الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

هآرتس 19/3/2026

أمريكا وإسرائيل تقامران حيال ايران ويشعلان حرب على أسواق الطاقة

بقلم: عاموس هرئيلِ 

قبل حلول اليوم العشرين للحرب في ايران (الذي يصادف اليوم) تكثف إسرائيل والولايات المتحدة الهجمات على قطاع الطاقة في ايران. فقد شن سلاح الجو امس غارة جوية على حقوق الغاز في جنوب ايران، في اكبر عملية قصف منذ بداية الحرب. ويبدو ان هذه الخطوة هي محاولة لزيادة الضغط على النظام في ايران على أمل دفعه الى نقطة الانهيار.

تسعى إسرائيل والولايات المتحدة الى أمرين، اما استسلام النظام الإيراني بموجب اتفاق يتخلى عن مخزونه من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة، الذي يبلغ 440 كغم، وإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل، أو انهيار النظام بالكامل. يفعلون ذلك في ظل تصعيد الموقف، حيث تهدد طهران باحراق مواقع النفط في السعودية، قطر ودولة الامارات ردا على ذلك، وتشعر دول الخليج التي لم تكن متحمسة لقرار شن الحرب بالقلق الان من احتمالية أخرى وهي ان يقرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انهاء الحرب بدون ضمان لعدم امتلاك ايران أي وسيلة ضغط لتعطيل تصدير النفط من الخليج؟

في نفس الوقت يظهر ترامب، الذي كثيرا ما يتحدث علنا عن الحرب، العزم على مواصلة القصف، بينما يعطي إسرائيل الضوء الأخضر لمواصلة اغتيال شخصيات بارزة في النظام بهدف كسر إرادة من تبقى. ويثير استمرار الحرب قلق متزايد في سوق الطاقة، وتخوف من استمرار ارتفاع أسعار النفط التي وصلت امس الى 109 دولار للبرميل، بل وترفع هذا التخوف. مع ذلك يتصرف ترامب وكانه يملك الوقت الكافي، وهو على قناعة بان ارتفاع الأسعار مؤقت.

في الواقع هناك سباق محموم هنا يهدف الى دفع الايرانيين الى نقطة الانهيار قبل نفاد الصبر للجبهة الداخلية في إسرائيل وفي دول الخليج. يستفيد حلفاء أمريكا في المنطقة من أنظمة صواريخ الاعتراض والقذائف والمساعدات الدفاعية الامريكية، لكنهم يعرفون ان مخزون هذه الصواريخ ليس بدون حدود. الحرب الطويلة لا تسمح بالعودة الى الحياة الطبيعية في الوقت الحالي، وهي تلحق اضرار كبيرة بحياة المدنيين وحركة الاقتصاد. يبدو في الوقت الراهن اننا نتجه نحو تصعيد إقليمي جديد. وقد يتصاعد التحريض قبل البدء في مناقشة ترتيبات ما بعد الحرب.

يستعد النظام في ايران لعيد النيروز، عيد رأس السنة وعيد الربيع الفارسي الذي سيصادف في نهاية الأسبوع. هناك انتشار كثيف لقوات الامن الداخلي في الشوارع لمنع تجدد الاحتجاجات، في ظل الحرب ودعوات ترامب ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو للمواطنين الإيرانيين للخروج والتظاهر للمساعدة في اسقاط النظام. قوات الامن الإيرانية تهدد باطلاق النار بقصد القتل في أي مظاهرة مناهضة للنظام، وترسل رسائل تهديد نصية في هواتف المواطنين. صحيفة “وول ستريت جورنال” نشرت أمس نص محادثة بين شخص وصف بانه عميل للموساد وبين ضابط في شرطة ايران، هدد فيها الضابط بانه “سينتهي به المطاف مثل علي خامنئي”، المرشد الأعلى الذي اغتالته إسرائيل في بداية الحرب، اذا تجرأ على الوقوف الى جانب النظام ومعارضة المتظاهرين.

