| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
مركز القدس للاستراتيجية والأمن (JISS) 26/2/2026
المحور الجديد الشيعة والسُنة ضد إسرائيل و”إيران الجديدة”
بقلم: العقيد (احتياط) البروفيسور غابي سيبوني والعميد (احتياط) إيرز فينر
مقدمة
في الأشهر الأخيرة، ولا سيما منذ مطلع العام 2026، برزت ديناميكية جيوسياسية غير مألوفة وذات دلالة في الشرق الأوسط. ديناميكية تقوم أساسًا على التعاون بين قوى سنية بارزة – تركيا، والسعودية، وقطر، وغيرها – والنظام الشيعي في إيران. الهدف الرئيسي من هذه الاتصالات هو منع أي هجوم عسكري أمريكي (وربما إسرائيلي أيضًا) على إيران، وبالتالي منع قيام “إيران جديدة” قد تكون، من وجهة نظرهم، حليفة لإسرائيل. ويتجلى هذا التعاون في جهود دبلوماسية مكثفة، تشمل اجتماعات في عُمان وتركيا، وضغطًا على الولايات المتحدة لتجنب العمل العسكري والتركيز على قناة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق.
هذه الظاهرة، التي يتحد فيها الخصمان السني والشيعي مؤقتًا، لا تنبع من تحول أيديولوجي مفاجئ أو تعاطف مع نظام آيات الله؛ يعكس هذا قلقًا عميقًا إزاء تداعيات أي انتصار عسكري أمريكي إسرائيلي آخر ضد إيران، والذي من شأنه أن يعزز مكانة إسرائيل كقوة إقليمية مهيمنة، ويزيد من احتمالية قيام “إيران جديدة”، وبالتالي يضر بمكانة دول الخليج وتركيا.
تسعى هذه المقالة إلى دراسة أسباب التقارب بين التيارين المتعارضين، انطلاقًا من فهم جذور الانقسام السُني الشيعي، وتشكيل المحاور الجيوسياسية في القرنين العشرين والحادي والعشرين، وعلاقاتهما المتبادلة، وأنشطتهما المشتركة والمنفصلة ضد إسرائيل، والتغير الجذري الذي طرأ على الديناميات الإقليمية خلال حرب النهضة. ومن الجدير بالذكر أيضًا وجود اختلافات في الرأي بين الدول السنية، كالتوتر بين المعسكر الذي تقوده السعودية ومصر والمعسكر الإسلامي الذي تقوده تركيا (وقطر)، فضلًا عن التوتر بين السعودية والإمارات. وهذا التوتر هو ما تمكنت هذه الدول من تجاوزه في سياق العلاقات بين إسرائيل وإيران. في نهاية المقال، سيتم تقديم توصيات سياسية لإسرائيل، وربطها بمفهوم الأمن القومي الناشئ المتمثل في “السلام من خلال القوة”.
جذور الانقسام السني الشيعي
يُعدّ الانقسام السُني الشيعي من أعمق الانقسامات وأكثرها ديمومة في تاريخ الديانات التوحيدية. نشأ هذا الانقسام من نزاع سياسي على القيادة بعد وفاة النبي محمد العام 632 ميلادي. فقد أدى غياب توجيهات واضحة بشأن خليفته إلى فراغ في القيادة، ما تسبب في أزمة سرعان ما تحولت إلى انقسام طائفي سياسي، ثم إلى انقسام ديني لاهوتي.
تحوّل الخلاف بين الخلفاء الراشدين الأربعة وجماعة علي، الذين جادلوا بضرورة بقاء القيادة في بيت النبي (أهل البيت)، إلى صراع عنيف بعد معركة كربلاء (680 ميلادي)، التي رسّخت هوية فصيل علي (شيعة علي) كأقلية مضطهدة ومُهانة تنتظر العدالة الإلهية. وخلال القرون الأولى، ظلّ الانقسام سياسيًا دينيًا في المقام الأول. ثم تحوّل إلى صراع جيوسياسي واضح بدءًا من القرن السادس عشر الميلادي. اعتبرت الإمبراطورية العثمانية السنية نفسها الوريثة للخلافة السنية، واستخدمت الإسلام السني أداةً للوحدة السياسية. في المقابل، جعلت الدولة الصفوية في إيران (1501-1736) المذهب الشيعي المذهب الرسمي للدولة، في خطوة استراتيجية تهدف إلى تمييز بلاد فارس عن العثمانيين والأوزبك السنة. استمر الصراع العثماني الصفوي لقرون، وشمل حروبًا دامية على العراق والقوقاز وأذربيجان، وحدد إلى حد كبير الحدود الحالية بين تركيا وإيران، وقسم السكان (الذين يشكل الشيعة نسبة كبيرة منهم في العراق والخليج).
وقد ازداد البعد الجيوسياسي حدةً في القرن العشرين. أدى سقوط الإمبراطورية العثمانية عام 1918 وإلغاء الخلافة العام 1924 إلى فراغ سني، بينما حوّلت الثورة الإسلامية في إيران العام 1979 – بقيادة آية الله الخميني – المذهب الشيعي إلى قوة ثورية عابرة للحدود تدعو إلى “تصدير الثورة” ومحاربة “الشيطان الأكبر” (الولايات المتحدة) و”الشيطان الأصغر” (إسرائيل). ومنذ ذلك الحين، أصبحت إيران قوة شيعية إقليمية، في حين تنظر السعودية إلى المذهب الشيعي كتهديد وجودي. وقد حوّل الصراع في سوريا (2011-1024) واليمن والعراق والخليج هذا الانقسام إلى أداة جيوسياسية رئيسية: إذ تعمل إيران على بناء “محور مقاومة” ذي أغلبية شيعية، بينما تسعى الدول السنية (السعودية وتركيا ومصر) إلى كبح النفوذ الإيراني.
واليوم، لم يعد الانقسام مجرد صراع ديني لاهوتي، بل هو في جوهره صراع على الهيمنة الإقليمية والموارد (النفط والغاز والممرات المائية) والنفوذ السياسي والهوية الوطنية. يُستخدم الانقسام كأداة من قبل الدول لتبرير التحالفات والحروب بالوكالة والقمع الداخلي، ولكن في كثير من الأحيان – كما رأينا في الأسابيع الأخيرة – يمكن للمصالح الجيوسياسية أن تتغلب، ولو مؤقتًا، على الانقسام الديني، كما هو الحال حاليًا في المعارضة المشتركة للهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران.
تشكيل المحور الشيعي – إيران كمركز قوة إقليمي
برز المحور الشيعي، المعروف أيضاً باسم “محور المقاومة”، كشبكة استراتيجية من القوى العسكرية والسياسية والوكيلة تحت القيادة الإيرانية. وقد شكّل هذا المحور إحدى الأدوات الرئيسية للسياسة الخارجية الإيرانية منذ الثورة، وهدفه الأساسي توسيع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، ومعارضة الهيمنة الأمريكية، والتصدي لإسرائيل، والدفاع عن المصالح الأيديولوجية الشيعية. لا يُعدّ المحور تحالفاً رسمياً ذا هيكل هرمي محدد، بل هو شبكة شراكات غير رسمية تُقدّم فيها إيران التمويل والأسلحة والتدريب والاستخبارات والتوجيه الاستراتيجي، بينما يعمل الشركاء تحت إشراف إيران، إلا أن أساليب عملهم لا تقلّ تأثراً بمصالحهم الخاصة.
من وجهة نظر إيران، استند تأسيس المحور (ولا يزال) إلى مفهوم “تصدير الثورة” كمبدأ أساسي، والذي شمل دعم الجماعات الإسلامية الثورية في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وخاصة بين الشيعة والأقليات المضطهدة. شكّلت الثورة تهديدًا وجوديًا للدول السنية المجاورة (مثل العراق السني في عهد صدام حسين والمملكة السعودية)، وأدت إلى الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، وهي حرب طوّرت خلالها إيران نموذجًا لدعم الميليشيات الوكيلة لمحاربة أعدائها.
وكان تأسيس حزب الله في لبنان العام 1982 حجر الزاوية في بناء هذا المحور. فبعد حرب لبنان الأولى، أرسلت إيران قوات الحرس الثوري لتشكيل ميليشيات شيعية في جنوب لبنان. وبحلول العام 1985، توحدت هذه الجماعات تحت راية حزب الله. وأصبح حزب الله أنجح حليف لإيران، إذ وفّر لها عمقًا استراتيجيًا، وهدّد إسرائيل في الشمال، وأصبح نموذجًا يحتذى به للوكلاء الآخرين. وتلقّى حزب الله مئات الملايين من الدولارات سنويًا كتمويل، وأسلحة متطورة (بما في ذلك صواريخ موجهة بدقة وصواريخ مضادة للدبابات)، وتدريبًا من فيلق القدس، وتوجيهًا استراتيجيًا. في المقابل، عمل حزب الله كذراع إيران العسكري والسياسي في لبنان، وشارك في الحرب السورية، وأصبح القوة المهيمنة في البلاد، ولا يزال يتحدى الحكومة اللبنانية.
كما فتح سقوط صدام حسين الباب أمام تحرك إيران في العراق. فقد خلق سقوط نظام البعث السني فراغًا وصل من خلاله الشيعة -الأغلبية السكانية- إلى السلطة، ولكنه أدى أيضًا إلى تشكيل ميليشيات شيعية متطرفة. استغلت إيران الوضع لبناء شبكة من الميليشيات، مثل منظمة بدر، وكتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق، وغيرها. تلقت هذه الميليشيات التدريب والأسلحة (بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيرة) والتمويل من إيران، وأصبحت قوة مؤثرة في الحرب ضد داعش (2014-2017) وفي الصراعات الداخلية على النفوذ في العراق. كما استُخدمت كأداة للضغط على القوات الأمريكية من خلال مهاجمة القواعد الأمريكية، وعلى إسرائيل من خلال إطلاق الصواريخ من سوريا والعراق خلال حرب النهضة.
