لفتت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، اليوم الثلاثاء، إلى أنه حتّى اللحظة، لا أحد يعرف حقاً متى ستنتهي الحرب على إيران، والتي دخلت يومها الحادي عشر، فيما التقديرات في إسرائيل تشير إلى أن النهاية قد تُرسم بعد أسابيع، على ما صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه، دون استبعاد انتهاء الحرب في أيّ لحظة كما حدث خلال الحرب التي شنتها تل أبيب على طهران في يونيو/ حزيران الماضي.
ونقلت الصحيفة عن مصدر أمني إسرائيلي قوله إنه “في الحروب تجري العادة أن تكون هناك أهداف، ويُحدد موعد النهاية إما وفق تحقيقها، أو بناءً للشروط التي تُحدد في المفاوضات مع العدو لوقف إطلاق النار”، وأضاف المصدر نفسه أنه “بسبب عدم تحديد أهداف واضحة، وبسبب طبيعة ترامب أيضاً، فنحن لا نعرف حقاً، ونظراؤنا الأميركيون لا يخبروننا”، وتابع: “ليس السبب في ذلك أنهم يخفون الأمر”، بل لأنهم “ينفذون الأوامر فحسب، دون أن يعرفوا ما الذي سيحمله الغد”.
ووصف المصدر الأمني المطلع على التنسيق مع الولايات المتحدة، حالة التقدم في الحرب بأنها “في تباطؤ”، مشيراً إلى أن هذه حرب “دون أهداف واضحة، يشارك فيها جيشان يملكان مئات الطائرات ومئات آلاف الجنود والجنرالات والصواريخ… لكن شخصاً واحداً فقط سيقرر للجميع إن كان ينبغي التوقف ومتى، وإعلان النصر وتحت أيّ شروط”، وعملياً، بعد هذا كله، فإن الضربة الأولى مهما كانت ناجحة “تتحول إلى حالة من التباطؤ”، وفق قوله. وأقر المصدر بأنه “ليس كل ما يفعله الجيش الإسرائيلي في إيران نجاح باهر. هناك أيضاً صعوبات وإخفاقات، وضربات تفشل، وتحديات تعقّد قدرتنا على الدفاع، وغضب أميركي بسبب استهداف مخازن النفط، وغير ذلك”.
التقديرات المنقوصة قبل العملية
طبقاً للصحيفة، يظهر أن العزيمة الإيرانية قُدّرت قبل الحرب لدى بعض المشاركين في التخطيط والتنفيذ، بأقل من حقيقتها. فخلافاً لتصريحات مسؤولين إسرائيليين وأميركيين، لا توجد احتجاجات في شوارع طهران. ثانياً، رغم التوقع بمشاركة حزب الله، فوجئ بعض المعنيين بالموضوع بحجم وطبيعة مشاركته. أمّا الأمر الثالث، فهو أنه رغم التقديرات بأن الإيرانيين سيطلقون الصواريخ على قواعد أميركية في الخليج، فإن قلة فقط توقعت أنهم سيطلقونها مباشرة نحو تجمعات سكنية مدنية في أكثر من عشر دول. ورابعاً، يحضر أداء النظام، الذي نجح في نقل القيادة من علي خامنئي إلى نجله بطريقة منظمة نسبياً.
وفي هذا الصدد، احتج المصدر الأمني قائلاً إنه “سواء عندنا أو عندهم، لا أحد يتوقف ليسأل: ما الهدف؟ وإلى أين تتجه الأمور؟ إسرائيل لا تريد التوقف لأن الهدف الوحيد لديها في الحرب هو إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بأهداف عسكرية وبالنظام في إيران، ويمكن مواصلة ذلك لأسابيع طويلة أخرى. لكن ما الثمن؟ وماذا سيتحقق؟ ومن بالضبط يعمل على إنهاء هذا الأمر؟ إلى متى يمكن أن يستمر؟ الاقتصاد هنا يدفع أثماناً هائلة بالفعل”.
