كتب وسام زغبر : معبر رفح بين الإنسانية المعلنة والتهجير المقنّع: بوابة غزة التي تحوّلت إلى أداة هندسة ديموغرافية

المسار : يتحوّل معبر رفح، مع كل إعلان عن فتحه، إلى عنوان دعائي يُسوَّق بوصفه خطوة إنسانية تهدف إلى تخفيف معاناة سكان قطاع غزة. لكن خلف هذا الخطاب الناعم، تتكشف بنية سياسية وأمنية أكثر قسوة؛ إذ لم يعد المعبر مجرد منفذ حدودي، بل بات جزءًا من منظومة إدارة الصراع، وأداة مركزية في إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي للقطاع.

تكشف السياسات المطبَّقة على العابرين معادلة لا تخطئها العين: تضييق ممنهج على من يحاولون العودة إلى غزة، مقابل تسهيلات انتقائية لمن يغادرونها. هذه المفارقة ليست تفصيلًا إداريًا، بل تعبير عن منطق سياسي واضح يدفع السكان نحو خيار واحد: المغادرة، من دون الحاجة إلى إعلان تهجير رسمي.

ما يجري ليس حركة سفر طبيعية، بل عملية تفريغ سكاني بطيئة، تُدار عبر أدوات بيروقراطية ناعمة، لكنها ذات أثر استراتيجي عميق على مستقبل القطاع وتركيبته الاجتماعية.

السيطرة الفعلية خلف النفي السياسي

ورغم نفي إسرائيل المتكرر لسيطرتها على معبر رفح، تشير الوقائع إلى عكس ذلك. فإدارة نظام التسجيل الرقمي، والتحكم بقوائم العبور، والفحص الإلكتروني، كلها تمنحها سلطة فعلية على حركة السكان. ووفقًا للقانون الدولي، يُصنَّف هذا النوع من التحكم ضمن السيطرة الفعلية، ما يجعل إسرائيل مسؤولة عن السكان المدنيين حتى دون وجود عسكري مباشر.

بهذا المعنى، يتحول المعبر من «ممر إنساني» إلى أداة ضبط سياسي وأمني، تُستخدم لإدارة الحصار لا لتخفيفه.

وهم «السفر الطوعي»

في سياق الحصار والعدوان المستمر، يصبح الحديث عن «سفر طوعي» أقرب إلى السخرية السوداء. فالطوعية تفترض وجود بدائل وشروط حياة كريمة، وهي شروط غائبة تمامًا في قطاع يعاني من انهيار شامل في الصحة والغذاء والمأوى.

غزة اليوم ليست مجرد «سجن مفتوح»، بل معتقل جماعي يُدار بسياسة العصا والجزرة: تدمير ممنهج من جهة، ونافذة ضيقة للهرب من جهة أخرى. هنا يتحول السفر إلى أداة إكراه جماعي، تُفرض على السكان تحت ضغط البقاء، لا تحت رغبة المغادرة.

المعبر كأداة عقاب جماعي

الإجراءات المفروضة على المعبر—من إذلال، وانتظار طويل، وعبور سيرًا على الأقدام، وغياب الضمانات الإنسانية—لا يمكن فصلها عن السياق السياسي. فهي ليست فوضى إدارية، بل جزء من منظومة عقاب جماعي تهدف إلى كسر إرادة السكان ودفعهم نحو الهجرة.

هذه الممارسات تُنفَّذ بهدوء، بعيدًا عن ضجيج البيانات العسكرية، لكنها لا تقل خطورة عن أي عملية تهجير مباشر.

منفذ أمني لا بوابة إنقاذ

الإعلان عن فتح المعبر لحركة محدودة، مع إخضاع الداخلين لتفتيش إضافي في نقاط تسيطر عليها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، يعزّز الانطباع بأن المعبر يُدار كـأداة أمنية لا كمنفذ إنساني. حتى العودة إلى غزة تُعامَل كامتياز مشروط، لا كحق طبيعي.

في ظل تطبيقات ما يُعرف بـ«خطة ترامب»، تحوّل القطاع إلى أكبر معتقل بشري في العالم، يضم أكثر من مليوني إنسان يعيشون بلا أفق للحرية أو الأمان. ومع استمرار الانحياز الأميركي والعجز الدولي، يبقى معبر رفح صمام ضغط سياسي لا بوابة نجاة.

إذا لم يتحرك المجتمع الدولي بمواقف واضحة وإجراءات ملزمة، فإن ما يُسوَّق اليوم على أنه «سفر طوعي» سيُسجَّل كأحد أكثر فصول التهجير القسري هدوءًا وفعالية؛ جريمة تُرتكب بحق شعب يتمسك بحقه في الحياة والحرية، بينما يكتفي العالم بدور المتفرج.

 

كتب ..وسام زغبر

كاتب صحفي وعضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

Share This Article