ومثّلت الحرب الأهلية السورية ذروة توسع هذا المحور. كان نظام الأسد العلوي حليفًا استراتيجيًا لإيران منذ ثمانينيات القرن الماضي، وشكّل جسرًا بريًا بين إيران وحزب الله في لبنان. أرسلت إيران آلافًا من الحرس الثوري والميليشيات العراقية ومقاتلي حزب الله لحماية نظام الأسد. وشمل الدعم التمويل والأسلحة والمشورة العسكرية وإنشاء قواعد إيرانية في سوريا. وبحلول عامي 2015-2016، وبفضل التدخل الروسي، أنقذ المحور الأسد من الانهيار، وحوّل سوريا إلى مركز لوجستي للمحور. وكان سقوط الأسد في كانون الأول 2024، بعد أن أضعفت إسرائيل حزب الله ودمرت استثمارات إيران الضخمة في سوريا، بمثابة ضربة قاسية: فقد قطع “الجسر البري” وقلل من قدرة إيران على نقل الأسلحة إلى حزب الله عبر المحور البري. كما قطع طريق تهريب الأسلحة من إيران إلى الأردن، ومن هناك إلى الضفة الغربية.
وفي اليمن، بدأت إيران دعم الحوثيين في العقد الأول من الألفية الثانية، لكن الدعم ازداد بشكل ملحوظ بعد العام 2014، عندما سيطر الحوثيون على صنعاء. قدّمت إيران أسلحة متطورة (صواريخ باليستية، طائرات مسيّرة، صواريخ كروز)، وتدريبًا، وتوجيهًا، وحوّلت الحوثيين إلى أداة للضغط على السعودية وممرات الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر. وأصبح الحوثيون بمثابة “الجبهة الجنوبية” للمحور، مما وسّع نطاق التهديد الإيراني.
وشكّلت حماس وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين استثناءً بارزًا للمحور الشيعي، وهما حركتان سنيتان انضمتا إلى المحور انطلاقًا من النضال المشترك ضد إسرائيل والرغبة في إقامة “حزام نار” حولها. وأصبحت إيران الممول الرئيسي لهما، بتمويل سنوي يتراوح بين 70 و100 مليون دولار، بالإضافة إلى أسلحة (صواريخ دقيقة، طائرات مسيّرة)، وتدريب، وتوجيه.
اعتمد المحور الشيعي بشكل أساسي على تشغيل وكلاء إيرانيين، دون تعريض النظام للخطر المباشر، مع تحقيق عمق استراتيجي. وحتى عامي 2023-2024، كان يُعتبر المحور أحد أكثر أدوات إيران فعالية. مع ذلك، أدت حرب النهضة إلى إضعاف كبير لحماس والجهاد الإسلامي في غزة. وتزامن ذلك مع ضربة قاسية لحزب الله، مما أدى إلى سقوط نظام الأسد في سوريا. وبلغت ذروة هذا الضعف في عملية “الأسد الصاعد” في حزيران 2025، والضربة القاسية التي تلقاها رأس المحور في الغارات الإسرائيلية والضربة الأمريكية الأخيرة. وكشفت هذه الضربة عن ضعف “حلقة النار” الإيرانية: اعتمادها على إيران، وافتقارها للوحدة الداخلية، وهشاشتها أمام التفوق الجوي والاستخباراتي الإسرائيلي. وحتى كتابة هذه السطور (شباط 2026)، يشهد المحور تعافياً جزئياً (وخاصة الحوثيين والميليشيات العراقية)، ولكنه فقد جزءاً كبيراً من قوته الرادعة، حيث بات نظام آية الله مهدداً بوجوده نتيجة للاضطرابات الداخلية والتهديد الأمريكي.
الدول السُنية – تعدد القيادات
لم تتبلور الدول السُنية في الشرق الأوسط قط كهيكل موحد ومؤسسي كالمحور الشيعي بقيادة إيران. وعلى النقيض من المحور الشيعي، الذي يتسم بتسلسل هرمي واضح نسبياً – حيث إيران مركز القوة، والحرس الثوري ذراعه العملياتي، وسلسلة من المبعوثين – يتسم المعسكر السُني بتعدد القيادات، والتنافس الداخلي على القيادة والهيمنة، ونهج أكثر براغماتية تجاه إسرائيل. وتعتبر دول مركزية كتركيا والسعودية ومصر نفسها الزعيم الشرعي للعالم السني، مما يخلق ديناميكية من التعاون التكتيكي إلى جانب التنافس الاستراتيجي.
وترى تركيا، في عهد الرئيس أردوغان، نفسها الوريث الشرعي للإمبراطورية العثمانية وعاملاً محورياً في دعم حركة الإخوان المسلمين العالمية. ومنذ العام 2011، يسعى أردوغان إلى تعزيز نفوذه من خلال دعم جماعة الإخوان المسلمين (في مصر وسوريا وغيرها)، ودعم المعارضة السنية في سوريا، وتوطيد علاقاته مع قطر. لا تزال علاقات تركيا مع إسرائيل متوترة: فقد وفرت تركيا ملاذاً آمناً لمنظمات فلسطينية إرهابية، وتدعو إلى مقاطعة اقتصادية لإسرائيل، وتستخدم خطاباً حاداً مناهضاً لإسرائيل لتصوير نفسها على أنها “صوت المسلمين الحقيقي” في مواجهة السعودية ومصر، رغم أنها تحافظ على علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.
أما السعودية، بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، فتعتبر نفسها حامية للمقدسات (مكة المكرمة والمدينة المنورة) وقائدة لدول الخليج. وقد استثمرت السعودية في الحرب ضد النفوذ الإيراني (الحرب في اليمن، ودعم المعارضة السنية في سوريا)، وطورت نهجاً براغماتياً تجاه إسرائيل. ومنذ عامي 2017-2018، لُمِّح إلى وجود علاقات أمنية سرية مع إسرائيل ضد إيران، ورأت السعودية في “اتفاقيات إبراهيم” (2020) فرصة استراتيجية. إلا أن السعودية ربطت التطبيع الكامل بالتقدم نحو إقامة دولة فلسطينية، وقد جمّدت حرب النهضة هذه العملية. في الأشهر الأخيرة، برز التعاون مع تركيا، كما برز التقارب مع قطر، في حين تصاعدت التوترات مع الإمارات في عدة ساحات، لا سيما في اليمن.
تسعى مصر، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى استعادة مكانتها كقائدة للعالم العربي، وتعتبر جماعة الإخوان المسلمين (المدعومة من تركيا وقطر) تهديدًا خطيرًا. مع ذلك، شهدت الأشهر الأخيرة تقاربًا مصريًا تركيًا سعوديًا، ويعود ذلك أساسًا إلى القلق المشترك إزاء تنامي النفوذ الإسرائيلي في ظل التهديد بمواصلة إلحاق الضرر بنظام آية الله في إيران، وصولًا إلى إمكانية الإطاحة به وإقامة “إيران جديدة” موالية لإسرائيل.
اكتسب تقارب الدول السنية مع إسرائيل زخمًا كبيرًا في إطار “اتفاقيات إبراهيم” (2020). انبثقت هذه الاتفاقيات من مصلحة مشتركة: التعامل مع إيران، والتعاون الاقتصادي والتكنولوجي، وحماية الاستقرار الإقليمي. شهدنا مؤخرًا تغيرًا في الديناميكية: فقد تقاربت تركيا والسعودية وقطر، جزئيًا كرد فعل على تعزيز المحور الأمريكي الإسرائيلي في عهد ترامب والتهديد الأمريكي الإسرائيلي لإيران. وتسعى هذه الدول جاهدةً لمنع أي هجوم أمريكي إسرائيلي على إيران، خشية أن يؤدي إسقاط النظام الإيراني إلى تعزيز إسرائيل كقوة إقليمية وتقويض مكانتها. وهي تروج لـ”محور سُني” يشمل التنسيق مع إيران، ودعم النظام الجديد في سوريا، ومعارضة توسيع “اتفاقيات إبراهيم”. ولذلك، تتسم الدول السنية بالمرونة والبراغماتية: التعاون مع إسرائيل ضد إيران عندما يخدم ذلك مصالحها، في مواجهة معارضة إسرائيل الشديدة، والإضرار بإيران عندما يُنظر إلى إسرائيل على أنها تهدد الهيمنة السنية. ويحول تعدد الأطراف في التنافس بين تركيا والسعودية ومصر دون توحيد المصالح بشكل كامل. في بداية العام 2026، يمر المحور بمرحلة توطيد مؤقتة في مواجهة “التهديد الإسرائيلي الأمريكي”، لكنه بعيد كل البعد عن أن يكون موحداً مثل المحور الشيعي.
الصراعات على الهيمنة والتغيير في أعقاب حرب القيامة
إن الصراع بين المحور الشيعي بقيادة إيران والدول السُنية – أو بتعبير أدق، بين طموحات إيران للهيمنة وطموحات دول سُنية رئيسية للهيمنة – ليس مجرد صراع ديني، بل هو في جوهره صراع على السيطرة الإقليمية، والموارد الاستراتيجية، وطرق التجارة، والنفوذ السياسي، والهوية الوطنية والإقليمية. وكانت الحرب الأهلية السورية الساحة المركزية لهذا الصراع. رأت إيران في نظام الأسد خط الدفاع الأول ضد إسرائيل، وقناة تواصل مع حزب الله، فاستثمرت فيه موارد هائلة: آلاف المقاتلين من الحرس الثوري، وميليشيات شيعية من عدة دول، مع التركيز على حزب الله. استثمرت إيران ما بين 30 و50 مليار دولار في سوريا بين عامي 2011 و2020. من جهة أخرى، دعمت تركيا المعارضة السنية بشكل مباشر، وسيطرت على مناطق في شمال سوريا، وتعتبر سوريا جزءًا من مجال نفوذها العثماني الجديد.
