| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
يديعوت احرونوت/ مامون 29/1/2026
الدولار يتحطم: سعر الصرف الرسمي 3.09 شيكل
بقلم: جاد ليئور
يستمر انهيار الدولار في إسرائيل. انخفض سعر صرفه أمس بنسبة 0.41 في المئة، مسجلاً 3.09 شيكل. يقترب هذا السعر من أدنى مستوى له منذ بداية الألفية، والذي سُجل في العام 2021 عندما بلغ سعر صرف الدولار 3.07 شيكل.
يُؤثر الانخفاض طويل الأمد في سعر صرف الدولار (وكذلك اليورو) إيجاباً على المواطنين، حيث يدفع المسافرون إلى الخارج مبالغ أقل مقابل تذاكر الطيران، وحجوزات الفنادق، وتأجير السيارات، وبالطبع التسوق. يُتيح هذا توفير مئات بل آلاف الشواكل لعائلة تُسافر في إجازة.
وهو اتجاه إيجابي للغاية، إذ تُساهم أسعار الواردات، بما فيها المواد الخام الصناعية والمنتجات المُخفّضة، بالإضافة إلى ارتفاع قيمة الشيكل، في دعم الاقتصاد والمواطنين بشكل كبير بعد عامين من الحرب. ونحن نُؤيد هذا التوجه، ولا يوجد أي مُبرر لخفض قيمة الشيكل الآن. سيكون من الجيد لو تعززت قيمته أكثر.
وصرح مسؤول رفيع في وزارة المالية بأن الأسباب الرئيسية للتحسن الملحوظ في قيمة الشيكل هي تدفق الدولارات إلى إسرائيل في قطاع التكنولوجيا المتقدمة، وتزايد عمليات الاستحواذ على الشركات الإسرائيلية مؤخرًا، وانتهاء الحرب، وتحسن إنتاجية سوق العمل. وأضاف المسؤول أن كميات إضافية من الدولارات ستدخل إسرائيل قريبًا من عائدات بيع الغاز الطبيعي، فضلًا عن الثقة في قوة الاقتصاد الإسرائيلي الذي يتعافى من عامين صعبين من الحرب.
أما غير الراضين عن انخفاض سعر صرف الدولار فهم الصناعيون والمصدرون الذين يضغطون على بنك إسرائيل للتدخل وشراء الدولارات لوقف تراجع سعر الصرف.
رفض محافظ بنك إسرائيل، البروفيسور أمير يارون، استبعاد إمكانية التدخل في تداول العملات الأجنبية خلال الأيام الأخيرة، قائلاً: “نحن نراقب عن كثب ما يحدث في سوق الصرف الأجنبي، وسنتخذ القرارات اللازمة عند الضرورة”.
زيادة الاستثمارات
ما هي أسباب ضعف الدولار مقابل العملة الإسرائيلية؟ أوضح مودي شافرير، كبير استراتيجيي الأسواق المالية في بنك هبوعليم، أن سعر صرف الشيكل يواصل ارتفاعه الحاد مقابل الدولار، مقترباً من أعلى مستوى تاريخي، وذلك في ظل مجموعة من الأسباب الداخلية، فضلاً عن ضعف الدولار عالمياً.
وأضاف أنه إلى جانب أسباب ارتفاع قيمة الشيكل مقابل سلة العملات، هناك أسباب رئيسية أخرى تحتاج إلى توضيح: فائض الصادرات على الواردات، بالإضافة إلى الزيادة الكبيرة في الاستثمارات الأجنبية المباشرة في إسرائيل، لا سيما في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة. مبيعات العملات الأجنبية من قبل المؤسسات المالية، لأسباب منها رغبتها في تقليل انكشافها على تقلبات أسعار الصرف، وفي ضوء ارتفاع أسواق الأسهم العالمية؛ وانخفاض علاوة المخاطرة على إسرائيل، فضلاً عن احتمال أن يؤدي هجوم أمريكي على إيران إلى تغيير في النظام العالمي في الشرق الأوسط.
نشاط المضاربات
أوضح يوسي فرانك، الرئيس التنفيذي لشركة “إنرجي فاينانس”، أن أحد الأسباب الرئيسية الأخرى لارتفاع قيمة الشيكل هو نشاط المضاربات المتزايد منذ بداية العام، سواءً الأموال الأجنبية التي تصل إلى البنوك وشركات الاستثمار وصناديق التحوط، أو الأموال المحلية التي “تفوح منها رائحة الدم”. وأضاف فرانك أن الدولار قد ضعف عالميًا، وهو ضعف ازداد قليلاً هذا الأسبوع، “خاصةً في ضوء تصريحات الرئيس ترامب، في حين ارتفعت أسواق الأسهم الأمريكية مجددًا هذا الأسبوع وتقترب من ذروتها”.
قال أور بوريا، رئيس مجلس إدارة شركة بوريا للتمويل: “إن ضعف الدولار مقابل الشيكل ناتج عن تضافر عدة عوامل، سواء على الصعيد العالمي أو داخل الاقتصاد الإسرائيلي. أولًا، تشير تقديرات الأسواق إلى أن الولايات المتحدة تقترب من مرحلة خفض أسعار الفائدة. وعندما يُتوقع انخفاض أسعار الفائدة، يصبح الاحتفاظ بالدولار أقل ربحية للمستثمرين، لذا يتجه جزء من الأموال إلى أصول أخرى – كالأسهم والسندات في دول وأسواق أخرى يُعتقد أنها ذات عوائد أعلى. ويؤدي انخفاض الطلب على الدولار إلى ضغط نزولي على سعر صرفه”.
من المستفيد؟
– المسافرون إلى الخارج
– مشتري المنتجات عبر الإنترنت
– الحاصلون على قروض أو رهون عقارية مرتبطة بالدولار
– الشركات التي تشتري المواد الخام من الخارج
من الخاسر؟
– المصنّعون والمصدّرون الذين يبيعون منتجاتهم في الخارج بالدولار
– من لديهم مدخرات مرتبطة بالدولار
– مالكو الأصول في الخارج
– من دفعوا مسبقًا ثمن تذاكر الطيران والفنادق في الخارج.
——————————————
هآرتس 29/1/2026
دافيد زيني لا يستطيع ان يترأس الشباك، مهنيا وايديولوجيا
بقلم: اوري مسغاف
لا يمكن ان يكون دافيد زيني رئيس الشباك. ففي دولة سليمة وطبيعية لن يتم طرح اسمه حتى كمرشح. في كل الحالات كان ينبغي عليه تعليق مهماته في الاسبوع الماضي، مع موجة الاعتقالات في قضية امنية جديدة ما زالت تخضع لمنع نشر جزئي. ولكن اسرائيل في عهد نتنياهو هي دولة خربة ومضطربة. لذلك، اذا تم تشكيل هنا في هذه السنة حكومة مختلفة فهي ستكون بحاجة الى شجاعة كبيرة لاقالة زيني، ليس كجزء من حملة التطهير، بل ببساطة لانه غير مناسب.
ان الشخص الاول الذي وضح عدم ملاءمة زيني هو نتنياهو. عندما اجريت معه مقابلة لشغل منصب سكرتيره العسكري راى انه “مسيحاني جدا”، هذا ما قاله وكان على حق. وعندما قرر فجأة عند تفاقم فضيحة قطر بان زيني هو الشخص الانسب لرئاسة الشباك، اندلع جدل حول تشدده الديني. في ذلك الوقت انتقده كثيرون بشدة بسبب القبعة المنسوجة على رأسه. ولكنهم اخطأوا الهدف. فلا يوجد أي معيب في ان يكون رئيس الشباك متدين. يورام كوهين، رئيس الشباك السابق، كان يرتدي القبعة المنسوجة، وهكذا ايضا روني الشيخ الذي ترعرع في الجهاز وتم تعيينه في منصب المفتش العام للشرطة.
مشكلة زيني لا تكمن في التدين، بل في معهده الديني – المدرسة الدينية هار هامور التابعة للحاخام تاو. فهي معقل التطرف الحريدي الخطير. في مدرسة هار هامور لا يؤمنون بسلطة الدولة وجوهرها الديمقراطي. فالدولة ومؤسساتها ليس لها أي قيمة الا فقط كحمار المسيح، مرحلة انتقالية مؤقتة في تطبيق الحق الالهي على الارض المقدسة وتاسيس دولة طالبان يهودية.
دافيد زيني
المحيط العائلي لزيني له صلة بالموضوع. فوالده الحاخام يوسف زيني ينشر مقالات تحريض ويحيك نظريات مؤامرة. وقد اخترق في هذا الاسبوع منع النشر عن علم وادراك. وقد وصف ذات مرة رئيس الكنيست المثلي امير اوحانا بانه “اقل من بهيمة”. أما زوجة دافيد زيني، نعومي، فقد نشرت مجموعة محادثات مع زوجات المقاتلين اثناء الحرب، وقدمت نفسها بانها تلميذة الحاخام تاو وزوجته حنة، وانتقدت “تقدمية” الجيش الاسرائيلي وكتبت “يجب على الجندي الذي يقاتل ان يهدف الى تنفيذ اوامر الله، فهو ينفذ ارادة الله… تدمير المباني في غزة هو فريضة… يجب علينا ايضا ان نرث ونستوطن”.
احد ابناء عائلته القاصرين تم التحقيق معه في الشباك بكونه احد فتيان التلال، الى ان طلب الجناح اليهودي من زيني التدخل لتهدئته. أما شقيقه العميد بتسلئيل زيني فقد قاد في غزة قوة “اوريا” التي مزجت بشكل مثير للقلق بين النشاطات العسكرية والمدنية اثناء الانخراط في تدمير القطاع لاسباب ايديولوجية. شقيق آخر له، شموئيل زيني، هو الذراع اليمنى ومدير اعماله المحلية لسيمون فالك، الصديق والداعم لعائلة نتنياهو في القدس وفي ميامي.
زيني يجد نفسه في دوامة معقدة من تضارب المصالح العائلية والسياسية. لقد تم منعه من المشاركة في التحقيقات في قضية “قطر غيت”، والان ايضا في القضية الامنية الجديدة. وقد ناقشت لجنة غرونس صاحبة الصلاحيات المحدودة التعيين من منظار “النزاهة الشخصية” فقط بدون التطرق الى كفاءته المهنية للمنصب. وقد ازداد الانتقاد العام بشكل رئيسي حول طريقة التعيين (بعد محادثة استمرت خمس دقائق في المقعد الخلفي في سيارة الجيب مع اخفاء الامر عن رئيس الاركان وتجاوزه) وهوية الذي تم تعيينه – ليس بسبب عدم ملاءمة زيني ايديولوجيا، بل مهنيا ايضا. فهو لم يعمل أبدا في مجال الاستخبارات، ولا يتحدث اللغة العربية أو اللغة الانجليزية (مثل رومان غوفمان، السكرتير العسكري الحالي الذي يقوم نتنياهو باعداده لرئاسة الموساد).
