| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
هآرتس 9/2/2026
استعمار اقتصادي في القرن الـ 21: المناجم في افريقيا تموت في خدمة ثورة الـ AI
بقلم: يشاي الفر
سكان منطقة الكونغو يدفعون حياتهم ثمنا للتقدم التكنولوجي منذ اكثر من مئة سنة. الملايين ماتوا من اجل توفير شهوة الملك ليوبولد في نهاية القرن التاسع عشر، وعشرات الالاف ماتوا في مناجم النحاس في بداية القرن العشرين. في بداية القرن الواحد والعشرين وصلت الى العالم اجهزة النوكيا والبلاي ستيشن، والطلب على منجم كولتين دفع المنطقة الى حرب اقليمية. التقدم التكنولوجي القادم – الانتاج الصناعي لبطارية الليثيوم التي تحتاج الى المعدن المعروف باسم كوبالت – برز في صراع المليشيات المسلحة والعمل القسري للاولاد ابناء السادسة.
الكارثة التي كانت في يوم السبت الماضي في منجم كولتين في شرق الجمهورية الديمقراطية الكونغو، والذي قتل فيه ليس اقل من 200 شخص، حدث على خلفية الثورة التكنولوجية الجديدة – الذكاء الصناعي.
ذكاء صناعي ضاغط
حتى لو كان معظم الموارد الطبيعية في الكونغو ما زال يلبي احتياجات صناعة الطاقة المتجددة في الدولة فان صناعة الذكاء الصناعي اصبحت تنافسها – عالم الذكاء الصناعي بحاجة تقريبا الى كل ما هو موجود في بطن ارض الكونغو مثل الكولتين (من اجل المعالجات والرقائق)، الكوبالت (من اجل بطاريات الدعم ومزارع الخوادم)، النحاس (من اجل الاسلاك). وبالتاكيد الموارد التي كانت ذات يوم تغذي الصراعات الاقليمية مثل الذهب والمجوهرات، تلعب الان دور اقل اهمية في سلاسل التوريد، وتستخدم بالاساس لغرض السيطرة والتمويل لمليشيات محلية.
في الانهيار في منجم الكولتين روبايا تضافر السباق نحو الموارد بكل ثمن (المنجم الذي يوفر حوالي 15 في المئة من الكولتين للعالم.
متمردو الـ ام 23 الذين يسيطرون على الاقليم الذي يوجد فيه المنجم، الذي يكسبهم ارباح تبلغ مليون دولار في الشهر، والثمن الانساني والبيئي للمناجم في احدى الدول الفقيرة في العالم (2 مليون من ابناء الكونغو يعملون في مناجم غير قانونية، بينهم آلاف الاطفال).
تقدير عدد القتلى في حوادث المناجم أو حالات الوفاة المرتبطة بظروف العمل الصعبة هو حسب التقديرات مئات في السنة، لكن بسبب سيطرة المتمردين فانه يصعب على منظمات حقوق الانسان أو الحكومة توفير معطيات دقيقة. التداعيات البيئية للمناجم غير القانونية تشمل تلويث مصادر المياه والغذاء، وتسرب مواد خطيرة واضرار كبيرة للبيئة.
ان الانتشار السريع للبنى التحتية للذكاء الصناعي يزيد الضغط على الاقتصادات التي تقوم على استغلال الموارد، ويتقدم بوتيرة، التنظيم الحكومي لا يمكنه تلبيته”، قال للصحيفة البروفيسور اوفساسان اوكوي من جامعة سانت توماس في ميناسوتا. اوكوي حقق بشكل معمق في تاثير صناعة الذكاء الصناعي على النظام الحكومي والصراعات وحقوق الانسان والبيئة. “الكارثة في منجم روبايا”، قال، “تمثل كيف ان الطلب العالمي يلتقي مع ممارسات العمل القسري ودفع الخاوة للمسلحين”.
اوكوي، مثل خبراء آخرين، حذر من نظرة بسيطة تقول ان الموارد نفسها هي التي تؤدي الى الاستغلال. “من غير الصحيح الافتراض بان الصراع يحدث فقط بسبب وجود المعادن”، قال. “لكن الصراع يستمر عندما يتحول الصراع على المناجم والوصول الى الموارد الى نقطة خلاف في البيئة التي تتميز بمؤسسات ضعيفة وصلاحيات موزعة”.
ويتفق مع اوكوي في رأيه ريتشارد بيرهاوس، مدير قطاع البيئة في “هيومن رايتس ووتش”: “في نهاية المطاف فان العلاقة بين هذه المعادن واعمال العنف في شرق جمهورية الكونغو، تتواصل لأن سلاسل التوريد غير الشفافة لا تمكن هذه المعادن من الوصول الى الاسواق العالمية، وهي تحمي المستثمرين والتجار والمنتجين من الانتقاد”. قال.
اكتفاء استراتيجي
مثل أي تطور تكنولوجي فان ثورة الذكاء الصناعي ترافقها تغيرات جيوسياسية واضحة. ففي شهر آذار اعلن الرئيس الامريكي دونالد ترامب بان معادن معينة هي حيوية للامن القومي الامريكي. هذه العملية تعكس السباق بين الدول العظمى في العالم من اجل الوصول الى “الاكتفاء الاستراتيجي”، أي توفير مخزون من الموارد الثمينة على خلفية التنافس المتزايد، بالاساس مع الصين.
في شهر كانون الثاني اعلن ترامب عن اقامة مخزن للمعادن بمبلغ 12 مليار دولار (مشروع الخزنة). وحسب قوله فان “هذا الخزان سيضمن ان المصالح التجارية الامريكية لن تتضرر في أي يوم من أي نقص”. في ايار 2024 اطلق الاتحاد الاوروبي قانون “المواد الخام الحاسمة”، الذي استهدف تقليص الاعتماد على دول معينة في استيراد المعادن. هكذا يامل الاتحاد تعزيز التوفير المضمون والدائم للمواد الخام الحيوية لاقتصاد الدول الاعضاء فيه. وزير الخارجية الاسرائيلي جدعون ساعر شارك في هذا الاسبوع في لجنة “المعادن الحاسمة” في واشنطن، وتحدث عن “منظومة دولية جديدة تضمن لاعضائها التزود بالمعادن الحاسمة للصناعات الحيوية المختلفة لاقتصادها وامنها القومي”.
لكن ايضا في السباق الى “الاكتفاء الاستراتيجي” فان جمهورية الكونغو تحولت الى ساحة حرب. ففي حين يحاول الغرب ضمان التزود بالمعادن من هذه الدولة، التي يوجد في بطن ارضها معادن تقدر بـ 24 تريليون دولار. ومن تسيطر حتى الان على اكثر من 70 في المئة من مناجم الكوبالت والنحاس في العالم هي الصين.
ترامب كرئيس للكارتل
اذا كانت ثورة الذكاء الصناعي هي المحرك، والاكتفاء الاستراتيجي هو الاخلاق، فان ترامب هو شخص بين رجل مبيعات ورئيس الكارتل. سياسة سلفه، الرئيس جو بايدن، اعطت وزن اكبر لصناعة الطاقة الخضراء، وحتى أنها حاولت الدفع قدما بالشفافية في سلاسل التوريد. ولكن العالم تعلم التعرف ليس فقط على احتقار ترامب لقضايا البيئة، بل ايضا مقاربته النفعية للموارد الطبيعية وتهديداته التي ترافق أي مفاوضات.
هذه المقاربة معروفة تماما في العالم: نفط فنزويلا، معادن اوكرانيا والكنوز المدفونة تحت جليد غرينلاند. “الاقتصادات السياسية في جمهورية الكونغو وفي غرينلاند مختلفة جدا”، قال اوكوي. “لكنها تمثل جانبين لنفس التنظيم العالمي الجديد الذي يحركه الذكاء الصناعي”.