مثّلت حرب النهضة نقطة تحوّل في ضوء الضرر البالغ الذي لحق بشبكة وكلاء إيران بأكملها، ولاحقًا بإيران نفسها. وقد أثار هذا التغيير قلقًا لدى دول سنية رئيسية. فقد أدركت تركيا والسعودية وقطر أن استمرار النجاحات الإسرائيلية الأمريكية – ولا سيما شنّ هجوم آخر على إيران يُفضي إلى الإطاحة بنظام آية الله أو إضعافه بشكل كبير – من شأنه أن يُرسّخ مكانة إسرائيل كقوة إقليمية مهيمنة، ويُوسّع نطاق “اتفاقيات أبراهام”، ويُضعف موقفها. ولذلك، بدأت هذه الدول بالتحرّك بشكل مُنسّق، شمل: الامتناع عن إدانة القمع العنيف للاحتجاجات في إيران، وممارسة ضغوط دبلوماسية على ترامب للامتناع عن مهاجمة إيران، بل وحتى التقارب معها مؤقتًا.
في الوقت نفسه، عزّزت إسرائيل تعاونها مع الولايات المتحدة، والذي يشمل اتفاق غزة، وتوسيع نطاق “اتفاقيات أبراهام” – كازاخستان وأرض الصومال – ودعم المحور البري والبحري بين الهند وأوروبا (IMEC). إن هذا التغيير تاريخي: فقد ضعف المحور الشيعي بشكل كبير، واضطر المحور السني إلى التعامل مع “التحدي الإسرائيلي” الجديد، وانتقل الصراع على الهيمنة من حروب بالوكالة إلى صراع دبلوماسي استراتيجي حول مستقبل إيران والشرق الأوسط بأكمله.
توصيات للسياسة الإسرائيلية – “السلام من خلال القوة”
لقد خلقت العمليات الاستراتيجية التي جرت في الشرق الأوسط منذ أكتوبر 2023، ولا سيما منذ عملية “الأسد الصاعد” في حزيران 2025 وسقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، واقعًا إقليميًا جديدًا تمامًا. فالمحور الشيعي، الذي كان حتى وقت قريب التهديد المركزي والمنظم لأمن إسرائيل، يعاني حاليًا من ضعف بنيوي حاد: فقد حزب الله جزءًا كبيرًا من قدراته الهجومية، وتضررت مكانته في لبنان؛ كما ضعفت الميليشيات الشيعية في العراق في أعقاب الهجمات الإسرائيلية والأمريكية؛ ولا يزال الحوثيون في اليمن نشطين نسبيًا ولكنهم أكثر عزلة؛ وانقطع الجسر البري من إيران إلى لبنان عبر سوريا بشكل شبه كامل. وقد تلقى البرنامج النووي الإيراني ضربة قوية، وتضررت قدرة النظام الباليستية على الرغم من محاولات إيران استعادة بعض قدراتها.
في الوقت نفسه، وجدت الدول السُنية البارزة (تركيا، السعودية، قطر، ومصر) نفسها في وضع متناقض: فمن جهة، تستفيد من تراجع التهديد الإيراني، الذي كان يمثل تهديدها الرئيسي لعقود؛ ومن جهة أخرى، تُدرك تحديًا جديدًا يتمثل في تحوّل إسرائيل إلى قوة إقليمية مهيمنة، تحظى بدعم أمريكي غير مسبوق في ظل ولاية دونالد ترامب الرئاسية الثانية، وقادرة على التأثير في الأجندة الإقليمية. علاوة على ذلك، فإن احتمال قيام “إيران جديدة” موالية لإسرائيل يُشكّل، في نظرها، تهديدًا بالغ الخطورة. ويتمثل ردّ الدولة السُنية على هذا التهديد الجديد في تعاون منسق مع إيران لمنع هجوم أمريكي إسرائيلي آخر. ويهدف هذا التعاون إلى منع سيناريو يؤدي فيه سقوط نظام آية الله (أو إضعافه بشكل كبير) إلى توسيع اتفاقيات إبراهيم، وتعزيز موقف إسرائيل، وتآكل نفوذ تركيا والسعودية وقطر.
… الخلاصة الرئيسية هي أن الشرق الأوسط يقف الآن عند مفترق طرق تاريخي: إما أن يستمر في التوجه نحو “شرق أوسط جديد” تكون فيه إسرائيل، بالتعاون مع الولايات المتحدة، عاملاً محورياً في الاستقرار الإقليمي والاقتصادي والأمني، مع إرساء بنية إقليمية جديدة؛ أو يعود إلى وضع تواصل فيه إيران خطتها لإعادة فرض “حزام النار” حول إسرائيل. وستكون النقطة الحاسمة هي القرار الأمريكي بشأن إيران: هل ستُشنّ سلسلة أخرى من الهجمات التي قد تُفضي إلى الإطاحة بالنظام، أم سينجح الضغط الدبلوماسي السُني – السعودي القطري التركي – في تأخير أو منع مثل هذا العمل؟ ويبدو أنه في هذا الواقع، يُعدّ مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي، الذي يقوم أساساً على “السلام من خلال القوة”، وهو مفهوم تشكّل خلال حرب الاستقلال، الإطار الاستراتيجي الأنسب.
يرتكز هذا المفهوم على ثلاثة أركان:
القوة العسكرية والاستخباراتية المطلقة كشرط أساسي لاتخاذ إجراءات إنفاذ القانون لمنع التهديدات قبل وقوعها. ويجب على إسرائيل الحفاظ على تفوقها العسكري على جميع الأطراف الإقليمية. يشمل ذلك مواصلة تقويض قدرات المحور الشيعي على التعافي بشكل منهجي، بالإضافة إلى عوامل التهديد الأخرى (لا سيما الصواريخ الدقيقة، والطائرات المسيّرة، ومرافق إنتاج الأسلحة في إيران وسوريا والعراق ولبنان). ومن هذه القوة، يجب استمداد القوة السياسية؛ قوة يتركز هدفها الرئيسي على السعي نحو بناء هيكل إقليمي جديد، يحل محل الهيكل الإيراني الذي شُيّد على مدى الأربعين عامًا الماضية. ويكمن جوهر الأمر في توسيع “اتفاقيات أبراهام” ودعم المشاريع الإقليمية مثل المحور الهندو-أوروبي (IMEC). ينبغي لإسرائيل مواصلة استخدام قوتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية لتوسيع نطاق الاتفاقيات: على سبيل المثال، اقتراح تعميق التعاون الاقتصادي والتكنولوجي مع المملكة العربية السعودية، وتعزيز التحالف مع الإمارات العربية المتحدة والمغرب، والحفاظ على اتفاقية السلام مع مصر والأردن، وإنشاء تحالفات جديدة كما تم الاتفاق عليه مؤخرًا مع اليونان وقبرص، وكما وُقّع مع أرض الصومال. يهدف هذا إلى زيادة الضغط على تركيا وقطر.
في الوقت نفسه، يجب العمل بتنسيق وثيق مع الولايات المتحدة، بما في ذلك التخطيط المشترك لسيناريوهات الهجوم على إيران في حال فشلت المفاوضات بشأن الاتفاق معها فشلاً ذريعاً. ومن حق دولة إسرائيل أن تكشف للعالم الطبيعة الإشكالية للمحور السني الشيعي الجديد والعبثي الذي يمهد الطريق لعودة إيران إلى سعيها للهيمنة الإقليمية.
وأخيراً، يجب تعزيز صورة إسرائيل كقوة إقليمية مستقرة تُحقق منفعة مشتركة لمن يتعاون معها، وتعمل على محاربة العناصر المتطرفة والمزعزعة للاستقرار، كإيران وجيرانها. ويتحقق ذلك من خلال مواصلة السياسة الاستباقية والهجومية ضد قدرات المحور الشيعي على إعادة بناء نفسه، والتعاون الاقتصادي والتكنولوجي والاستخباراتي مع الدول العربية ودول المنطقة الأخرى.
ستحدد الأسابيع القادمة – ولا سيما القرار الأمريكي الإسرائيلي بشأن إيران – وجه الشرق الأوسط لأجيال قادمة. إن مفهوم “السلام من خلال القوة” ليس مجرد شعار، بل استراتيجية راسخة: فالقوة تخلق الردع، الذي يُمكّن الحوار، والذي إذا ما أُجري من موقع قوة، يُمكن أن يُفضي إلى سلام مستقر قائم على المصالح. إسرائيل اليوم في أقوى وضع لها منذ عقود. عليها أن تستغل هذا الوضع بحكمة وحزم وبالتنسيق الكامل مع حليفها القوي، لتحويل التهديد الناشئ إلى فرصة تاريخية لتغيير النظام الإقليمي برمته.
