محمد مصطفى شاهين يكتب /العدوان على إيران: انهيار اقتصادي واجتماعي يضرب أمريكا و”إسرائيل”

المسار :في عصر الهيمنة الأمريكية حيث تدار السياسة الخارجية من خلال آليات الدعاية الإعلامية والرأسمالية العسكرية، تبرز الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كمثال صارخ على العدوان الإمبريالي غير المبرر. هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير 2026 بضربات جوية مشتركة أدت إلى مقتل القائد الأعلى آية الله علي خامنئي وعدد من القادة العسكريين، ليس سوى امتداد لسياسة التغيير النظامي التي تروج لها واشنطن وتل أبيب مستخدمة ذريعة منع إيران من الحصول على سلاح نووي كغطاء للهيمنة الجيوسياسية.

 

ومع ذلك، كما يؤكد المنظرون النقديون، فإن هذا العدوان ليس ضرورة دفاعية بل اختيار استراتيجي يعكس مصالح الرأسمالية العالمية، حيث تُستخدم الحروب لتعزيز السيطرة على موارد الطاقة وإعادة تشكيل الخرائط الجيوسياسية. ومن منظور الرواية الإيرانية التي ترفض الاستسلام وتركز على استراتيجية الدفاع اللامركزي للصمود أمام الصدمات، يُنظر إلى هذه الحرب كعدوان استعماري يهدف إلى البلقنة الإيرانية وفصل المناطق الغنية بالنفط، مما يعزز الوعي الوطني ضد الإمبريالية الأمريكية.

 

في هذا المقال سنحلل التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية لهذا العدوان على الولايات المتحدة و”إسرائيل”، مستخدمين مصطلحات مثل الركود التضخمي والصدمة الجيواقتصادية لنكشف كيف يعود هذا النزاع بالضرر على الجانبين المعتديين.

 

أولاً: التأثير الاقتصادي على الولايات المتحدة

من الركود التضخمي إلى أزمة الديون

في ظل نظام رأسمالي يعتمد على الهيمنة الدولارية، يُعد العدوان على إيران صدمة جيواقتصادية تكشف عن هشاشة الاقتصاد الأمريكي. فقد أدى النزاع إلى ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، مما يعزز التضخم ويقلل من النمو الاقتصادي.

هذا الارتفاع في أسعار الطاقة الناتج عن إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر من خلاله 20% من إمدادات النفط العالمية، يؤدي إلى الركود التضخمي؛ حيث يرتفع التضخم بنسبة تصل إلى 0.5% إضافية لكل 10 دولارات زيادة في سعر النفط، بينما ينخفض النمو العالمي بنسبة 0.1% إلى 0.2%.

في الولايات المتحدة ارتفع سعر الغالون من البنزين إلى 3.50 دولار، مما يزيد من تكاليف المعيشة ويقلل الثقة الاستهلاكية التي انخفضت إلى أدنى مستوياتها منذ الجائحة. كما أن تكلفة الحرب اليومية تصل إلى 1 إلى 2 مليار دولار، مما يفاقم عجز الموازنة ويحد من المرونة السياسية للاحتياطي الفيدرالي، الذي قد يضطر إلى رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، مما يزيد من تكاليف الرهون العقارية والقروض.

هذه الديناميكية تعكس كيف تحول الإمبريالية الأمريكية الحروب إلى أداة لتعزيز مصالح الشركات العسكرية، لكنها في النهاية تؤدي إلى تآكل الاقتصاد الداخلي كما حدث في حروب سابقة مثل فيتنام والعراق.

 

ثانياً: التأثير الاقتصادي على “إسرائيل”

انهيار الاستثمار والسياحة في ظل الاضطرابات الجيوسياسية

 

أما “إسرائيل”، التي يعتمد اقتصادها على الابتكار التكنولوجي والدعم الأمريكي، فتواجه صدمة اقتصادية حادة تعكس هشاشة الاقتصاد الاستعماري الذي يعتمد على السيطرة الإقليمية.