أعلنت إسرائيل أمسبانها اغتالت أيضا وزير المخابرات في ايران. وصرح مصدر امني رفيع للصحيفة بان هذه العملية غير فريدة في نوعها، بل هي جزء من تحرك منهجي للقضاء على الحرس المخضرم الذي عمل تحت امرة خامنئي. وبحسب المصدر فقد عمل النظام في الفترة الأخيرة بوضوح الى ترسيخ قيادة مجتبى خامنئي، نجل المرشد الأعلى الذي اختير لوراثته. يعاني النظام من صعوبة كبيرة في نقل المعلومات الى القيادة العسكرية والأجهزة الأمنية الأخرى في ظل الفوضى التي تسببت بها التفجيرات، واختباء معظم كبار المسؤولين في محاولة يائسة للبقاء على قيد الحياة. في هذه المرحلة ما زال التقييم الاستخباري السائد يقول بان التصدعات التي احدثتها الحرب لن تؤدي الى انهيار النظام.

تطلق ايران صواريخ على إسرائيل على مدار الساعة بمعدل صاروخ كل بضع ساعات، في محاولة لمواصلة خلق التوتر في الجبهة الداخلية. مع ذلك فان عدد الصواريخ في كل دفعة منخفض. ويبلغ المتوسط اليومي للصواريخ التي اطلقت على إسرائيل مؤخرا حوالي عشرة صواريخ. ويعطي الإيرانيون أهمية كبيرة للخسائر البشرية في إسرائيل. وقد وصف قتل الزوجين في رمات غان بسبب اطلاق صواريخ فجر امس وقتل عامل اجنبي تايلاندي في موشاف في الشارون مساء أمس، وصف في ظهران بانه نجاح عملياتي بعد بضعة أيام بدون وقوع إصابات في الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

هيئة الأركان العامة تؤكد ان أولويات الحرب واضحة في هذه المرحلة، وان ايران ما زالت الجبهة الأهم رغم حشد قوات الاحتياط ونقل القوات في الأيام الأخيرة لتوسيع العملية البرية في جنوب لبنان. ووصف رئيس الأركان ايال زمير التحركات في لبنان بانها “عملية محدودة المعالم” هدفها الأساسي منع اطلاق النار على إسرائيل ومنع اطلاق الصواريخ المضادة للدبابات والقذائف على مستوطنات الشمال واطلاق الصواريخ على وسط البلاد.

وحسب بيانات الجيش الإسرائيلي فانه منذ بداية الحرب في لبنان قتل اكثر من 500 عنصر من حزب الله، واطلق سلاح الجو تقريبا 2000 قنبلة وصاروخ، ونزح حوالي 1.3 مليون لبناني الى المنطقة الموجودة شمال نهر الليطاني في ضوء تهديدات إسرائيل لتوسيع العملية البرية. وصرح مسؤول امني رفيع لـ “هآرتس” بانه تم تخصيص موارد استخبارية وطائرات للدفاع عن الحدود الشمالية والاعداد للهجوم في لبنان، لكن التركيز الرئيسي سيبقى على ايران. وقد قال هذا المسؤول ان “رأس الافعى أهم من الذيل”.

——————————————

هآرتس 19/3/2026

اغتيال المسؤولين يضعف النظام في ايران لكن لا يسقطه

بقلم: مئير جيفدنفر

تعتبر استراتيجية الاغتيالات التي تستهدف كبار المسؤولين في ايران مفيدة من نواحي كثيرة. أولها استبدال القادة والسياسيين الاكفاء باشخاص غير اكفاء. وهذا يلحق ضرر كبير بعمل المؤسسات التي كان يعمل فيها المسؤولون الذين تم اغتيالهم. مثلا، استبدال المرشد الأعلى علي خامنئي بنجله مجتبى. كان علي خامنئي رجل كفؤ الى درجة معينة، مع انه كان رئيس ضعيف وسياسي غير كفؤ في ولايتيه في عهد آية الله الخميني من 1981 – 1989، وكان اقرب الى الجيش الإيراني منه الى الحرس الثوري. خلال سنوات رئاسته الثمانية فشل في بناء قاعدة نفوذ خاصة به، خلافا لرئيس البرلمان في حينه علي اكبر هاشمي رفسنجاني الذي حافظ على علاقة جيدة مع الحرس الثوري حتى انتهاء الحرب بين ايران والعراق.

بعد تعيين خامنئي الاب كمرشد اعلى كان يجب عليه بذل جهود كبيرة لسنوات من اجل بناء دوائر نفوذه وسلطته في داخل النظام. وقد حصل على منصبه في نهاية المطاف بفضل مهارته السياسية. هذا لا يسري على نجله مجتبى الذي تم تعيين كمرشد اعلى كوريث له. خامنئي الامن ليست لديه خبرة سياسية، ولم يتم تعيينه في أي منصب رسمي. فهو دائما عمل في الخفاء واستغل منصب والده لتحقيق ما يريد، ليس بفضل مهارته أو علاقاته الشخصية.

