كتب ثروت زيد الكيلاني: المناهج الفلسطينية حين يصبح التعليم سؤال سيادة لا بند تفاوض

المسار :  ليس التعليم في فلسطين نشاطاً محايداً، ولا المناهج نصوصاً تقنية قابلة للتعديل على طاولة المانحين، بل هما موقع اشتباك مفتوح بين مشروعين متناقضين: مشروع يسعى إلى إنتاج إنسان حر يمتلك وعيه وسرديته وقدرته على تسمية العالم من موقعه، ومشروع استعماري يعمل على تفريغ الوعي من معناه، وتحويل المعرفة إلى أداة تطبيع مع القهر، وإعادة تشكيل الذات الفلسطينية بوصفها ذاتاً قابلة للتكيّف لا للصمود المعرفي.

ففي السياق الفلسطيني، لا تُكتب المناهج في فراغ، ولا تُقرأ خارج التاريخ، ولا تُدرَّس بمعزل عن الجغرافيا المُستباحة. كل صفحة مدرسية تحمل أثر الحاجز، وكل مفهوم تربوي يمرّ عبر سؤال الوجود، وكل محاولة لـتحييد التعليم هي في جوهرها محاولة لإعادة تعريف الفلسطيني خارج تجربته التاريخية، وفصل المعرفة عن شرطها الأخلاقي والسياسي، وإعادة إنتاج الاستعمار بلغة تربوية ناعمة.
إن ما يجري اليوم ليس نقاشاً تربوياً حول جودة محتوى أو كفايات تعليمية، بل نقل قسري للتعليم من فضاء السيادة إلى منصة التقاضي السياسي، حيث تُستدعى المناهج بوصفها “مشتبهاً به”، ويُستجوب الوعي الفلسطيني أمام محاكم أخلاقية زائفة، تُدار من خارج السياق، وتُغذّى بتحريض الاحتلال، وتُموَّل بشروط تُفرغ الحق من جوهره، وتحوّل التربية من فعل تحرري إلى ملف امتثال.
في هذا الإطار، يصبح الدفاع عن المناهج دفاعاً عن حق تقرير المصير المعرفي، وعن الحدّ الأدنى من التماسك الاجتماعي، لأن التنازل عن هذا الحدّ لا يعني تطويراً، بل تفكيكاً بطيئاً للنسيج الوطني، وإعادة هندسة صامتة للوعي الجمعي، تبدأ من الصف ولا تنتهي عند السياسة.
أولاً: من انصياع المانحين إلى شرعنة التحريض – كيف نُقلت المناهج إلى قفص الاتهام؟
تتجلى الأزمة الراهنة في أن التعليم الفلسطيني لم يعد مجرد مساحة تربوية، بل صار محوراً لمناورة سياسية تُعيد تدوير تحريض الاحتلال داخل أروقة المؤسسات الدولية التي تدّعي الحياد. فحين تُقدَّم الرواية الإسرائيلية بوصفها معطى علمياً، تُفقد سياقاتها الاستعمارية، ويُعاد تكييفها كمعيار لتقييم ما يُكتب عن فلسطين في الصفوف المدرسية. في هذا المشهد، لا يُمحى الانتهاك، بل يُعاد ترميزه: تتحول الإبادة التعليمية إلى ظرف استثنائي، والاعتداء على المدارس إلى مجرد خلفية أمنية، بينما يُلقى على الفلسطيني وحده عبء إثبات وجوده وحقه في تسمية تجربته وجلاده.
هذا الانزلاق المنهجي يعكس قفزاً عن الحقيقة: لا يُسأل الاحتلال عن قتل الطلبة والمعلمين، ولا عن تحويل المدرسة إلى هدف عسكري، ولا عن عسكرة الفضاء التعليمي، ولا عن محو الهوية داخل سياق سيادة وطنية منتهكة. بل يُعاد توجيه السؤال إلى النص الفلسطيني ذاته: هل عبّر بشكل صحيح عن ألمه؟ هل سمّى الفعل باسمه؟ هل تجاوز حدود ما يُسمح به دولياً؟ وهكذا، لا يُحاسب الفعل الاستعماري، بل يُعاد ضبط خطاب الضحية بوصفه مشكلة، فيما تبقى بنية الاحتلال المستمرة من العنف بعيداً عن المساءلة.
يتحوّل التمويل الدولي هنا من دعم إلى أداة ضبط سياسي، تُشترط على المناهج الفلسطينية أن تُعاد صياغتها لتتماشى مع خطاب القوة. وتصبح المدرسة مشروطة، ليس بالإعمار وحده، بل بإعادة بناء الذاكرة وفق مقاييس الخارج. السؤال إذاً لا يعود “كيف نعلّم”، بل: ما الذي يُسمح لنا تذكره؟ وما الذي يجب أن يُمحى لنكون “معتدلين” وجديرين بالدعم؟ هذا المنطق يُفرغ التعليم من مضمونه السيادي، ويحوّله إلى خدمة مشروطة، ويضعف قدرة المجتمع على حماية ذاكرته كركيزة أساسية للصمود الوطني.
