المسار :يشكل قطاع التكنولوجيا الفلسطيني نموذجا مركزيًا لفهم العلاقة بين التنمية الاقتصادية والسيادة في ظل التبعية الإسرائيلية. تقييد الوصول الفلسطيني الكامل إلى شبكات الجيل الرابع والخامس (4G/5G) يعكس بشكل ملموس حدود الاستقلال الاقتصادي والسياسي. بينما تتقدم إسرائيل بسرعة نحو تقنيات متقدمة مثل 5G Advanced، ظل القطاع الفلسطيني لسنوات يعتمد على بنية تحتية أقل تطورًا، حتى بعد السماح الإسرائيلي لتطوير شبكات الجيل الرابع (4G) في الضفة الغربية في يناير ٢٠٢٦م، تم استثناء قطاع غزة من أي تحديثات.
هذه الفجوة الرقمية ليست مجرد مسألة تقنية؛ بل هي جزء من بنية أوسع للتحكم في الاقتصاد الفلسطيني، تشمل السيطرة على الطيف الترددي، الملكية الفكرية، وسلاسل القيمة الاقتصادية.
تحليل الهايتك الفلسطيني، من حيث رأس المال البشري، التعهيد، والبنية الرقمية، يتيح فهمًا أعمق لكيفية نمو القطاع ضمن قيود تمنع تحوله إلى قوة اقتصادية وسياسية مستقلة، وتوضح العلاقة بين النمو الاقتصادي الفلسطيني و”السلام الاقتصادي” الذي يربط التنمية بالاستقرار دون منح سيادة كاملة.
أولًا: بروتوكول باريس كإطار للتبعية.
بروتوكول باريس أرسى علاقة هيكلية بين الاقتصاد الفلسطيني والإسرائيلي من خلال:
أولا، ربط الاقتصاد الفلسطيني بالسوق الإسرائيلي في الاستيراد والتصدير.
ثانيا، إبقاء أدوات السيادة الأساسية خارج السيطرة الفلسطينية، مثل الحدود والجمارك والسياسة التجارية والعملة.
ثالثا، اعتماد نظام المقاصة الضريبية الإسرائيلي.
نتيجة هذا الترتيب، يصبح أي قطاع فلسطيني، بما في ذلك الهايتك، محكومًا بسقف سيادي محدد مسبقًا: يمكن للنمو أن يحدث، لكنه لا يتحول إلى قوة اقتصادية مستقلة أو منصة للسيادة السياسية.
ثانيًا: “السلام الاقتصادي” كإطار تنظيمي.
ضمن الخطاب السياسي الإسرائيلي، ظهر مفهوم “السلام الاقتصادي” الذي يفترض أن تحسين الظروف الاقتصادية الفلسطينية يساهم في الاستقرار السياسي دون منح سيادة كاملة.
في التطبيق، يمكن ملاحظة تمييز واضح بين:
السماح بالنمو الاقتصادي،
ومنع تراكم أدوات الاستقلال.
النتيجة هي نمو محدود داخل بنية تسيطر عليها إسرائيل، بحيث يصبح القطاع الفلسطيني تابعًا جزئيًا للسوق الإسرائيلي، مع فرص محدودة للتحول إلى مركز إنتاجي مستقل.
ثالثًا: الهايتك الفلسطيني ونمط “الاندماج الوظيفي”.
يُظهر القطاع الفلسطيني نموًا ملحوظًا، إذ يضم حوالي 15,000 عامل ويُساهم بـ 3.3–5% من الناتج المحلي، مع وجود شركات ناشئة مثل “أوريون” في روابي، أول شركة فلسطينية لتصميم الرقائق الإلكترونية (VLSI) عام 2022.
مع ذلك، معظم الشركات تعمل في نمط التعهيد والخدمات البرمجية، حيث:
*. تُدمج في سلاسل القيمة التي تقودها شركات إسرائيلية أو فروع شركات عالمية.