لذلك يتوقع ان يتسبب تعيين مجتبى خامنئي بضرر كبير في عمل النظام في ايران. فمع ان المرشد الأعلى يتمتع بسلطة تفوق أي شخص آخر في ايران، الا انه ما زال بحاجة الى مهارة سياسية كبيرة ليعمل بكفاءة، لا سيما بناء توافق في الآراء حوله، وهو ما يعتمد على قدرته على العمل مع كل أجهزة النظام.

ثانيا، مكان كبار المسؤولين الذين قتلوا عادة ما يشغله اشخاص محافظين أكثر منهم. الامر الذي يخدم مصالح إسرائيل أيضا. لان تعيين شخصيات متطرفة اكثر يزيد شدة العداء الشعبي للنظام. فبعد اغتيال إسرائيل للامين العام لمجلس الامن القومي علي لاريجاني كان من المفروض أن يستبدله سعيد جليلي، وهو سياسي متطرف اكثر منه، وقد خسر جليلي كل محاولاته للترشح للرئاسة، ولا شك ان الراي العام يتذكر اداءه الضعيف في المفاوضات مع أوروبا في الأعوام 2007 – 2013 عندما تم فرض اشد العقوبات واوسعها على ايران. مع ذلك يحظى جليلي بدعم بعض الأعضاء البارزين في الحرس الثوري. ويتوقع ان يثير تعيينه المرتقب مزيد من الغضب الشعبي.

ثالثا، يتجاهل كبار المسؤولين في ايران سقوط ضحايا مدنيين، حتى بعدد كبير. فهم لا يعطون أي احترام او أهمية لارواح رعاياهم، وقد ظهر ذلك بوضوح في الحرب بين ايران والعراق. ففي تلك الفترة أمر القادة بارسال عدد كبير من الجنود بدون أي حماية او عتاد الى ساحة المعركة لشن هجوم مباشر على قوات العدو، وقد فشلت هذه الهجمات دائما، وجبت حياة الكثير من الإيرانيين. لكن القادة الإيرانيين لم يستسلموا واستمروا في استخدام هذه الاستراتيجية القاتلة.

إضافة الى ذلك، بدلا من استخدام معدات إزالة الألغام استغل هؤلاء القادة أطفال أبناء 15 وقاموا بارسالهم الى حقول الألغام، ووعدهم بدخول الجنة اذا قتلوا. هؤلاء المسؤولون الكبار في الجيش وفي الحكومة لم يدفعوا حياتهم ثمنا لذلك، بل دفعوا أرواح الاخرين فقط. مكانة الشهيد تليق بعامة الشعب وليس بالقيادات العليا. فهم يسعون الى حياة كريمة وافضل أمن اقتصادي وشخصي محتمل لانفسهم. ولكنهم الان هدف للعدو، وهذه المعرفة وحدها كافية للمس بادائهم وبشكل كبير.

أخيرا هناك أيضا الجانب الاستخباري. القيادة العليا في ايران على قناعة بان الموساد يراقبهم من كل جهة، ويتعقبهم في كل مكان وزمان، وهذا سيزيد من شكوكهم، وبالتاكيد هذا سيؤثر بشكل كبير على جودة أدائهم. ربما لم يغادر خامنئي الاب مكتبه في ذلك السبت خوفا من ان ترصده عيون الموساد، ولذلك اعتبر ان البقاء في الملجأ هو الخيار الأفضل.

الخلاصة هي ان النظام لا يمكن اسقاطه بالاغتيالات المركزة. فهذه الاستراتيجية لم تنجح في أي حرب أخرى ولن تنجح أيضا في هذه الحرب. ولكنها مع ذلك تتسبب بضرر كبير في قدرة النظام على العمل.