ملخص
إن المحور الجديد، الذي يُمثل في جوهره معارضة شيعية وسُنية لشن هجوم على إيران بهدف منع تعزيز إسرائيل وإقامة نظام إيراني موالٍ لها، لا ينبع من تحول أيديولوجي أو تعاطف مفاجئ مع النظام الشيعي، بل من خوف عميق من عواقب أي نصر عسكري آخر، تشارك فيه إسرائيل، ضد النظام الإيراني. مع ذلك، نرى أن هذه نظرة قصيرة المدى ستُلحق ضرراً أكبر بالدول السُنية من نفعها. لقد جعلت حرب النهضة من إسرائيل عاملاً مؤثراً في أجندة الشرق الأوسط، بينما يُعد المحور السُني الجديد حلاً مؤقتاً جاء كرد فعل مباشر لما اعتبرته الدول السُنية تهديداً لها. فهي تخشى سيناريو تقود فيه إسرائيل، بصفتها شريكاً مفضلاً للولايات المتحدة، “شرقاً أوسطياً جديداً” يشمل توسيع “اتفاقيات أبراهام”، وإنشاء طريق بري بين الهند وأوروبا، لتصبح في نهاية المطاف عاملاً رئيسياً في الشؤون الأمنية والاقتصادية للمنطقة.
ويُمكّن مفهوم “السلام من خلال القوة” إسرائيل من اتباع استراتيجية سليمة. يجب على إسرائيل الحفاظ على تفوقها العسكري والاستخباراتي، وتعزيز تحالفها مع الولايات المتحدة، وتوسيع دائرة السلام، وكشف النقاب عن المحور الجديد الذي يتشكل. إن القرار المرتقب بشأن مسار العمل ضد إيران سيحدد وجه المنطقة لأجيال قادمة.
——————————————
هآرتس 26/2/2026
اسرائيل قامت بتجويع 43 شخص الى درجة الموت في غزة هذا الاسبوع
بقلم: نير حسون
1- في سديروت يعيش حوالي 30 ألف نسمة. تخيلوا ان ثلاجات كل سكان سديروت فارغة. عمليا، لا يوجد لديهم ثلاجات. المخابز مغلقة. الرفوف في المحلات التجارية لا تعرض أي شيء. هم جائعون. بعد ذلك مرة كل 24 ساعة تدخل شاحنة واحدة الى المدينة وتوزع الطعام من بيت الى آخر. الطعام الموجود في هذه الشاحنة – هذا الموجود – هو لكل سكان المدينة. ايضا في اور عكيفا يعيش حوالي 30 ألف شخص، ايضا في عراد، كل مدينة تحصل على شاحنة واحدة في اليوم. هل في نهاية اليوم سكان سديروت سيكونون جائعين؟ وماذا سيحدث بعد اسبوع؟ بعد شهر؟.
2- حسب بيان رسمي لمنسق اعمال الحكومة في المناطق فانه في كل يوم في الشهر الاخير دخلت 71 شاحنة الى قطاع غزة بالمتوسط. 71 شاحنة كان يجب ان تكفي لاطعام 2.1 مليون شخص. أي شاحنة واحدة لكل 30 ألف شخص. نصفها تم نقلها الى مراكز التوزيع، والنصف الاخر تم ادخاله من قبل الامم المتحدة والمنظمات الانسانية. هذه كمية قليلة من الطعام، لكن يا ريت السيناريو الذي وصف في سديروت كان الوضع في القطاع، في غزة الوضع اكثر سوء.
3- في غزة الشاحنة لا توزع الطعام من بيت الى بيت. نصف الطعام يتم انزاله في اكوام كبيرة في مناطق نيران بعيدة. البوابات تفتح لمدة ربع ساعة في اليوم، بدون جدول زمني ثابت. هذا ليس خطأ، نعم ربع ساعة في اليوم. النصف الاخر يسرق من داخل الشاحنات. في الحالتين من ينجح في الوصول الى الطعام هم فقط تقريبا الشباب الذين يقدرون على جر وزن لا باس به، ويمكنهم الركض بسرعة ومستعدين لتعريض حياتهم للخطر. اكثر من الف شخص ماتوا حتى الان اثناء التجمع من اجل الحصول على الطعام، معظمهم بنار الجيش الاسرائيلي. ماذا يحدث مع من لا ينجح في الوصول الى الشاحنات أو الى مراكز التوزيع؟ ماذا عن النساء، ذوي الاحتياجات الخاصة، المرضى والشيوخ؟ وماذا بالنسبة لمن ليس لهم حظ؟ هم يموتون بسبب الجوع.
4- ما صلة سكان غزة بسكان سديروت. الغزيون يتم تجويعهم بمستوى معين قبل سنتين. لا احد منهم تقريبا اكل الخضراوات أو منتجات الالباب أو اللحوم في تلك الفترة، هم يعيشون في خيام ممزقة، بين الانقاض، بدون صحة اساسية. لا يوجد في دمائهم ما يكفي من الحديد، الفيتامينات والبروتينات. ومنظومة المناعة لديهم مدمرة. في رزم الطعام التي توزع يوجد طحين وارز وحمص، لكن في القطاع لا يوجد غاز للطبخ ولا توجد اشجار.
5- كثير من الاشخاص ماتوا في هذا الاسبوع في غزة. كثيرون قتلوا في هجمات الجيش الاسرائيلي، البعض ماتوا بسبب الاصابة واخرون استسلموا للمرض. بدءا من هذا الاسبوع يجب علينا احصاء ايضا كم عدد الاشخاص الذين ماتوا بسبب الجوع. من بداية الاسبوع وحتى ظهيرة يوم امس الاربعاء مات 43 شخص لان اسرائيل قامت بتجويعهم.
6- البروفيسور نيك ماينرد، طبيب جراح في مستشفى جامعة اكسفورد، في هذه الايام هو متطوع في مستشفى ناصر في خانيونس، في حين ان الجيش الاسرائيلي يتقدم في عملية لمحو المدينة. هذه هي المرة الثالثة التي ياتي فيها الى القطاع منذ 7 اكتوبر. وقد قال: “في هذه الاثناء اجريت عملية جراحية لفتاة كانت تعاني من سوء تغذية شديد، هي رضيعة عمرها سبعة اشهر وكانت تتكون من جلد وعظام، وكانت تحتضر امام ناظري. لم يمهد لي أي احد للمناظر الفظيعة التي اشاهدها الآن. الامر لا ينطبق فقط على المرضى. بصعوبة تعرفت على رجال الطواقم الطبية الذين عرفتهم في زيارات سابقة، بعضهم فقد 30 كغم، الازمة اصبحت ازمة كارثية”.
7- الدكتور اساف دافيد، باحث في منتدى التفكير الاقليمي وفي معهد فان لير، هو على علاقة دائمة مع سكان في غزة، هكذا كتب له في هذا الاسبوع احد هؤلاء السكان: “نحن نموت بسبب الجوع. لقد تعبنا. أنا واولادي لا نستطيع الوقوف على ارجلنا او المشي، وزني انخفض بـ 39 كغم، ابني يتقيأ السوائل الموجودة في معدته. لا يوجد طعام أو الحاجات الاساسية للحياة. اجسامنا تنهار كل يوم. الامراض تنتشر، المجتمع يتفكك. كل القيم الانسانية هنا انهارت”.
8- طبيب في غزة قال ان الطعام الذي يوفره المستشفى له هو وجبة واحدة تتكون من الارز كل يوم (“أنا اشرب مياه كثيرة لاسكات الجوع. احيانا نجري العمليات ونحن بصعوبة نرى بسبب الدوار”). في فيلم من القطاع شوهد شخص كبير في السن ونحيف وبنطاله مربوط بخيط، وهو يركع على ركبتيه ويحاول جمع الطحين الذي نثر على الرمل: “لدي عشرة اولاد، لم ياكلوا أي شيء منذ اسبوع. انا ساحاول تنخيل القمح من الرمل”.
9 – دكتور فادي بورا، طبيب من غزة، يحاول شرح خطورة الوضع: “الشخص الذي يدخل الى مرحلة متقدمة من الجوع لا يمكنه النجاة عن طريق الطعام والماء فقط، بدون علاج طبي خاص فان الموت ينتظره. هذا جسم اجهزته انهارت، العضلات تفككت، الاعضاء تحللت، وهو الان ليس اكثر من هيكل عظمي متحرك. ربما ان عشرات الاف الغزيين دخلوا الان الى هذه المرحلة النهائية للجوع، ومعظمهم من الاطفال”.
10 – الجوع لم يبدا في هذا الاسبوع، هو موجود من البداية. تجويع قطاع غزة كان بين اوراق متخذي القرارات في اسرائيل من اليوم الاول. وزير الدفاع السابق يوآف غالنت اعلن عن “حصار مطلق”، وزير المالية اعلن بانه لن يتم ادخال ذرة طعام، وزير الامن الداخلي اقترح قصف مخازن الغذاء في غزة، عضو الكنيست موشيه سعادة (الليكود) اعلن “من يقول أنا لن أجوع غزة فهو انسان مشوش. انا سأجوع الغزيين، نعم، نعم، هذا هو واجبنا”. جنرالات سابقون قاموا ببلورة برامج التجويع. المتظاهرون قطعوا طريق شاحنات الغذاء. المعارضة صمتت. ومثلما صاغ ذلك البروفيسور اليكس ديفال، وهو من اهم الخبراء في الجوع في العالم: “أنا اعمل في هذا الموضوع منذ 40 سنة، لا توجد أي حالة منذ الحرب العالمية الثانية من الجوع التي تم تخطيطها والسيطرة عليها في هذه الحالة. كل مرحلة فيها تم توقعها مسبقا”.
