بلال ضاهر ( عن غرب 48)
المسار: الوزراء الإسرائيليون الحاليون، وليس بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير ومندوبي حزبيهما فقط، وإنما وزراء حزب الليكود الحاكم أيضًا، هم أشخاص عدوانيون بلا رسن أو كوابح، تمامًا مثل رئيس حكومتهم بنيامين نتنياهو، مثلما يتضح من تصريحاتهم الحربجية. جميعهم يريدون استمرار الحروب في غزة ولبنان وإيران، ويعتبرون أنهم بخطابهم العدواني يكسبون شعبية واسعة، لأن وسائل الإعلام وصحافييها، بغالبيتهم، يجترّون أقوالهم ويروجون لها.
في إسرائيل لا توجد معارضة حقيقية لسياسة الحكومة. فأحزاب المعارضة هي أحزاب يمينية. نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان وأعضاء حزبيهما يمينيون بامتياز. ويعتبر غادي آيزنكوت ويائير لبيد وبيني غانتس أنهم وسطيون، لكنهم يميلون إلى اليمين أكثر من الوسطية، والدليل على ذلك التراجع الكبير لحزبي لبيد وغانتس في الاستطلاعات، لدرجة أن غانتس لن يتجاوز نسبة الحسم في الانتخابات، لصالح حزبي بينيت وآيزنكوت.
هذه المعارضة ليست ضد الحكومة وسياستها، وإنما ضد نتنياهو شخصيًا، وذلك لأن نتنياهو هو الزعيم الذي تولى منصب رئيس الحكومة أطول مدة في تاريخ إسرائيل، وبلغت 18 عامًا حتى الآن، إلى جانب توجيه لائحة اتهام ضده بارتكاب مخالفات فساد سلطوي كرئيس للحكومة خلال العقد الماضي، فيما كان يتولى لبيد وليبرمان وبينيت مناصب وزارية في حكوماته.
هذه المعارضة، وبضمنها حزب “الديمقراطيين” برئاسة “اليساري” يائير غولان، أيدت جميع الحروب ولم تعترض ولو على عملية عسكرية واحدة. أيدت دون تحفظ حرب الإبادة الحالية والحروب السابقة في غزة، والحرب على لبنان، والحرب ضد إيران، والسياسة العدوانية في الضفة الغربية، وبضمنها الاستيطان، في ما يوصف بـ”الإجماع الصهيوني” الذي يشمل رفض حل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني وقيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، وحتى أن هذا الإجماع يرفض ما يسمى “عملية سياسية” مع الفلسطينيين.
نتنياهو ووزراؤه لا يتحدثون كثيرًا عن حرب ضد إيران، خاصة وأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يهدد إيران بضربة عسكرية، لم ينفذ تهديده حتى الآن، وليس واضحًا إذا كان سينفذه أم لا في ظل المفاوضات التي يجريها مع إيران ومطالب دول عربية حليفة له بعدم مهاجمة إيران، ولذلك يُعتبر أن نشوب حرب كهذه ليس واضحًا حتى الآن.
رغم ذلك، تنشر الصحافة الإسرائيلية كل ساعة في اليوم أخبارًا تحرض على الحرب لصناعة رأي عام مؤيد لها. وغالبًا ما تضع الصحافة الإسرائيلية قمع النظام الإيراني للاحتجاجات ضده ومقتل آلاف المتظاهرين الإيرانيين ذريعة للحرب، علمًا أن إسرائيل لا تتعاطف أبدًا مع مقتل مدنيين، وتتجاهل مقتل عشرات آلاف المدنيين الغزيين في حرب الإبادة بنيران جيشها، كما تجاهلت مقتل مئات آلاف السوريين خلال الحرب الأهلية، لأن الموقف الإسرائيلي الرسمي كان ضد سقوط نظام الأسد، بادعاء
لكن نتنياهو قال في الكنيست، الإثنين الماضي، إن إسرائيل “مستعدة لأي سيناريو”، واعتبر أن إسرائيل الآن أقوى من أي وقت في الماضي، وكذلك بالنسبة للتحالف مع الولايات المتحدة، وهدد إيران بأنها إذا بادرت إلى مهاجمة إسرائيل، فإن إسرائيل سترد بقوة لا يمكن للنظام أن يتخيلها، وذلك بالرغم من أن الجيش والاستخبارات الإسرائيلية يقدّران أن إيران لن تبادر إلى مهاجمة إسرائيل من دون هجوم أميركي ضدها.