——————————————

يديعوت احرونوت 19/3/2026 

محاصرون في براثن نزعة مسيحانية عسكرية

بقلم: آفي شيلون

 مرّ أكثر من أسبوعين على بدء الحرب، والحقيقة أن جميع التفسيرات التي سُمعت حتى الآن يُفضّل التعامل معها بحذر، لأنه من السابق لأوانه تقييم نجاحها، خاصةً مع تغيّر أهدافها. على مدى عقود، علمنا أن الخطر الرئيسي من إيران مرتبط بالبرنامج النووي. ومع ذلك، فإن أخطر عنصر متبقٍ من خطتهم – أكثر من 450 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب الذي بقي تحت أنقاض أحد المفاعلات التي قصفها الأمريكيون – ليس، على حد علمنا، من بين الأهداف الرئيسية. كما أنه ليس من الواضح كيف يمكن السيطرة عليه.

بالطبع، من الجيد، على أي حال، أن يكون لدينا متسع من الوقت لتدمير أكبر عدد ممكن من المنشآت العسكرية الإيرانية والصواريخ وكبار المسؤولين، ولكن كما تعلمنا في الأشهر التي انقضت منذ أحداث الأسد الصاعد، فإن ما دُمر يُمكن إعادة بنائه. لذا، السؤال هو ما الهدف؟ وفي هذا السياق، ارتُكبت عدة أخطاء.

الخطأ الرئيسي هو الإعلان المبكر أن الهدف هو تغيير النظام. آمل أن يتغير النظام وأن يخرج الإيرانيون إلى الشوارع للإطاحة به بأنفسهم. ولكن كان ينبغي أن يبقى هذا هدفًا قابلًا للتغيير في أعقاب الحرب. فبمجرد أن أعلنت إسرائيل والولايات المتحدة أن الهدف هو تغيير النظام، لم يعد لدى الإيرانيين ما يخسرونه، ودخلوا في حالة من التفكير بالبقاء. وينطبق الأمر نفسه على حزب الله، الذي ردعته إسرائيل على مدار العام الماضي، إلى أن هددناه في بداية الحرب بالقضاء عليه تمامًا، فلم يعد لديه ما يخسره. كان من الأفضل تركه حذرًا ومفاجأته يومًا ما. والآن، بات الوضع أكثر تعقيدًا في الشمال أيضًا.

من المشاكل الأخرى التي تكشفها الحرب أن الولايات المتحدة، رغم قوتها الهائلة، ليست قادرة على تشكيل الواقع بشكل مطلق. فكما هو معلوم، واجه الأمريكيون صعوبة في كسب حرب فيتنام، وحتى عندما نجحوا في الإطاحة بنظام صدام في العراق، كانت النتيجة في الواقع تعزيزًا لقوة إيران، التي كانت قوتها حتى ذلك الحين متوازنة مع العراق. علاوة على ذلك، فإن امتناع الأوروبيين عن تقديم المساعدة ضد إيران يشير إلى أنه بينما ينشغل الخطاب العام بمسألة ما إذا كانت إسرائيل قد جرّت أمريكا إلى الحرب، أو ما إذا كانت أمريكا قد أرادت الحرب لأسبابها الخاصة، فإننا نشهد نوعًا من “إسرلة” موقف الولايات المتحدة في العالم. بعبارة أخرى، تدعم دول عديدة في العالم، في الخفاء، إزالة التهديد الإيراني، لكنها تفضل ترك المهمة الشاقة لأمريكا، وعدم التدخل بنفسها.

وفي السياق الأمريكي، يجب أن نلاحظ أيضًا أنه على عكس ميله إلى التناقض وتغيير مواقفه، يبدو ترامب ثابتًا وعازمًا على المثابرة فيما يتعلق بإيران. يشير هذا إلى أنه، خلافًا للانطباع السائد، وكأن نتنياهو قد نجح في تسخير الإدارة للحرب، فإن اندلاعها كان بسبب مصالح أمريكية لا تقل أهمية عن المصالح الإسرائيلية. بل على العكس، صحيح أن الولايات المتحدة تحمينا وتتعاون مع الجيش الإسرائيلي بشكل غير مسبوق، لكن في نهاية المطاف، نحن من ندفع الثمن الأكبر جراء تعطيل حياتنا وتعريضها للخطر.

لذا، يجب على الحكومة الإسرائيلية توخي الحذر حتى لا تتدخل وتحولنا إلى “أوكرانيا” – دولة مدعومة من الغرب، لكن مواطنيها يدفعون ثمن حرب طويلة الأمد بسبب مصالح أكبر. عمومًا، عندما نفكر في “تهديد وجودي”، يسهل علينا تخيل قنبلة واحدة خطيرة ستقتلنا جميعًا. لكن العيش لما يقارب ثلاث سنوات تحت وطأة الإنذارات والقتل وتعطيل الحياة يُعدّ أيضًا نوعًا من التهديد الوجودي.