المقاربة النفعية لترامب مهمة ايضا من اجل فهم “اتفاقات السلام” التي يتفاخر بها. في هذه الحالة توسط الرئيس الامريكي في وقف اطلاق النار بين رواندا وجمهورية الكونغو في حزيران 2025. واحتفل بانهاء “الحرب الاكثر فظاعة التي يمكن ان يشاهدها أي احد”، لكن جملته التالية اوضحت مصالح اخرى. “كجزء من الاتفاق نحن سنحصل، أي الولايات المتحدة، على حقوق كثيرة في مجال المعادن في الكونغو”، قال في احتفال التوقيع في واشنطن.
“ان تاثير الاتفاق على الارض محدود جدا”، قالت للصحيفة مورين وولشت، الباحثة في معهد الابحاث في بلجيكا أي.بي.آي.اس الذي يتناول ضمن امور اخرى النزاعات على الموارد الطبيعية والثمن الذي تجبيه. “في شرق الدولة، مجموعات مسلحة تواصل السيطرة على مناطق رئيسية ومناطق التعدين”.
المنظمات الانسانية تجد صعوبة في العمل في شمال وجنوب كيبو الموجودة تحت سيطرة المتمردين. ايضا وولشت التي تحدثت مع “هآرتس” من الولاية المجاورة ايتوري، اشارت الى انه من غير الممكن في هذه الاثناء القيام ببحث في منطقة انهيار المنجم.
في كانون الاول الماضي باركت الامم المتحدة الاتفاق الذي توسط فيه ترامب، لكنها حذرت ايضا من انه “حتى في الوقت الذي وقع فيه الزعماء على اتفاق ما وراء البحار، فان العنف على الارض يشتعل ويؤدي الى المزيد من القتلى والمصابين واللاجئين”. وحقيقة ان حكومة الكونغو لم تنجح حتى الان في استعادة المناطق التي احتلها المتمردون تدل اكثر من أي شيء آخر على مستوى نجاح الاتفاق.
وولشت تعمل مع شبكة منظمات محلية تتابع وضع حقوق الانسان والاحداث المتعلقة بالمناجم – سواء الانتاج أو النقل أو التجارة. ايضا هي تنضم الى الاصوات التي تقول بانه ليس الطلب على الموارد نفسه هو الذي يحرك العنف، بل بالذات “التدفق غير القانوني للمعادن والحكم الضعيف وقدرة المسلحين على كسب الارباح من المناجم ومنظومات النقل”.
بهذا المعنى تقريبا لا يهم أي مجموعة مسلحة تسيطر الان على منجم مثل منجم روبايا. الاهتمام يجب ان يتركز حسب قولها على منظومات السيطرة ومسارات حرف الانتباه والحواجز واخذ رسوم الحماية والتركز في مناطق كاملة، وليس فقط حول منجم معزول.
——————————————
إسرائيل اليوم 9/2/2026
هذه فرصة لا تتكرر لنتنياهو
بقلم: داني سترينوفيتش
يسافر نتنياهو غدا الى لقاء عاجل مع ترامب في البيت الأبيض، في ظل الفهم بان هذه نقطة زمن استثنائية. على حد نهجه، هذه فرصة نادرة كفيلة الولايات المتحدة فيها أن تنظر في خطوة عسكرية لضعضعة النظام الإيراني في ضوء تأييد ترامب للمتظاهرين في ايران، موقفه المتصلب تجاه النظام في طهران واساسا استعداده المبدئي لاستخدام القوة العسكرية العظيمة التي حشدها في منطقة الخليج. ومع ذلك رئيس الوزراء قلق من إمكانية أن يوافق ترامب انطلاقا من الرغبة في الامتناع عن معركة طويلة وعديم الهدف الواضح على اجراء مفاوضات مع ايران على مسألة النووي فقط.
مثل هذه الخطوة، كما يخشون في إسرائيل، من شأنها أن تؤدي الى اتفاق محدود يهجر مطالب مركزية أخرى – وعلى رأسها تقييد دراماتيكي لمنظومة الصواريخ الإيرانية ووقف الدعم الإيراني لفروع ايران في المنطقة. لقد تعزز التخوف في اعقاب تصريحات ترامب الأخيرة التي شدد فيها أساسا على الحاجة لمنع السلاح النووي عن ايران، دون ان يذكر مسألتي الصواريخ والتموضع الإقليمي. الفجوة بين المواقف وجدت تعبيرها في تعريف ما هو “اتفاق جيد”. من ناحية الجهات التي تعمل على حل دبلوماسي في الولايات المتحدة، فان اتفاقا جيدا كفيل ان يكون اتفاقا لا يتجدد فيه تخصيب اليورانيوم بحجوم يقترب من العسكرية.
من ناحية الجهات الصقرية في الولايات المتحدة وفي إسرائيل، فان الاتفاق الجيد هو اتفاق يتعلق بكل المسائل الأربعة: النووي، الفروع، الصواريخ وتغيير الموقف من قمع المتظاهرين. وعليه فعمليا، في ضوء مواقف آيات الله معناه هو استمرار التوتر بدون اتفاق، حتى بثمن التصعيد. من ناحية نتنياهو، الخياران المفضلان هما “هزيمة عسكرية لإيران من خلال القوة الامريكية او هزيمة فكرية، أي اتفاق شامل معناه تفكيك قدرة النظام على الدفاع عن نفسه. السيناريو الأسوأ من ناحية إسرائيل هو اتفاق نووي ضيق تكتفي فيه الولايات المتحدة بتقييد التخصيب فقط. اتفاق كهذا سيعزز النظام الحالي، يعزل إسرائيل، يترك مسألة الصواريخ ومنظمات الوكلاء الإيرانيين على حالهم واساسا سيحرم إسرائيل من إمكانية أن تهاجم ايران في المستقبل.
بالنسبة لنتنياهو هذا لقاء حاسم. اذا وقعت الولايات المتحدة على اتفاق نووي جديد، واضح انه بخلاف عهد إدارة أوباما لن تكون لإسرائيل قدرة حقيقية على التشكيك به. فضلا عن ذلك يوجد تخوف ان ترى واشنطن في مثل هذا الاتفاق اغلاق الحساب مع المسألة الإيرانية وتتجه للتركيز على ساحات أخرى تاركة إسرائيل تتصدر وحدها لاستمرار بناء القوة التقليدية لإيران. في لقاء سيحاول نتنياهو ان يجسد للرئيس ترامب انه في ضوء ضعف ايران النسبي في هذا الوقت، الى جانب حشد القوات الامريكية في المنطقة فان هذه فرصة لضعضعة النظام او على الأقل فرض تنازلات أوسع بكثير مما بحثت فيه في الماضي وعدم الاكتفاء بقيود محدودة على النووي.
ومع ذلك تأتي الزيارة أيضا على خلفية نقد متزايد في أن إسرائيل تدفع الولايات المتحدة الى مواجهة عسكرية. وعليه فان نتنياهو مطالب بان يسير على حبل رفيع: ان يعرب عن تأييد لخطوة حازمة دون أن يتخذ صورة من يقود الى الحرب. في سفر نتنياهو العاجل الى واشنطن يجسد الأهمية الكبرى التي يمليها للحظة الحالية – مع التشديد على الفرصة التي قد لا تتكرر، والتي تقود فيها الإدارة خطوة لضعضعة النظام الإيراني الى جانب الخوف العميق من ان يفضل الرئيس اتفاقا نوويا محدودا، يكون في نظر إسرائيل سيئا استراتيجيا.