*. لا تتحكم بالكامل في المنتج النهائي أو الملكية الفكرية.
*. تراكم رأس المال السيادي محدود.
هذا النمط يُسمى “الاندماج الوظيفي”: مشاركة في الإنتاج، بدون تحكم كامل في المنتج النهائي أو القدرة على تحويل النجاح إلى استقلال اقتصادي وسياسي.
رابعًا: الحصار البنيوي وعوامل التبعية.
تستمر التبعية الاقتصادية الفلسطينية نتيجة شبكة مترابطة من أدوات السيطرة:
١. الرقابة على البنية التحتية الرقمية والطيف الترددي، كما يظهر في التأخير المستمر لشبكات 4G/5G.
٢. التحكم بالحدود والمعابر ونظام المقاصة المالي.
٣.القدرة على تعطيل الحركة الاقتصادية عبر القرارات الأمنية.
هذا الحصار البنيوي يمنع القطاع الفلسطيني من بناء بنية تحتية مستقلة، ويزيد من المخاطر الاستثمارية، ويستنزف الكفاءات إلى سوق أكثر أمانًا وأعلى أجورًا في إسرائيل أو أسواق دولية مرتبطة بها.
خامسًا: رأس المال البشري وإعادة التوجيه الاستراتيجي.
يشكل رأس المال البشري الفلسطيني المورد الأكثر استراتيجية، لكنه يُعاد توجيهه عبر العمل في شركات إسرائيلية، العمل في شركات فلسطينية تخدم منتجات إسرائيلية، والهجرة المهنية إلى أسواق عالمية مرتبطة بالسوق الإسرائيلي.
القيمة النهائية — الملكية الفكرية، الأرباح، والاستثمارات طويلة الأمد — تتراكم خارج الاقتصاد الفلسطيني، ما يضمن استمرار التبعية واستقرارًا اقتصاديًا قصير المدى دون استقلال سيادي.
سادسًا: تحليل بنية القوة الاقتصادية
يمكن تلخيص بنية القوة الاقتصادية التي تفرض التبعية الفلسطينية في الهايتك في أربعة محاور رئيسية:
١ . البنية التحتية الرقمية:
السيطرة الإسرائيلية على الطيف الترددي وشبكات الربط تحد من قدرة الفلسطينيين على الابتكار المستقل.
٢. رأس المال البشري: يتم توجيه الكفاءات الفلسطينية للعمل ضمن منظومة تضمن بقاء الملكية الفكرية والأرباح خارج الاقتصاد المحلي.
٣. التمويل وسلسلة القيمة: الاعتماد على المقاصة والربط الاقتصادي الإسرائيلي يحصر النشاط ضمن إطار تبعية.
٤. السيطرة على السياسات الاقتصادية: القرارات الأساسية بشأن الاستيراد والتصدير والتراخيص خارج نطاق السيطرة الفلسطينية.
هذا التحليل يوضح أن التبعية ليست مجرد قيود مؤقتة، بل هيكل دائم يحدد سقف الاستقلال الاقتصادي للهايتك الفلسطيني.
خاتمة: ما بين التنمية والسيادة
تكشف قضية تقييد الوصول إلى 4G و5G أن السؤال الفلسطيني لا يتعلق بالكفاءات أو المهارات فقط، بل بالسيطرة على أدوات الإنتاج الأساسية.
النمو الاقتصادي في قطاع الهايتك يمكن أن يحدث، لكنه مشروط بقيود بنيوية تحافظ على تبعيته للمنظومة الإسرائيلية. ولتحويل هذا النمو إلى قوة اقتصادية وسياسية، يحتاج الفلسطينيون إلى إعادة تعريف العلاقة البنيوية التي أرساها بروتوكول باريس، والانتقال من نموذج “الاقتصاد مقابل السلام” إلى نموذج يربط التنمية بالسيادة، لا بالاحتواء.