في ذلك الحين كتب نتنياهو ملاحظات على وثيقة كتبها زيني، يتم الزعم بانه حذر فيها مسبقا من احداث 7 اكتوبرـ وقد تبين ان التوصية الابرز فيها كانت ازالة الاعشاب الضارة قرب الجدار. ويقال ان زيني كان متحمس عندما سمعه وهو يتحدث عن “حرب ابدية” في غزة وعارض صفقات الرهائن. في نفس الوقت تبين ان هذا البطل العظيم (الحصان السريع والشرس)، خشي حتى من مصافحة مقاتلات الشباك في احتفال تكريمهن. كيف يعقل ان يتراس شخص كهذا جهاز مهمته حماية النظام الديمقراطي في اسرائيل؟.
——————————————
هآرتس 29/1/2026
بين نكبتي 1948 و2026: في الأولى طمروا المقابر وفي الثانية تركوا الجماجم تتدحرج على الأرض
بقلم: جدعون ليفي
لدينا أبطال جدد لم نشاهد مثلهم من قبل: المنقبون عن الجثث – مئات الجنود والحاخامات وأطباء التشريح وأطباء الأسنان الذين تم تجنيدهم للعثور على جثة المخطوف ران غوئيلي. “هذا انفعال هستيري”، وصفت حالته طبيبة الأسنان التي تعرفت على أسنانه. وبغض النظر عن الفرح جراء العثور على جثته، فلا يمكن تجاهل الهوس المرضي بالجثث الذي انتشر في إسرائيل.
ربما يمكن فهم المنفعلين إلى درجة “الجنون” من العثور على جثة، لكن لا يمكن تجاهل الثمن الباهظ وازدواجية الأخلاق التي رافقت عملية إخراج مئات جثث الفلسطينيين من القبور وتدنيسها بعنف واعتبار العملية عملاً بطولياً ووطنياً، وتسميتها بـ “القلب الشجاع”.
ليس هذا فقط، بل الأمر يتجاوز ذلك؛ فإذا كانت إسرائيل تعتبر دولة فصل عنصري بالنسبة لرعاياها الأحياء، فقد كشفت مقبرة البطش بأنها دولة فصل عنصري للأموات أيضاً، نظام فصل عنصري للهياكل العظمية. دولة اختطفت واحتجزت مئات الجثث، تم دفن بعضها وتجميد آخرين منذ أشهر وسنين، مستعدة لدفع أي ثمن لإعادة جثة واحدة. من أجل إعادة رفات الموتى، مسموح لها فعل أي شيء.
الإسرائيليون اليهود وحدهم الذين لهم عائلات تحلم بإعادتهم ليدفنوا في إسرائيل، أما مئات العائلات الفلسطينية التي تحلم بدفن أعزائها في فلسطين، فلا تعتبر شيئاً. حتى موتاها لا حقوق لهم. وسماسرة الجثث يحتفظون بها للمساومة، مساومة لانهائية. كل الموتى الإسرائيليين عادوا إلى بلادهم، أما إسرائيل فتواصل اختطاف الجثث والاحتفاظ بها إلى حين الحاجة. الثلاجات والمقابر مكتظة بالجثث. كل من دفن هناك له آباء وأولاد يتوقون لدفنه بشكل لائق، لكن لإسرائيل رأياً آخر: نحن الوحيدون الذين لدينا أحاسيس، فنحن بشر!
أول أمس، في الوقت الذي كانت تحتفل فيه إسرائيل بالعثور على جثة آخر المخطوفين، وتحولت مقبرة البطش إلى سهل من الرمال، خرج أربعة شباب من غزة إلى ما كان يعرف كمقبرة للعثور على جثث أحبائهم، كل منهم كان لديه ألم مختلف، أحدهم كان يبحث عن قبر والده، وآخر يبحث عن قبر والدته، والثالث عن قبر شقيقه والرابع عن قبر شقيقته.
الجيش الإسرائيلي قتل هؤلاء الأربعة: محمود لولو، عبد القادر أبو خضر، عبد الكريم ربان والفتى يوسف الريفي. وحتى كتابة هذه السطور، لم يرد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي على سؤال “هآرتس” حول سبب إعدامهم رمياً بالرصاص. حتى إزهاق أرواح الأبرياء يبرر العثور على جثة المخطوف الإسرائيلي الأخير.
لم يبق أي شيء من المقبرة التي كان مدفوناً فيها مئات الأشخاص. المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي قال أمس للصحيفة: “كل الجثث أعيد دفنها في نفس المنطقة، بواسطة تراب جلبه الجيش الإسرائيلي، لم تبق جثث في المنطقة”.
ونشرت قناة “الجزيرة” أمس أفلام فيديو صورها سكان شجعان ذهبوا إلى المقبرة التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي؛ للبحث عن رفات أقاربهم. الشخص الذي صور الفيديو بصوت منخفض وهو يلهث ويبكي، قال: “هذه جثة، هذه جثة أخرى”. المقبرة أصبحت مثل ملعب تيدي، حسب وصف من دمر مخيم جنين للاجئين دوفي كردي.
المشهد مؤلم: مصور الفيديو أشار إلى أكياس بلاستيكية ممزقة، كان فيها أشلاء جثث، وهي تتدحرج على الأرض. المنطقة الواسعة مغطاة كلها بالرمال، لم يبق أي قبر. إذا كانت إسرائيل قد حرصت في النكبة الأولى في 1948 على الحفاظ على المقابر، فإنه في نكبة غزة لم يبق حجر فوق حجر من مقبرة البطش. كيف سيتعرفون على قبور أحبائهم؟ كيف سيجدون مكان جثثهم في الرمال؟
في الطيرة، تجلس عائلة وليد دقة، السجين في إسرائيل والذي توفي في السجن بعد 38 سنة، تنتظر جثمانه. منذ سنتين والزوجة سناء والابنة ميلاد والشقيق ينتظرون. هم ينتظرون وينتظرون.
——————————————
معاريف 29/1/2026
الحسم الاستراتيجي يتعلق باستعداد إسرائيل لقيام حكم مركزي في دمشق
بقلم: ميخائيل هراري
أفرز استئناف المفاوضات بين إسرائيل وسوريا في باريس بضع توافقات. من بينها، إقامة آلية لمنع سوء التقدير، تنفيذ خطوات بناء ثقة في الطرفين، والتعاطي مع مسألة الدروز في جنوب سوريا كموضوع داخلي يحل ليس باستخدام السلاح وليس بالتدخل الخارجي. لم تعرف تفاصيل في موضوع مدى الانسحاب الإسرائيلي من الأرض التي احتلت بعد سقوط النظام السوري السابق. الولايات المتحدة اقترحت على الطرفين إقامة غرفة عمليات مشتركة في الأردن ومنطقة مجردة من السلاح على طرفي الحدود.
لكن التطورات في الساحة السورية سريعة جدا. في ضوء المواجهات القاسية بين قوات النظام السوري والاكراد، واساسا ما اعتبر كهزيمة كردية يبرز بضعة أمور. أولا، تعاظمت الشبهات الإسرائيلية تجاه نظام الشرع وبالاساس تعاظم التخوف من خطر على مصالح حيوية اذا ما انسحبت إسرائيل من الأراضي التي سيطرت عليها. ثانيا، نجاح النظام السوري تجاه الأقلية الكردية في شمال – شرق الدولة يستقبل بقلق أساسا في ضوء الإنجاز الذي في ذلك لتركيا. ثالثا، التخوف على مصير الأقلية الدرزية تعاظم.
هل معنى الامر ان الاحتمالات لاتفاق امني بين الدولتين قلت؟ ليس بالضرورة، لكن للتطورات توجد تداعيات مهم جدا اخذها بالحسبان. سيكون حيويا فحص مضمون الاتفاق المحدث بين نظام الشرع والاكراد والفحص الى أي مدى بالفعل يدور الحديث عن استسلام كردي. سيكون لهذا تأثير هام على موقف إسرائيل في مسألة الدفاع عن الأقلية الدرزية وعن الأقلية الكردية.
الزاوية التركية هامة جدا. ينبغي فحص عميق لم يقوله وضع الاكراد في موضوع التدخل التركي في سوريا. يبدو أن الأمريكيين تأكدوا في هوامش اللقاء في باريس بان إسرائيل لن تعمل عسكريا ضد قوات النظام السوري اذا ما عمل تجاه الاكراد. ويجسد الامر الدور الأمريكي العام بين إسرائيل وتركيا.
اذا تقرر الوصول الى اتفاق امني مع سوريا، فسيتعين على المستوى السياسي في إسرائيل أن “يسوقه” بشكل مقنع. يدور الحديث عن اتفاق ليس فيه تطبيع ويتضمن انسحابا من أراض ما كان يفترض بإسرائيل أن تحوزها. في إسرائيل يفهمون جيدا رغبة ترامب استقرار حكم الشرع في سوريا، ويفهمون أيضا تأثير زعماء السعودية وتركيا على الرئيس الأمريكي. لا تزال هناك عوائق في طريق اتفاق سوري – إسرائيلي. هذه ليست غير قابلة للحل لكنها تستوجب تأكيد بل وتسويق فهيم وواقعي اكثر حيال الرأي العام في إسرائيل.
في السطر الأخير، الحسم الاستراتيجي الواجب يتعلق بمسألة هل إسرائيل مستعدة لان تعطي ائتمانا قيام حكم مركزي في دمشق وتفتح بذلك صفحة جديدة بالشكل الذي تنظر به الى الساحة السورية منذ 2011؟ بالنسبة للساحة الدولية والبيت الأبيض بخاصة الجواب إيجابي. فالامر لا يتعارض على الاطلاق مع المصلحة الإسرائيلية. لإسرائيل توجد هوامش امنية كافية كي تمنح الشرع ائتمانا وتتبنى استراتيجية فهيمة لا تقوم على أساس لعبة مبلغها الصفر.
——————————————
معاريف 29/1/2026
غزة تبنى من جديد وستكون لمن يبنيها، ما سيحل لإسرائيل مشكلة استراتيجية
بقلم: ايلانا سوسان
الخطاب في إسرائيل في موضوع غزة يتركز في مسألة اذا كانت السلطة الفلسطينية ستعود لتحكم هناك في اليوم التالي. هذا التخوف مفهوم. لكن السيناريو ليس واقعيا.