——————————————
هآرتس 9/2/2026
المستويات الامنية قلقلة من خطاب المستوى السياسي الذي يهدد علاقات إسرائيل مع دول المنطقة المعتدلة
بقلم: ينيف كوفوفيش
لقد اعربت المؤسسة الامنية عن القلق من انه في ظل الصراعات السياسية التي تجري في اسرائيل، فانه تتم ترجمة الانجازات الحربية والردع الذي حققه الجيش الاسرائيلي بتكلفة باهظة من قبل القيادة السياسية، لا سيما الوزراء الكبار، الى خطاب تفاخر وازدراء يصل الى درجة ااهانة دول المنطقة. وقد حذرت المؤسسة الامنية القيادة السياسية من ان التحول من حالة الردع الاقليمي الى حالة الاهانة الاقليمية يدفع دول الشرق الاوسط، بما في ذلك الدول التي وقعت على اتفاقات ابراهيم أو التي تجري محادثات للانضمام اليها، الى فقدان الثقة والخوف من طموحات اسرائيل الاقليمية. وحسب المؤسسة الامنية تقيم هذه الدول تحالفات مع الولايات المتحدة واوروبا الغربية وفيما بينها لمنع اسرائيل من مراكمة نفوذ غير منضبط في المنطقة، وخلق ادوات ضغط قد تؤثر سلبا على امن اسرائيل واقتصادها.
وقد قال مصدر امني رفيع لـ “هآرتس”: “دول كثيرة في الشرق الاوسط تعتقد ان اسرائيل اصبحت اقوى اثناء الحرب بما يفوق حجمها الحقيقي في المنطقة”. ان القدرة التي اظهرها الجيش والشباك والموساد اثناء الحرب اعادت بدرجة كبيرة قوة الردع امام جميع الاطراف الفاعلة في المنطقة، وجعلتها تقدر قوتها العسكرية. ولكن الخطابات المتفاخرة والتصريحات غير المسؤولة من قبل النخبة السياسية تحول الردع الى اهانة. ففي الشرق الاوسط يتم النظر الى أي شخص يراكم الكثير من السلطة ويتفاخر بها على الفور بانه عامل يضعضع الاستقرار ويجب الاستعداد له.
ان الانتقاد في المؤسسة الامنية ليس انتقاد نظري فقط، بل هو يستند الى عدة تصريحات علنية لكبار الوزراء. من بين ذلك تصريحات رئيس الحكومة نتنياهو بان اسرائيل قد غيرت وجه الشرق الاوسط، وتهديده باستئناف القتال في كل القطاعات، وسعي وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الى فرض حقائق على الارض يمكن ان تؤدي الى ضم الضفة الغربية، خلافا لموقف امريكا. فضلا عن تصريحه بانه “اذا عرضت علينا السعودية التطبيع مقابل الدولة الفلسطينية، فنحن نقول لكم ايها الاصدقاء: لا، شكرا. استمروا في ركوب الجمال في صحراء السعودية”، والحملة التي اطلقها اعضاء في مكتب رئيس الحكومة، التي هدفت الى الاضرار بمكانة مصر الاقليمية واتفاق السلام، بزعم ان المصريين كانوا يحشدون القوات استعدادا للمواجهة مع اسرائيل، وانهم سمحوا بالتهريب في الانفاق عن طريق محور فيلادلفيا حتى اثناء الحرب – الامر الذي كرره مسؤولون كبار في الحكومة، وتبين بعد ذلك بانه افتراء، ومحاولة اغتيال قادة حماس الكبار في قطر اثناء المفاوضات حول صفقة الرهائن، وهو الحدث الذي جعل دول الشرق الاوسط تعرف، وفقا للمؤسسة الامنية، بانه من الصعب الوثوق بالحكومة الاسرائيلية الحالية.
مصدر امني قال ان “هذه التصريحات لا تبقى حبيسة الخطاب الداخلي في اسرائيل، بل تتم ترجمتها على الفور الى لغة الشرق الاوسط، الامر الذي يثير القلق الكبير في كل المنطقة”.
المسؤولون انفسهم يقولون بان معظم الدول عززت تحالفها مع اسرائيل ضد ايران اثناء الحرب. فقد كان الخوف من امتلاك ايران للسلاح النووي كابوس مشترك بين كثير من دول الشرق الاوسط، التي شارك بعضها في الحرب بين اسرائيل وايران، سواء في مجال المخابرات او الدفاع الجوي او تقديم الدعم اللوجستي للقوات الامريكية والغربية التي عملت على اعتراض الصواريخ الايرانية.
لكن الان، بعد ان اضعفت اسرائيل محور ايران بشكل ملحوظ، يزداد قلق دول الخليج ازاء ثقة اسرائيل المفرطة بنفسها، التي تتحول بالنسبة لهم من عامل استقرار الى عامل يقوض الاستقرار الامني في المنطقة. مصدر امني رفيع ومطلع قال: “يوجد توجه واضح بين الشخصيات السياسية وكبار المسؤولين في المؤسسة الامنية ايضا، الذين يعتقدون ان القوة العسكرية تحقق انجازات اكبر من التحركات السياسية. بالنسبة لدول الخليج هذه رسالة تقول بان اسرائيل مستعدة لاستخدام القوة حتى في ساحات الشراكة مثلما حدث في قطر. وقادة كثيرون منهم يتساءلون اذا كانت اسرائيل، بعد ايران، ستكون هي العامل الذي سيحاول التاثير على ما يحدث في دولهم، واذا كان يتوقع انها ستعتبرهم تهديد في الغد وتشن الهجوم عليهم. هذا مصدر قلق حقيقي في المنطقة”.
في نقاشات امنية مغلقة فانه تنقل الى المستوى السياسي رسالة تفيد بان تصور دول الخليج بان اسرائيل بدات تنظر الى نجاحها العسكرية بانه “توجيه سياسي” سيؤدي الى تآكل الثقة الاقليمية واضعاف التعاون الاقليمي. وحسب نفس الرسالة فان دول الخليج ستعقد تحالفات جديدة، لا سيما مع الولايات المتحدة والدول الاوروبية، الامر الذي سيؤدي الى اضعاف موقف اسرائيل في المنطقة.
لقد ازدادت المخاوف في ظل المحادثات الاستراتيجية التي تجري بين الولايات المتحدة والسعودية، والاتفاقات الامنية والاقتصادية الضخمة التي وقع عليها الرئيس الامريكي ترامب مع قطر ودولة الامارات ودول اخرى. وقد قال مسؤول رفيع سابق: “هذه الدول لا تكتفي بتعزيز نفوذها وقوتها من خلال الاتفاقات مع ترامب، بل هي تستثمر اموال طائلة في الطب في العالم الغربي والاكاديميا والاعلام، وتستحوذ على شركات عملاقة وبنية تحتية حيوية، الامر الذي يخلق تبعية كبيرة لها من قبل تلك الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، في أي لحظة معطاة. اسرائيل الان لديها فرصة للتاثير على مسار المنطقة، وان تكون عامل حاسم في مستقبلها والتاثير على الاتفاقات التي توقع في هذه الايام، لكن نحن لسنا هناك”.
موقف المؤسسة الامنية مثلما عرض مؤخرا في النقاشات الامنية، وهو ان الاستمرار في خلق خطاب يصور اسرائيل بانها تفضل الحلول العسكرية احادية البعد على العمليات السياسية والمدنية والاقتصادية، هو موقف خاطيء. وحسب المؤسسة الامنية فان استمرار سياسة التفاخر واهانة دول المنطقة قد يؤدي الى تآكل اتفاقات السلام والاضرار بالتطبيع الذي رسخته اتفاقات ابراهيم، وضياع فرص التعاون مع دول اخرى، لا سيما السعودية، لاتخاذ خطوات يمكنها تعزيز امن اسرائيل على المستوى الاستراتيجي.
