المسار: عن هآرتس –الخطوات التي يتّخذها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تُضعف إسرائيل وتُفضي إلى عزلها في الشرق الأوسط، بما ينطوي على خطر وجودي — أمني واقتصادي — على إسرائيل. تحليل التداعيات الاستراتيجية لسياسات إدارة ترامب على مكانة إسرائيل يظهر تحوّلًا في النموذج الحاكم: فبعد أن سعت الولايات المتحدة سابقًا إلى بناء تحالف إقليمي تتمحور إسرائيل في قلبه (كما في اتفاقيات أبراهام)، باتت اليوم توفّر غطاءً لمحور تركي–سنّي مهيمن، يُقصي إسرائيل ويدفعها إلى الهامش.
هكذا تعمل آلية هذا التحوّل:
• تعزيز تركيا بوصفها “المتعهّد التنفيذي” للولايات المتحدة.
سياسة “أميركا أولًا” التي يتبنّاها ترامب تهدف إلى تقليص الانخراط العسكري الأميركي المباشر في الشرق الأوسط. ولسدّ هذا الفراغ، تتجه الإدارة الأميركية نحو تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان، باعتبارها قوة إقليمية مركزية — عضوًا في حلف الناتو وصاحبة ثاني أكبر جيش فيه. بالنسبة لإسرائيل، تنطوي هذه المقاربة على تبعات مباشرة: ترامب ينظر إلى أردوغان بوصفه صديقًا وشريكًا استراتيجيًا. والدعم الأميركي، بما في ذلك استثمارات بمليارات الدولارات في مجالي الأمن والتكنولوجيا المتقدمة في تركيا، يوفّر لأردوغان الموارد اللازمة لتوسيع نفوذه في سوريا والعراق ولبنان — وهي ساحات تمسّ مصالح إسرائيل الأمنية الحيوية.
• تبلور المحور التركي–السعودي–الباكستاني وتعميق العزلة الأمنية لإسرائيل.
أحد أكثر التطورات إثارة للقلق يتمثّل في التوجّه نحو انضمام تركيا إلى الاتفاق الأمني بين السعودية وباكستان (سبتمبر 2025). وباكستان، في هذا السياق، دولة نووية. إن الجمع بين القدرات النووية الباكستانية، والقدرة المالية السعودية، والتفوّق العسكري–التكنولوجي التركي، يُنتج ما يمكن وصفه بـ”محور إسلامي فائق”.
• ضربة قاسية للاقتصاد الإسرائيلي (الزاوية الطاقوية).
استثمرت إسرائيل عقدًا كاملًا في ترسيخ مكانتها بوصفها “جسرًا طاقويًا” بين دول الخليج وأوروبا، عبر اليونان وقبرص. غير أنّ سياسة ترامب، التي تشجّع الاستثمارات في البنى التحتية التركية، تُهدّد بتجريد إسرائيل من هذه المكانة ودفعها إلى هامش المشهد، إذ يشكّل الممرّ التركي — القائم على استثمارات سعودية في مسارات الغاز عبر سوريا إلى تركيا ومنها إلى أوروبا — بديلًا أقصر وأقل كلفة من المسار الإسرائيلي.
سيناريو كهذا يهدّد أيضًا بانهيار مشروع IMEC
فمشروع الممرّ الاقتصادي (الهند–الشرق الأوسط–أوروبا)، الذي علّقت إسرائيل عليه آمالًا كبيرة، قد يُستبدل بمسارات تتجاوزها بالكامل، ما من شأنه تقويض المكاسب الجيو-اقتصادية التي تحقّقت في إطار اتفاقيات أبراهام.
كان ترامب قد أوضح لبنيامين نتنياهو أنه لا ينوي تجديد برنامج المساعدات الخارجية الأميركية بعد انتهاء العقد الحالي، الذي حصلت إسرائيل بموجبه على 38 مليار دولار بقرار من إدارة باراك أوباما. من غير المتصور أن يعرض نتنياهو هذا التطور على الرأي العام باعتباره خيارًا إسرائيليًا. فبدل القبول بالأمر الواقع — الذي قد يُنزل ضربة كارثية بقدرة إسرائيل على التعاظم العسكري — يتعيّن عليه خوض معركة سياسية مفتوحة لإلغائه. في ظل العجز المالي الهائل الذي خلّفته الحرب، وغياب الدعم الأميركي، لا توجد أي إمكانية فعلية لإعادة تأهيل الجيش أو إعادته إلى الجهوزية.
• الخطاب المعادي لإسرائيل وتضييق هامش المناورة.
لا يُخفي رجب طيب أردوغان طموحه إلى محو دولة إسرائيل، أو على الأقل دفعها إلى عزلة كاملة. وعندما يعمد ترامب إلى تعزيز أردوغان اقتصاديًا وسياسيًا، فإنه يمنحه عمليًا ضوءًا أخضر لمواصلة نهجه المعادي لإسرائيل من دون أن يدفع ثمنًا.
حتى انهيار إيران — في حال تحقق نتيجة ضغوط ترامب — لا يفضي بالضرورة إلى تعزيز موقع إسرائيل، بل قد يتحول إلى عامل محفّز لتعاظم الردع التركي. فتركيا تتقدّم لانتزاع موقع الهيمنة الإقليمية، وتفعل ذلك وهي تتبنّى في الوقت نفسه أيديولوجيا الإخوان المسلمين، المعادية لإسرائيل في جوهرها.
بكلمات بسيطة، بينما قد يرى ترامب في تعزيز تركيا خطوة نحو “استقرار إقليمي”، فإن إسرائيل تواجه عمليًا مسارًا متسارعًا من العزلة الجيوسياسية، حيث يفضّل حلفاؤها السابقون — السعودية والولايات المتحدة — المحور التركي على الشراكة الإسرائيلية.