لقد كانت الفرضية الأساس في اتفاقات أوسلو هي إقامة دولة فلسطينية مستقبلا في قطاع غزة وفي يهودا والسامرة. معسكر السلام في إسرائيل دفع بهذا الاتجاه على مدى سنوات انطلاقا من ايمان بان إقامة دولة فلسطينية سيجلب حلا لمشاكل إسرائيل الأمنية على شكل سلام. غير أنه في هذا الحل كانت تكمن مشكلة إقليمية حادة رفض الكثيرون مواجهتها بصدق: إقامة دولة واحدة في غزة، يهودا والسامرة تفترض خلق تواصل إقليمي. كل ممر – فوقي او تحت ارضي – كان سيقطع إسرائيل ويخلق تهديدا امنيا. هذا ليس عنادا إسرائيليا، بل خلل بنيوي في النموذج نفسه.
الانتفاضة الثانية، فك الارتباط عن غزة وسيطرة حماس على القطاع عززت أكثر فأكثر هذا الفهم. غزة ويهودا والسامرة ليسا، ولن يكونا وحدة سياسية واحدة. محاولة توحيدهما في دولة واحدة يخلق مشاكل اكثر مما يخلق حلولا. على هذه الخلفية بدأ يتسلل خطاب آخر: ليس دولتين للشعبين بل ثلاثة كيانات منفصلة – إسرائيل، غزة ويهودا والسامرة. على الرغم من ذلك فان الاسرة الدولية وأجزاء من معسكر اليسار في إسرائيل واصلوا النظر الى السلطة الفلسطينية في رام الله كعنوان حتى لشؤون غزة. هذه هي قوة رؤيا مهيمنة يصعب عليها تعديل نفسها امام الواقع المتغير.
ان فكرة أن يحصل الفلسطينيون على كيانين سياسيين منفصلين لم تنخرط في الخطاب السياسي في إسرائيل وبالتأكيد لم يكن شيء يمكن لزعيم في اليمين ان يتنافس به في الانتخابات. لكن نتنياهو وحماس على حد سواء تقاسما توافقا صامتا مفاده ان السلطة الفلسطينية لن تعود الى غزة.
لقد أدت المذبحة التي نفذتها حماس في إسرائيل في 7 أكتوبر ورفض إعادة المخطوفين الى دمار غير مسبوق في غزة، لكن نشأت أيضا ثغرة لواقع آخر: غزة ستبنى من جديد، وستكون لمن يبنيها. ليس ككيان سياسي، بل ككيان اقتصادي – اداري، نموذج يذكر بصفاته أماكن مثل هونغ كونغ. سيقام فيها آلية إدارية تحت مظلة دولية – مشروع اعلى من الاعمار الاقتصادي. هذه ليست عودة الى أي شيء كان من قبل. فالواقع الجديد يتطلب حلولا جديدة، وهذه يعرف كيف ينتجها رجال الاعمال اكثر من السياسيين.
من ناحية إسرائيل، يحل الامر مشكلة استراتيجية أولى في سموها. في اللحظة التي تفصل فيها غزة سياسيا عن المعادلة، فان المطلب لتواصل إقليمي مع يهودا والسامرة يصبح لاغيا ملغيا. وعندما لا يكون تواصل إقليمي، لا يكون أيضا دولة فلسطينية بالمعنى الكلاسيكي الذي اصر العالم وأجزاء من اليسار في إسرائيل عليه في ظل تجاهل المخاطر الكامنة فيه.
تبقى إذن يهودا والسامرة. السؤال هو اذا كانت السلطة الفلسطينية قادرة على ان تؤدي مهامها كدولة مسؤولة. مبادرات دولية من الآونة الأخيرة تشترط هذا لتغيير في جهاز التعليم، في صراح حقيقي ضد الإرهاب، وفي وقف سياسة تحفيز غير مباشر للارهاب – ليس كتصريح، بل كأخذ مسؤولية سلطوية كاملة. هذا الحل كفيل بان يؤدي في نهاية الامر الى كونفدرالية للسلطة الفلسطينية والأردن، الدولة التي معظم سكانها فلسطينيون. هذا ارتباط طبيعي اكثر من أي محاولة مصطنعة لتوحيد غزة مع يهودا والسامرة.
هذا على ما يبدو هو السبب الذي جعل نتنياهو يرفض الحديث عن “اليوم التالي”: كل الحلول التي اقترحت قامت على أساس النموذج القديم الذي لم ينجح. ترامب، الذي عاد الى البيت الأبيض كرئيس لم يعد يتعلق بالانتخابات، ونتنياهو، يقفان اليوم في موقف مميز: في المكان السليم وفي الوقت السليم لمحاولة تصميم واقع إقليمي جديد. ترامب لم “يحل النزاع” هو ببساطة استبدل النموذج الذي كان غير عملي بنموذج آخر، تجاري. بالضبط مثلما استبدل التويتر بشبكة ” Truth Social” ومثلما استبدل الأمم المتحدة بمجلس السلام.
——————————————
هآرتس 29/1/2026
أخيراً يطلق غانتس كهانيته الحبيسة.. كالببغاء يعيد قول نتنياهو “العرب يتدفقون”
بقلم: ديمتري شومسكي
رداً على فيديو التحريض الذي نشره حزب “أزرق أبيض” ضد انضمام حزب “راعم” للائتلاف، أثارت افتتاحية “هآرتس” قبل أسبوعين في 15 كانون الثاني، احتمالية أن هناك “غبياً مدفوع الأجر” نصح بني غانتس بنشر هذا الفيديو. هذا الادعاء يتساوق مع الرأي السائد في أوساط مؤيدي المعارضة، بما في ذلك شخصيات يسارية بارزة، تجاه غانتس. فهم يرفضون التصديق بأن شخصاً كان يعتبر قبل فترة قصيرة بأنه بديل قيادي لنتنياهو، ليس إلا كهاني عادي من ناحية أيديولوجية. حسب رأيهم، هو ببساطة سياسي فاشل مع نوايا حسنة، بسبب مزيج مؤسف من الغباء والسذاجة السياسية.
تصعب الموافقة على وصف غانتس بهذا الوصف الساذج. فمعروف أن الفيديو الدعائي العنصري الذي يحتوي على جرعة سم معادية للعرب، والتي لم تكن لتحرج القناة 14، لم يكن لتتم الموافقة على نشره إلا من قبل شخص يتبنى هذه الأيديولوجيا بإخلاص كامل. في الواقع، يبدو أنه في الوقت الذي أصبح واضحاً فيه للجميع، بما في ذلك غانتس نفسه، أن مسيرته السياسية قد انتهت – أي أنه لم يعد لديه ما يخسره – قرر أخيراً إطلاق العنان للعنصرية اليمينية الحقيقية التي اضطر إلى تخفيفها في السابق بسبب الظروف السياسية التي تتعلق بصورته العامة.
لماذا تردد غانتس في السابق في الكشف عن مواقفه القومية المتطرفة بكل قبحها؟ هناك تفسير سياسي – ثقافي لذلك: عندما كان غانتس يخطو خطواته الأولى نحو الدخول إلى عالم السياسة، كان معسكر من يعارضون نتنياهو يطالب بجنرال أشكنازي وسيم يشبه إسحق رابين. وقد كان غانتس، كما كتبت زهافا غلئون مؤخرا (“هآرتس”، 16 كانون الثاني)، على قناعة بأنه تم تنصيبه كملك، لكن عرش معسكر اليمين العزيز عليه كان دائماً محجوزاً لنتنياهو. وهكذا لم يبق أمام غانتس أي خيار إلا كبح جماح نزعته القومية والعنصرية بقدر الإمكان كي يصعد إلى الصف الأول في السياسة الإسرائيلية ضمن هوية ثقافية مناسبة له بفضل المزيج بين أصله ومسيرته المهنية ومظهره.
من الواضح أن الأمر لم يكن سهلاً عليه. فصراعه الداخلي مع غانتس الحقيقي – 191 سماً من الكهانية – مثلما وصفه عنوان الافتتاحية في “هآرتس”، قد يفسر صمت غانتس المعتدل، الطويل والغامض، و”رجل الدولة” خلال أشهر قبل انتخابات 2019. وقد نسب البعض ذلك إلى أنه لم يكن لديه ما يقوله، لكن هذا كان غرور غير مبرر، بل ومهين: من المؤكد أن غانتس كان قد استسلم بالفعل لمصيره الكهاني الذي وضعه رغم أنفه على رأس معسكر يكرهه أيديولوجياً، بدون التمكن من التعبير عن هذا النفور علناً، خشية أن تتضرر فرصته في قيادة حزب وسط كبير إلى السلطة.
كلما مر الوقت يصبح أكثر على غانتس كبح جماح نزعته العنصرية الكهانية. وفي ظل غياب خيار أفضل للتعبير عن أحاسيسه اليمينية الكامنة، يضطر احياناً إلى أن يكون أداة في يد حكومات نتنياهو. وينظر في العادة إلى زحفه المتكرر نحو نتنياهو واستعداده لتحمل المزيد من الإهانة منه كدليل على افتقاره للحزم السياسي والكفاءة الشخصية. لكن المنطقي أكثر هو افتراض أن غانتس يقر في أعماقه إعجابه بنتنياهو ودعم سياسته. ولكن بما أنه سقط في شرك الاعتدال الحكومي في حزب وسط، فلم تكن لديه أي وسيلة ظاهرة لمساعدة الزعيم الذي هو معجب به.
عندما أدرك غانتس مؤخراً أن صورة “رجل الدولة” التي تغطي على عنصريته لا تحقق له أي تأييد شعبي، بدأ يفقد الصبر والأعصاب. ففي تسجيلات نشرتها القناة 12 الشهر الماضي، سمع وهو يقول من حصنه في مستوطنة “ألون شفوت” في “غوش عصيون”: “من الذي قال بأنني أنتمي لكتلتكم؟” (كتلة خصوم نتنياهو). والآن قام بنشر فيديو المؤامرة ضد المواطنين العرب، الذي يعرضهم كعامل يسعى إلى تقويض أمن الإسرائيليين. هذا الفيديو قد ينافس بقوة فيديو “العرب يتدفقون بجموعهم إلى صناديق الاقتراع” من العام 2015.
بدون أي شك، يستحق غانتس التهنئة على هذا الكشف المتأخر للحقائق: هو أفضل بكثير من تمويه المواقف الأيديولوجية. ورغم غرابة الأمر، يجب شكر غانتس أيضاً على نشر هذا الفيديو الدعائي المشين. فمضمونه، الذي يصف سيناريو عبثياً يفيد بأن “راعم” منع عقد جلسة الكابنيت الأمني أثناء الحرب، بعيد جداً عن الواقع، إلى درجة أنه قد يجعل المترددين في أوساط مصوتي الوسط يصوتون لصالح تعاون الائتلاف مع “راعم”.