——————————————
عاريف 9/2/2026
في إسرائيل يفهمون بان حشد قوات الجيش الأمريكي في المنطقة قد لا يتكرر
بقلم: افي اشكنازي
ما يلي من حديث يجدر أن يبدأ بالذات من الاستنتاج النهائي: صحيح حتى الان، احد في إسرائيل لا يعرف كيف يقدر الى أين يتجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فهل ارتعدت فرائصه وهو يحاول ان ينزل عن الشجرة التي صعد اليها قبل اكثر من شهر؟ هل المفاوضات ستؤدي الى استسلام ايران امام الولايات المتحدة. هل هذه ستتضمن تسليم اليورانيوم المخصب وتفكيك الصواريخ الباليستية ووكلاء طهران في الشرق الأوسط؟ ام ربما يدور الحديث على الاطلاق عن انتظار لحشد مزيد من القوة، لتوثيق خطط الهجوم وتكرار خطة الخداع حيال الإيرانيين؟ في المحادثات التي أجريت في إسرائيل مع كبار رجالات الجيش الأمريكي وكذا مع مسؤولي الإدارة بمن فيهم مبعوثا الرئيس الأمريكي – ستيف ويتكوف وجارد كوشنير – كان واضحا للاسرائيليين بان الأمريكيين متفقون مع إسرائيل في رؤية المشكلة في النظام الإيراني، اهداف الهجوم والهدف في نهاية المعركة. صحيح أن للامريكيين مصالح أوسع في كل ما يتعلق بايران. اكثر بكثير من المصلحة الإسرائيلية. لكن لإسرائيل يوجد تفوق بنيوي في أنها تحوز أجزاء واسعة من المعلومات الاستخبارية. إضافة الى ان لإسرائيل توجد تجربة 12 يوما من القتال ضد ايران وهجمات أخرى نفذها على أراضي ايران سلاح الجو الإسرائيلي في السنتين الأخيرتين.
إسرائيل تفهم ان الفرصة الناشئة الان التي يتجند فيها الامريكيون مع قوات كبيرة على نحو خاص والتي كفيلة بان تهزم بهذا الشكل او ذاك ايران هي حدث لمرة واحدة في خمسين سنة وربما اكثر. التخوف الكبير في هذه اللحظة في إسرائيل هو في أن يبدأ الامريكيون الخطوة – لكن لا ينهوها. هذا سيناريو سيء بقدر لا يقل عن سيناريو الا يبدأ الامريكيون الخطوة على الاطلاق.
المشكلة في مثل هذه الحالة هي ان ايران من شأنها ان تشعر انها على ما يكفي من القوة بعد أن نجت من شدة الهجوم الأمريكي والإسرائيلي وهي يمكنها أن تخرج باحساس من القوة وهي من هنا تعمل على أن تملي في المنطقة جدول الاعمال الذي سيبنى على أي حال على إرهاب يتجاوز الحدود، على تهديدات على مخزونات النفط للجيران وغيرها. وهكذا تجمع ايران لنفسها قوة جيوسياسية واسعة. من يبحث عن تلميح بهذا حصل عليه في الأيام الأخيرة، عندما خرج الجيران العرب وبينهم السعودية، البحرين، اتحاد الامارات وحتى قطر – الذين يخافون من ايران خوف الموت، خرجوا دفاعا عنها. زعماؤهم اقنعوا الأمريكيين باجراء مفاوضات بدلا من الهجوم.
بعض من الحسابات التي يجرونها الان في طهران تعنى بالضبط بهذا. فالايرانيون يحاولون تقدير مدى الضرر الذي قد يوقعه الامريكيون عليهم في حالة حرب، وبالتوازي يحسبون عمق المرونة التي سيستخدمونها في المفاوضات. النظام في طهران لا يريد الاستسلام للامريكيين. لكنهم أيضا لا يريدون ان يفقدوا الحكم. ولهذا فهم يجرون مفاوضات عنيدة مثلما يعرف تجار بازار طهران فقط كيف يجرونها. هم يفحصون قدرات الإصابة التي قد يوقعها الامريكيون بهم، ويحتمل أن يكونوا اختاروا منذ الان الإبقاء على جزء من ترسانة السلاح وقواتهم تحت الأرض كي يتمكنوا في اليومم التالي للهجوم الأمريكي ان يخرجوا كمنتصرين. هذه ستكون قفزة سريعة الى إعادة البناء.
——————————————
يديعوت احرونوت 9/2/2026
تخشى إسرائيل من اتفاق لن يؤدي إلا إلى تفاقم التهديد الإيراني
بقلم: رون بن يشاي
من التصريحات التي أدلى بها الطرفان عقب المفاوضات التمهيدية بين الولايات المتحدة وإيران في عُمان يوم الجمعة الماضي، يُمكن الاستنتاج بأن إيران تُبدي مقاومة شديدة للتراجع عن مواقفها، بينما الولايات المتحدة مستعدة للتنازل بشأن اتفاق نووي يُفضي إلى رفع العقوبات، وهو ما سيُساعد النظام الإيراني بشكل غير مباشر على البقاء والعودة إلى تهديد محيطه. والأسوأ من ذلك، أن مثل هذا الاتفاق – في حال توقيعه بين الولايات المتحدة وآيات الله – قد يُقيّد إسرائيل، ويُحدّ من قدرتها على صدّ التهديدات النووية والصاروخيةً بنفسها أو يدخل نتنياهو في مواجهة مباشرة مع ترامب.
لذا، سارع رئيس الوزراء إلى تقديم موعد زيارته إلى واشنطن أسبوعين. وينبع هذا الاستعجال من دافعين: أولهما، حاجة نتنياهو إلى استباق الأحداث وإقناع ترامب بتقليص هامش التنازلات التي قد يتفق عليها ويتكوف وكوشنر مع الإيرانيين (بدءً من إجراءات المحادثات وانتهاءً بالاتفاق على القضايا الجوهرية)؛ وثانيهما، وتيرة حصول إيران على الصواريخ الباليستية والطائرات المُسيّرة. فالنظام في طهران، استنادًا إلى دروس حرب الأيام الاثني عشر، يرى في الصواريخ الباليستية الوسيلة الوحيدة المتبقية لديه للردع ما دام لا يمتلك أسلحة نووية. لذلك، يُسرعون في إعادة بناء أنظمة تطوير وإنتاج وإطلاق هذه الصواريخ.
تمتلك إيران صناعةً ثقيلةً للمعادن ومراكز لتطوير الصواريخ ووقودها، منتشرةً في أرجاء هذا البلد الشاسع، ما حال دون تدميرها جميعًا في معركةٍ جويةٍ خاطفة، بينما تمكنوا من إدخال عددٍ قليلٍ من الصواريخ إلى أراضينا، لكنها تسببت بخسائر ودمار. لذا، وباستخدام ما تبقى لديهم، يُنتج الإيرانيون الآن مئات الصواريخ الباليستية شهريًا. معظمها يعمل بالوقود السائل، ولكن هناك أيضًا صواريخ دقيقة تعمل بالوقود الصلب (يبدو أن لديهم عددًا قليلًا من “خلاطات الوقود الكوكبية” المتبقية، الضرورية لإنتاج الوقود الصلب، وهم أيضًا من بين الدول القليلة في العالم التي تُجيد إنتاج بطاريات صواريخ اعتراضية استراتيجية خاصة بها). الجودة ليست عالية، لكن الكمية ستجعل من الصعب على أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية وأنظمة الدفاع الجوي لدينا اعتراضها جميعًا.
الخلاصة هي أن إيران، مع مرور كل يوم، تُعزز قدرتها على تهديد محيطها وردع الأمريكيين والولايات المتحدة باستخدام الصواريخ الباليستية، ولذا يجب إيقاف هذه العملية في أسرع وقت ممكن. ويتضح من ذلك أيضًا أن المفاوضات المطولة تصب في مصلحة الإيرانيين، وتزيد من تكلفة الحفاظ على النفوذ الأمريكي بفضل حالة التأهب في منطقتنا.
شروط أيات الله
وضع الإيرانيون شروطًا صارمة للغاية لدخولهم في المفاوضات منذ البداية. ويتضح من تصريحات وزير الخارجية الإيراني عراقجي، الذي حدّد المرشد الأعلى صلاحياته مسبقًا، أن إيران لا ترغب إلا في مناقشة قيود معينة من شأنها “تجميد” برنامجها النووي (المعلق حاليًا بسبب الأضرار التي لحقت بها في حرب الأيام الاثني عشر). لا توافق طهران على تفكيك المشروع النووي بالكامل أو القدرات التي تُمكّنها من امتلاك أسلحة نووية في المستقبل البعيد؛ وفيما يتعلق بالصواريخ الباليستية، ووقف المساعدات للوكلاء، ووقف القمع الوحشي للاحتجاجات، يرفض آيات الله التحدث مع الأمريكيين رفضًا قاطعًا، لا بشكل مباشر ولا غير مباشر.