في غضون ذلك، أشارت الصحيفة إلى أن كلام المصدر الأمني يأتي بموازاة ما حدث أمس الاثنين في محطة الأقمار الصناعية في وادي إيلا بالقرب من بيت شيمش غربي القدس المحتلة، وهي منشأة حساسة استهدفها حزب الله، وحاولت الرقابة الإسرائيلية فرض حظر نشر وتعتيم على الموضوع، بينما سُرّبت مقاطع مصوّرة من الموقع المستهدف، فضلاً عن اعتراف الصحيفة صباح اليوم بذلك، إذ قالت إن “موقع هوائيات الاتصالات في وادي إيلا تعرض لأضرار جسيمة”، والذي أضيف أيضاً لما كشفته قناة “آي 24” الإسرائيلية عن أن حزب الله استخدم أمس صواريخ أرض-أرض دقيقة. ولفتت الصحيفة إلى أنه بعد أن كانت إسرائيل واثقة من أن الولايات المتحدة تمنحها حرية كاملة لفعل ما تريد في لبنان ولأي مدة تشاء، اتضح أن “الأميركيين ليسوا راضين حقاً عما يحدث هناك، ويمارسون ضغوطاً لإغلاق تلك الجبهة، كما أنهم لم يكونوا راضين عن قصف مخازن الوقود (في طهران) قبل يومين”.
مخاطر استخراج اليورانيوم المخصب
إلى ذلك، اعتبرت الصحيفة أن ثمة جانباً آخر كذب فيه ترامب ونتنياهو على الجمهور خلال الحرب التي شُنّت على إيران في يونيو/ حزيران الماضي، وهو قضية الـ440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، أي ما يجعل إيران على بُعد خطوة واحدة فقط من مستوى التخصيب العسكري، وهي كمية تكفي لصنع 10 قنابل نووية، ويُرجح أنها مدفونة داخل مخبأ في المنشأة النووية في أصفهان، والذي انهارت مداخله وفتحات التهوية فيه بعدما تعرضت لوابل من القذائف في هجوم أميركي في العملية السابقة.
وطبقاً للصحيفة، فإن المواد الموجودة داخل الحاويات لا يمكن تدميرها من الجو، بل تحتاج إلى معالجة كيميائية دقيقة وطويلة، فيما القصف جواً لا يمكنه سوى أن يسمح للإيرانيين بأن يدّعوا بأن المادة قد فقدت أو أن الطريق سُدت إليها إلى الأبد. ولفتت إلى أنه في الأشهر الأخيرة، رصدت أقمار التجسس الأميركية علامات واضحة على أعمال حفر إيرانية كبيرة في الموقع. وفي الأثناء، خلصت وكالات الاستخبارات الأميركية إلى أن إيران قد تتمكن من استخراج المخزون الرئيسي من اليورانيوم المخصب لديها.
وتقاطع ما تقدم، مع ما نقلته صحيفة “نيويورك تايمز” عن مصادر مطلعة على المعلومات التي تتعلق بهذه المسألة، قالت إن “إيران يمكنها الآن الوصول إلى اليورانيوم عبر نقطة وصول ضيقة جداً”، مشيرة إلى أنه ليس واضحاً مدى سرعة إيران في نقل اليورانيوم، أو ما إذا كانت ستنجح في الإفلات من المراقبة التي فرضتها الولايات المتحدة وإسرائيل على الموقع. وقال مسؤولون أميركيون إن وكالات التجسس الأميركية تراقب الموقع في أصفهان على نحوٍ متواصل، وأنها قادرة على اكتشاف أي محاولة من الحكومة الإيرانية لنقل هذه المادة والرد عليها، خصوصاً أن مخزون اليورانيوم هذا يُشكل جزءاً مهماً إذا قررت إيران التقدم نحو إنتاج سلاح نووي.
وذكر موقع “سيمفور” الأميركي، فضلاً عن قنوات إسرائيلية مثل القناة 12، وكذلك موقع أكسيوس الأميركي، أن الولايات وإسرائيل تدرسان تنفيذ عملية كوماندوز لاستخراج المواد المخصبة ونقلها إلى مكان آمن. وبحسب “يديعوت أحرونوت”، فإن خطوة كهذه، إذا نُفذت بنجاح، ستشكل ضربة قوية لقدرة إيران على التصنيع النووي، مشيرة إلى أن الكلمة المفتاحية هنا هي “إذا”، فبحسب “سيمفور”، الولايات المتحدة درست تنفيذ عملية كهذه بالفعل في يونيو الماضي، لكن قائد القيادة المركزية الأميركية حينها رفضها لأنها عملية تنطوي على مخاطر، مع احتمالات نجاح ضئيلة.
