، ومواد تعريفية موجّهة للباحثين والزائرين وسكان المدينة على حد سواء.
كما يشكّل الفيلم الوثائقي المرافق للمشروع حلقة وصل بين الأرشيف والذاكرة البصرية المعاصرة، إذ يوظّف لقطات من المعالم، ومواد أرشيفية، وسردًا علميًا مبسطًا، ليقدّم الرملة بصورة جاذبة للأجيال الشابة وللجمهور العالمي، مع خطط مستقبلية لترجمة المحتوى إلى لغات عدة.
وأوضح الدكتور عبد الرازق متاني، في حديث لـ «القدس العربي»، أن مشروع «الرملة العاصمة المنسيّة» «ليس مجرد كتاب، بل محاولة جادّة لتأسيس نموذج بحثي متكامل لدراسة المدينة، يجمع بين الدراسة العلمية الرصينة، والتوثيق الميداني المتقدّم، والمنصات الرقمية المفتوحة للجمهور».
كما بيّن أن الرملة، بما تحتويه من شواهد معمارية وأوقاف ومساجد ومقابر، تمنح الباحثين فرصة نادرة لإعادة قراءة تاريخ البلاد من منظور التراث المادي الإسلامي، بعيدًا عن القراءات الإقصائية، وأن المشروع يطمح إلى أن يكون «لبنة في بناء سردية علمية متماسكة تعيد للرملة مكانتها كعاصمة حضارية، لا كمدينة منسية على الهامش».
وأشار متاني إلى أن الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك اختار بناء مدينة الرملة رغم وجود مدينتي اللد ويافا إلى جوارها، لتكون حاضرة إسلامية وعاصمة لجند فلسطين تُبنى من الألف إلى الياء. وردًا على سؤال حول عنوان المشروع، أوضح أن النسيان ليس نتيجة تقادم الزمن، بل هو نتاج محاولات طمس المعالم العربية الإسلامية في فلسطين التاريخية من جهات إسرائيلية مختلفة، منوهًا بأهمية تواصل فلسطينيي الداخل، بمختلف فئاتهم العمرية، مع المدينة، ولا سيما أن برج مسجدها الأبيض يُعد منارة عمرانية فاخرة، إلى جانب آثار عديدة تنطوي على قيمة معرفية وجمالية وثقافية تتصل بالهوية والانتماء ورعايتهما.
ويُشار إلى أن عددًا من البلدات العربية داخل أراضي 48 تستضيف حفلات إشهار للمشروع، وتسهم في استكشاف أسرار الرملة بوصفها إحدى أهم المدن التاريخية والمعالم الحضارية في البلاد. وفي كلمته خلال احتفالية إشهار الكتاب في مدينة الرملة، أكّد الأستاذ عدنان جاروشي، رئيس لجنة أمناء الوقف الإسلامي في المدينة، أن المشروع يشكّل نقلة نوعية في توثيق مقدسات الرملة بما ينسجم مع مكانتها التاريخية والمعمارية، مبيّنًا أن اللجنة وضعت منذ سنوات رؤية شاملة لخدمة الأوقاف الإسلامية في المدينة، تقوم على الجمع بين صيانة الحجر وصون الذاكرة.
وأضاف أن هذه الرؤية لا تقتصر على الترميم الفيزيائي، بل تتعداه إلى التوثيق المنهجي وإطلاق المبادرات البحثية، معتبرًا أن هذا المشروع ليس سوى «أول الغيث».

