المسار : رغم الجمود في العلاقات بين البلدين، عاد الحديث لدى المسؤولين الفرنسيين بقوة عن مسألة إعادة التفاوض حول اتفاقية الهجرة مع الجزائر لسنة 1968، مع رغبة فرنسية واضحة في كبح جماح تسهيلات الإقامة العائلية الجزائرية ومحاولة تعويضها بالهجرة الاقتصادية.
وفي آخر تصريحاته، قال وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، إن باريس ترى من “الضروري والعاجل” إعادة التفاوض حول اتفاقية 1968 الخاصة بتنظيم الهجرة بين الجزائر وفرنسا، مبررا ذلك بوجود “عدد من الامتيازات” التي تمنحها الاتفاقية، خاصة في مجال الهجرة العائلية.
وأوضح نونيز لقناة بي أف أم تي في، أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعلن أن الرئيس عبد المجيد تبون “موافق على إعادة التفاوض” بشأن الاتفاقية.
قال وزير الداخلية الفرنسي إن باريس ترى من “الضروري والعاجل” إعادة التفاوض حول اتفاقية 1968، مبررا ذلك بوجود “عدد من الامتيازات” التي تمنحها الاتفاقية، خاصة في مجال الهجرة العائلية
وأضاف أن النص الحالي يمنح مزايا أكبر للهجرة العائلية مقابل مزايا أقل للهجرة الاقتصادية، مشيرا إلى أن السلطات الفرنسية “تريد إعادة التوازن” عبر “المزيد من الهجرة الاقتصادية وأقل من الهجرة العائلية”، مؤكدا أن هذا الملف سيكون محل نقاش بين الجانبين.
وفي السياق ذاته، أعلن نونيز أن زيارته إلى الجزائر “قيد التحضير”، دون أن يعيد طرح الشروط التي كان قد تحدث عنها سابقا. وقال: “هذه الزيارة في طور الإعداد”، مؤكدا أنه لا يزال يتوفر على دعوة من نظيره الجزائري.
كما أشار إلى أن زيارته المرتقبة ستتناول “قضايا الأمن، وإعادة القبول، ومكافحة الإرهاب والاتجار بالمخدرات”، معتبرا أن هناك “استئنافا للتبادلات الأمنية” بين البلدين بعد أشهر من الجمود.
وفيما يخص تنفيذ قرارات مغادرة التراب الفرنسي (OQTF)، أوضح نونيز أن التعاون في هذا المجال “لم يُستأنف بعد”، مضيفا أنه “كانت هناك مغادرات طوعية”.
من جانبه، قال الوزير الأول الفرنسي سيباستيان لوكورنو، إن اتفاقية 1968 المنظمة للهجرة بين الجزائر وفرنسا لم تعد “تتوافق بوضوح مع مصالح” بلاده، مؤكدا وجود “استعجال للتوصل إلى نتيجة” بشأن إعادة التفاوض حولها.
وأوضح لوكورنو في تصريح لصحيفة “صوت الشمال”، أن مسألة الهجرة تقود إلى “إعادة التفاوض على اتفاقية 1968، كما كان قد تم الاتفاق عليه بين الرئيسين تبون وماكرون في 2022”. وشدد على أن الاتفاق الحالي “لم يعد يتماشى مع مصالحنا”، مضيفا أن هناك حاجة ملحة لإحراز تقدم في هذا الملف.
كما أعلن أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قرر “اتخاذ عدة مبادرات خلال الأسابيع المقبلة” من أجل تحقيق “نتائج ملموسة” بخصوص هذا الاتفاق، دون أن يقدم تفاصيل إضافية حول طبيعة هذه الإجراءات المرتقبة.
وسبق للوزير الأول الفرنسي أن أوضح، في سياق الجدل السياسي في فرنسا، أنه يفضل خيار إعادة التفاوض على الاتفاق بدل إلغائه بشكل كامل، مؤكدا تمسكه بمراجعة الإطار القائم بما يستجيب لما تعتبره باريس متطلبات المرحلة الحالية.
وكان الخناق قد اشتد على هذه الاتفاقية في البرلمان الفرنسي الذي تبنى قبل أشهر لائحة مقدمة من حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف تدعو إلى “إلغائها”، وذلك بفارق صوت واحد فقط.
قال الوزير الأول الفرنسي إن اتفاقية 1968 لم تعد “تتوافق بوضوح مع مصالح” بلاده، مؤكدا وجود “استعجال للتوصل إلى نتيجة” بشأن إعادة التفاوض حولها.