وما سبق لا يغير بحسب “يديعوت أحرونوت”، من حقيقة خداع الجمهور، فخطر اليورانيوم المخصب كان قائماً قبل حرب يونيو، وظل كذلك بالقدر نفسه بعدها، وهو ما يخالف ما أدلى به ترامب ونتنياهو من تصريحات حول “تدمير المنشآت النووية بالكامل”، و”إزالة الخطر النووي لأجيال قادمة”، وهو ما شكك فيه رئيس “الموساد” حينها، بحسب الصحيفة، إذ قال إن الخطر النووي أُحبط بشكل كبير، ولكن ليس بالكامل.
الأسطول الإيراني مثالاً على نهج الولايات المتحدة
على الرغم من أن مسؤولين كباراً في الإدارة الأميركية أمضوا الأسبوع في محاولة تحديد أهداف الحرب بشكل ضيق حول منع أي احتمال لحصول إيران على سلاح نووي، فإن الرئيس ترامب تنقّل بين تأويلات مختلفة تماماً بشأن ما يطمح في تحقيقه. ففي بيانه الأول بعد اندلاع الحرب، دعا ترامب إلى انتفاضة جماهيرية في إيران ضد النظام. وفي الأيام التي تلت ذلك، ومع عدم حدوث أي تحرّك في الشوارع وغياب أي مؤشرات على أن الإيرانيين يعملون فعلاً على إسقاط حكومتهم، قال ترامب أموراً أوحت، بحسب الصحيفة، بأنه لا يهتم كثيراً بمستقبل إيران بعد انتهاء الحملة العسكرية، طالما أنها ستستسلم.
في المقابل، كان لمتحدثة البيت الأبيض، أهداف أكثر تحديداً، لكنها مختلفة إلى حد كبير، إذ قالت “لقد حدّد الرئيس ترامب والإدارة بوضوح أهدافهم بشأن عملية الغضب الملحمي، وهي تدمير الصواريخ الباليستية الإيرانية وقدرات إنتاجها، وتدمير أسطولهم البحري، وإنهاء قدرتهم على تسليح الوكلاء، ومنعهم من الحصول على سلاح نووي إلى الأبد”. وفي هذا الصدد، اعتبرت الصحيفة أن الجبهة البحرية هي “الأكثر إثارة للسخرية”، مشيرة إلى أنه “في تقسيم الأدوار بين إسرائيل والولايات المتحدة في التخطيط، تقرر لأسباب عملياتية مختلفة أن يكون التعامل الكامل مع الأسطول الإيراني بيد الأميركيين”. وطبقاً لما نقتله عن مصدر رفيع مطلع على التفاصيل، فقد “دمّرت القوات الأميركية تقريباً كامل الأسطول الإيراني. لا شك أن هذا نجاح كبير، لكن إضافة الجبهة البحرية كمكوّن مهم في أهداف الحرب حدثت فقط بعد هذا النجاح. ولم يتحدث أحد، لا في إسرائيل ولا في الولايات المتحدة، يوماً عن الأسطول باعتباره خطراً علينا أو على الأميركيين”.
وتساءل المصدر: “كيف أصبحت البحرية الإيرانية في الواجهة؟ لأن الأميركيين حققوا إنجازاً واضحاً يمكنهم التفاخر به، وترامب بارع في كيفية الترويج للأمور. لذلك، فجأة يتحول إنجاز عملياتي مهم لكنه ثانوي في الصورة العامة، إلى واحد من الأهداف الأربعة للحرب، ومساوٍ في أهميته للمشروع النووي”، وهو ما يُظهر وفق قوله، “إلى أي مدى أهداف الحرب غير واضحة وتتغير كل يوم، وأحياناً كل ساعة”. إلى ذلك، خلصت الصحيفة إلى أنه كان لنتنياهو دور مهم في قرار ترامب ببدء الحرب، لكن دور إسرائيل في قرار إنهائها تقريباً معدوم، وهو ما يعكس بحسبها، تحوّل تل أبيب إلى طرف تابع لواشنطن. فمع غياب أهداف حاسمة مثل إبعاد اليورانيوم المخصب أو إسقاط النظام، “قد تتحول هذه التبعية إلى عبء على إسرائيل”.