11- في كانون الثاني السنة الماضية امرت المحكمة في لاهاي اسرائيل بالسماح بادخال الطعام والمساعدات الى القطاع. اسرائيل تجاهلت ذلك. فقد منعت وحظرت وقيدت ووضعت العراقيل، لكنها لم تعمل على تجويع الغزيين حتى الموت. قبل خمسة اشهر قررت تغيير الاتجاه. ففي 2 آذار اعلنت اسرائيل عن اغلاق المعابر. هذه المعابر بقيت مغلقة مدة 78 يوم. مخازن الغذاء فرغت والجوع تفشى. في 26 ايار استانفت اسرائيل ادخال المساعدات، لكن بدل السماح للامم المتحدة وشركائها بتوزيع الطعام في مئات مراكز التوزيع والمطابخ الجماعية مثلما كان الامر في معظم فترة الحرب، هي نقلت هذه المهمة لمنظمة اقيمت بشكل مستعجل، بدون أي تجربة، وطريقة عملها مخالفة لكل المباديء التي تمت بلورتها خلال السنين. الخبراء حذروا بان هذا سينتهي بكارثة، الان هذه الكارثة تتحقق امام انظارنا.
12 – (في غضون ذلك، في الالتماس المستعجل ضد التجويع: الدولة طلبت في هذا الاسبوع للمرة العاشرة الحصول على تمديد لتقديم الرد. “استمرارا لما قيل في طلبات التمديد السابقة، نرغب في ان نحتلنكم بانه رغم الجهود المبذولة الا انه لم يتم بعد الحصول على مصادقة كل الجهات من اجل تقديم مسودة البيان المحدث”، كتب في الطلب. “في هذه الظروف مطلوب من المحكمة الموقرة ان تعطي من يجب عليهم الرد تمديد آخر”. المحكمة العليا صادقت ايضا على هذا التمديد).
——————————————
معاريف 26/2/2026
أكوام من الصواريخ
بقلم: ايلي لئون
المسألة الإيرانية وغيرها من المسائل الدولية الأخرى كانت فقط في هوامش خطاب “وضع الامة” السنوي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. في ضوء وضعه في الاستطلاعات، وقبيل انتخابات منتصف الولاية التي ستجرى في شهر تشرين الثاني، اختار الرئيس التركيز على مسائل أمريكية داخلية.
حاول ترامب ان يسوق أمريكا مزدهرة قبيل يوم الاستقلال الـ 250 للدولة. حاول أن يقنع الأمريكيين بان “الولايات المتحدة عادت وهي الدولة الأكثر اثارة في العالم”. هذا في الوقت الذي تشير فيه الاستطلاعات الى خيبة امل من الوضع الاقتصادي ومن الانقسام السياسي. من زاوية نظر الرئيس فان الوضع سيتحسن اكثر فأكثر.
في هذه الاثناء، ولاجل اثارة الحماسة في قاعدته اختار ان يبادر الى مواجهات مع المشرعين الديمقراطيين الذين حضروا الخطاب. وحسب استطلاع أجرته شبكة “CNN” بعد خطابه يحتمل أن يكون ترامب نجح، جزئيا على الأقل، حين أشار ثلثا المستطلعين الى أنه كان لهم تعقيب إيجابي في أساسه على خطابه.
في اطار جهوده لمنح خطابه بعدا تاريخيا، اطال ترامب الأحاديث والقى الخطاب الأطول في تاريخ الرؤساء في هذه المكانة. لكن في اثناء الدقائق الأخيرة التي كرسها لـ “المسائل المشتعلة” من ناحية إسرائيل – ايران وغزة – قدم سلسلة من التصريحات الدراماتيكية.
احدها كان موجها للجمهور الأمريكي وهو عمليا تبرير محتمل لحرب مع ايران. حتى الان كان التركيز على البرنامج النووي الإيراني. اما الان فقد عرض ترامب حجة جديدة، حين أشار الى “انهم (الإيرانيين – أ. ل) طوروا منذ الان صواريخ يمكنها أن تهدد أوروبا وقواعدنا خلف البحر، وهم يعملون على بناء صواريخ ستصل قريبا الى الولايات المتحدة الامريكية”.
عمليا هذه علة مناسبة من ناحية ترامب المعني بتأطير المواجهة مع الإيرانيين كمصلحة قومية للولايات المتحدة للدفاع عن نفسها وعن أعضاء الناتو في أوروبا ضد تهديد الصواريخ الإيرانية التي من شأنها أن تحمل قنبلة نووية. هذا المبرر يفترض أن يشكل حجة ضد أولئك المعارضين في الولايات المتحدة لهجوم محتمل.
هذه الاعتراضات لا تنحصر فقط في الجانب الديمقراطي بل تضم مسؤولين كبار في ادارته مثل نائب الرئيس فانس الذي يتبنى الانعزالية ويمثل تيار “امريكي أولا”. يدعي مؤيدو هذا النهج بان حربا محتملة مع ايران هي مصلحة إسرائيلية فقط، لا يفترض ان تهم الولايات المتحدة. هذا مقابل تيار وزير الخارجية ماركو روبيو الذي يؤيد الهجوم على ايران وتغيير نظام آيات الله.
هذا الجدال موجود أساسا في الشبكات الاجتماعية. حيث يتجادل المؤثرون الامريكيون فيما بينهم على مستقبل الحركة المحافظة والحزب الجمهوري. هذا حين يكون تيار امريكي أولا يضم في داخليه أصوات واضحة في مناهضتها لإسرائيل، المعارضين لنفوذ إسرائيل بذات الشدة مع التقدميين المناهضين لإسرائيل في الجانب الديمقراطي.
ان مبرر تهديد الصواريخ يستهدف التصدي أيضا للاستطلاعات التي تشير الى انعدام اهتمام عام في الولايات المتحدة بهجوم على ايران.
فضلا عن التهديد النووي والباليستي، هاجم ترامب بشدة النظام الإيراني على دعمه للارهاب وعلى قمعه لمواطنيه. وأشار الى أن ايران ووكلائها قتلوا الاف الجنود الأمريكيين بالعبوات الجانبية. إضافة الى ذلك قدم الرئيس معطيات قاسية عن القمع الداخلي وادعى بان النظام قتل نحو 32 الف متظاهر في اثناء الاحتجاجات في الدولة.
أشار ترامب الى انه رغم التحذيرات التي وجهت لإيران بعد الحملة العسكرية، “فانهم يحاولون بدء كل شيء من جديد”. وأوضح بان “تفضيلي هو لحل هذه المشكلة بوسائل دبلوماسية، لكن ان امرا واحدا مؤكد – لن اسمح ابدا لممولة الإرهاب رقم 1 في العالم حيازة سلاح نووي”. اما بالنسبة لغزة فقد قدم ترامب طرفة لن تفرح حكومة نتنياهو عندما اعطى وصفا شاذا وغير مسبوق للتعاون الذي تحقق ظاهرا على الأرض، بين الأطراف المتقاتلة لغرض العثور على الجثث: “صدقتم ام لم تصدقوا حماس عملت الى جانب إسرائيل، وهم حفروا حفروا وحفروا. وقد نقلوا أحيانا مئة جثة لقاء كل واحد وجدوه.
هذا في الوقت الذي يريدون فيه في القدس ان يقنعوا الجمهور الإسرائيلي بان هدف المرحلة الثانية في غزة تصفية منظمة الإرهاب.
——————————————
هآرتس 26/2/2026
من يسمح لنظام خطير جدا بالتسلح من قمة الرأس الى اخمص القدمين
بقلم: جدعون ليفي
في دولة مسلحة في الشرق الاوسط، بما في ذلك السلاح المخصص للدمار الشامل، يوجد نظام رعب يهدد سلام المنطقة. هذه الخصائص من المعتاد نسبتها للجمهورية الاسلامية الايرانية، وقد بررت شن حرب ضدها. ولكن هذه الاقوال تنطبق على دولة اخرى في الشرق الاوسط، اسرائيل مسلحة حتى قمة رأسها ويوجد فيها نظام رعب تجاه جزء من رعاياها، الذي يهدد بالخطر سلام المنطقة. هذه الدولة ليس لها الحق أو الصلاحية في ادارة تسليح جيرانها وتحديد ما هو مسموح لها وما هو ممنوع.
اسرائيل تعمل على نزع السلاح من معظم الدول والتنظيمات المسلحة في محيطها، بدون ان توقف تسليح نفسها. وهذه مقاربة وقحة وغير مقبولة.
طالما ان اسرائيل ديمقراطية غربية، أو على الاقل ظهرت كذلك، فان جزء من أسرة الشعوب السليمة التي تعتبر انظمتها مسؤولة وعقلانية، كان يمكن قبول، بشكل معين، مقاربتها المتعالية بان تحدد أي سلاح مسموح حولها، من قطاع غزة ورام الله ومرورا بلبنان وانتهاء بايران، ولكن منذ اصبح النظام فيها خطير اكثر فقد تم الغاء حقها في تحديد خارطة التسلح الاقليمية وان تحظى بدعم العالم. هل يعتبر بنيامين نتنياهو زعيم مسؤول؟ وماذا اذا تسلم بن غفير السلطة؟ اسرائيل من شانها ان تعرض للخطر سلام المنطقة بدرجة لا تقل عن نظام آيات الله.
اسرائيل هي دولة مارقة، ترفض قبول مواقف المجتمع الدولي، من الرقابة الدولية على مخزون سلاحها ومرورا بتجاهل القانون الدولي وانتهاء بالاستخفاف بقرارات المؤسسات الدولية. الدولة التي تتجاهل سيادة جيرانها مثل سوريا ولبنان، وتتعامل معها مثلما تتعامل مع اراضيها، تقصف في السودان وتصفي الناس في الاردن، واذا كانت حاجة لذلك ايضا في قطر.
ان دولة كهذه هي دولة خطيرة. معظم العالم ما زال يحتضنها، أو للاسف، يسمح لها بما لا يسمح به لاي دولة اخرى مثل الاحتلال، جرائم حرب، ابادة جماعية وفصل عنصري. وحسب منشورات اجنبية ايضا السلاح النووي. ولكن من هنا وحتى تطبيق كل طلباتها الوقحة فان المسافة بعيدة، نزع سلاح السلطة الفلسطينية، حماس، حزب الله، الحوثيين وايران ايضا، وان تترك بيدها كل سلاحها. هي دولة حصرية.