يبدو الآن أن الحكومة لم تستخلص سوى الدرس المبسط من أحداث 7 أكتوبر: علينا الإسراع في مهاجمة أي تهديد محتمل. إن مفاجأة حماس لنا تستدعي بالفعل مراجعة النهج الإسرائيلي. من الواضح أن الجيش الإسرائيلي مُطالب بالحفاظ على تفوقه العسكري ورصد التهديدات عن كثب. لكن التصحيح يجب أن يشمل أيضاً الرغبة في التوصل إلى اتفاقيات. إن انخراطنا في حروب متواصلة يُعدّ خسارة بحد ذاته، حتى وإن كنا نحقق انتصارات عسكرية.

يكمن السر في معرفة كيفية استخدام جيشنا القوي بأقل قدر ممكن، والسعي إلى التوصل إلى اتفاقيات، حتى وإن لم تكن مثالية، كالخيارات المطروحة حالياً مع سوريا ولبنان. ولذلك، عندما كشف رون ديرمر هذا الأسبوع أن ترامب كان يرغب في الأصل بالتوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين أيضاً، لكن إسرائيل حالت دون ذلك، فليس من الواضح ما الذي يفتخر به. قد يُشير التاريخ إلى أن أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول قد أوقعتنا في فخ المسيحانية العسكرية، التي تبدو حالياً قوة، لكنها في الواقع تُهدد وجودنا.

——————————————

معاريف 19/3/2026

الضربة لمنشآت الغاز هي رسالة واضحة لإيران

بقلم: ايلي لئون

التفجيرات التي وقعت أمس في مجال المصافي العظمى عسلوية وحقل الغاز بارس الجنوبي، الحقل الأكبر في العالم، تشير الى ارتفاع درجة.

لا يدور الحديث عن هجوم موضعي آخر ضد قاعدة عسكرية نائية، مخزن صواريخ أو قافلة تهريب سلاح. هذه المرة، بتنسيق وثيق وموجه مع الولايات المتحدة اختارت إسرائيل أن تضرب “البطن الطرية” والحرجة للغاية للجمهورية الإسلامية: صناعة الطاقة لديها.

حسب تقارير اقتبست عن وكالة الانباء الإيرانية “فارس”، المتماثلة بشكل وثيق مع الحرس الثوري، فان الإصابات الحقت اضرارا جسيمة لحاويات التخزين ومناطق تفعيل حيوية للمصافي، ما اجبر السلطات على اخلاء الطواقم واستدعاء قوات طواريء خاصة.

المعنى من ناحية طهران لا يقل عن كارثي. فحقل بارس الجنوبي ليس فقط مصدر دخل مركزي بالعملة الصعبة للنظام الإيراني الخاضع للعقوبات، بل القلب النابض لتوريد الغاز والكهرباء المحلي. ضربه معناه تشويشات دراماتيكية في الجهد الحربي للايرانيين وبالبنى التحتية الحيوية للدولة. ومن شأن الخطوة أن تتسبب باحتدام الازمة الاقتصادية التي تهدد على أي حال استقرار نظام آيات الله.

ان قرار إسرائيل والولايات المتحدة العمل معا الان ضد هدف بنية تحتية بمثل هذا الحجم، ينقل رسالة واضحة ومدوية للقيادة في طهران: قوانين اللعبة القديمة انهارت ولم تعد حصانة لمحركات النمو التي تمول مشروع النووي و “طوق النار” لوكلائها حول إسرائيل.

بالنسبة للإدارة في واشنطن، فان هذا التعاون النشط هو إشارة قاطعة ليس فقط لإيران بل وأيضا لعموم حلفائها في المنطقة وبموجبها يبقى الاسناد الأمريكي لإسرائيل متينا حتى لو كان من شأن الثمن ان يكون حراكات في الأسواق.

لكن لهذه الخطوة توجد تداعيات إقليمية وعالمية قابلة للتفجر الفوري. فالرد القطري لم يتأخر في المجيء وكشف الاعصاب المكشوفة أصلا في الخليج. د. ماجد الانصاري، الناطق بلسان وزارة الخارجية في قطر سارع الى شجب الهجوم ووصفه بانه “خطوة خطيرة وعديمة المسؤولية في ظل التصعيد الحالي”.