في مواجهة الكذبة الصارخة في الفيديو، لم يكن“راعم” يشارك ذات يوم، ولم يطلب أن يكون جزءاً من إدارة السياسة الخارجية والأمنية لإسرائيل، قد تتعزز في الذهن العام ذكرى الأداء المثالي والمسؤول لمنصور عباس في فترة حكومة بينيت – لبيد. وتتردد بقوة في ذهن مؤيدي الوسط ذكرى زيارته للكنيس الذي أحرق في اللد أثناء عملية “حارس الأسوار”، وذلك في الفيديو المفبرك الذي نشره غانتس. هكذا، نأمل أن يمنى غانتس بفشل آخر، هذه المرة فشل مرحب به. فبدلاً من نزع الشرعية عن تشكيل حكومة بدعم “راعم”، سيعطي هذه الخطوة التي طال انتظارها فرصة أخرى بشكل غير مباشر.
——————————————
هآرتس 29/1/2026
لـ “حكومة الكذابين”: لن تغلق الدائرة بجثة غوئيلي.. بل برحيلكم
بقلم: أسرة التحرير
الرقيب أول ران غوئيلي، المخطوف الأخير الذي أعيدت جثته من قطاع غزة، شيع لمثواه الأخير أمس. أمه، تليك، قالت ما سيذكر دوماً: كان ران من الأوائل الذين خرجوا للقتال وآخر من عاد.
بشكل استثنائي، حضر نتنياهو الجنازة. في تأبينه، أعلن بأن “الدائرة أغلقت” مع إعادة جثة غوئيلي. وقبل يوم من ذلك في مؤتمر صحافي، عاد نتنياهو وادعى بأن إصراره – تجاهل “ضجيج الخلفية” ورفض وقف الحرب – هو الذي أدى إلى إعادة كل المخطوفين.
كما كان متوقعاً، لم يخرج نتنياهو عن عادته في الكذب على الجمهور. من الصعب التفكير بتشويه أكبر لوجه الأمور. المخطوفون عادوا رغم الحكومة وليس بفضلها.
“ضجيج الخلفية” هو الذي أعاد المخطوفين إلى إسرائيل. هو الذي أدى إلى الصفقات الأولى، رغم محاولات الحكومة لتعطيلها. هو الذي حرك إدارة بايدن ولاحقاً إدارة ترامب للضغط من أجل إعادة المخطوفين الأخيرين. لو كان الأمر منوطاً بنتنياهو وبحكومته، لبقي الكثير من المخطوفين تحت الأرض في قطاع غزة.
كما لا يمكن شطب الفرق بين العودة على قيد الحياة والعودة جثثاً. مع كل الفرع على إعادة الجثث ودفنها، كانت مهمة الحكومة إعادتهم أحياء. في 7 أكتوبر، اختطف 251 إسرائيلياً وأجنبياً، 168 من المخطوفين حرروا أحياء. مع ذلك، لن ننسى أن ما لا يقل عن 41 اختطفوا وهم أحياء قتلوا عن قصد وعن غير قصد بعد أن سقطوا في الأسر. معظمهم على أيدي حماس، 7 قتلوا بنار الجيش الإسرائيلي بالخطأ وبالقصف. لو لم يتجاهل نتنياهو أصوات الخلفية لأمكن إعادة مخطوفين أحياء أكثر وتقصير مدة أسر كثيرين آخرين.
لا مجال للإعلان عن “إنجاز تاريخي” ثم نتجاهل بأن الحكومة اليوم هي الحكومة إياها التي قتل واختطف في ورديتها مواطنون كثر بهذا القدر. هذه هاويات تاريخية مسجلة على اسم نتنياهو.
ران غوئيلي يمثل النقيض التام لقيادة الدولة. في 7 أكتوبر، كان في إجازة مرضية (بسبب انفكاك كتف جراء حادث دراجة نارية)، رفض مناشدات عائلته البقاء في البيت وخرج للقتال، وأنقذ العشرات قبل أن يقتل وتختطف جثته. أين هو، البطل الشجاع الذي يحركه إحساس الواجب والتكافل المتبادل، وأين المتخلون الذين لا يفكرون إلا ببقائهم السياسي.
عائلته النبيلة شكرت نتنياهو. هذا خيار إنساني ومحترم، لكن ليس فيه ما يزيل المسؤولية عن رئيس الوزراء بسبب الكارثة الأكبر في تاريخ الدولة ويمحو وصمة عار يحملها على جبينه. الدائرة لن تغلق إلا بعد أن ترحل حكومة 7 أكتوبر.
——————————————
يديعوت أحرونوت 29/1/2026
مرجحاً خيار “استئناف الحرب”.. الجيش الإسرائيلي: الوضع الراهن يصب في مصلحة حماس
بقلم: يوآف زيتون
يوصي الجيش الإسرائيلي بوقف فوري لـ 4200 شاحنة إمداد تُنقلها إسرائيل إلى حماس أسبوعيًا كجزء من التعويضات عن الرهائن الذين أفرجت عنهم الحركة في صفقة معها، وذلك عند الانتهاء من المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار. لكن التحذيرات الشديدة التي يُصدرها كبار مسؤولي الجيش الإسرائيلي تعود أساسًا إلى غياب المبادرة الإسرائيلية للاستمرار، وإلى تقييم قائل بأن حماس تتعافي ولن تُسلّم سلاحها بالتأكيد، ولذلك لا خيار أمام الجيش الإسرائيلي سوى استئناف القتال في القطاع.
ترى المؤسسة الأمنية أن الوضع الحالي المتوتر في قطاع غزة يصب في مصلحة حماس التي تتعافى، وأن إسرائيل باتت تُقاد بدلاً من أن تتخذ القرارات، ويعود ذلك أساساً إلى سيطرة قطرية – أمريكية على مصير غزة، بعد ثلاثة أشهر من انتهاء الحرب.
الوضع الإشكالي في قطاع غزة اليوم
يحذر مسؤولون كبار في الجيش الإسرائيلي من استنساخ نموذج حزب الله في غزة، أي منظمة إرهابية إجرامية لا تزال مهيمنة على أراضيها المتاخمة للمستوطنات الإسرائيلية، وهي بعيدة كل البعد عن التفكك، وبالتأكيد لم تتمكن من تدمير قدراتها. “وُلد في غزة نحو 60 ألف طفل عام 2025، أي بزيادة عشرة آلاف طفل عن المعدل السنوي، ومن المتوقع أن يستمر هذا الوضع عام 2026 وكل عام. وفي الحرب نفسها، تشير تقديراتنا إلى مقتل نحو 70 ألف غزّي، دون احتساب المفقودين، ونعمل حاليًا على التمييز بين الإرهابيين وغير المشاركين”، هذا ما أوضحه الجيش.
الوضع في قطاع غزة متوقف، وهو ما يصب في مصلحة حماس: إذ يُعزز الجيش الإسرائيلي وجوده بأكثر من 40 موقعًا عسكريًا مُؤمّنًا بجنوده لمهام دفاعية على طول الخط الأصفر أو في المنطقة العازلة المتاخمة للحدود. أما حماس، التي جرّدها الجيش الإسرائيلي من قدراتها التنظيمية العسكرية خلال الحرب، فتُنتج الصواريخ والمتفجرات، وتُجنّد القادة، وتُرمّم الأنفاق المُدمّرة، وتعتمد في حكمها بشكل أساسي على نحو مليوني غزّي، لا يُعارضونها، بل ويستمتعون بأولى بوادر الأمل. بدأت البنوك والمطاعم تفتح أبوابها في غزة، وتكتظ الأسواق بالمتسوقين، ويعود المزارعون إلى حقولهم، واستأنفت المدارس الدراسة، ويجني نظام تحصيل الضرائب التابع لحماس ملايين الشواكل يوميًا من ضرائب شاحنات الإمداد القادمة من إسرائيل، وقد يبدأ، وفقًا للجيش الإسرائيلي، قريبًا بتقديم بيانات كاذبة، أي عمليات احتيال، بموجبها سيشرع في تسليم بعض أسلحته.
إضافةً إلى ذلك، يعاني القطاع من أزمة نفايات حادة، حيث تتراكم أكوام القمامة ليصل ارتفاعها إلى حوالي 18 مترًا. كما يُقر الجيش الإسرائيلي بأن الحاجة الأكثر إلحاحًا لغزة الآن هي إعادة تأهيل شبكات الصرف الصحي، وهو إجراء قد يتم تنفيذه قريبًا كجزء من الاتفاق.
يحذر الجيش الإسرائيلي قائلاً: “أسوأ ما في الأمر هو الموافقة على تخزين أسلحته في مستودعات بالقطاع. علينا أن نوقف دخول 600 شاحنة يومياً إلى غزة فوراً، وهو ما يعادل ثلاثة إلى أربعة أضعاف احتياجات غزة، وفقاً للأمم المتحدة. نأمل أن نتمكن من إقناع الولايات المتحدة بذلك. يحتاج سكان غزة، بحسب الأمم المتحدة، إلى حوالي 80 ألف طن من الغذاء شهرياً للبقاء على قيد الحياة، ونحن ندخل أربعة أضعاف هذه الكمية، أي 25 طناً في كل شاحنة، وتفرض حماس عليها ضريبة بنسبة 15 في المئة تقريباً، إضافةً إلى الضرائب المفروضة على هذه السلع المباعة في الأسواق. قطاع غزة يزخر بالغذاء والماء والدواء وغيرها، كما توجد خطوط مياه من إسرائيل”. أشار الجيش الإسرائيلي إلى أن الأمم المتحدة نفسها تشكو من عدم وجود مساحة كافية لتخزين بعض البضائع الواردة من منظمات الإغاثة الدولية.
تحذير قبل افتتاح معبر رفح
في إطار المرحلة الثانية من خطة الانتقال التي أقرها وزراء الحكومة بناءً على أوامر نتنياهو، سيُفتتح معبر رفح في كلا الاتجاهين خلال الأيام القادمة، ما يُعدّ انفراجة كبيرة لسكان غزة. من المفترض أن يُدير المعبر مسؤولو السلطة الفلسطينية، بالتعاون مع منظمة دولية، مع وجود نقاط تفتيش خارجية، خاصةً للداخلين إلى غزة، تحت إشراف قوات الجيش الإسرائيلي. ووفقًا للخطة، التي لم يتضح بعد ما إذا كانت ستُنفذ قريبًا، سيُزود المعبر بكاميرات لرصد المارة، وسيُمكن التحكم عن بُعد من قِبل إسرائيل في بوابة المعبر المؤدية إلى مصر، ولكن في حال رغب أي ضابط صغير في حماس بالمغادرة، فلن تمنعه إسرائيل.
