المسار : الدستور ليس مجرد حبر على ورق، ولا وثيقة لتجميل السلطة، بل هو العقد الأعلى بين الشعب والسلطة. كل كلمة فيه، وكل فقرة، تحمل وزنًا كبيرًا على حياة الوطن ومستقبل أجياله. لذلك، لا يمكن التعامل مع تعديل الدستور على أنه إجراء شكلي أو ورقة تمرر بسرعة في البرلمان أو مكتب الرئيس.
المادة 155: خطر على إرادة الشعب
تنص المادة 155 من الدستور المؤقت لدولة فلسطين على كيفية تعديل الدستور، لكنها تحمل في طياتها مخاطر حقيقية على الديمقراطية. منطقها يتيح للسلطة – وخاصة الرئيس – تحديد متى وكيف يُجرى التعديل، بما في ذلك الحق في تعطيل الاستفتاء الشعبي أو تجاوزه بالكامل. عمليًا، يمكن للشعب، صاحب السيادة الأصيلة، أن يُستبعد عن قرار يغيّر العقد الأساسي الذي يحكم حياته السياسية.
قد يقال إن المادة تهدف لحماية استقرار الدولة ومنع الفوضى، لكن التوازن فيها يميل بشكل خطير نحو تركيز السلطة التنفيذية، على حساب البرلمان والشعب. فحتى لو وافق المجلس على التعديل، يظل الرئيس قادراً على تعطيل أو تجاوز الاستفتاء، والمادة تقيد دور المحكمة الدستورية بالرقابة الشكلية فقط، دون النظر في مضمون التعديل أو أثره على الحقوق والحريات.
لنكن واضحين: الدستور ليس أداة للتسوية السياسية بين نواب أو أحزاب، ولا يجب أن يكون حكرًا على نخبة صغيرة. أي تعديل يمس شكل الدولة أو الحقوق أو صلاحيات السلطات يجب أن يكون بموافقة الشعب مباشرة، وليس بقرار تقديري للرئيس أو البرلمان وحدهما.
لماذا هذا خطر؟
1-تحويل تعديل الدستور إلى قرار نخبوي معزول عن الشعب.
2-تعطيل دور الاستفتاء الشعبي الذي يمثل التعبير المباشر عن إرادة المواطنين.
3-تقييد الرقابة القضائية على مضمون التعديل، بحيث لا توجد حماية حقيقية للحقوق الأساسية.
هذا ليس خطرًا نظريًا، بل تهديد حقيقي للديمقراطية الفلسطينية. الاستمرار في هذه الصياغة يجعل تعديل الدستور أداة بيد السلطة التنفيذية، ويفتح الباب لأي تغييرات قد تمس الحقوق أو تغير شكل الدولة دون نقاش شعبي حقيقي.
الحل: حماية الدستور والديمقراطية
للحفاظ على شرعية الدولة واستقرارها، هناك خطوات واضحة يجب اعتمادها
1-استتفتاء شعبي إلزامي:
أي تعديل يمس الحقوق الأساسية أو شكل الدولة يجب أن يُعرض مباشرة على الشعب،ولا يمكن للرئيس تجاوز .
2-تقييد صلاحيات الرئيس:
الرئيس لا يملك الحق في تعطيل أو إصدار التعديل بمحض إرادته. الإجراء يجب أن يكون ملزمًا، والزمن المخصص للنقاش الوطني يجب أن يكون كافيًا لإشراك المجتمع.
3-تمكين المحكمة الدستورية:
إعطاؤها الحق في مراجعة مضمون التعديل للتأكد من عدم انتهاك المبادئ العليا للدستور والحقوق الأساسية.
4-إشراك المجتمع المدني:
نشر مشاريع التعديل، عقد جلسات استماع عامة، وإشراك النقابات والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني لإضفاء الشفافية والمصداقية على العملية.
نقول:
الدستور لا يُحمى بالنوايا الحسنة ولا بقرارات السلطة وحدها، بل بالضمانات التي تمنع استغلال التعديل لصالح نخبة معينة. المادة 155 بصيغتها الحالية تهدد الديمقراطية، وتضع الشعب في موقف ثانوي بدل أن يكون صاحبه الحقيقي.
إذا أردنا دولة تحترم نفسها وشعبها، فلا خيار أمامنا سوى إصلاح هذه المادة فورًا، لضمان أن أي تعديل دستوري يتم بشفافية، وبموافقة الشعب، وتحت رقابة قضائية حقيقية. الديمقراطية الحقيقية لا تُبنى بالخوف من الشعب، بل بالثقة به وبحقه في تقرير مصيره.