هذه الظاهرة التي لا تصدق وصلت الى الذروة في الحرب في قطاع غزة، هناك اثبتت اسرائيل كم هو خطير ترك سلاح وتسليح غير محدود في يدها، وكم هي تهدد بالخطر سلام المنطقة والقانون الدولي، وبالاساس الانسانية. ان دولة شنت حرب ابادة معلنة هي دولة خطيرة. هل تحدد دولة كهذه هل سيكون لدول اخرى انواع سلاح معينة أم لا؟ لن يكون نووي لدى أي احد، ولا شيء لحزب الله أو حماس أو السلطة الفلسطينية، الصواريخ البالستية لها فقط، واسراب امريكية متطورة ايضا لا يسمح بها لدول يوجد لها سلام معها، يسمون ذلك “خرق التفوق النوعي”.
باسم ماذا يحظر على السلطة الفلسطينية التسلح كي تستطيع الدفاع عن رعاياها العاجزين في الوقت الذي ترسل فيه اسرائيل اليهم مليشيات قاتلة وجيش منفلت العقال؟ لماذا ما هو مسموح لاسرائيل ممنوع على ايران؟ لان ايران فيها نظام ظلامي، متوحش ومنفلت العقال، ويهدد الولايات المتحدة واسرائيل ويعرض العالم للخطر. هذا وبحق سبب حقيقي ومناسب.
وماذا بشان اسرائيل؟ في ايران يوجد نظام اصولي ومستبد، أي نظام يوجد في الضفة الغربية؟ هل تعامل النظام مع سكان ايران اسوأ من تعامل اسرائيل مع الفلسطينيين؟ آلاف السجناء السياسيين يوجد فيهما، اختطاف تحت جنح الظلام بدون محاكمة وتعذيب حتى الموت في السجون يوجد هنا ايضا، حقوق فلسطيني في نابلس اقل من حقوق ايراني في مشهد. عندما تحاول اسرائيل دفع الولايات المتحدة لمهاجمة ايران، يجدر بها القاء نظرة ايضا على نفسها.
——————————————
هآرتس 26/2/2026
ترامب أعد الأرضية لهجوم في ايران لكنه كشف شقوقا في الإدارة
بقلم: نتنئيل شلوموفيتش
عندما ترشح ترامب للرئاسة للمرة الاولى قبل عقد تقريبا، برز في الانتخابات التمهيدية الجمهورية بكونه المرشح الوحيد الذي وقف ضد الحرب في العراق. مؤيدوه فسروا تميزه كايديولوجيا، لكن في ذلك الوقت هو قدم تفسير مختلف: تلك الحرب كانت “غبية” وجورج بوش الابن كان “غبي”، لانه احتل العراق وعاد بدون النفط. في خطابه حول وضع الامة مساء أمس اوضح الرئيس بانه غير غبي. هو زعيم يعرف كيفية الحصول على النفط.
ترامب تجاوز امس عادته في السنة الاخيرة وقرر الانصياع للدستور، الذي يلزم الرئيس بتقديم تحديث سنوي للكونغرس حول وضع الامة. خطابه كشف شقوقا في ادارة ترامب بعد سنة من الانقلاب النظامي الذي فيه سحق الرئيس الاعراف والقوانين والمؤسسات الديمقراطية والاقتصادية – حيث كان في خلفية ذلك اخفاء وثائق جيفري ابستين وماكسي مغين، التي اضرت بالولايات المتحدة ومواطنيها، والخوف المتزايد من غزو دولة في الشرق الاوسط، الامر الذي ضمن لناخبيه انه سيمتنع عن ذلك.
الخطاب نفسه استمر ساعة و48 دقيقة، وهكذا فقد تجاوز الرقم القياسي السابق للرئيس الـ 45، دونالد ترامب، الذي في ولايته الاولى القى خطاب لمدة ساعة و39 دقيقة. من ناحية سياسية الخطاب في الكونغرس يتوقع ان يكون الحوار الاكثر توقعا له حتى انتخابات منتصف الولاية، التي هي نوع من الاستفتاء حول حزب الرئيس. الجمهوريون في الواقع يسيطرون على المجلسين، النواب والشيوخ، لكن اغلبيتهم ضئيلة 213 مقابل 214 في مجلس النواب و53 مقابل 47 في مجلس الشيوخ.
مستشارو ترامب والخطاب الذي قاموا ببثه له ركزوا بالاساس على غلاء المعيشة. لقد حاول الخطاب أن يناقش نقطة ضعف الرئيس، لكن الخطاب نفسه وجد صعوبة في التركيز على النص الذي قدم له. بدلا من ذلك تجاوز باستمرار من اجل ان ينتقد عدد كبير من القضايا. في الساعة الاولى كان منضبط نسبيا وركز على الخطاب المكتوب. ولكن النصف الثاني من الخطاب القاه باسلوب حرب. ترامب عاد الى التضليل المفضل لديه، وصمم على انه انقذ الاقتصاد وساعد الامريكيين على كسب الكثير من الاموال، ولذلك فانه يتعين على الجميع ان يشكروه.
بعد ان كرر الخطأ الذي يقول بانه صنع السلام واوقف ثمانية حروب، بما في ذلك حرب اسرائيل في قطاع غزة، شعر ترامب بان هذا ربما هو الوقت المناسب للتركيز على الحرب. في خطابه حاول وصف ايران كتهديد حقيقي للولايات المتحدة في محاولة لتبرير مواجهة في المستقبل، بالضبط مثلما فعل بوش مع العراق. “هم يطورون صواريخ يمكن ان تصل الى الولايات المتحدة”، حذر ترامب واشار الى ان نظام آيات الله “الخبيث” عاد الى طموحاته النووية.
الملاحظة الاخيرة، رغم انها غير جديدة، ربما هي الجزئية الاكثر اهمية في الخطاب. حيث انه قبل سنة، عندما اطلق الهجوم على المنشآت النووية الايرانية اعلن ترامب بأن “المشروع النووي الايراني تم تدميره بالكامل”، ايضا حرص على مهاجمة كل من تجرأ على قول شيء مختلف. ترامب لا يعترف بالخطأ، لكن الاعتراف العلني له بان المشروع النووي لم يختف، يدل على انه استعد لاحتمالية مواجهة مباشرة.
في خطابه في الكونغرس صمم ترامب على انه يفضل حل النزاع مع ايران عن طريق “الدبلوماسية. لكن هناك امر واضح جدا – لن اسمح للدولة التي تقود دعم الارهاب في العالم بالحصول على السلاح النووي”. اذا قام وبحق باعطاء الضوء الاخضر فهذه مسألة اخرى، لكنه قريب من فعل ذلك اكثر من أي وقت مضى.
بالمناسبة، من برزت في غيابها هي غرينلاند. من جهة، ربما ان ترامب منشغل جدا بايران وفنزويلا ولا يرغب في اضاعة الوقت عليها، لكن من جهة اخرى، ربما هو يخشى من اضاعة وقت الآخرين. تفسير منطقي اكثر هو ان الرد الاوروبي القاطع نجح في تخويفه. ترامب كما هو معروف أزعر كلاسيكي. وميله الطبيعي امام دول صغيرة ومنتخبين جمهوريين ومشاركات في مسابقات الجمال، هو ان يسحق ويستغل طالما يمكنه ذلك، ويتوقف بخوف في اللحظة التي يواجه فيها بمعارضة.
السؤال المتكرر الذي يطرح في الولايات المتحدة، بخوف كبير قبل الانتخابات في تشرين الثاني، حظي بتطرق مقلق. ترامب قلق جدا من الانتخابات، لكن في نفس الوقت لا يتصرف أو يتحدث كمن يحاول حرف انتباه الناخبين. في خطابه المح الى انه استخلص الدروس من جهوده لتغيير نتائج الانتخابات في 2020. لقد صمم على ان المهاجرين غير القانونيين يصوتون “في كل مكان”، ودعا الكونغرس للمصادقة على مشروع قانون يفرض قيود وصعوبات على الوصول الى صناديق الاقتراع.
عندما وصل الى قضية الهجرة التي تعتبر منطقة راحة بالنسبة له، الرئيس بالاساس اشتكى من ان الكونغرس يرفض زيادة ميزانية وزارة الدفاع عن الوطن. عضوة الكونغرس من مينسوتا، الهام عمر، استشاطت غضبا من اقواله وقالت: “لقد قتلت امريكيين”، وكانت تقصد اطلاق النار على سكان منيابولس، اليكس بيرتي ورينا غود، اللذان اطلقت عليهما النار في الوقت الذي كانوا فيه يحتجون على اعتقال جيرانهم.
غضب ترامب كان شديد باضعاف عندما توجه للتحدث عن المحكمة العليا التي الغت الجمارك الحمائية العزيز على قلبه، لكنه فاجأ باقواله المنضبطة، وبهذا لم يتطاول على رئيس المحكمة العليا جون روبرت. “نحن هنا نكسب الكثير من الاموال من الجمارك الحمائية. لا يوجد تضخم، يوجد نمو عظيم”، قال ترامب في واحدة من اللحظات الكثيرة للتضليل الاقتصادي للمواطنين الذين يعرفون جيدا كم من الاموال ينفقونها في السوبرماركت.