بدوره، قال لبيد خلال جلسة الكنيست نفسها إن “ثمة احتمالًا ليس سيئًا أننا عشية حرب في إيران. وإذا جرت، ويجب أن تجري، سنضع جميعنا كل شيء جانبًا. أنا ونتنياهو خصمان، لكن في هذا الأمر هو على حق. يجب مهاجمة إيران بكل القوة”. وتابع مخاطبًا نتنياهو أنه “أقول لك مرة أخرى إن على إسرائيل ألا ترتدع، حتى بثمن مواجهة حذرة مع الأميركيين. يجب قصف حقول النفط ومصانع الطاقة. هذا ما سيسقط آيات الله”.
يشار إلى أن نتنياهو أمضى معظم حياته السياسية بالحديث عن ضرورة منع حيازة إيران لسلاح نووي وضرب منشآتها النووية، لكن بعد ضرب هذه المنشآت في الحرب السابقة، في حزيران/يونيو الماضي، وإعلان ترامب بعد قصف منشأة فوردو أنه تم تدمير البرنامج النووي، انتقل نتنياهو إلى الحديث عن ضرورة تدمير مشروع الصواريخ البالستية الإيرانية.
وقال وزير “الشتات” الإسرائيلي، عميحاي شيكلي، للإذاعة العامة الإسرائيلية “كان”، أمس الخميس، إن الولايات المتحدة ستشن حربًا ضد إيران وأن إسرائيل ستشارك فيها وأن هدف الحرب هو إسقاط النظام الإيراني، لكنه لم يوضح كيف سيتم ذلك.
إسكات الجيش الإسرائيلي
في ظل هذا الوضع، تبين من استطلاع نشره “معهد أبحاث الأمن القومي” في جامعة تل أبيب، أول من أمس، أن نصف اليهود في إسرائيل، بنسبة 50.5%، يؤيدون أن تشن إسرائيل وحدها حربًا ضد إيران في حال قررت الولايات المتحدة أنها لن تشن حربًا إذا توصلت في المفاوضات مع إيران إلى اتفاق نووي. لكن إسرائيل تعتبر أن اتفاقًا كهذا هو اتفاق سيئ لأنه لا يشمل توقف إنتاج إيران لصواريخ بالستية ووقف دعمها لمنظمات في المنطقة، مثل حزب الله والحوثيين.
نسبة تأييد الإسرائيليين المرتفعة وغير الطبيعية لحرب ضد إيران يمكن تفسيرها بأنها تأتي بسبب موقف الحكومة ووسائل الإعلام وتحريضهما عليها، وفي الوقت نفسه غياب الحديث عن الأضرار التي ستلحق بإسرائيل من جراء حرب كهذه.
من الناحية القانونية، الجيش الإسرائيلي ليس مؤسسة مستقلة، وإنما يخضع للحكومة، لكنه لديه أسلوب خاص ليعبر عن مواقفه وتقييماته أو ينشرها، خاصة في حال تعارضت مع موقف الحكومة أو سياستها. هذا الأسلوب يتمثل باستخدام مراسلين أو محللين عسكريين لتسريب موقفه. وفي القضايا الهامة، لا يكتب هؤلاء الصحافيون تقريرًا من دون إحاطة من الجيش.
وفي سياق الحرب ضد إيران، نشرت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، أمس، تقريرًا لمراسلها العسكري، يوآف زيتون، جاء فيه إن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، “حكم على نفسه بالصمت أمام الجمهور بشأن العواقب على أمن إسرائيل، إذا هاجمت الولايات المتحدة إيران بتشجيع إسرائيلي آخذ بالتزايد في الأسابيع الأخيرة”.