أما التحذير الأهم بشأن معبر رفح فيتعلق بتحويله إلى معبر للبضائع لاحقًا، إن حدث ذلك. ويصف الجيش الإسرائيلي هذا الأمر بالكارثي: “في الأشهر التي سبقت 7 أكتوبر، بلغ عدد الشاحنات التي دخلت غزة دون رقابة حوالي 11 ألف شاحنة عبر المعبر”. عدد معابر رفح أربعة أضعاف ما كان عليه في السنوات السابقة. يجب أن تدخل الإمدادات إلى غزة عبر المعابر الإسرائيلية فقط، وتحت إشراف، وفي أقصى الأحوال، تحويل معبر كرم أبو سالم إلى مثلث حدودي أو ما شابهه من محطات شحن عند معبر اللنبي مع الأردن.
لخصت هيئة تنسيق الأعمال الحكومية في المناطق الحرب الطويلة، وأكدت على التحركات الإسرائيلية العديدة التي حالت دون وقوع كارثة إنسانية أو مجاعة أعلنتها الأمم المتحدة في قطاع غزة خلال ما يقرب من عامين من العمليات البرية في معظم أنحاء القطاع، بدءًا من أول اجتماع لمجلس الوزراء في أكتوبر 2023، بعد اندلاع الحرب، والذي أعلن فيه الوزراء أنه لن تدخل حتى زجاجة ماء واحدة إلى غزة، وصولًا إلى الأرقام النهائية والرسمية للمساعدات الضخمة التي سمحت إسرائيل بدخولها إلى غزة، مما ساعد حماس على البقاء بشكل غير مباشر.
يشير الجيش الإسرائيلي إلى أحد أبرز الإخفاقات في الحرب: غياب نظام دعائي وطني قادر على مواجهة حملات حماس وصدّها، والتي تلقت بعضها دعمًا خارجيًا، لا سيما في السنة الثانية من الحرب. “كل جهة قامت بدورها، وزارة الخارجية، والجيش”. المتحدث الرسمي: لقد تمكّنا من إحباط حملاتٍ كتلك التي شُنّت قبل نحو عامٍ حول تجويع أطفال غزة، وذلك عندما وحّدنا فرقًا مشتركةً خاصة من جميع الأجهزة، بما فيها المخابرات العسكرية، والتي ساعدت في العثور على أدلةٍ تُثبت أن صور الأطفال النحيلين كانت نتيجة أمراضٍ وراثيةٍ وليست جوعًا. لكن هذه الفرق كانت استثناءً، وقرّر العالم أن الحرب قد انتهت، بغض النظر عمّا فعلناه. إنّ من يظنّ أننا اكتسبنا شرعيةً كبيرةً بعد تضامننا مع مجزرة 7 أكتوبر فهو مخطئ. بعد أسبوعين من بدء الحرب، تلقينا أصواتًا معارضة ومستنكرة لأنشطتنا، بما في ذلك في أوروبا.
أما بالنسبة للحكومة التكنوقراطية للإدارة المدنية الجديدة لقطاع غزة، فيُقر الجيش بأن عناصره مرتبطون بالسلطة الفلسطينية التي ستعود إلى غزة، ويعتقدون أن حماس ستوافق على ذلك لكسب المزيد من الوقت للتعافي. والسبب: أن عشرات الآلاف من موظفي الخدمة المدنية والإداريين في قطاع غزة ينتمون إلى حماس. وقد أوضح الجيش الإسرائيلي: “لن نشهد تغييرًا إلا عندما يبدأون على الأقل في استبدال رؤساء بلديات مدن حماس، والطبقة الإدارية العليا التي لا تزال تحت سيطرة حماس. مديرو المستشفيات، وموظفو البلديات، ورؤساء الأقسام التي تُسيّر العمليات اليومية – جميعهم ينتمون إلى حكومة حماس، وبالتالي سيتمكن الجناح العسكري من الاستمرار في العمل معهم جنبًا إلى جنب”.
التقييم المتشائم للعام المقبل
فيما يتعلق بسيناريوهات العام المقبل، يتوقع الجيش الإسرائيلي أحد السيناريوهات الثلاثة التالية: استمرار سيطرة حماس على أراضيها، وعمل القوة متعددة الجنسيات، إن وُجدت، في “غزة الجديدة” التي لم يبدأ بناؤها بعد على الجانب الإسرائيلي من الخط الأصفر؛ أو تحوّل حماس إلى العمل على غرار حزب الله كمنظمة إرهابية قوية ضد حكومة مدنية فلسطينية غير معترف بها أو غير تابعة لها؛ أو رفض حماس نزع سلاحها وتفكيكها والعودة إلى القتال.
كما يخشى جهاز الأمن السيناريو الذي سيُجبر إسرائيل بموجبه على الموافقة على أن تكون قطر وتركيا الممولتين الرئيسيتين لإعادة إعمار قطاع غزة: “يجب ألا يكون هناك جنود أتراك على حدودنا مع غزة، أما بالنسبة لقطر، فلا نرى إمكانية موافقة دول أخرى على قيادة عملية إعادة الإعمار من حيث التمويل. على أي حال، ينص الاتفاق على أنه لا إعادة إعمار دون نزع سلاح حماس”.
قبل نحو شهر، حظر منسق الأعمال الحكومية في المناطق، المنتهية ولايته، اللواء غسان عليان، دخول منظمات أطباء بلا حدود إلى قطاع غزة، بعد رفضها تقديم قائمة مسبقة بأسماء أفرادها العاملين في القطاع. والسبب: أن أحد هؤلاء الأفراد، الذي قُتل بنيران الجيش الإسرائيلي، كان أخصائي علاج طبيعي، ومهندسًا أيضاً، كان يطور أسلحة لحماس. وفي هذا الصدد، يشعر الجيش الإسرائيلي بقلق إزاء القيود التي يفرضها الواقع الجديد في غزة، في مقابل حرية العمل المتاحة لشن هجمات على أهداف حزب الله المتزايدة في لبنان.
أما فيما يتعلق بتهريب البضائع إلى قطاع غزة، فحتى قبل تحقيق يجريه الآن جهاز الأمن العام (الشاباك) والشرطة، فقد رصد الجيش ظاهرة تهريب وسائل وبضائع غير مشروعة من إسرائيل إلى غزة، لا سيما عبر المناطق الرمادية التي يتواجد فيها جنود الاحتياط والعناصر المدنية التابعة للجيش الإسرائيلي في المنطقة العازلة: “سيتم إعادة بناء حوالي 70 في المئة من قطاع غزة في السنوات القادمة، وهذا يعني إنفاق مبالغ طائلة على المناقصات واستغلال الوضع الراهن لهذه الأغراض. فمثلاً، يمكن تهريب شاحنة كهذه إلى غزة، والتي تبلغ قيمتها حوالي 100 ألف شيكل، إلى إسرائيل مقابل حوالي 500 ألف شيكل”.
مخاوف من تصعيد في الضفة الغربية أيضاً
على الرغم من سياسة الفصل الإسرائيلية بين الضفة الغربية وقطاع غزة، والجمود الخطير في غزة، بدأ السكان الفلسطينيون في الضفة الغربية يشعرون مؤخراً بقيود قد تزيد من حدة التوتر في منطقة كانت هادئة نسبياً حتى الآن. يتبنى الجيش الإسرائيلي سياسة أكثر تقييداً لحركة الفلسطينيين، ولم توافق القيادة السياسية حتى الآن على تجديد عقود نحو 120 ألف عامل فلسطيني في إسرائيل، رغم انتهاء الحرب. وهناك من داخل الجيش الإسرائيلي من يحث على اتخاذ قرارات حاسمة مع السلطة الفلسطينية، وعدم التريث كما كان الحال خلال سنوات الصراع مع غزة: “إن أخطر ما في الأمر هو الجمود، لا المبادرة أو القيادة. وقد أوصى منسق أعمال الحكومة في المناطق، بعد “حارس الأسوار”، بتغيير السياسة تجاه غزة، واحتلال القطاع، وهزيمة حماس، مع الانسحاب من مسار التسوية”.
——————————————
هآرتس 29/1/2026
حين يواجه “حزب الله” أصعب معضلة في تاريخه
بقلم: تسفي برئيل
في الوقت الذي لا تشاهد فيه إشارات عملية في قطاع غزة حتى الآن على نزع سلاح حماس، وهذه القضية تتطور من موضوع عسكري خالص إلى موضوع سياسي وسياساتي، يتطور في لبنان نموذج المراحل الذي كما يبدو سيوافق ترامب على تطبيقه في غزة أيضاً. في آب الماضي، قدم الجيش اللبناني خطة تحتوي على خمس مراحل لنزع سلاح حزب الله: المرحلة الأولى، نزع سلاح حزب الله في جنوب الليطاني، التي كان من شأنها أن تنتهي في نهاية كانون الأول. هذا الشهر صرح الرئيس اللبناني جوزيف عون بأن المرحلة الأولى انتهت (“الجيش طهر جنوب لبنان من سلاح حزب الله”)، وأنه يتوقع بداية الشهر القادم بدء المرحلة الثانية التي فيها تطهير السلاح في المنطقة الواقعة بين نهر الليطاني ونهر الأولي. وافق نتنياهو، بضغط من الولايات المتحدة، حتى على الاعتراف بأن “جهود حكومة لبنان والجيش اللبناني بداية مشجعة، لكنها غير كافية”.
ما زالت المسافة كبيرة. معظم سلاح “حزب الله” الثقيل موجود في شمال الليطاني، في البقاع وفي منطقة بيروت، ويتمسك حزب الله برفضه إلقاء سلاحه بذريعة أنه -حسب الاتفاق- ملزم بنزع سلاحه في جنوب لبنان فقط. في هذا الأسبوع، أضاف زعيمه الشيخ نعيم قاسم ذريعة أخرى للرفض عندما قال: “لن نبقى محايدين أمام هجوم على إيران. نرى في التهديد بتصفية “المرشد الأعلى” علي خامنئي وكأنه موجه إلينا أيضاً، ونملك كل الصلاحية للعمل كما نراه مناسبا”.
لكن قاسم وحزب الله يعملون في بيئة عمل سياسية جديدة فيها إجماع لبناني، سواء كان سياسياً أم جماهيرياً، يؤيد نزع سلاح حزب الله ويرى في هذا التنظيم عاملاً يهدد بجر لبنان إلى حرب جديدة. في تشرين الثاني الماضي، في مقابلة مع موقع “أساس” اللبناني، أشار الرئيس عون إلى هذا التغيير وقال إن “حزب الله من المنظور العسكري انتهى، ليس أمامنا أي خيار سوى التفاوض (حول نزع سلاحه)”.