بحسب الخبراء، يُفضّل خامنئي خوض الحرب على الاستجابة لمطالب الأمريكيين، خشية أن يُعرّض أي مظهر من مظاهر الضعف، سواءً على الصعيدين الخارجي والداخلي، حياته الشخصية ونظامه والثورة الإسلامية للخطر. لكن ما يُقلق إسرائيل هو موافقة الولايات المتحدة على معظم الشروط التمهيدية التي وضعتها إيران لبدء المفاوضات. في تصريحاته، لم يُشر ترامب إلا إلى الملف النووي الإيراني كموضوع للتفاوض، متجنباً ذكر القضايا الأخرى. في إسرائيل، يسود انطباع بأن الولايات المتحدة ستكتفي باتفاق نووي سيُقدّمه ترامب كإنجاز، مُتباهياً بأنه أفضل من الاتفاق النووي الذي وقّعه خامنئي مع إدارة أوباما في تموز 2015، إلا أن اتفاقاً لا يُقيّد مدى الصواريخ الباليستية قد يُشكّل إشكالية من وجهة نظر إسرائيلية. وذلك لأن ذلك سيؤدي إلى رفع العقوبات عن إيران، وعندما ترفع الولايات المتحدة وأوروبا العقوبات المفروضة على إنتاج وتصدير النفط والغاز من إيران، سيتمكن نظام آية الله من تقديم منافع لمواطنيه بما يخفف من معاناتهم الاقتصادية، وبالتالي يهدئ غضبهم وتطلعاتهم للإطاحة بالنظام. ويعتقد خبراء الوضع في إيران حاليًا أن النظام هناك أضعف من أي وقت مضى، وأن البلاد بأكملها في حالة “ثورة”. وقد تنقذ المليارات التي ستتدفق إلى الخزينة الإيرانية النظام. واستنادًا إلى التجارب السابقة، سيتم توجيه جزء كبير من الأموال التي ستجنيها إيران نتيجة رفع العقوبات إلى تمويل المشاريع العسكرية، ولا سيما مشاريع الصواريخ والطائرات المسيرة الهجومية. وفي وقت لاحق، سيحصل المشروع النووي، الذي سيتم تجديده، على تمويل إضافي، وستستفيد أيضًا الفصائل التابعة له – حزب الله والحوثيون والميليشيات العراقية وحماس – (يواجه حزب الله حاليًا صعوبة في دفع التعويضات للاجئين من جنوب لبنان بسبب توقف تدفق الأموال من إيران). لا حاجة للتكهن أو التخمين بما سيحدث. هذا بالضبط ما حدث عندما خففت إدارة بايدن، في محاولة منها لإغراء الإيرانيين بالجلوس معها على طاولة المفاوضات، العقوبات المفروضة على طهران بشأن صادرات النفط والتهريب.
لكن هذا ليس كل شيء. فإذا تم توقيع اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، فإن أي اتفاق لا يتضمن قيودًا مشددة على الصواريخ الباليستية والأسلحة النووية قد يُفقد إسرائيل حرية إحباط هذه المشاريع ومهاجمتها على الأراضي الإيرانية نفسها، حتى لو بلغت أبعادًا تُشكل تهديدًا ملموسًا لإسرائيل. وذلك لأن رئيس الوزراء الحالي وحكومته لن يجرؤوا على انتهاك الهدوء و”السلام الإقليمي” الذي سيعلنه ترامب، في حال توقيعه اتفاقًا مع طهران وبعده. ويمكن افتراض أن هذا سيظل صحيحًا حتى في حال وجود إدارات مختلفة في القدس وواشنطن. فبعد توقيع الولايات المتحدة اتفاقًا مع إيران، لن تتمكن إسرائيل من القيام بالكثير.
الظروف على الأرض لا تُلبي مطالب الرئيس
نشأ هذا الوضع أساسًا لأن الرئيس ترامب لن يُقدم على أي هجوم أو يُخاطر بالفشل إلا إذا تأكد من أن هذه الخطوة ستكون قصيرة وقوية، وأن نتائجها ستكون حاسمة وواضحة، وأن هذا العمل لن يُورط الأمريكيين في حملة جوية وبحرية طويلة الأمد مع الإيرانيين. وبحسب مصادر مطلعة على الاستعدادات الأمريكية، فإن الظروف الراهنة على الأرض لا تضمن توافر الشرطين الأساسيين اللذين حددهما ترامب لشعبه. أولاً، لا تمتلك الولايات المتحدة معلومات استخباراتية كافية، كمّاً ونوعاً، تسمح بشنّ ضربة حاسمة تُفضي إلى نتيجة واضحة في غضون أيام قليلة، كما يطالب ترامب، وهو تغيير النظام عبر إضعاف القيادة وإضعاف الحرس الثوري وقوات الباسيج بشكل كبير، لتمكين الجماهير، في حال تمردها مجدداً، من تحقيق هدفها وتغيير النظام أو على الأقل سياساته. ثانياً، التدمير الكامل للمشروع النووي ومشروع الصواريخ ومنظوماتهما. يُعدّ ضرب هذين المشروعين ضرورياً لمنع أي رد إيراني أو ضربات انتقامية ضد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، وضد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وضد الولايات المتحدة نفسها.
ومن الأسباب الأخرى التي تجعل الولايات المتحدة غير مهتمة بحملة طويلة الأمد في الخليج العربي، تحويل القوة البحرية المحيطة بحاملة الطائرات لينكولن من المحيط الهادئ ومنطقة اليابان وبحر الصين الجنوبي، حيث تُشكّل الصين تهديداً لحلفاء الولايات المتحدة. يُضعف هذا الوضع بشدة قدرة تايوان والولايات المتحدة على المقاومة، في حال انتهزت الصين الفرصة وحاولت احتلال تايوان أو فرض حصار عليها. إضافةً إلى ذلك، فإن نزاعًا مطولًا بين الولايات المتحدة وإيران، يستمر لأكثر من أسبوع، قد يُلحق أضرارًا جسيمة بمنشآت النفط في المنطقة، ويؤدي إلى حصار مضيق هرمز، ما سيتسبب في ارتفاع حاد في أسعار النفط في السوق العالمية، وهو ما يضر بالاقتصاد الأمريكي بلا شك.
ومن الجدير بالذكر أيضًا أن الحزب الجمهوري بقيادة ترامب يضم جناحًا انفصاليًا قويًا، أبرزهم نائب الرئيس فانس، الذي يعارض إرسال القوات الأمريكية للقتال إلى جانب الأجانب. علاوة على ذلك، لم يتبقَّ سوى ثمانية أشهر على انتخابات التجديد النصفي لإدارة ترامب. على أي حال، لدى الولايات المتحدة أسباب وجيهة لعدم الرغبة في شن هجوم على إيران، جزئيًا لأنه إذا بقي النظام الإيراني في السلطة بعد هجوم أمريكي أو هجوم أمريكي إسرائيلي مشترك، فقد يُصوّر ذلك على أنه نصر ودليل على ضعف الولايات المتحدة.
مطالب نتنياهو
ما الذي يسعى رئيس الوزراء نتنياهو لتحقيقه خلال زيارته لواشنطن؟ أولاً، سيحاول إقناع ترامب بتقصير مدة المفاوضات قدر الإمكان، وعدم منح الإيرانيين فرصة لكسب الوقت. سيطالب ليس فقط بتجميد البرنامج النووي الإيراني، ما يسمح للإيرانيين باستئنافه في حال تغير الظروف، مثلاً في حال تولي رئيس آخر للولايات المتحدة، بل بإيقافه نهائياً، أي منع تخصيب اليورانيوم بنسبة تزيد عن 4 في المئة على الأراضي الإيرانية.