الاستطلاعات التي اجريت قبل الخطاب فقط ذكرت كل الموجودين في الكابتول الى أي درجة الجمهوريين يتعرضون للخطر. حسب استطلاع اجرته “واشنطن بوست” وشبكة “أي.بي.سي” ومعهد “افسوس” فان 60 في المئة من الامريكيين غير راضين عن اداء الرئيس. هذا ليس حضيض جديد لترامب، بل هو معطى يشبه مكانته في استطلاع “افسوس ميد” بعد اقتحام الكابتول في 6 كانون الثاني 2021.
الاستطلاع اظهر ان الامريكيين غير راضين عن علاجه لكل موضوع سئلوا عنه. 65 في المئة من المستطلعين قالوا انهم غير راضين عن الطريقة التي يواجه فيها ترامب التضخم، 57 في المئة قالوا انه لا يعالج كما هو مطلوب الاقتصاد. هذه بيانات مفاجئة، ازاء حقيقة ان ترامب نجح في الانتخابات قبل سنة وشهرين بفضل الرؤية الخاطئة التي تقول بانه رجل اعمال يفهم بالاقتصاد. قبل الخطاب ببضع ساعات نشر الراديو العام الامريكي “ان.بي.آر” تقرير كشف ان وزارة العدل منعت نشر عدد من وثائق ابستين المتعلقة بالادعاءات التي بحسبها ترامب كما يبدو تحرش جنسيا بفتاة قاصر. حسب التقرير من المخزون الجماهيري ايضا تم حذف وثائق ظهر فيها اسم ترامب في سياق الاتهامات الموجهة لجيفري ابستين.
——————————————
يديعوت احرونوت 26/2/2026
سيناريوهات الحرب للجيش الإسرائيلي ضد ايران
بقلم: يوآف زيتون
قرر رئيس الأركان ايال زمير فرض الصمت امام الجمهور حول التداعيات على أمن الدولة اذا ما هاجمت الولايات المتحدة ايران بالفعل بتحفيز إسرائيلي – الآخذ في التعاظم في الأسابيع الأخيرة. لكن في المداولات المغلقة يعرض بل ويبرز للمستوى السياسي الاحتمالات والمخاطر في مثل هذه المعركة واساسا السيناريوهات الكفيلة بان تتحقق في الوقت الذي يطلع فيه المستوى السياسي الاعلام المرة تلو الأخرى منذ منتصف كانون الثاني عن حرب مع ايران.
حتى لو كان ثمن حملة كهذه هو فزع متزايد للمواطنين، في الجيش يحرصون على الا يتحدثوا في الموضوع بخلفية ضغط المستوى السياسي لعدم اطلاع الجمهور على التداعيات والمخاطر التي في الخطوة. فضلا عن تصريحات عمومية من رئيس الاركان زمير في موضوع ايران في الخطابات في احتفالات مختلفة، في الجيش الإسرائيلي يتركون السيناريوهات المختلفة للمداولات مع المستوى السياسي. بخلاف الخطوة الحالية حملة الأسد الصاعد خطط لها بعناية على مدى اكثر من سنتين، لتفاصيل التفاصيل ومع ضباط الجيش الأمريكي الذين شاركوا في مظلة الدفاع الجوي عن إسرائيل. في العملية أحرقت تكنولوجيات إسرائيلية طورت سرا على مدى عقود وابقيت للاسد الصاعد، وسيستغرق إسرائيل سنوات أخرى لانتاج، واحيانا من العدم أيضا، تكنولوجيات كهذه.
الأسد الصاعد التي بدأت بمبادرة إسرائيلية تضمنت 30 قتيلا إسرائيليا وعشرات مواقع الدمار وانتهت بقصف امريكي للمنشأة النووية التحت أرضية في فوردو، الى جانب نسبة اعتراض عالية للصواريخ ونحو 100 في المئة نجاح في اسقاط اسراب المُسيرات التي اطلقت الى هنا.
اسقاط طائرة او نار من الشمال
كما أن مخزون صواريخ حيتس، مقلاع داوود والقبة الحديدية تآكل وسياقات تجديده تجري على مدار الساعة. لكن فوق كل شيء فان حربا أمريكية – إسرائيلية على ايران في هذا الوقت لم تكن في المخطط. رئيس الأركان زمير رأى وبنى العام 2026 كعام امتثال للجيش بعد الحرب الأطول التي بدأت في 7 أكتوبر، بداية العودة الى الاهلية وانعاش القوات والأدوات الحربية للجيش الإسرائيلي واضافة الى ذلك كتحريك لاربع سنوات خطة متعددة السنين تعزز قوة الجيش. صحيح أنه اخذت ايضا في الحسبان في بداية السنة جولة مفاجئة مع ايران، حملة كبيرة في لبنان ضد حزب الله وجولة ضد حماس التي ترفض تسليم سلاحها. كعنوان، أمر زمير الجيش بالاستعداد أيضا “لحرب مفاجئة من جانب العدو”، لكن بقدر اكبر في سيناريو يشبه 7 أكتوبر. لكن أيا من هذه السيناريوهات لم يتضمن معركة مع قوة عظمى إقليمية كايران، التي استخلصت أيضا الدروس من الأسد الصاعد وتعمل بقوة اكبر على تجديد مخزوناتها من الصواريخ وترميم منظومة الدفاع الجوي لديها، في سباق تعلم تجريه مع إسرائيل.
في هذه الجوانب ينبغي الأخذ بالحسبان ليس فقط سيناريوهات تكتيكية من شأنها هذه المرة أن تكون اكثر واقعية مثل اسقاط طائرة قتالية إسرائيلية في ايران او عدد اكبر من المواقع المدمرة في إسرائيل، بما فيها عشرات القتلى المدنيين. من غير المستبعد ان ننجر أيضا الى سيناريو الاستنزاف: تنقيطات صواريخ ثقيلة من ايران بوتائر متدنية لبضعة صواريخ قليلة في الأسبوع او في الشهر بشكل يشوش بوابة الدخول لإسرائيل من مطار بن غوريون ويؤدي الى إصابات في الجبهة الداخلية الإسرائيلية. حرب استنزاف كهذه يمكنها أن تتواصل لاشهر طويلة أيضا، فيما ان الثمن سيدفعه الاقتصاد الإسرائيلي أساسا.
معقول ان تكون فرضت على المستوى السياسي أيضا إمكانية انضمام حزب الله الى المعركة. جيش الإرهاب الشيعي لم يشارك في حملة الأسد الصاعد، حين كان يلعق جراحه من حملة اسهم الشمال قبل نحو ثمانية اشهر من ذلك. غير أنه منذ ذلك الحين اخذت تمتلىء كأس الاحتواء لدى حزب الله الذي يواصل حاليا ضبط النفس ويتخوف من الرد على هجمات سلاح الجو الكثيرة في لبنان بما في ذلك ضد ثلاث قيادات له في جنوب لبنان في نهاية الأسبوع، هجوم قتل فيه ما لا يقل عن عشرة نشطاء استعدوا لتحريك منصات صواريخ.
يحتمل ان ينضم حزب الله الى الحرب هذه المرة بالفعل، بعد أن ضخت ايران لصندوقه ملايين الدولارات نقدا في تهريبات من ايران في السنة الأخيرة. كما ان الضغط من تحت في جيش الإرهاب يفعل فعله، في الوقت الذي فشل به الجيش اللبناني في تجريد حزب الله من السلاح وبقي الحزب هو التنظيم العسكري الأقوى في بلاد الأرز. لدى حزب الله ترسانة من عشرات الاف الصواريخ الدقيقة، في كل المديات، حوامات ومُسيرات متفجرة وعشرات الاف النشطاء المسلحين الجاهزين للقتال ضد قوات الجيش الإسرائيلي الذين سيناورون في لبنان. مديات النار من لبنان اقرب منها من ايران وعليه فزمن الاعتراض قصير واكثر تحديا. اطلاقات بالتوازي من الساحتين، من الشرق ومن الجنوب، من الإيرانيين ووكلائهم في العراق وفي اليمن ورشقات متداخلة في الوقت نفسه من لبنان هي سيناريو تدرب عليه سلاح الجو غير مرة لكنه لم يشهده عمليا ابدا. حاملة طائرات أمريكية قريبة يفترض أن تساعد في هذا الجانب لكن حتى لذخيرة القوة العظمى رقم واحد في العالم توجد خطوط حمراء مثلما المح رئيس الأركان الأمريكي دان كاين وفقا لمنشورات في وسائل الاعلام الامريكية في الآونة الأخيرة. لا يزال النظام الإيراني ينتعش عسكريا ويوجد في درك اسفل تاريخي منذ الثورة قبل 47 سنة.
حتى لو لم يسقط في نهاية حرب كهذه، فان قدراته العسكرية والاقتصادية ستتضرر ضررا فادحا، بما في ذلك ما تبقى من المشروع النووي. وحسب هذا النهج، فان الشرق الأوسط لن يكون محملا مرة أخرى في السنوات المنظورة بتواجد عسكري امريكي هائل ينصب كله على الدولة الأكبر التي تغذي الإرهاب في العالم. بعد سنة، ثلاث او خمس سنوات الولايات المتحدة لن تمتثل الولايات المتحدة هكذا عسكريا الى جانب إسرائيل، في الهجوم ومعقول الا يكون رئيس منصت بهذا القدر لطلبات إسرائيلية.