الغضب القطري مفهوم ومبرر من ناحيتهم: حقل بارس هو عمليا فرع لـ “الحقل الشمالي لقطر وكل ضرر مادي به من شأنه أن يعرض للخطر البنى التحتية الجيولوجية لامارات الخليج نفسها. لكن يحتمل جدا ان من خلف الكواليس هم راضون بعض الشيء أيضا.

بالتوازي، ردت الأسواق في العالم بعصبية كبيرة على الهجوم، وأسعار الغاز الطبيعي في أوروبا ارتفعت بـ 9 في المئة بعد ساعات قليلة من التقارير الأولية.

ان السؤال المقلق والأكثر مصيرية الان هو كيف سترد ايران على الضربة في قلب اقتصادها. وكالة “فارس” اقتبست منذ الان عن محافل إيرانية هددت بان “الهجوم لن يبقى بلا رد”، في ظل تحذير حاد من أن ايران كفيلة الان بان تضرب بنى تحتية للعدو “اعتبرت حتى الان آمنة”. هذا التهديد يلمح بخطر حقيقي على منشآت الطاقة لدى حلفاء غربيين في دول الخليج او منشآت استراتيجية في إسرائيل نفسها.

الرهان الاستراتيجي الإسرائيلي – الأمريكي واضح: هذه إشارة لإيران بانها اذا واصلت مهاجمة بنى تحتية لدول الخليج واغلاق مضيق هرمز فان واشنطن والقدس ستردان بما يتناسب مع ذلك. ومع ذلك، في الشرق الأوسط اغلاق صنبور غاز واحد من شأنه أن يفتح بسهولة سد نار إقليمية.

ستثبت الأسابيع القادمة اذا كان الضغط الاقتصادي والعسكري غير المسبوق سيحسم بالفعل المعركة مع الحرس الثوري؛ ام أنه سيجر المنطقة والعالم كله الى أزمة طاقة حادة والى مواجهة عسكرية شاملة، أحد لا يعرف كيف ستنتهي.

 ——————————————

نظرة عليا/معهد بحوث الأمن القومي 19/3/2026 INSS

دول الخليج في ظل الحرب مع إيران

بقلم: يوئيل جوجنسكي

وضعت الحرب مع إيران دول الخليج، رغماً عنها، في قلب الصراع. وقد حددت إيران دول الخليج كورقة ضغط محتملة على الولايات المتحدة لتقصير مدة الحملة. ومع ذلك، ورغم الهجمات الإيرانية على أراضيها، فقد امتنعت هذه الدول حتى الآن عن الانضمام علناً إلى الحملة، وفضّلت سياسة حذرة: السماح لقوات أخرى بالعمل انطلاقاً من أراضيها، كما قامت بعمليات هجومية يمكن صدّها. وتعكس هذه السياسة خشيتها من تصاعد الهجمات الإيرانية عليها، إلى جانب عدم اليقين بشأن أهداف الولايات المتحدة. من منظور دول الخليج، يُعدّ اختبارًا حاسمًا. ستعتمد نتائج هذه الحملة ليس فقط على حجم الضرر الذي سيلحق بإيران، بل أيضاً، وقبل كل شيء، على مدى إمكانية تشكيل إطار إقليمي-دولي يمنعها من استعادة قدراتها. ومن الأسئلة المحورية التي ستُدرس مدى تقويض الحرب للمنطق الكامن وراء استراتيجية التحوّط التي تتبناها دول الخليج ضد إيران، أو ما إذا كانت تُؤكد في الواقع على ضرورة هذه الاستراتيجية. كما تُدرس تداعيات الحرب والواقع الذي سينشأ في أعقابها على علاقات إسرائيل مع دول الخليج، مع عرض الفرص والمخاطر المحتملة التي قد تحدّ من تميّزها.