إلى جانب رقابة صارمة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما سيطالب نتنياهو بأن يتضمن الاتفاق مع الإيرانيين بنداً يحد من مدى (ويفضل أيضاً عدد) الصواريخ الباليستية التي تطورها وتنتجها إيران (على غرار اتفاقية نظام مراقبة تكنولوجيا الصواريخ التي تم التوصل إليها في الثمانينيات بين 35 دولة، والتي تحد من انتشار الصواريخ بحيث لا تشكل خطراً على الدول المجاورة، وتقتصر على استخدامها للدفاع عن النفس فقط).
سيطالب نتنياهو أيضاً برفع العقوبات تدريجياً وببطء، بما لا يُمكّن حزب الله والحوثيين من تمويل احتياجاتهم العاجلة. وإذا لم يوافق الإيرانيون على هذه الشروط، فمن المرجح أن يقترح نتنياهو أن تشنّ الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً مشتركاً على عدد كبير من “مجموعات” الأهداف وأهداف فردية في آن واحد، بأسلوب هجومي عنيف. ستكون هذه المطالب الرئيسية لنتنياهو، ولكن هناك سبب آخر لسفره إلى واشنطن يتعلق بغزة: ففي الثامن عشر من الشهر، من المقرر أن يجتمع “مجلس الإدارة”، وهو المجلس الدولي المسؤول عن خطة ترامب، في واشنطن، والذي يُفترض أن يُشرف على تنفيذ الخطة ويضع سياسة مستقبلية. يخشى نتنياهو أنه إذا قبل الدعوة، فقد يجد نفسه مضطراً إما لمواجهة ترامب علناً، أو، تحت ضغط ترامب، للموافقة على مبادرات تركيا وقطر، اللتين تبذلان قصارى جهدهما لضمان بقاء حماس وعدم نزع سلاحها بالكامل. على سبيل المثال، قرار البدء بإعادة إعمار قطاع غزة، مشروع “غزة الجديدة”، في الأراضي التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، قبل البدء بتفكيك حركة حماس، وقبل اكتمال عملية نزع سلاحها وتسريح قواتها في غزة. يتمثل موقف إسرائيل في أنه لن تكون هناك إعادة إعمار حتى يتم نزع سلاح حماس وتجريد القطاع. سيحاول نتنياهو إقناع ترامب بأن أي خطة أخرى لن تؤدي إلى إعادة إعمار، ولا إلى نزع السلاح والتجريد بل إلى طريق مسدود ينتهي بتجدد القتال.
——————————————
هآرتس 9/2/2026
الكابنت يدفع قدما بفرض السيادة وآليات الدفاع الأخيرة من الطرد لاغية
بقلم: عميره هاس
الوزير بتسلئيل سموتريتش بشكل خاص، وحركة الاستيطان بشكل عام، اثبتوا يوم امس مرة اخرى بانهم القوة المحركة القوية، المصممة، والثابتة والاكثر نجاحا الان في تحديد الواقع والمستقبل لليهود والفلسطينيين بين البحر والنهر. ففي قراره للمصادقة لجهات انفاذ القانون بالعمل في مناطق أ و ب في المجالات المدنية واصل الكابنت قبول طلبات حزب الصهيونية الدينية عند دخوله الى الائتلاف، وواحد تلو الاخر تتحقق الاهداف التي وضعتها لنفسها لوبي الاستيطان الذي يتكون من منظمات مختلفة وكثيرة وتحظى بالكثير من التبرعات.
عندما نربط القرارات السياسية بنجاح المستوطنين في تدمير عشرات التجمعات الفلسطينية وتهجير سكانها قسرا، ندرك انرؤية ضم 82 في المئة من الضفة الغربية التي طرحها سموتريتش في ايلول الماضي تتحقق بالتدريج امام انظارنا. فرغم اعلان الرئيس الامريكي دونالد ترامب علنا بان الضم لن يحدث، الا انه ينفذ باستمرار. وتشكل هذه السياسة الغاء احادي الجانب للاتفاقات السياسية الموقعة مع م.ت.ف والسلطة الفلسطينية برعاية دولية، وتعزز تطبيق سيادة اسرائيل في الضفة الغربية.
قرار الكابنت الذي صدر امس يشير الى احتمالية ازدياد الاقتحامات العسكرية للمدن الفلسطينية في المستقبل القريب. ولن يقتصر دافع هذه الاقتحامات على الجوانب الامنية فقط، بل سيتمكن الجيش الاسرائيلي من “الاشراف على” وفرض قوانين مدنية مثل الاثار والمياه والبيئة. وقد يعطي هذا القرار الضوء الاخضر لحملات هدم منازل ومشاريع فلسطينية في داخل المدن، حسب معايير تحددها الادارة المدنية، متاثرة ضمن امور اخرى، بمصالح واهواء المستوطنين. ومثلما هي الحال في أي اقتحام عسكري قد تؤدي هذه الاقتحامات الى سقوط عدد غير معروف من القتلى والجرحى والاعتقالات في صفوف الفلسطينيين.
المستقبل القريب يبشر بتسارع وتيرة تجريد الفلسطينيين من اراضيهم الخاصة. وتعتقد المحامية روني بيلي، من منظمة “يوجد حكم” غير الحكومية، بان التاثير الاوسع لقرارات الحكومة سيتركز في مجال الاراضي. وحتى الان بقيت سجلات الاراضي في الضفة الغربية سرية، وكان على الشركات التي ترغب في شراء عقارات في المنطقة الحصول على “تصريح معاملة” من رئيس الادارة المدنية. وكانت هذه من بين الاليات القليلة التي ابقى عليها الحكم العسكري للفلسطينيين كحماية من الاستيلاء القسري على اراضيهم عبر تزوير الوثائق والتهديدات واستغلال النزاعات العائلية.
واضافت بيلي بان رفض المحكمة العليا للالتماس الذي قدمته منظمة ريغفيم الذي طالب بمراجعة سجلات ملكية الاراضي في مدينة البيرة، بهدف السماح بتوسيع مستوطنة بسغوت، لم يكن عبثا. وتشير بيلي الى ان “الادارة المدنية كانت تجري بعض عمليات التدقيق (في معاملات العقارات بحسب القانون) حتى في القضايا الكبيرة، وقد اكتشفت بعض الجهات تزوير والغت الصفقات”. والان بعد ان الغت الحكومة اليات الحماية هذه فمن المرجح ان نشاهد استيلاء محموم من قبل الدولة والاسرائيليين على الاراضي المملوكة ملكية خاصة للفلسطينيين.
ولكن الكارثة كما تصفها بيلي قد تحدث في الخليل. فقد وافق مجلس الوزراء في قراره على تجريد البلدية الفلسطينية من صلاحياتها في اجراء التخطيط واعطاء رخص البناء وقرر تركها حصريا للادارة المدنية. ان نقل صلاحيات البناء الحصرية في الحرم الابراهيمي لليهود – الموقع الذي لا يقل قدسية بالنسبة للمسلمين – يمكن ان يشعل فتيل صراع ديني.
وبينما قرر مجلس الوزراء الغاء القانون الاردني الذي يحظر بيع الاراضي لليهود من مواطني اسرائيل فانه لم يوازن ذلك بطبيعة الحال بمنح الفلسطينيين في الضفة الغربية حق شراء الاراضي في داخل اسرائيل. ويصف المحامي ميخائيل سفارد، الخبير في القانون الدولي لحقوق الانسان، هذا الوضع بانه “تعبير عن السيادة في اطار الفصل العنصري”. وبالنسبة له فانه “في منطقة واحدة يوجد مواطنون وغير مواطنين، ومصلحة المواطنين (اليهود) هي الشيء الوحيد الذي يوجه الحكومة”.
