المسار: أثار الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون جدلاً واسعاً حين اقترح، في سياق نقاشات الهوية والشرعية السياسية، إجراء فحوصات الحمض النووي (DNA) لليهود، بوصف ذلك وسيلة – كما يفهم من أطروحته – لحسم السجال حول الأصول العرقية والانتماءات التاريخية. لم يكن الاقتراح معزولاً عن تاريخ طويل من الجدل حول السردية الصهيونية، ولا عن أطروحات قديمة وحديثة تشكك في الامتداد الوراثي المباشر بين يهود أوروبا المعاصرين وبين جماعات بني إسرائيل في الشرق الأدنى القديم. لكن الرد الإسرائيلي الرسمي جاء حاسماً، إذ رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاقتراح بشدة، معتبراً أن “أصواتاً متطرفة من اليمين اليهودي تطالب بفحوصات الحمض النووي. كلا الأمرين خاطئان. كلاهما خطيران. وكلاهما يجب التصدي لهما”، في إشارة إلى أن تحويل الهوية إلى مسألة بيولوجية صِرفة يحمل في طياته خطرا سياسياً وأخلاقياً في آن.
قراءة الموقف الإسرائيلي تكشف أن المسألة تتجاوز مجرد اختبار علمي؛ فهي تمس أحد الأعمدة التي قامت عليها الدولة العبرية، أي الربط بين “الشعب اليهودي” كوحدة تاريخية متصلة، وبين أرض فلسطين باعتبارها “الوطن التاريخي”. إن تحويل هذا الرابط إلى مسألة قابلة للقياس الجيني قد يفتح الباب أمام نتائج لا يمكن التنبؤ بها، أو على الأقل أمام إعادة تفسير النتائج بما يزعزع اليقين السياسي المؤسس. فالسردية الصهيونية التقليدية قامت على فكرة الشتات ثم “العودة”، أي أن يهود العالم هم في جوهرهم أحفاد جماعات اقتُلعت من أرضها في العصور القديمة ثم عادت إليها بعد قرون. لكن اقتراح كارلسون، كما يُفهم من خلفيته الفكرية، يستدعي أطروحات تشكك في هذا الامتداد الوراثي، وتطرح احتمال أن يكون جزء معتبر من يهود أوروبا (خصوصاً الأشكناز) منحدرين من شعوب اعتنقت اليهودية في مراحل تاريخية لاحقة، وليسوا امتداداً عرقياً مباشراً لبني إسرائيل القدماء.
هذه الفكرة ليست وليدة اللحظة. فقد أشار الرحالة والمؤرخ العربي أحمد بن فضلان في رسالته الشهيرة عن رحلته إلى بلاد الصقالبة والروس إلى وجود مملكة للخزر في حوض نهر الفولغا، وأن نخبتها الحاكمة اعتنقت اليهودية في القرن التاسع الميلادي. وفي القرن العشرين، أعاد الكاتب اليهودي الهنغاري آرثر كوسلر إحياء هذه الفرضية في كتابه القبيلة الثالثة عشر، حيث جادل بأن غالبية يهود أوروبا الشرقية قد يكونون من أصول خزَرية تركية، لا سامية شرق أوسطية. وبحسب هذا التصور، فإن شخصيات محورية في الحركة الصهيونية مثل تيودور هرتسل ودافيد بن غوريون ينحدرون من هذا الإرث الخزري الأوروبي، ما يعني أن جذورهم الإثنية و الجغرافية تعود إلى ضفاف الفولغا لا إلى ضفاف الأردن أو الفرات أو النيل.
غير أن هذه الفرضية، رغم انتشارها في بعض الأوساط، ظلت موضع جدل علمي حاد. فعديد من الدراسات الجينية التي أُجريت منذ تسعينيات القرن الماضي أشارت إلى وجود مكونات شرق أوسطية واضحة في التركيب الوراثي لليهود الأشكناز والسفارديم على حد سواء، مع تداخلات أوروبية لاحقة. وقد بينت أبحاث في علم الوراثة السكانية أن هناك تشابهاً ملحوظاً بين بعض المجموعات اليهودية وبين شعوب المشرق، بما فيها جماعات عربية. في المقابل، يرى منتقدو هذه الدراسات أن نتائجها لا تنفي وجود اعتناقات واسعة لليهودية عبر التاريخ، وأن الهوية الدينية والثقافية لا تختزل في جين محدد أو “نقاء عرقي” متخيَّل.
