ففي حفل أقيم يوم الخميس على المنصة الرئيسية للمنتدى في دافوس، كشف البيت الأبيض النقاب عن “مجلس السلام” الذي أطلقه الرئيس ترامب، وهو عبارة عن تجمع لدول متحالفة مع بعض ضمن مبادرات ترامب للسلام، وعلى رأسها مشروع إعادة إعمار غزة التي مزقتها الحرب.
ووصف روبيو هذا الكيان بأنه حل لنظام دولي متعثر. وقال: “في كثير من الأحيان، نجد أنفسنا في فعاليات الشؤون الدولية نقرأ بيانات معدة مسبقا، ونقرأ رسائل شديدة اللهجة، لكن دون أي تحرك أو إنجاز”.
وأضاف مشيرا إلى 19 قائدا ووزيرا آخرين كانوا جالسين على المنصة حول ترامب: “هذه مجموعة من القادة الذين يهتمون بالعمل، ورئيس الولايات المتحدة يهتم بالعمل ويعنى بإنجاز الأمور”.
ويعلق ثارور أن الكثير من الغموض يحيط بالكثير من الأمور المتعلقة بمجلس السلام، وما قد يسعى لتحقيقه في الأشهر المقبلة، باستثناء الخطط الموضوعة لإدارة غزة ما بعد الحرب. وقد أبدى عدد قليل من أهم حلفاء الولايات المتحدة الغربيين اهتماما بالانضمام إليه، في حين وجّه ترامب دعوات واضحةً إلى الأنظمة الديكتاتورية في روسيا وبيلاروسيا. ويرى كل من مؤيدي المجلس ومعارضيه أنه يمثل تحديا للنظام الدولي القائم، في وقت يبدو فيه ترامب مقتنعا أكثر فأكثر بحق الولايات المتحدة في فرض هيمنتها على الشؤون العالمية، بدءا من إطاحته بالنظام في فنزويلا ووصولا إلى رغبته في ضم جزيرة غرينلاند.
وفي مقابلة مع شبكة “سي إن إن”، وصفت ماري روبنسون، رئيسة أيرلندا السابقة والمسؤولة السابقة والبارزة في الأمم المتحدة، المجلس بأنه “محاولة للاستيلاء بالقوة من رجل لديه أفكار إمبريالية”.
ومن جانب آخر، أشاد جوناثان تشانزر، المدير التنفيذي للمؤسسة المحافظة، الدفاع عن الديمقراطيات، بالمجلس قائلا إن “المتنفذين في الأمم المتحدة يراقبون الوضع بقلق، فإذا نجح ترامب، فهذا دليل إضافي على فشلهم”.
وقد تحدث الكاتب إلى زعيمين انضمت حكومتاهما إلى مجلس السلام. وأصرت كل من الرئيسة فيوسا عثماني من كوسوفو، والرئيس الأرميني فاهان خاتشاتوريان، على أن المجلس يكمل منظومة الأمم المتحدة ولا يشكل تحديا له. وقللا من شأن التقارير التي تفيد بأن إدارة ترامب انتزعت التزامات بقيمة مليار دولار كضمان للعضوية.
وقالت الرئيسة عثماني، إن كوسوفو لم يطلب منها المساهمة في المجلس، وأن مشاركة بلادها كانت تتعلق أكثر بقوة مثالها. وقالت: “نحن نعرف ما معنى أن تكون دولة بحاجة إلى يد العون”، في إشارة إلى العمليات التي قادتها الولايات المتحدة قبل نحو ثلاثة عقود والتي ساعدت كوسوفو على الانفصال عن صربيا.
وأضافت: “كل واحد منا كان لاجئا، كنا نازحين داخليا، وفقدنا أحباءنا ومنازلنا واضطررنا لبناء حياتنا من الصفر، وتمكنا من ذلك بفضل وقوف العالم الديمقراطي إلى جانبنا، لقد فتحوا لنا أبوابهم وقلوبهم. والآن حان دورنا لرد الجميل”.
وأوضح خاتشاتوريان أن العضوية في كيان ترامب “لا تتعلق بملايين أو مئات الملايين من الدولارات، بل تتعلق أكثر بالموقف، وهي فرصة لمساعدة المحتاجين”. وأعرب عن أسفه أن “مبادئ التعايش تنتهك في كثير من الأحيان حول العالم والأمم المتحدة لا تستطيع في أغلب الأحيان منع هذه الانتهاكات”، لكنه قال إن مجلس السلام يمكن أن يسهم في “تعزيز الثقة” بمنظومة الأمم المتحدة.
إلا أن العديد من المحللين لا يتفقون مع هذا التقييم وينتقدون طريقة ترامب الشخصية في التعاملات. فقد كتب الفيلسوف السياسي فرانسيس فوكوياما في أعقاب دافوس: “ترامب مدمر للمؤسسات ويريد استبدالها بخياراته الشخصية والتي تعود عليه بالنفع حتما”، وأضاف: “المؤسسة هي قاعدة أو هيكل لا يعتمد على فرد واحد، بل يبقى قائما حتى بعد رحيل مؤسسه”.
كما أشار فيل غوردون، المسؤول السابق في إدارتي بايدن وأوباما، والمستشار السياسي لنائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس، إلى أن مجلس السلام ما هو إلا امتداد لأسلوب ترامب السياسي. وقال غوردون: “يريد أن يكون الرجل، القائد المُطلق الذي يحظى باحترام الجميع ويستحوذ على الموارد التي يستحقها ويتحكم بها. كل من ظن أنه انعزالي، بسبب شعار أمريكا أولًا، يدرك الآن أن الأمر ليس كذلك”.
ويقول ثارور إن التحول الأوسع في السياسة العالمية، الذي يبدو أن ترامب قد حفزه، حيث وصف تارة بالانجراف نحو رؤية “مناطق النفوذ” التقليدية للعالم، وتبني سياسة “القوة هي الحق”، أثار قلق أولئك الذين ما زالوا يؤمنون بمبادئ النظام الليبرالي.
وفي مقابلة بدافوس، حذرت سفيتلانا تيخانوفسكايا، زعيمة المعارضة الديمقراطية في بيلاروسيا بالمنفى، من أن “النهج النفعي في السياسة خطير للغاية”، وأن أولئك الذين يبشرون بانهيار النظام القائم على القواعد قد يندمون على ما يترتب على ذلك. وتساءلت: “هل نحن مستعدون لهيمنة دكتاتورية البراغماتية على هذا العالم؟ أشك في ذلك، لأنه سيكون عالما قائما على المال فقط، وهذا ليس ما يسعى إليه مجتمعنا، كما آمل”.
وأشار صالح أحمد جامع، نائب رئيس وزراء الصومال، إلى ما تسعى إليه بلاده والعديد من دول الجنوب العالمي، حيث قال: “نتطلع إلى عالم أكثر استقرارا، عالم يمنح الأطفال فرصا متساوية بغض النظر عن مكان ولادتهم أو موقعهم الجغرافي، عالم لا يسلبهم مستقبلهم. لدينا طموحات وأحلام كثيرة لمواطنينا، ويعتمد الكثير مما يمكننا تقديمه لهم كحكومة على النظام الدولي الذي نعيش في ظله”.

