المسار : خسر توم مالينوسكي، المرشّح المدعوم من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (الإيباك)، الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية نيوجيرسي أمام منافسته آناليليا ميخيا، في استحقاق اعتُبر مؤشرًا على تحوّل ملحوظ في مزاج جزء من القاعدة الديمقراطية، خصوصًا بين الناخبين الشباب والتقدميين. ولم تُعد هذه النتيجة مجرد محطة انتخابية محلية، بل قرأها مراقبون كإشارة سياسية على تراجع هيبة اللوبيات المؤيدة لإسرائيل في بعض الدوائر الحزبية.
جاءت خسارة مالينوسكي رغم إنفاق مالي وإعلامي كبير لصالح حملته، كان يُفترض أن يمنحه تفوقًا واضحًا. إلا أن النتيجة أظهرت أن الرهان التقليدي على دعم جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل لم يعد ضمانة كافية للفوز داخل الحزب الديمقراطي، في ظل تغيّر أولويات جزء من القاعدة الناخبة.
في خلفية هذا التحوّل، برز تأثير الحرب على غزة بوصفها عاملًا رئيسيًا في إعادة تشكيل مواقف شرائح واسعة من الناخبين. فقد تعاطى جيل جديد من المصوّتين مع الحرب باعتبارها اختبارًا أخلاقيًا، وعبّر عن رفض متزايد للرواية الإسرائيلية الرسمية، ولتبرير الانتهاكات تحت شعار “أمن إسرائيل”، ما انعكس على خياراته داخل صناديق الاقتراع.
خلال الحملة، اعتمدت الجهات الداعمة لمالينوسكي على إعلانات سلبية وحملات تشويه ضد ميخيا، غير أن هذه الاستراتيجية ارتدّت عكسيًا، وفق ما أظهرته النتائج. جزء من الناخبين نظر إلى تلك الإعلانات على أنها محاولة فظة من قوى ضغط خارجية للتأثير على إرادة الدائرة الانتخابية وفرض مرشّح لا يعبّر عن أولوياتها.
في المقابل، قدّمت آناليليا ميخيا نفسها كمرشّحة قريبة من قضايا الناس اليومية، ومتجذّرة في العمل المجتمعي، وبعيدة عن الارتهان للوبيات أو لمصالح خارجية، وهو ما عزّز صورتها لدى قطاعات من الناخبين. أما مالينوسكي، فظهر في نظر هؤلاء بوصفه امتدادًا لأجندات خارجية أكثر منه ممثلًا مباشرًا للناخبين.
وتشير القراءة السياسية للنتيجة إلى أن قضية فلسطين لم تعد تُدرج حصراً ضمن ملفات السياسة الخارجية البعيدة عن هموم الداخل الأميركي، بل تحوّلت لدى جزء من القاعدة الديمقراطية إلى معيار مرتبط بالعدالة وحقوق الإنسان والمساءلة الأخلاقية. في هذا السياق، بدا أن المرشّحين الذين يعبّرون بوضوح عن مواقف ناقدة للسياسات الإسرائيلية يكتسبون زخمًا متزايدًا داخل بعض الدوائر، فيما يدفع الصمت أو التبرير ثمنًا سياسيًا أكبر مما كان عليه في السابق.
كما توحي الانتخابات بأن تأثير المال السياسي، رغم استمراره، لم يعد حاسمًا بالدرجة ذاتها في مواجهة تنظيم شعبي متماسك ووعي سياسي آخذ في التغيّر. وأسهمت النتيجة في إضعاف صورة “الإيباك” كقوة لا تُهزم داخل المشهد الانتخابي الأميركي، على الأقل في بعض البيئات المحلية للحزب الديمقراطي.
بالنسبة للناشطين المتضامنين مع فلسطين، مثّل ما جرى في نيوجيرسي انتصارًا سياسيًا ومعنويًا داخل الساحة الأميركية، ورسالة مفادها أن الدفاع عن حقوق الفلسطينيين لا يشكّل بالضرورة عبئًا انتخابيًا، بل يمكن أن يتحول إلى مصدر قوّة سياسية وأخلاقية متنامية لمرشّحين يرفعون هذا الموقف بوضوح ضمن أجندة أوسع للعدالة والحقوق المدنية.
محمد عبد السلام
رئيس شبكة المنظمات الفلسطينية الامريكية .
ديترويت- ميشيغان- الولايات المتحدة