من هنا يمكن فهم حساسية نتنياهو تجاه اقتراح كارلسون. فقبول مبدأ إخضاع الهوية القومية لفحص بيولوجي قد يفتح باباً خطيراً، ليس فقط لأنه يعيد إنتاج منطق عنصري قائم على “نقاء الدم”، بل لأنه يضع شرعية الدولة في مختبر علمي قد لا يمنح إجابات قاطعة. إن إسرائيل، في خطابها الرسمي، لا تقوم على أساس عرقي خالص، بل على تعريف ديني- قومي للشعب اليهودي، وهو تعريف يشمل المتحولين إلى اليهودية وأبناء الشتات بمختلف أصولهم. لذلك فإن تحويل المسألة إلى اختبار DNA قد يتناقض مع قانون العودة نفسه، الذي يمنح حق الهجرة والجنسية لكل من يُعرف يهودياً وفق معايير دينية أو عائلية، لا جينية.
في المقابل، يرى أنصار طرح كارلسون أن الهدف ليس تكريس عنصرية بيولوجية، بل مساءلة سردية سياسية. فلو ثبت (نظرياً ) أن نسبة كبيرة من يهود أوروبا لا تربطهم صلة وراثية مباشرة بسكان الشرق الأدنى القديم، فإن ذلك قد يضعف الادعاء بأن إقامة دولة في فلسطين تمثل “عودة شعب إلى أرضه”. وتذهب بعض القراءات إلى أن إسرائيل تخشى أن يُستخدم العلم كسلاح لنزع الشرعية عنها، خصوصاً في ظل تنامي الخطاب الذي يربط بين الاستعمار الاستيطاني والهوية الأوروبية للحركة الصهيونية المبكرة.
غير أن النقاش لا يكتمل دون الإشارة إلى الدراسات الجينية المتعلقة بالفلسطينيين العرب. فقد أظهرت أبحاث متعددة في علم الوراثة السكانية أن غالبية الفلسطينيين المعاصرين يحملون بصمات جينية تعود إلى سكان المنطقة منذ آلاف السنين، مع تداخلات طبيعية نتيجة تعاقب الإمبراطوريات والهجرات عبر العصور. وتشير بعض الدراسات إلى تقارب وراثي بين الفلسطينيين وجماعات كنعانية قديمة، إضافة إلى وجود مزيج من عناصر عربية جاءت مع الفتح الإسلامي، وعناصر متوسطية وشرق أوسطية أخرى. هذه النتائج تُستخدم أحياناً في الخطاب السياسي الفلسطيني للتأكيد على الامتداد التاريخي العميق للسكان العرب في فلسطين، في مقابل تصوير المشروع الصهيوني بوصفه وافدا أوروبيا حديثاً
إن رفض نتنياهو لفكرة فحص الحمض النووي يعكس إدراكا بأن شرعية الدول لا تُبنى في مختبرات الجينات، بل في موازين السياسة والقانون الدولي. لكنه يعكس أيضا خشية من أن يُستغل العلم لإعادة كتابة سردية قومية تأسست على فكرة شعب واحد ذي أصل واحد. أما اقتراح كارلسون، سواء انطلق من دوافع سياسية أو من رغبة في إثارة الجدل، فقد أعاد فتح ملف قديم يتقاطع فيه التاريخ بالدين بالسياسة بالعلم، ويكشف هشاشة الحدود بين الهوية البيولوجية والهوية المتخيلة.
ربما تكمن الإشكالية الأعمق في السؤال ذاته: هل يمكن للحمض النووي أن يمنح أو يسلب شرعية سياسية؟ التجربة التاريخية تشير إلى أن الدول الحديثة تقوم على مفاهيم المواطنة والاعتراف الدولي، لا على نقاء السلالات. ومع ذلك، يظل الجدل حول الأصول جزءاً من معركة السرديات في الشرق الأوسط، حيث تتداخل الأسطورة بالتاريخ، والعلم بالإيديولوجيا. اقتراح فحص DNA لليهود لن يكون مجرد إجراء تقني؛ بل هو زلزال رمزي يمس تعريف الذات والآخر، ويختبر إلى أي حد يمكن للهوية أن تصمد حين تُوضع تحت مجهر العلم. ومن هنا نفهم لماذا اعتبره نتنياهو خطيرا، ولماذا يراه آخرون مدخلا لإعادة مساءلة الأسس التي قامت عليها إسرائيل، بين الفولغا والأردن، وبين النص الديني والتحليل الجيني، وبين الذاكرة الجماعية وحقائق المختبر.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار الإخباري