خلال الأسبوع الأول من الحرب انكمش الاقتصاد الإسرائيلي بنسبة تصل إلى 1% مع تعطيل الاستثمار والسياحة بسبب التهديدات الصاروخية الإيرانية. كما أدى إغلاق المطارات وإعادة توجيه الشحن البحري لتجنب مضيق هرمز والبحر الأحمر إلى ارتفاع تكاليف الشحن، مما يفاقم التضخم ويقلل من القدرة التصديرية.

في سياق الرأسمالية العسكرية، حيث يشكل الإنفاق الدفاعي جزءاً كبيراً من الموازنة، قد يؤدي استمرار النزاع إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة أكبر، مع تأثير سلبي على قطاعات مثل الطيران والسياحة التي توقفت تقريباً.

وترى الرواية الإيرانية هذا النزاع كمحاولة لإعادة رسم الخرائط، مما يعزز من صمود طهران ويجعل الاقتصاد الإسرائيلي عرضة لضغوط طويلة الأمد كما حدث في النزاعات السابقة مع حزب الله.

ثالثاً: التأثير الاجتماعي على المجتمع الأمريكي

من القلق الاقتصادي إلى الانقسام السياسي

على الصعيد الاجتماعي يعكس العدوان على إيران كيف تُستخدم الدعاية الإعلامية لتبرير الحروب، لكنها تفشل في إخفاء التكاليف البشرية والنفسية على الشعب الأمريكي.

فمع ارتفاع أسعار الوقود والغذاء انخفضت الثقة الاستهلاكية إلى مستويات قياسية، مما يعزز الشعور بالركود الاقتصادي ويزيد الضغط على الأسر ذات الدخل المنخفض.

كما أن هذا النزاع الذي أودى بحياة جنود أمريكيين في قواعد الخليج يثير انقساماً سياسياً داخلياً، حيث يرفض الجمهوريون والديمقراطيون على حد سواء التكاليف الباهظة، مما يعزز ما يسمى بـ”الإرهاق الحربي” كما حدث في حروب سابقة.

الرواية الإيرانية التي تركز على الصمود أمام العدوان تكشف، بحسب هذا الطرح، زيف الدعاية الأمريكية التي تصور إيران كعدو وجودي، مما يعزز الوعي النقدي بين الأمريكيين ضد سياسات الإمبريالية.

 

رابعاً: التأثير الاجتماعي على المجتمع الإسرائيلي

القلق النفسي والانقسام الداخلي

في “إسرائيل” يؤدي العدوان إلى تعزيز القلق الجماعي، حيث أدت الضربات الصاروخية الإيرانية وصواريخ حزب الله – بحسب معلومات صحافية غير رسمية – إلى مقتل 79 عسكرياً إسرائيلياً وإصابة المئات في مركز البلاد، بينما تفرض الرقابة حظراً للنشر حول العدد الحقيقي الذي قد يتجاوز 300 قتيل منذ بدء العدوان.

هذا الواقع يهز الثقة في النظام الدفاعي، كما أن الاضطرابات الاقتصادية مثل إغلاق المطارات وانخفاض السياحة تترجم إلى ضغوط اجتماعية مع زيادة البطالة في قطاعات الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة.

كما يعزز هذا النزاع الانقسام الداخلي، حيث يشكك بعض الأطراف في جدوى الحرب الطويلة، إضافة إلى مغادرة آلاف العائلات التي تحمل جنسيات أوروبية إلى تلك الدول بحثاً عن الأمان.

 

الخاتمة

في الختام يبرهن هذا العدوان الأمريكي الإسرائيلي – وفق طرح المقال – على فشل الإمبريالية في تحقيق أهدافها، حيث يعود بالضرر الاقتصادي والاجتماعي على الجانبين المعتديين، مع تعزيز صمود إيران كرمز للمقاومة ضد الهيمنة.

وكما يقول المنظرون النقديون، فإن مثل هذه الحروب ليست سوى أداة للرأسمالية العالمية، لكنها في النهاية تكشف عن تناقضاتها الداخلية، مما يدعو إلى إعادة التفكير في السياسات الخارجية التي تُبنى على العدوان بدلاً من السلام.

Share This Article