بعد ذلك، عاد رئيس الحكومة نواف سلام وكرر هذا الموقف. وفي رد على اتهام قاسم بأن خطة نزع السلاح مؤامرة طبختها الولايات المتحدة وإسرائيل، قال سلام: “دعونا من إسرائيل. نحن نتمسك بوحدة السلاح (نقل السلاح إلى السيطرة الكاملة للحكومة) في إطار تطبيق اتفاق الطائف الذي لم يطبق منذ عشرات السنين، وكل القرارات التي اتخذت في أعقابه… ليس هناك فرق بين المنطقة الواقعة في جنوب الليطاني وشماله، بين المنطقة جنوبي نهر الأولي وشماله، وبين جنوب نهر إبراهيم وشماله. نحن نتحدث عن حصر حمل السلاح بأيدي الدولة فقط”. اتفاق الطائف الذي وقع في 1989، أنهى الحرب الأهلية في لبنان التي استمرت حوالي 15 سنة. من بين الأمور التي نصت عليه هو أن الدولة هي التي ستسيطر على كل السلاح.
مع ذلك، رغم أن الرئيس ورئيس الوزراء يتحدثان عن سياسة وضعاها بأنفسهما، تشير إلى أن لبنان ليس بحاجة إلى ضغوط خارجية لإقناعه بنزع سلاح حزب الله، فقد ظهر في هذا الأسبوع في شبكة “اكس” مؤشر دل على تراجع مكانة حزب الله السياسية. فقد كتب جبران باسيل، زعيم التيار الوطني الحر، الشريك المسيحي الوحيد لحزب الله، بأن اتفاق التفاهم الذي وقعه التيار مع الحزب في 2006 يعتبر ملغى وباطلاً. وبحسب هذا الاتفاق الذي هز لبنان في حينه، فقد تقرر أن سلاح حزب الله جزء لا يتجزأ من منظومة الدفاع الوطنية. وخلال العشرين سنة الأخيرة، شكل هذا الاتفاق الأساس لحيازة حزب الله للسلاح بشكل قانوني.
على هذا الاتفاق وقع ميشيل عون الذي كان زعيم الحركة وأصبح بعد ذلك رئيس الدولة، وحسن نصر الله. أما باسيل، صهر ميشيل عون، فواصل هذا الخط وطور تحالفاً بينه وبين حزب الله، الذي بدوره دعمه في منافسته الفاشلة على رئاسة الدولة. في 2020 عندما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على باسيل رسمياً بسبب التورط في عمليات فساد وفعلياً بسبب دعم حزب الله، قال باسيل إنه بالنسبة له “حزب الله هو حزب لبنان وليس تنظيماً إرهابياً، ممثلوه ينتخبهم الشعب اللبناني… ومسار التنظيم الإرهابي رسمته دولة هي نفسها تمارس الإرهاب”.
ظهر باسيل هذا الأسبوع كشخص انضم إلى التحالف ضد إيران. وحول وحدة الساحات – حلقة النار الإيرانية حول إسرائيل، التي كان حزب الله محوراً مركزياً فيها – وحرب الدعم لغزة، كتب باسيل: “هذه الأحداث دمرت التنظيم ولبنان، وقوضت مهمة ردع سلاح التنظيم. من المحزن أن نشاهد الآن تكرار جريمة تعقد الوضع في لبنان بمزيد من الدمار بدلاً من إبعاده عنها وحمايته”.
الدفاع عن لبنان وعن القيم الوطنية ليس هدف باسيل، الذي يعرف بالفساد. ولكن لكونه سياسياً يراقب تقلبات الأوضاع كل يوم، قد تكون تغريدته دليلاً أمثل على التحول الجذري الذي طرأ على مكانة حزب الله في لبنان. يضاف إلى ذلك التقارير والاستطلاعات التي تظهر التآكل المستمر للأقلية الشيعية في الدولة، وهو التآكل الذي ينبع أيضاً من عجز حزب الله عن مساعدة السكان والقرى الشيعية التي تم تدميرها في الجنوب. في المقابل، تتعاظم مكانة رئيس مجلس النواب نبيه بري، زعيم حركة أمل الشيعية. وقد أصبح بري (88 سنة) شخصية بارزة، وهو يتفاوض مع الولايات المتحدة نيابة عن حزب الله ويظهر دعمه للرئيس عون في كل مناسبة.
حزب الله يواجه أصعب معضلة في تاريخه بسبب نتائج الحرب المدمرة وقتل معظم قادته، وعلى رأسهم حسن نصر الله، وفقدان الحليف اللوجستي الأهم بشار الأسد، وتراجع مصادر تمويله من تجارة المخدرات وعدم اليقين حول حجم الدعم الذي سيستمر في الحصول عليه من إيران. إن التخلي عن سلاحه واتخاذ قرار استراتيجي، والتحول إلى حزب سياسي، والتخلي عن جناحه العسكري، قد يكون بمثابة حكم بالإعدام على التنظيم، حيث ستتلاشى ميزته السياسية في ظل غياب أداة التهديد العسكرية. من جهة أخرى، لم يعد بإمكانه التأكد من أن إيران لن تتراجع أمام التهديد بالحرب، وربما حتى “التضحية” بالحزب مقابل إزالة التهديد العسكري ورفع العقوبات عنها من خلال اتفاق مع الولايات المتحدة.
لكن ضعف حزب الله سياسياً وتأييداً شعبياً لخطوة الحكومة لنزع سلاحه، ما زالت تشكل خطر اندلاع صراع عنيف عند بدء المرحلة الثانية في خطة نزع السلاح. وربما يقوم قائد الجيش اللبناني اللواء رودولف هيكل بزيارة واشنطن لثلاثة أيام في الأسبوع القادم، سيقدم فيها لمستضيفيه ملخص المرحلة الأولى والمطالبة بتنفيذ المرحلة الثانية والمراحل التالية. وسيطلب معدات عسكرية متطورة وسلاحاً وسيارات مدرعة وتقنية متقدمة ووسائل أخرى لرفع كفاءة الجيش، ولا سيما التمويل.
في تشرين الأول الماضي، وافقت الولايات المتحدة على تخصيص مبلغ 230 مليون دولار للجيش والشرطة في لبنان، لكن قبل ستة أشهر قدر الرئيس عون احتياجات الجيش بحوالي مليار دولار كل سنة لمدة عشر سنوات. وليس واضحاً بعد كيف سيتمكن لبنان من جمع هذا المبلغ. ورغم أنه يتوقع عقد مؤتمر لدعم الجيش اللبناني في باريس في آذار القادم، فغير معروفة الدول التي ستشارك في هذا الحدث أو حجم الأموال التي سيتم جمعها، خاصة أن الدول المانحة، لا سيما دول الخليج، مطلوب منها أيضاً المساعدة في إعادة الإعمار في قطاع غزة وسوريا.
في هذه الأثناء، قدمت قطر مساعدات للحكومة في لبنان، ليس للمرة الأولى. ففي هذا الأسبوع، زار وزير خارجية قطر محمد الخليفي بيروت وهو يحمل معه “حقيبة مليئة بالأموال”، أو على الأقل تعهد باستثمار 440 مليون دولار في مشاريع اقتصادية تشمل إعادة إعمار ثلاث قرى في جنوب لبنان، ناهيك عن دعم الجيش. ولكن المساعدات التي قدمتها قطر للبنان في السنوات الثلاث الأخيرة بمبلغ 300 مليون دولار، لا تذكر مقارنة بالخسارة الفادحة التي تكبدها لبنان والتي تقدر بأكثر من 15 مليار دولار. هذه الأموال الطائلة تنتظر إصلاحات اقتصادية عميقة يجب على لبنان إجراؤها، ونزع سلاح حزب الله، وترتيبات أمنية مع إسرائيل تضمن تحول وقف إطلاق النار إلى سلام دائم، وربما ستساهم أيضاً في تحقيق تقدم في الترتيبات السياسية.
——————————————
معاريف 29/1/2026
ارتفاع بميزان الهجرة السلبية
بقلم: موشيه كوهن
ارتفاع في ميزان الهجرة السلبية من إسرائيل. هكذا كشف النقاب تقرير نشره مكتب الإحصاء المركزي أمس.
82.774 إسرائيليا عُرفوا كمهاجرين من البلاد في العام 2024 مقابل 59.366 في العام 2023 – ارتفاع حاد بمعدل 39.4 في المائة. كما يتبين من معطيات ميزان الهجرة أن 24.150 إسرائيليا عرفوا كمهاجرين عائدين في العام 2024 مقابل 29.607 في العام 2023 – انخفاض بمعدل 18.4 في المائة.
وأشارت أوساط مكتب الإحصاء المركزي بان المعطيات الأولية من العام 2025 تشير الى أنه مع أن عدد الإسرائيليين المهاجرين الى الخارج (69.5 ألف) تقلص مقارنة بـ 2024 لكنه لا يزال أعلى من عدد المغادرين في العام الذي سبقه 2023. بالمقابل، عدد العائدين (18.8 الف) أدنى هو أيضا من عددهم في العقد الذي سبق العام 2024، حين كان ميزان الهجرة الدولي للاسرائيليين سلبيا وبلغ 58.624 (عدد المغادرين اعلى من عدد العائدين كبر من الميزان في العام 2023 (ميزان هجرة سلبية بعدد 29.759 إسرائيليا).
معدل المغادرين في العام 2024 بلغ 8.5 مغادر لكل الف من السكان، ومعدل العائدين بلغ 2.5 عائد لكل ألف من السكان.
وأشار المكتب إلى أنه من حيث أعمار المغادرين يوجد تمثيل عال نسبيا لأعمار العمل المبكرة – أبناء 20 – 39 شكلوا نحو 40 في المائة من المغادرين مقابل 26.5 في المائة في عموم السكان. في هذه الأعمار من الثبات الوظيفي يوجد ميل للسفر للتعليم أو للعمل في الخارج.
——————————————
هآرتس 29/1/2026
حيل نتنياهو في التعامل مع الرؤساء الأميركيين: ما يجب أن يفهمه ترامب
بقلم: دو نمرود نوفيك
إعلان إدارة ترامب الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة النقاط العشرين بشأن غزة قدّم ثلاث طبقات من البنتهاوس، وهي: مجلس سلام عالمي، وذراع تنفيذية تابعة له، ولجنة من التكنوقراط الفلسطينيين لإدارة القطاع. غير أن الأساسات والطبقات السفلية، التي من دونها يبقى هذا البنتهاوس معلَّقاً في الهواء، أي قوة استقرار دولية، وخطة لنزع سلاح «حماس»، ومنظومة واسعة لتوزيع المساعدات، ومصادر تمويل لإعادة الإعمار، لا تظهر في الأفق.