واكد سفارد وقال ان “أي قرار يتخذه الكابنت هو مخالف للقانون الدولي”. فكل خطوة رسمية يتخذها الكابنت بتوجيه من سموتريتش توجد لها سابقات في سلوك الحكومات السابقة. فسياسة الاستيطان التي اتبعتها حكومات التحالف وحكومات العمل انتهكت القانون الدولي.
سلوك الابرتهايد حسب قول سفارد، الذي خلق تفاوت فظيع بين المستوطنين والسكان الفلسطينيين، ليس من اختراع الصهيونية الدينية، وليس بالصدفة ان ترفق المواقع الالكترونية اليمينية مقاطع الفيديو التي تظهر بتفاخر مزارع الرعاة العنيفة بالحان وصور من فترة الاستيطان الصهيوني العلماني التي سبقت قيام الدولة. ايضا نقض الاتفاقات مع السلطة الفلسطينية بشكل احادي الجانب ليس بالامر الجديد. فحتى قبل اقرار اريئيل شارون الانسحاب من قطاع غزة كان رؤساء الوزراء من حزب العمل يستخفون بالوعود الموقعة، وايضا الوعود التي قطعت خارج نطاق الاتفاق والتي تتعلق باخلاء البؤر الاستيطانية التي بدأت تظهر في منتصف التسعينيات، لم يتم تنفيذها.
ان المماطلة في ادارة المفاوضات حول تسوية دائمة مع الفلسطينيين، التي كان من المفروض ان تدخل الى حيز التنفيذ في 1999، هي التي اعطت، ضمن امور اخرى الزخم لحركة الاستيطان. والان تحول هذه الحركة وممثلوها في الحكومة هذه الانتهاكات الى قرارات، وهذا هو الفرق عن انتهاكات الحقبة السابقة. لقد سمحت الاتفاقات المؤقتة في اوسلو، التي حولها الطرف الاسرائيلي بشكل متعمد من مؤقتة الى دائمة، لاسرائيل بالاحتفاظ بالسلطة المطلقة: الاستمرار في السيطرة على الاراضي الفلسطينية والتخلي عن واجبها كقوة احتلال بحسب القانون الدولي.
م.ت.ف، التي اعتقدت ان العالم سيضمن التنفيذ العادل للاتفاق، باركت باقامة السلطة الفلسطينية التي ستتولى المسؤولية عن رعاية السكان المحتلين، ولكن مع استمرار وتوسع سيطرة اسرائيل على الاراضي والموارد الطبيعية والاقتصاد الفلسطيني ومداخيله وحرية الحركة، اصبح واضحا ان السلطة الفلسطينية ما زالت هي التي تتحمل عبء الاحتلال ولكن بدون سلطة أو موارد. حتى قبل الحكومة اليمينية المتطرفة الحالية لم تكن السلطة قادرة على اجبار اسرائيل على الالتزام بالاتفاقات، لكنها التزمت بشكل كبير بجزء من التزاماتها مثل التنسيق الامني مع الشباك ومع الجيش الاسرائيلي، الامتثال الصارم للحظر المشين الذي يتمثل بحماية مواطنيها من عنف المستوطنين المتزايد. والان السؤال المطروح هو ما الذي ستفعله قيادة السلطة الفلسطينية التي راكمت الامتيازات بصفتها طبقة حاكمة وانفصلت بالتدريج عن شعبها الذي يعتبرها عميل فاسد للاحتلال.
——————————————
يديعوت احرونوت 9/2/2026
رهان نتنياهو المزدوج
بقلم: ناحوم برنياع
في 31 أكتوبر 1973، بعد تسعة أيام من وقف النار في حرب يوم الغفران هبطت رئيسة وزراء إسرائيل غولدا مائير في واشنطن. فقد رأت غولدا كيف ترتب الإدارة الامريكية الشرق الأوسط في اليوم التالي للحرب. تكتسب أصدقاء جدد، تهمل قدامى وكانت مفزوعة “انا مستعدة لان اتعايش مع حرب أخرى”، قالت لوزير الخارجية كيسنجر. “انا لست مستعدة لان استيقظ في منتصف الليل واكتشف أنك عقدت اتفاقا من خلف ظهري. وأملت في أن تدق اسفينا بين الرئيس نيكسون ووزير خارجيته.
“الأوراق لم تعد في يدها”، قال نيكسون لكسنجر عشية اللقاء. “هي ستقف امام مشكلة صعبة حين تدخل الي”. عندما دخلت طيرها، لكنه حرص على أن يفعل هذا برقة. الاملاء الأمريكي منع إسرائيل من هزيمة الجيش الثالث، النصر المطلق في حينه، لكنه فتح المسيرة التي أدت الى توقيع اتفاق السلام بين إسرائيل ومصر. من المر خرج حلو. غدا سيقلع نتنياهو في رحلته الفزعة الى واشنطن. العدو هذه المرة ليس كيسنجر بل يهوديان آخران – جارد كوشنير وستيف ويتكوف. مثلما في حينه، فان الهدف المنشود هو أُذن الرئيس. كل رئيس دولة يصل الى البيت الأبيض يستمع قبل كل الاخرين الى نفسه، الى النص الذي جلبه من البيت. مناحم بيغن خرج ذات مرة من لقاء رهيب مع الرئيس كارتر. في بداية اللقاء سمح الرئيس لبيغن بالحديث. عندما أنهى بدأ بخطاب فتاك. استمر واستمر. “ماذا يعتقد سيدي عن اللقاء”، سأل بيغن السفير دينتس الذي حضر. “ما سيدي يعتقده يعتقد”، سأل دينتس. “كان لقاء ممتاز”، قال بيغن. “لماذا سيدي يعتقد هكذا”، عجب السفير. “لانه أعطيت لنا فرصة مناسبة لاسماع كلمتنا”، قال بيغن.
بيغن لم يتملق لكارتر؛ غولدا لم تتملق لنيكسون. ليس حقا: كانت أزمنة أخرى. نتنياهو سيجند كل كلمات التملص التي استخدمها حتى اليوم، ولن ينسى الغمز على أفعال وقصورات الرئيسين السابقين. هذا هو نمط السلوك الطبيعي في ساحة الملك دونالد. من لا يتملق يأخذ على رأسه كما اخذ زلنسكي.
لكن هذه المرة التملق لن يكفي. المهمة التي يأخذها نتنياهو على عاتقه صعبة جدا. هو يطلب من ترامب ان يفعل بخلاف احساسه الداخلي، بخلاف رؤيا حركته وميول قلب مقترعيه. بخلاف ضغوط شركائه في الشرق الأوسط وبخلاف الاحاطات التي تلقاها من مبعوثيه في الميدان. المخاطر معروفة والبداية ليست واعدة. على الرغم من ذلك فان نتنياهو يقترح على ترامب ان يراهن.
المنفعة التي يمكن لإسرائيل أن تستمدها من هجوم على ايران واضح: منظومة انتاج السلاح غير التقليدي والصواريخ ستدمر؛ النظام سيضعف؛ وربما تضعف أيضا دوافعه للاستثمار في الوكلاء. عن الكلفة يتحدثون اقل. حملة “الأسد الصاعد” في حزيران كانت باعثة جدا على الحماسة، لامعة جدا، جيدة جدا للمعنويات، بحيث أنها انست الاثمان التي دفعها مواطنون إسرائيليون بحياتهم، باجسادهم، باملاكهم وبعملهم العلمي.