وتم تبني اللائحة التي حازت على 185 صوتا مقابل 184، بدعم من نواب حزب الجمهوريين (LR) ونصف أعضاء حزب “أفق” (Horizons) الذي أسسه رئيس الوزراء الأسبق إدوار فيليب المنتمي نظريا للكتلة الرئاسية، فيما عارضتها كتل اليسار والنواب المقرّبون من الرئيس إيمانويل ماكرون، إضافة إلى الحكومة نفسها.
ورغم أن اللائحة لا تحمل طابعا تشريعيا ولا تُلغي الاتفاق بحد ذاته، فقد طالبت مارين لوبان الحكومة “بأخذ تصويت البرلمان بعين الاعتبار” معتبرة أنه “لم يعد هناك ما يبرر استمرار هذه الاتفاقية التي تمنح الجزائريين امتيازات خاصة في مجالات الإقامة والعمل في فرنسا”.
وتنص اتفاقية 1968 على بعض الامتيازات للجزائريين منها حصولهم على شهادة إقامة لمدة 10 سنوات بعد 3 سنوات فقط من الإقامة، مقابل 5 سنوات للآخرين، وحق الجزائري المتزوج من فرنسية في الحصول على شهادة إقامة لمدة 10 سنوات بعد عام واحد من الزواج وغيرها، إلى جانب امتيازات تتعلق بلم الشمل العائلي.
وسبق هذا التصويت، جدل واسع في الساحة السياسية الفرنسية بعد تقرير أعدّه النائب الماكروني شارل رودويل في 15 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 حول الاتفاقية التي قدّر الخسائر المالية الناتجة عن استمرار تطبيقها بنحو ملياري يورو سنوياً تتحملها المالية العامة الفرنسية، وهي أرقام احتج عليها كثيرون في فرنسا واعتبروها مجانبة للصواب.
وبحسب التقرير، يستفيد الجزائريون في فرنسا من “امتيازات متراكمة” تشمل تسهيلات في منح الإقامة وتصاريح العمل ولمّ الشمل، مع إعفاءات من بعض الإجراءات التي تُطبّق على باقي المهاجرين من دول أخرى. ويؤكد النائب أن هذه “الاستثناءات القانونية” تمثل “انحرافات عن مبدأ المساواة أمام القانون” وأن كلفتها تتجاوز الأثر المالي المباشر لتصل إلى “اختلالات في إدارة الهجرة والاندماج”.
وأشار التقرير إلى أن الاتفاق الذي وُقع في ديسمبر 1968، في سياق ما بعد الاستقلال الجزائري، كان يرمي إلى “تنظيم الهجرة العمالية الجزائرية” لكنه لم يعد ينسجم مع الواقع الحالي، إذ يمنح حاملي الجنسية الجزائرية معاملة تفضيلية حتى بعد أكثر من نصف قرن من توقيعه. وذكر رودويل أن النظام الحالي يستثني الجزائريين من عدد من القوانين الفرنسية الحديثة المتعلقة بالهجرة، ومنها قوانين 2003 الخاصة بالتجمع العائلي، مما يجعلهم “الفئة الوحيدة من المهاجرين غير الخاضعة لتشريعات الهجرة العامة في فرنسا”.
يستفيد الجزائريون في فرنسا من “امتيازات متراكمة” تشمل تسهيلات في منح الإقامة وتصاريح العمل ولمّ الشمل، مع إعفاءات من بعض الإجراءات التي تُطبّق على باقي المهاجرين من دول أخرى
كما تحدث التقرير عن “صعوبات في تقييم التكلفة الحقيقية” نتيجة نقص البيانات وتردد الإدارات في تحليلها، مقدراً أن الكلفة الإجمالية تتراوح بين ملياري يورو و2.3 مليار يورو سنوياً، منها ما بين 200 و300 مليون يورو من النفقات الإدارية الإضافية. وخلص إلى توصيات تدعو إلى “إصلاح شامل” لقانون دخول وإقامة الأجانب بما يجعل الجزائريين خاضعين لنفس القواعد التي تنطبق على باقي المهاجرين في فرنسا، من أجل “تصحيح خلل تاريخي” على حد وصفه.
ومن الجانب الجزائري، سبق للرئيس عبد المجيد تبون أن وصف اتفاق 1968 بالقوقعة الفارغة، في إشارة إلى أنه يستعمل من قبل اليمين لأغراض انتخابية. وبحسب الأرقام الرسمية، يُعد الجزائريون أكبر جالية أجنبية في فرنسا، حيث بلغ عددهم 649,991 شخصًا في عام 2024، كما يمثلون النسبة الأعلى في حالات الإقامة غير النظامية بـ33,754 شخصًا في السنة نفسها.