وأحد الأسباب المركزية لذلك هو رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي والائتلاف القومي – المسيحاني المؤيد للضم الذي شكّله والمعارضين كل هذه الخطوات. وبينما يتجاهل ترامب احتجاجات نتنياهو وشركائه بشأن تركيبة اللجان التي ستدير القطاع، فمن المشكوك فيه أنه يدرك الألغام التي زرعها الشريك الإسرائيلي على طريق تنفيذ خطته. في هذه الأثناء، يواصل ترامب الاستثمار في بنيامين نتنياهو بدلاً من الاستثمار في المعارضة، التي تقترب مواقفها في هذه القضايا من مواقفه هو.
حتى في تاريخ دولتين لم تحترما يوماً إعلانات عدم التدخل، فإن دعم ترامب لنتنياهو – وربما إلى حد مساعدته في الانتخابات – يُعد فظّاً وغير مسبوق، ويتجلى ذلك في دعواته المتكررة إلى وقف محاكمته، ولقاءاته معه التي فاقت عدد لقاءاته مع أي زعيم آخر خلال العام الماضي، وفي المديح المبالغ فيه الذي أغدقه عليه (ومن دونه «لما كانت إسرائيل موجودة»)، وكذلك في التقارير بشأن زيارة رئاسية مخططة لإسرائيل، تبدو محاولة لتعزيز فرصه الانتخابية.
من المعتاد أن نعزو كل ذلك إلى توقع ترامب أن يرد نتنياهو له الجميل ويساعده في تحقيق نصر إضافي، غير أنه كان يُفترض به أن يتعلم من مؤلف كتاب «فن الصفقة» ما أدركه أسلافه؛ غالباً ما تنتهي الاستثمارات في حسن نيات نتنياهو بصورة سيئة، وآخر مَن يمكنه الشهادة على ذلك هو مبعوثه، ستيف ويتكوف، فهذا الرجل، الذي أصبح بحق محبوباً في إسرائيل بسبب كفاحه الحازم لإعادة الأسرى ودعمه عائلاتهم، تحوّل إلى فريسة لماكينة التحريض، ومجرد مطالبته نتنياهو بالوفاء بالتزامه لترامب بفتح معبر رفح جعله فجأة «عميلاً قطرياً».
وبصفته رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي خدم بالتوازي مع عدد من الرؤساء الأميركيين أكثر من أي من أسلافه، فقد طوّر نتنياهو قدرته على التلاعب بساكن البيت الأبيض إلى مستوى فنٍّ متكامل. وهو يستخدم أربع حيل أساسية لتعطيل سياساتهم:
الأولى: التدرّج، فقبل 7 تشرين الأول بوقت طويل، كان الضم الزاحف استراتيجيا لتطبيع التغيير في الضفة الغربية بعيداً عن أنظار واشنطن. ومنذ وقف إطلاق النار وُلد «التوأم الغزّي»: التصعيد الزاحف. في كلتا الساحتين الهدف واحد: إنشاء وقائع على الأرض قبل أن تدرك واشنطن التأثير التراكمي، وقبل أن تمارس ضغطاً لمنع انهيار وقف إطلاق النار في غزة أو اندلاع العنف في الضفة.
الثانية: مسرح العجز، حيث يقول نتنياهو للرؤساء: «أنا أريد، لكنني لا أستطيع»، متذرعاً بخطر انهيار حكومته إذا استجاب لمطالب يعارضها شركاؤه.
الثالثة: تغيير جدول الأعمال، فعندما يشتد الضغط، يتم تغيير الموضوع. وهكذا، عشية لقائه الأخير مع ترامب، حين كان واضحاً أن لبنان وسورية والضفة وغزة ستكون في صلب المحادثات، أعيدت إيران فجأة إلى واجهة المشهد عبر تصعيد الخطاب الإسرائيلي.
الرابعة: العرقلة التكتيكية، من خلال إغراق واشنطن في تفاصيل قضية هامشية، وتصويرها مسألة شبه وجودية، وخوض معركة شرسة حولها، ثم التنازل عنها بسخاء، ويفضَّل أن يُقدَّم التنازل إلى الرئيس شخصياً. وبهذه الطريقة يتم كسب الوقت، وإرباك كبار المسؤولين في الإدارة، وصرف انتباههم عن قضايا أكثر إزعاجاً، وربما أيضاً الحصول على تعويض كبير بعد أن يشعر الرئيس بالامتنان.
والتعامل مع معبر رفح يجسد أحد هذه التكتيكات؛ فعلى الرغم من أن فتحه لا يهدد أمن إسرائيل، فقد صوره نتنياهو مسألة حيوية لأمنها، ولأشهر طويلة عارض بشدة فتحه، وأجبر الوسطاء الأميركيين على الخوض في تفاصيل عديمة الأهمية والتنقل بين عواصم المنطقة بحثاً عن تسويات، وفي النهاية وافق على فتحه، لكن خلافاً لخطة الرئيس، فقد سمح فقط بخروج السكان من القطاع، أمَّا «التنازل» النهائي، والسماح بالحركة في الاتجاهين، فقد منحه إلى ترامب شخصياً خلال لقائهما في فلوريدا. وحتى حينها، لم تنتهِ الدوامة المصطنعة؛ إذ أُهدر وقت إضافي قبل تنفيذ القرار.
عبر استثماره في نتنياهو، لا يكتفي ترامب بتجاهل كل هذه الحيل والندوب التي خلّفتها تجارب أسلافه، بل أيضاً يخطئ في مسألتين جوهريتين: الأولى تتمثل في افتراض أن نتنياهو قادر على توفير ما يلزم لتنفيذ المرحلة الثانية من الخطة في غزة واستقرار الضفة. فالانتقال إلى المرحلة الثانية يتطلب منح دور إلى السلطة الفلسطينية، ومن دون ذلك ترفض الدول العربية والإسلامية المساهمة بقوات وأموال. كما تتطلب هذا المرحلة مساراً متدرجاً لنزع سلاح «حماس» والتزاماً إسرائيلياً بالانسحاب الكامل – ولو بالتدريج – من القطاع. أمَّا استقرار الضفة، فيتطلب كبح الضم الاستيطاني، وفرض القانون والنظام على المستوطنين العنيفين، والتعامل مع السلطة كشريك لا عدو.
وحتى لو كان نتنياهو نفسه قادراً على التعايش مع هذه المطالب (وهناك مجال واسع للشك في ذلك)، فإن شركاءه الائتلافيين ملتزمون أيديولوجياً بإفشالها. ومع اقتراب الانتخابات، المتوقَعة هذا العام، ليس مستبعَداً أن يفضّلوا إسقاط الحكومة وتقديم الانتخابات بسبب قضية أيديولوجية، وتحويل معارضتهم لهذه الخطوات إلى جوهر حملتهم الانتخابية.
أمَّا المسألة الثانية، فتتجسد في الاستخفاف بالمعارضة الإسرائيلية. صحيح أنها غير متجانسة، لكنها تشترك – على ما يبدو – في موقف موحد إزاء قضيتين مركزيتين على جدول أعمال ترامب: في غزة، وبعكس نتنياهو وشركائه تسعى المعارضة لإنهاء الحرب، وهي ملتزمة بنجاح خطة النقاط العشرين، وتفهم ضرورة إشراك السلطة الفلسطينية وضخ مساعدات إنسانية واسعة، كما أنها تملك خبرة أمنية كافية وواقعية تدرك معها أن نزع سلاح تنظيم «إرهابي»، كما في كل أنحاء العالم، هو عملية طويلة وليس ضربة واحدة حاسمة.
في الضفة الغربية، وعلى الرغم من الخلافات بشأن التسوية المستقبلية، فإنه لا أحد يتبنى الرؤية المسيحانية لضم كامل الأراضي بكل ملايين سكانها الفلسطينيين، أو التطهير العرقي. لا يدور الحديث عن مجموعة ساذجة؛ فكثيرون في المعارضة هم أصحاب خبرة أمنية واسعة ويدركون تماماً الكارثة الاستراتيجية للانزلاق إلى واقع ثنائي القومية ملطخ بالدماء، ويرون أيضاً في التوسع غير المنضبط للمستوطنات داخل مناطق فلسطينية مكتظة عبئاً أمنياً، ويعرّفون عنف المستوطنين كإرهاب يجب مكافحته، ويعترفون بمساهمة أجهزة أمن السلطة في أمن إسرائيل.
تتمتع المعارضة بميزة أمنية إضافية: قدرتها على مواجهة جمهور تعرّض لصدمة مروّعة، ومحاولة إقناعه بأن تغيير المسار في «المناطق» ضروري ويمكن تنفيذه بطريقة تخدم وتعزز أمن إسرائيل. فهي قادرة على إقناع الجمهور بأن تقليص الاحتكاك بين الإسرائيليين والفلسطينيين عبر انفصال مدني مخطط له ومُنفَّذ بعناية -مع الحفاظ على سيطرة أمنية شاملة إلى حين التوصل إلى اتفاق يوفر ترتيبات أمنية بديلة ومستقرة – يخدم المصلحة الوطنية. كما أن تغيير الاتجاه في السياق الفلسطيني سيفتح مجدداً أبواب تطبيع العلاقات مع السعودية والدول التي تنتظر قرارها، وسيسمح باندماج إسرائيل في منظومة إقليمية مع ما تنطوي عليه من فوائد أمنية واقتصادية وغيرها.
على أحدهم أن يهمس لترامب بأن الوقت قد حان لإعادة حساب المسار؛ فإذا كان مهتماً بشريك إسرائيلي مستعد وقادر على إنهاء الحرب، وتثبيت الاستقرار في غزة، وخفض التوتر في الضفة، ودفع الاستقرار الإقليمي قدماً، فعليه أن يستوعب أن الجواب لا يكمن في استثمار إضافي في نتنياهو، بل في الاستعداد لليوم الذي سيأتي بعده.
——————————————
معاريف 29/1/2026
إسرائيل تخسر معركة الوعي أمام الرواية الفلسطينية في الغرب
بقلم: ديفيد بن بيست
لم تعد إسرائيل دولة صغيرة تكافح من أجل وجودها ذاته، بل قوة إقليمية بكل المقاييس: العسكرية والاستخباراتية والتكنولوجية والاقتصادية، بما فيها القدرات الهجومية الدقيقة، والتفوق الاستخباري، والقوة في مجال الذكاء السيبراني والاصطناعي، والابتكار العلمي، والإنجازات الاقتصادية المبهرة، ما يضعها في صف الدول الأكثر تقدما ونفوذا في العالم.