سيتعين على نتنياهو ان يقنع ترامب بان حملة أخرى ستفوق في نتائجها، في مجدها، الحملة السابقة، ستنتهي في غضون أيام قليلة وستجدي ليس فقط إسرائيل بل قبل الجميع ترامب وانتخابات منتصف ولايته. سيتعين عليه أن يقنعه بان النظام الإيراني لا يختلف عن النظام في فنزويلا، الذي كان اسقاطه الإنجاز الأكبر في سياسته الخارجية. في فنزويلا اتفق مبعوث الـ سي.اي.ايه مع نائب الرئيس دولسي رودريغس. أمريكا اعطتها حريتها وحفظ حكمها وهي سلمت بالمقابل رئيسها واستقلال بلادها. في الساحة الخلفية للولايات المتحدة، في أمريكا اللاتينية يكاد يكون هذا نمط السلوك الطبيعي. قريبا ستسقط كوبا أيضا: لا حاجة لحملة عسكرية – يكفي حصار اقتصادي. وهي ستسقط وحدها.
فهل الجمهورية الإسلامية الإيرانية مثلها كفنزويلا؟ آيات الله؟ الحرس الثوري؟ الملايين الذين ضحي بهم في الحرب مع العراق؟ اقناع ترامب بان ايران مستعدة لان تسقط أمام قدميه، كلمح البصر، هذه مهمة متحدية جدا.
في الماضي اتخذت إسرائيل جانب الحذر الشديد من دق طبول حروب الاخرين. عندما اتهمتها محافل معادية لإسرائيل في أمريكا (والحركة المحافظة الجديدة التي كان ناطقوها يهودا) في الحرب الكاذبة في العراق نفت إسرائيل كل علاقة لها. الوحيد الذي دعا الأمريكيين، في كلمة بائسة في لجنة الكونغرس للخروج الى الحرب كان واحد، هو بنيامين نتنياهو. الشريط المسجل مع خطابه ينتشر في الشبكة، لاجل ان يرى الناس ويخافوا.
وها هو رئيس وزراء إسرائيل يسافر الى واشنطن كي يدفع أمريكا الى الحرب. هو وابن الشاه. رهانه مزدوج: واحد، اذا ما فشلت؛ ثانٍ، اذا ما نجح، وسيورط ترامب في حرب لا تنتهي.
منذ زمن بعيد نشر في “نيويورك” تقرير صحفي وصف العلاقات المعقدة للترامبيين مع السياسة الخارجية ذات نزعة القوة لترامب. هم يحبون الخوازيق التي يعقدها لحلفاء أمريكا في أوروبا. فهم يستحقونها. هم يحبون الاقوال عن احتلال غرينلند: هذه أمريكا في عظمتها، أمريكا في توسعها. هم يقولون. هم يحبون السيطرة على فنزويلا: أريناهم.
استعراض القوة نعم، اما الحرب فلا. بداية يستعرضون العضلات، بعد ذلك مفاوضات. يرفعون وينزلون، مثلما في في الجمارك. لا تنقذ العالم، هم يقولون لترامب. استغله.
بالفعل، لنتنياهو مهمة متحدية جدا.
——————————————
هآرتس 9/2/2026
الكنيست تتألف من مجلسين: مجلس اعلى لليهود ومجلس ادنى للعرب
بقلم: عودة بشارات
صحيح ان المواطنين العرب لهم حق التصويت والترشح في الانتخابات، لكن المستوى السياسي يستبعدهم من حسابات الائتلافات، والاعلام يؤكد ذلك بصراحة. فبالنسبة لهم توجد كتلة ائتلافية وكتلة معارضة وكتلة عربية. والمعركة تدور بين الكتلتين الاولى والثانية. أما الكتلة الثالثة فتشارك من المدرج، تصفق هنا وتشتم الحكم هناك، وبعد ذلك العودة الى بيوتهم. على الاغلب يسيطر عليهم شعور مزعج بانهم يعتبرون حاضرون غائبون في السياسة الاسرائيلية.
هكذا تسير الامور: على الفور بعد انتهاء الانتخابات يحزم العرب الامتعة وتبدأ اللعبة الحقيقية بين اصحاب النفوذ – اليسار، اليمين، الوسط، المتدينون والحريديون. والعرب يتساءلون ما فائدة كل هذه الجهود التي بذلناها؟ ملصقات، منصات، منشورات، بث في الاذاعة والتلفزيون، ندوات بيتية ومسيرات، وفي نهاية المطاف لا شيء. هكذا فجأة انخفض عدد اعضاء الكنيست من 120 عضو الى 110 اعضاء، والاعضاء العشرة الذين تم ابعادهم هم اعضاء الكنيست العرب.
صحيح أنكم حاضرون، ايها العرب الاعزاء، لكن الساحة لا تتسع لكم، ستجدون مكان آخر تلعبون فيه. الوضع مخيب للامل حقا. كل حزب عربي يعمل على تحقيق اكبر قدر ممكن. ولكنهم في اعماقهم يعرفون ان كل ذلك هدر للوقت، مثل الذي يوفر نقوده ويضعها في جرة، لكن العملة تبقى هناك لانه لا قيمة لها في السوق الاسرائيلية.
لقد لعب العرب دور حاسم لمرة واحدة فقط وذلك في فترة حكومة اسحق رابين. هذا الشخص الشجاع، رغم موجات التحريض ومظاهرة اليمين المتطرف وحبل المشنقة، اعتمد على اعضاء الكنيست في حزب حداش (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة) وحزب مداع (الحزب الديمقراطي العربي). وقد كان لهذه الخطوة الثورية نتائج دراماتيكية. اولا، لاول مرة بدأت عملية مصالحة مع الفلسطينيين. ثانيا، لاول مرة تم اغتيال رئيس وزراء في اسرائيل. الرسالة وصلت: لا يجب الاعتماد على العرب في تشكيل الحكومة. واذا ما تم تشكيل مثل هذه الحكومة فانه لا يجب عليها الخوض في المسائل الحساسة، وهذا ما حدث بالضبط في حكومة لبيد – بينيت، عندما اضطرا الى الاعتماد على اعضاء الكنيست العرب من اجل اعادة الموافقة على تطبيق القانون الاسرائيلي في المناطق المحتلة، سواء بدعم أو امتناع ممثلي هذه الاحزاب، تراجع رئيس الوزراء في حينه نفتالي بينيت واعلن عن حل الحكومة.
لذلك فانه ازاء هذا الوضع المحرج للاحزاب التي تمثل الجمهور العربي في لعبة الديمقراطية، تساءلت: لماذا الاستمرار في هذا العداء؟ هذه الاحزاب تبذل كل ما في استطاعتها من اجل الحصول على مقعد آخر في الكنيست، ولكنها لا تحصل في افضل الحالات الا على الفتات، صف هنا وملعب كرة قدم هناك. والان فجأة القي عليها مهمة علاج جرائم القتل الفظيعة في الوسط العربي، وكأنها هي المسؤولة عن امن المواطنين، في حين انها ضحية انتهاكات الحكومة.
لذلك انا اقترح فكرة تقسيم الكنيست الى مجلسين، مجلس اعلى لليهود ومجلس أدنى للعرب. في المجلس الاعلى ستتم مناقشة القضايا المصيرية مثل الحرب والسلام والعلاقات مع دول المنطقة. اما في المجلس الادنى سيكون الترفيه الحقيقي – اعداد القهوة السادة وشاي الاعشاب وتوزيع الحلويات في اجواء رائعة. هذه ستكون كنيست واحدة بالطبع، لان الامر يتعلق بالديمقراطية التي فيها مساواة بين جميع المواطنين، بغض النظر عن العرق، الجنس والدين. ولكن عند دخول قصر الديمقراطية فان اليهود سيذهبون يمينا والعرب يسارا، كل واحد الى مجلسه.
مع ذلك فانه توجد مشكلة هنا. فعندما يتعلق الامر بحياة الدولة فان وضع المواطنين العرب يختلف كليا عن وضعهم في الكنيست. ستجدهم بنسبة مرتفعة في كل مجالات الحياة، الاقتصاد والطب والصيدلة والصناعة والهندسة والبناء والقانون والتعليم وما شابه. وحسب كارل ماركس “الوجود يحدد الوعي”. الوجود حقا سيسود. العرب سيبقون، عاجلا أو آجلا، في البيتين.
—————–انتهت النشرة—————–