وأضاف التقرير أن زامير “يقدم للمستوى السياسي، وحتى أنه يسلط الضوء في المداولات المغلقة، على الاحتمالات والمخاطر في حرب كهذه، وخاصة السيناريوهات التي قد تتحقق، في الوقت الذي يوجه فيه وسائل الإعلام مرارًا وتكرارًا، منذ منتصف كانون الثاني/يناير، بشأن الحرب مع إيران”.
لكن الحكومة تمنع الجيش من التحدث إلى الجمهور. وأشار التقرير إلى أنه “حتى لو كان ثمن حملة كهذه (للمستوى السياسي) هو هلع متزايد لدى المواطنين، فإن الجيش يحرص على عدم تقديم إحاطة في الموضوع، على خلفية ضغط المستوى السياسي بعدم إخراج العواقب والمخاطر للحرب إلى الجمهور”.
وفيما قُتل 30 إسرائيليًا في الحرب السابقة ضد إيران، يحذر الجيش الإسرائيلي، وفقًا للتقرير، من أنه يجب الأخذ بالحسبان في الحرب المقبلة أن “أحداثًا مثل إسقاط طائرة حربية إسرائيلية في إيران أو عددًا أكبر من المواقع المدمرة في إسرائيل، وبضمنها مقتل عشرات المواطنين الإسرائيليين، ستكون واقعية أكثر” من الحرب السابقة، وأنه “ليس مستبعدًا أن ننجر إلى سيناريو (حرب) استنزاف يمكن أن تستمر لأشهر طويلة ويدفع ثمنها الاقتصاد الإسرائيلي، وتُطلق خلالها صواريخ ثقيلة من إيران، بوتائر منخفضة مثل صواريخ معدودة خلال أسبوع أو شهر، بشكل يعرقل عمل مطار بن غوريون ويؤدي إلى استهداف الجبهة الداخلية الإسرائيلية”.
وحذر زامير نتنياهو من إمكانية مشاركة حزب الله في حرب كهذه، رغم أنه لم يشارك في الحرب السابقة، “بعد أن ضخت إيران إلى خزينته ملايين الدولارات نقدًا بعمليات تهريب من طهران في السنة الأخيرة. وبحوزة حزب الله ترسانة مكونة من عشرات آلاف الصواريخ الدقيقة والقذائف الصاروخية لأي مدى، وطائرات مسيرة صغيرة مفخخة وطائرات من دون طيار متفجرة، وعشرات آلاف المقاتلين المسلحين الجاهزين لمحاربة قوات الجيش الإسرائيلي التي ستتوغل في لبنان”، حسب التقرير.
ولا يستبعد الجيش الإسرائيلي تعرض إسرائيل لرشقات صاروخية متزامنة من لبنان واليمن والعراق، لم تشهد إسرائيل مثلها في الماضي. لكن الجيش الإسرائيلي حذر من أن للجيش الأميركي “خطوطًا حمراء” في كمية ذخيرته لاعتراض الصواريخ التي قد تُطلق على إسرائيل.
لكن التحذير الأهم من جانب الجيش الإسرائيلي، حسب التقرير، هو أنه في حال لم يسقط النظام الإيراني في نهاية حرب كهذه، وتراجعت قدراته العسكرية والاقتصادية، فإن “الشرق الأوسط لن يكون في المستقبل المنظور مليئًا بقوات أميركية مرة أخرى وموجهة ضد إيران. وبعد سنة أو ثلاث أو خمس سنوات لن تقف الولايات المتحدة بهذا الشكل إلى جانب إسرائيل في الهجوم، والأرجح ألا يكون فيها رئيس منصت إلى هذه الدرجة لطلبات إسرائيلية”، أي أن إسرائيل قد تبقى وحدها في مواجهة إيران وأذرعها.