——————————————
عن «N12» 26/2/2026
الأهمية الاستثنائية لزيارة مودي
بقلم: أوشريت بيرودكار
يصل رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، الزعيم الأكثر شعبية في العالم، إلى إسرائيل، وتمثل الزيارة لحظة سياسية وأمنية ذات دلالة عميقة، خصوصاً في ظل التحولات الإقليمية منذ أحداث 7 تشرين الأول، فهي ليست مجرد امتداد مباشر لزيارة مودي التاريخية في تموز 2017 – عندما أصبح أول رئيس وزراء هندي يزور إسرائيل – بل أيضاً هي بمثابة إعلان لبروز محور إستراتيجي جديد يسعى لترسيخ الاستقرار وسط الفوضى الإقليمية والعالمية. كما تُعتبر زيارة مودي إلى إسرائيل بمثابة إعلان نيات تؤكد أن الشراكة بين نيودلهي والقدس أصبحت ضرورة أمنية لوجود البلدين.
منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة في أوائل تسعينيات القرن الماضي شهدت العلاقات بين البلدين صعوداً وهبوطاً، ولأعوام طويلة، أُديرت هذه العلاقات بعيداً عن الأضواء، بسبب حساسيات سياسية داخلية في الهند وعلاقاتها مع العالم العربي. وقد شكّل وصول مودي إلى السلطة سنة 2014 نقطة تحوّل، إذ تبنّى سياسة خارجية أكثر جرأة ووضوحاً إزاء إسرائيل.
كما كسرت زيارة سنة 2017 أعرافاً استمرت عقوداً، وأخرجت العلاقات من «الظل» إلى العلن. جاء مودي ليختبر «دولة الشركات الناشئة»، وليستلهم من أجل القيام بالمهمة المعقدة التي أصبحت رسمية سنة 2023: قيادة الدولة ذات التعداد السكاني الأكبر في العالم. هذه هي الهند المتنوعة، والدينية، والعلمانية، وهي نفسها التي تشهد تطوراً سريعاً، وتتعامل بذكاء مع قضايا الأمن القومي في مواجهة قوتين نوويتين. هذه هي الهند نفسها التي تسعى جاهدة لانتشال الملايين من براثن الفقر، ونفسها التي يجب أن تضمن الأمن الغذائي وأمن العمل للأجيال القادمة في القوة العظمى القادمة في آسيا. ومنذ ذلك الحين، توسع التعاون في مجالات الدفاع، والزراعة، والأمن السيبراني، والمياه، والابتكار بصورة ملحوظة.
منذ ذلك الحين، شهدت المنطقة تغيرات جذرية، ويُختبر التقدم المُحرَز في العلاقات بين الدول في الحرب، وهو اختبار اجتازته الهند بنجاح باهر، فقد كان مودي من أوائل القادة الذين أدانوا «فظائع» 7 تشرين الأول، وعندما تأخرت شحنات الأسلحة من أوروبا، تعهدت الهند بتقديم مساعدات أمنية حيوية. ومع ازدياد عزلة إسرائيل، وامتناع السياسيين ورجال الأعمال والسياح عن زيارتها، واصلت الوفود الهندية زياراتها للتعبير عن دعمها، وبدلاً من أن تتجمد العلاقات، فقد تعمّق التعاون.
بات واضحاً للجميع اليوم أن العلاقات مع الهند تُشكّل ركيزة إستراتيجية حيوية لدولة إسرائيل، ويرتكز التحالف الآن على علاقة أكثر نضجاً، وجاهزة للانتقال إلى مستوى جديد.
سيلتقي مودي خلال زيارته رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ويعقد اجتماعاً رسمياً مع الرئيس إسحق هرتسوغ، وبالتأكيد لن يفوته اللقاء التقليدي مع الجالية الهندية في إسرائيل، التي تُشكل جسراً إنسانياً حيوياً بين البلدين، كما سيطّلع على لمحة من الابتكارات الإسرائيلية في معرض تكنولوجي خاص. إلاّ أن أبرز ما في الزيارة، بلا شك، سيكون الخطاب الذي سيلقيه في الجلسة العامة للكنيست، وقد كانت آخر مرة ألقى فيها مسؤول هندي منتخَب خطاباً أمام الكنيست سنة 2015، حين فعل ذلك الرئيس براناب موخرجي. وهذه المرة، ولأول مرة، سيتحدث رئيس الوزراء في البرلمان الإسرائيلي.
لكن في المقابل، فإن الجدل السياسي الداخلي بشأن الحدث يعكس كيف يمكن للزيارات الدبلوماسية الرفيعة المستوى أن تتحول إلى ساحة سجال محلي، وهي ظاهرة ليست حكراً على إسرائيل. هذه اللحظة الحاسمة تحديداً هي التي اختار السياسيون الإسرائيليون تحويلها إلى مشهدٍ مخزٍ من الصراع: فمن جهة، هناك قرار أمير أوحانا استبعاد رئيس المحكمة العليا يتسحاق عاميت من الفعالية، ومن جهة أُخرى، تهديد يائير لابيد بمقاطعة الخطاب رداً على ذلك. ويبدو الآن أن الخطأ قد تم تجنبه، لكن سواء أحضر لابيد أم لم يحضر، فإن خطاب مودي سيكون لحظةً فارقةً في الشراكة بين الدولتين الديمقراطيتين الوحيدتين الفاعلتين في منطقة آسيا والشرق الأوسط المضطربة. إنه خطابٌ ستُفحص فيه كل كلمة بدقة لامتناهية في كل عاصمة عالمية تتابع تصاعد التوتر على هذا المحور الإستراتيجي.
وعلى الصعيد العملي، يُتوقع أن تسفر الزيارة عن توقيع سلسلة من مذكرات التفاهم في مجالات الثقافة والاقتصاد والتكنولوجيا. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو اتفاقية التجارة الحرة؛ فعلى الرغم من التقدم الملحوظ الذي تحقق خلال زيارة وزير الاقتصاد الهندي إلى إسرائيل في تشرين الثاني الماضي، فإنه لا تزال الاتفاقية المنتظرة بعيدة المنال. ويُتوقع أن تُوفر زيارة مودي الزخم السياسي اللازم لإزالة آخر العقبات التنظيمية. ومن الأفضل للنظام السياسي الإسرائيلي أن يُدرك أن علاقاتنا مع الهند، القوة العظمى، تُمثل رصيداً إستراتيجياً يجب أن يبقى فوق كل الخلافات الداخلية.
——————————————
هآرتس 26/2/2026
“تلطيف الشنق”.. حين تشرعن “دولة المنبوذين” قانوناً لإعدام الفلسطينيين
بقلم: أسرة التحرير
بحثت لجنة الأمن القومي هذه الأيام في “تلطيف” مشروع القانون الذي يفرض عقوبة الإعدام (على العرب فقط) وكل هذا بناء على طلب رئيس الوزراء نتنياهو الذي يتوقع أضراراً سياسية يلحق بها هذا التشريع الذي لا مثيل له في العالم الديمقراطي، ومنها أماكن معدودة كالولايات المتحدة التي فيها عقوبة الإعدام.
أساس البحث يكون حول تغيير عنصر “الإلزام” في المخالفة – التي ستحاكم في المحكمة العسكرية في مناطق “يهودا والسامرة” – والتي ستحل على الفلسطينيين فقط. وبدلاً من عقوبة إعدام إلزامية، دون تفكر للمحكمة كما اقترح حتى الآن، ستكون عقوبة الإعدام هي الأساس، يمكن الخروج عنها بتعليلات خاصة في ظروف خاصة.
بالفعل، ثمة فرق بين صفر تفكر وتفكر في حالات نادرة، لكن احتمال استخدامه من قبل المحاكم ليس ذات مغزى. حتى نموذج كهذا – لعقوبة إعدام هي الأساس، وتفكر في حالات نادرة – ليس قائماً في العالم الديمقراطي. كما أنه تبقى في مشروع القانون عنصر التمييز العنصري، الذي هو أيضاً خاص بمشروع القانون هذا في إسرائيل، وبموجبه فإن الفلسطينيين هم فقط من سيقدمون إلى المحاكمة ويخضعون لعقوبة إعدام.
كما أن محاولة “تخفيف حدة” المشروع في القانون الإسرائيلي، كإضافة عقوبة إعدام ليس كعقوبة إلزامية – لن تجدي نفعاً؛ فاللجنة استبدلت حاجة إثبات نية المس بمواطن أو بمقيم إسرائيلي بحاجة لإثبات نية “رفض وجود دولة إسرائيل” وهكذا سيعطى للإرهاب اليهودي إعفاءً، وسيبقى التمييز العنصري.
فضلاً عن ذلك، تبقت المواد الإجرائية التي تؤدي إلى إدانة بالخطأ: يكفي أن تكون أغلبية اثنين من ثلاثة قضاة للقرار بعقوبة الموت، ولا حاجة لقرار بالإجماع، والقول بوجوب تنفيذ الإعدام في غضون 90 يوماً سيسرع تنفيذها. ومثلها ذلك القول المخيف بتنفيذ العقوبة شنقاً.
كل هذه الأسباب تضع القانون كمتطرف للغاية حتى مقارنة بدول تستخدم عقوبة الإعدام. القانون غير دستوري على نحو ظاهر حتى في صيغته الجديدة.
لن يغير أي تعديل حقيقة أن عقوبة الإعدام – وفقاً لبحوث ووفقاً للموقف الثابت لمحافل الأمن على مدى عقود – لا تردع بل تضر، بخاصة في كل ما يتعلق بالمخربين الذين يخاطرون بأرواحهم. يدور الحديث عن عقوبة لا مرد لها، لا يمكن إصلاحها إذا ما وقعت أخطاء في المحاكمة، والإعدام يجلب معه ترخيصاً لقيمة حياة الإنسان.
لا يمكن لأي تلطيف أن ينقذ مشروع القانون، يجب أن يشطب تماماً – أو أنه سيصم سجل القوانين بالعار، ويحقر دولة إسرائيل ويخرجها من أسرة الدول سليمة النظام التي كلها ألغت هذه العقوبة.
—————–انتهت النشرة—————–