ثانياً: المقارنة الغائبة عمداً – لماذا لا تُفحَص مناهج الاحتلال؟
يُطرح المنهاج الفلسطيني باستمرار بوصفه إشكالية، بينما تُستثنى مناهج الاحتلال من أي مساءلة مقارنة جادّة. وهنا لا نتحدث عن غياب أدوات، بل عن غياب إرادة سياسية ومعرفية متعمَّدة. فالمعايير الدولية موجودة، والدراسات المنهجية متاحة، ومبادئ التربية على حقوق الإنسان، ونبذ العنصرية، وبناء السلام، واضحة ومعلنة، لكن تفعيلها يتوقف عندما يتعلق الأمر بمساءلة البنية التعليمية الاستعمارية.
مع ذلك، لا تُطرح دراسة مقارنة شاملة بين المنهاجين الفلسطيني والإسرائيلي بوصفها شرطاً أخلاقياً ومعرفياً. لماذا؟ لأن المقارنة ستفضح أن المشكلة ليست في سردية الضحية، بل في بنية تعليم استعماري يُنتج التفوق الإثني، ويُطبع العنف، ويُجرّم الوجود الفلسطيني رمزياً، ويحوّل الآخر إلى غائب أو تهديد دائم. المقارنة ستنقل النقاش من “لغة كتاب” إلى “مشروع دولة”، ومن “تحريض مزعوم” إلى عقيدة تربوية إحلالية.
غياب المقارنة ليس فراغاً أكاديمياً، بل قرار سياسي واعٍ، يهدف إلى إبقاء الفلسطيني في موقع الدفاع الدائم عن حقه في الذاكرة، وإعفاء الاحتلال من المساءلة، وتحويل التعليم إلى ساحة ضغط إضافية تُستكمل بها أدوات السيطرة التي فشلت عسكرياً وأمنياً، لكن يُعاد إنتاجها تربوياً بمهارة عالية.
ثالثاً: لماذا نتعلّم؟ التعليم بوصفه إنتاج معنى لا تكيّفاً مع القهر
السؤال الجوهري الذي يُراد دفنه هو: لماذا نتعلّم؟ هل نتعلّم لنكون مقبولين في تقارير المانحين؟ أم لنبني إنساناً قادراً على فهم واقعه، وتسمية قهره، وتأويل تاريخه، والدفاع عن كرامته دون أن يتحول إلى نسخة مُروَّضة من ذاته؟
التعليم، في السياق الفلسطيني، هو فعل إنتاج معنى. والمعنى هنا ليس تجريداً فلسفياً، بل صلة حيّة بين الذاكرة والتاريخ والحق. حين يُختزل الأسير إلى “مظلوم” فقط، يُمحى البعد السياسي لجريمة الاعتقال. وحين تُختزل الصهيونية إلى “احتلال”، يُخفى جوهرها كمنظومة إحلالية استعمارية. وحين تُختزل القدس إلى “مدينة سلام”، تُنزَع عنها حقيقتها كعاصمة فلسطينية أبدية ذات سيادة وهوية.
المناهج الفلسطينية، بصيغتها الحالية، ليست مثالية، لكنها الحدّ الأدنى المقبول وطنياً وأخلاقياً وتربوياً. والتفريط بهذا الحدّ لا يفتح باب الإصلاح، بل يفتح باب التفتت، ويُعرّض وحدة الوعي الجمعي لمخاطر عميقة، لأن التعليم هو الخيط الذي يشدّ الذاكرة إلى المستقبل، وأي قطع لهذا الخيط يُربك المجتمع في تعريف ذاته وأولوياته.
ختاماً، التعليم في فلسطين ليس ملفاً تفاوضياً أو بنداً تقنياً، ولا المناهج ورقة قابلة للمقايضة. التعليم هو شرط الوجود في وجه مشروع يريد إتمام الإبادة بالمعنى بعد الإبادة بالجسد. الدفاع عن المناهج ليس دفاعاً عن نصوص، بل عن حق تقرير المصير المعرفي، وعن الذاكرة، وعن المستقبل، وعن قدرة المجتمع على الاستمرار بوصفه جماعة تاريخية لا مجرد أفراد معزولين.
الإصرار على إخضاع التعليم الفلسطيني لشروط سياسية هو إصرار على تفريغ الوعي من قدرته على التحرر. وفي المقابل، فإن التمسك بالمناهج، وتطويرها من داخل الإرادة الوطنية، والدعوة إلى مقارنات عادلة، هو فعل صمود عقلاني وأخلاقي، يؤكد أن المعرفة ليست منحة، بل حق، وأن الوعي ليس ترفاً، بل ساحة المعركة الأخيرة، والأكثر حسماً، ودرعاً أمام محاولات إعادة إنتاج الاحتلال داخل فضاء التربية.

Share This Article