على خلفية هذه القوة بالتحديد، يتجلى ضعف خطير لا يقل خطورة عن التهديد الأمني، وهو الفشل في مجال الإعلام والتوعية. صحيح أن إسرائيل تحقق إنجازات في ساحة المعركة، لكنها تخسر في ميدان الوعي، والنتيجة هي التآكل المستمر لشرعيتها الدولية، وفي المقام الأول في الولايات المتحدة، الحليف المركزي والأكثر أهمية لوجودها السياسي والأمني، وهذه ليست مشكلة الصورة فقط، بل أنظمة التعليم أيضاً.
تواصل إسرائيل في كثير من الأحيان العمل وفقا لنموذج عفا عليه الزمن، ويعمل متحدثوها الرسميون والبيانات الصحافية والتفسيرات العقلانية في عالم لم يعد يعمل على أساس المنطق وحده؛ لأن جيل الشباب لا يحتاج لمقالات متعمقة، بل يحتاجون لمقاطع فيديو «تيك توك»، دون فحص الحقائق بعمق، بل يرد على مقاطع الفيديو التي ينتجها الذكاء الاصطناعي في كثير من الحالات، كما تعرف الخوارزميات كيفية إظهار المحتوى المتوافق مع المحتوى الذي شاهدته من قبل.
في هذه الساحة، تبدو دولة إسرائيل بالكاد حاضرة، بعد أن تمتعت لعقود من الزمن بدعم شبه واضح في الرأي العام الأميركي، خاصة بين النخب السياسية والأكاديمية والثقافية، ولكن في العقد الماضي، بل وأكثر من ذلك منذ الهجوم الذي شنته «حماس» في السابع من تشرين الأول 2023 بدأ يحدث تغيير مثير للقلق، حيث تشير استطلاعات الرأي المستمرة إلى تراجع دعم إسرائيل بين الشباب الأميركيين، خاصة في المعسكر الليبرالي، وفي الجامعات الرائدة أصبح عداؤها قاعدة ثقافية، ويقدمها المحاضرون كدولة فصل عنصري.
أحد العناصر الأكثر إثارة للقلق في هذه العملية هو دور المثقفين في الغرب، من الأساتذة والصحافيين والكتاب، وبدلاً من العمل كصوت نقدي، ولكنْ متوازن، فإنهم يتبنون خطابات مبسطة، ويقدمون إسرائيل على أنها معتدٍ دائم.
خلق هذا الواقع وضعاً أصبحت فيه النخب العلمية والأكاديمية قوة مضاعفة لدعاية الفلسطينيين، وهذا الفشل ليس أخلاقيا فحسب، بل استراتيجي لإسرائيل، التي باتت تخسر على الساحة الإعلامية، لأن الحقيقة ليست بجانبها، لأنه ليس لديها استراتيجية شاملة، ولا يوجد استثمار منهجي في الجامعات، ولا يوجد حضور كبير في المنصات الناشئة، ولا يوجد مفهوم مؤسسي للحرب النفسية كساحة معركة لأي شيء، بل إنها تواصل التصرف وكأنه يكفيها أن تكون الحقائق بجانبها، وهذا ليس صحيحاً.
في عالم يحركه الوعي والمشاعر والصور، فإن الحقائق وحدها لا تكفي. صحيح أن إسرائيل قوية، وربما الأقوى في الشرق الأوسط، لكن القوة من دون الشرعية تبدو هشّة، والدولة التي تخسر على الساحة الإعلامية قد تجد نفسها معزولة، ومهاجمة أخلاقياً، ومحدودة تدريجياً على الساحة السياسية والأمنية. صحيح أنه لا يزال من الممكن تغيير الاتجاه، لكن الوقت يعمل ضد الإسرائيليين، لأنه في عصر تدور فيه المعركة الحقيقية على الشبكات الاجتماعية، تبدو إسرائيل مُتخلّفة كثيراً عن الركب.
——————————————
ناشونال إنترست 29/1/2026
ابتعاد السعودية عن التطبيع يربك تحالفات واشنطن الإقليمية
بقلم: لورانس ج. هاس
انطلاقاً من مخاوفهما المشتركة من طموحات إيران للهيمنة، تقاربت إسرائيل والسعودية تدريجياً في السنوات الأخيرة، وتعاونتا في قضايا إقليمية، ما أثار آمالاً في كل من القدس وواشنطن بأن توافق الرياض قريباً على تطبيع العلاقات مع إسرائيل بشكل كامل.
ويمكن القول: إن التطبيع السعودي الإسرائيلي (أي إقامة علاقات دبلوماسية رسمية) قد يمثل تتويجاً مناسباً للتطورات الإقليمية الاستثنائية التي أعقبت «مجزرة حماس»، التي راح ضحيتها 1200 إسرائيلي في 7 تشرين الأول 2023. فقد أدى الرد العسكري الإسرائيلي الواسع إلى إضعاف إيران بشدة، فضلاً عن أهم وكلاء «الإرهاب» في «محور المقاومة» ، وهما «حزب الله» و»حماس». وقد أفاد ذلك الرياض والقدس بشكل كبير، عبر تقليص التهديد العسكري الذي مثّلته طهران، غير أن التحالفات في الشرق الأوسط المضطرب تتغير باستمرار تبعاً للتهديدات المتصورة والطموحات الجديدة للاعبين الرئيسيين، ما يجعل آمال الاستقرار الإقليمي طويل الأمد عرضة للتقويض.
وينطبق هذا الواقع على العلاقات السعودية الإسرائيلية، إذ لم تعد الرياض والقدس تسيران على مسار التطبيع كما بدا عليه الوضع قبل السابع من تشرين الأول.
وفي الفترة الأخيرة وجّه ولي العهد السعودي انتقادات حادة للسلوك الإسرائيلي، وعمل على بناء تحالف إقليمي جديد يهدف إلى موازنة التحالف المتنامي مع إسرائيل.
إن ابتعاد السعودية عن الحكومة الإسرائيلية يحمل تداعيات كبيرة لا تقتصر على إسرائيل، التي باتت تواجه ديناميكيات إقليمية جديدة، بل تمتد أيضاً إلى واشنطن.
وكان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يأمل أن يفتح التطبيع السعودي – الإسرائيلي الباب أمام انضمام مزيد من الدول العربية إلى اتفاقيات أبراهام، وهي اتفاقيات السلام التي وقعت في العام 2020 مع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان.
وخلال العام الماضي، واصل ترامب الإشادة بمحمد بن سلمان بعبارات لافتة، وقدم للرياض مساعدات عسكرية واقتصادية واسعة. وفي تشرين الثاني وافق على بيع ما يصل إلى 48 مقاتلة متطورة من طراز إف-35، إضافة إلى نحو 300 دبابة، إلى الرياض، كما اتفق الطرفان على توسيع العلاقات التجارية وتذليل العقبات أمام الاستثمارات المتبادلة.
تفرض التحركات السعودية الأخيرة على واشنطن التريث وإعادة تقييم سياساتها، بما في ذلك احتمال إعادة النظر في تسليم مقاتلات إف-35، التي تتطلب موافقة الكونغرس، ولن يبدأ تنفيذها قبل سنوات.
كانت إسرائيل قلقة بالفعل من أن يؤدي امتلاك السعودية لهذه الطائرات إلى تقويض تفوقها العسكري النوعي، وهي مخاوف حاولت واشنطن معالجتها باستمرار، فيما من شأن تصاعد العداء السعودي تجاه إسرائيل أن يزيد هذه المخاوف حدة.
ربط محمد بن سلمان تطبيع العلاقات مع إسرائيل، على الأقل، باتخاذ خطوات إسرائيلية تعزز إقامة الدولة الفلسطينية، إلا أن التحول الإستراتيجي الأوسع للرياض بعيداً عن الحكومة الإسرائيلية يبدو مدفوعاً بدرجة أكبر بعوامل داخلية وتطورات إقليمية.
وعلى الصعيد الداخلي، يواجه ولي العهد معارضة من أمراء ينظرون إلى إسرائيل منافساً لا شريكاً، ومن قيادات دينية لا تزال تحمل عداءً تاريخياً لليهود، إضافة إلى شريحة من الشباب السعودي، الذين يحمّلون إسرائيل المسؤولية الكبرى عن تداعيات أحداث تشرين الأول 2023.
ومن زاوية إقليمية، يرى محمد بن سلمان أن إيران باتت ضعيفة إلى حد يقلل من حاجة الرياض إلى القوة العسكرية الإسرائيلية، في وقت يُنظر فيه إلى إسرائيل على أنها قوة تسعى ليس فقط لإضعاف إيران ووكلائها، بل أيضاً لضرب قادة «حماس» في الدوحة والمشاركة في تشكيل ملامح سورية ما بعد الأسد بما يعكس طموحات خاصة للهيمنة.
كانت الرياض تمهد لإعادة هيكلة إقليمية حتى قبل أحداث تشرين الأول 2023، ففي آذار من ذلك العام، أعلنت السعودية وإيران استئناف العلاقات بعد قطيعة دامت سبع سنوات، وهي علاقة أثبتت تماسكاً تجسّد في زيارة وزير الدفاع السعودي إلى طهران في نيسان الماضي، حيث أجرى محادثات مع كبار المسؤولين الإيرانيين، بينهم المرشد الأعلى، علي خامنئي.
وفي الوقت ذاته تشهد العلاقة السعودية مع الإمارات توتراً متزايداً، في تحوّل دراماتيكي في ميزان القوى الإقليمي، فقد شنت السعودية، التي تدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، خلال الأسابيع الأخيرة، هجمات على جماعات متمردة مدعومة من الإمارات داخل اليمن.
وعلى نطاق أوسع، تعمل الرياض على موازنة النفوذ المتزايد لأبو ظبي قرب البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وتسعى إلى توسيع تحالفاتها الأخرى، بما في ذلك تعزيز التعاون الأمني مع مصر والصومال. فقد باتت السعودية تخشى إسرائيل والإمارات أكثر من إيران، وهو ما يدفعها إلى تعميق علاقاتها مع تركيا.
وفي هذا السياق، جاءت مساعي أنقرة للانضمام إلى اتفاقية دفاعية وقعتها السعودية مع باكستان في أيلول، تتضمن بنداً للدفاع المشترك يشبه المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، ما قد ينذر بتشكيل محور تركي سعودي مدعوم بهيكل دفاعي شبيه بـ»الناتو»، وموجه ضمنياً ضد حكومتَي إسرائيل والإمارات.
باتت آمال الولايات المتحدة في تعزيز علاقاتها مع الرياض وإنجاز تطبيع سعودي – إسرائيلي تصطدم بالقيود الداخلية لولي العهد السعودي وطموحاته الإقليمية. ومن أجل حماية مصالحها على واشنطن إعادة تقييم المشهد الإقليمي المتغير والتعامل معه بحذر وواقعية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* زميل بارز في مجلس السياسة الخارجية الأميركية.
—————–انتهت النشرة—————–