على مرّ السنين، استثمرت دول الخليج موارد كبيرة في إنشاء أنظمة دفاع متطورة، لا سيما في مجال الدفاع الصاروخي، وتعزيز العلاقات الأمنية مع الولايات المتحدة، وتعميق التعاون الإقليمي. وفي الوقت نفسه، وسعيًا منها إلى التحوّط من المخاطر، عملت هذه الدول على تحسين علاقاتها مع إيران، انطلاقًا من رغبة مُعلنة في الحدّ من خطر التصعيد معها وتقليل دوافع إيران لإلحاق الضرر بها. لم تكن معارضة دول الخليج للهجوم على إيران نابعة من شكوك حول مبررات هذه الخطوة، بل من توقعها أن تُكبّدها الحرب خسائر فادحة. ولعلّ معارضتها كانت مرتبطةً بالخوف من صعوبة، بل واستحالة، تحقيق الهدف المنشود، ألا وهو تغيير جوهري في السياسة الإيرانية، لا سيما فيما يتعلق بقضاياها الحساسة كالصواريخ والوكلاء، أو تغيير الحكومة في طهران. لذا، سعت دول الخليج إلى الترويج لاتفاق يفرض قيودًا على إيران ويمنع في الوقت نفسه التصعيد، وتجنّبت التعليق على الاحتجاجات الداخلية في إيران. كما حاولت التظاهر بالحياد وأعلنت أنها لن تسمح بشن هجوم على إيران من أراضيها.

مع ذلك، ومنذ بداية الحرب، اختارت إيران مهاجمة دول الخليج، بما في ذلك أهداف مدنية. لكن هذا لم يدفعها إلى الانضمام علنًا إلى الحملة العسكرية ضد إيران. بل التزمت باستراتيجية التحوّط، تاركةً باب الحوار مفتوحًا مع إيران، ومتجنبةً أي خطوات من شأنها أن تدفعها إلى مواجهة أوسع معها. يُعزى هذا السلوك إلى ضعفهم العسكري النسبي وهشاشتهم الاقتصادية، فضلاً عن عدم يقينهم بشأن أهداف الحرب الأمريكية وفرص تحقيقها. ولذلك، تُفضّل دول الخليج أن تبقى إيران في نهاية الحملة ضعيفةً ومُقيدةً ومنشغلةً بمشاكلها الداخلية، بينما لا يتوحد مواطنوها تحت راية واحدة.

لذا، تسعى دول الخليج جاهدةً لتقصير مدة الحملة العسكرية وتجنب حرب استنزاف طويلة الأمد، قد تُلحق مزيدًا من الضرر بالاستقرار الاقتصادي والطاقي للمنطقة، وتُقوّض مقومات النمو التي تقوم عليها المشاريع الطموحة التي تروج لها. ولا يتمثل الهدف المنشود بالنسبة لها بالضرورة في تحقيق نصر عسكري كامل، بل في التوصل إلى تسوية مستقرة، مدعومة بآليات رصد وإنفاذ فعّالة. وقد أسفرت الحرب بالفعل عن توحيد الصفوف، ظاهريًا على الأقل، بين دول الخليج الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي. إلا أنه من غير المتوقع أن يدوم هذا التوحيد طويلًا، إذ يُتوقع أن تعود الخلافات، لا سيما بين الإمارات والسعودية، إلى الظهور مع نهاية الحرب، وربما حتى قبل ذلك، مع استمرار الحملة.

وتُعدّ حالة السعودية بالغة الأهمية لفهم ديناميكيات العلاقات بين إيران وجيرانها. فنظرًا إلى إيران باعتبارها تحديًا استراتيجيًا كبيرًا، لا سيما بعد تعرضها لهجمات إيرانية على أراضيها، سارعت المملكة إلى تكثيف الحوار مع طهران، وسعت إلى تجنب المواجهة المباشرة. انبثقت هذه السياسة من مخاوف من صراع متعدد الجبهات، يشمل هجمات من اليمن إلى جانب هجمات من إيران والعراق من الشرق والشمال. وترى السعودية أن الانضمام الفعلي إلى هجوم ضد إيران ينطوي على مخاطر تفوق فوائده، إذ لن يُغير هذا التحرك وجه الصراع جذرياً، ولكنه قد يُشجع على تصعيد الردود الإيرانية. وكما فعلت دول الخليج المجاورة، سمحت السعودية للولايات المتحدة باستخدام قواعدها على أراضيها بعد تعرضها للهجوم، لكنها سعت حتى الآن إلى تجنب المشاركة العلنية في القتال. بالنسبة لدول الخليج الأصغر، كان هذا الموقف السعودي إشارة واضحة: حتى في مواجهة صراع إقليمي ضارٍ، من الأفضل تجنب سياسة هجومية مباشرة ضد إيران وكبح جماح التورط. وكتب الدكتور أنور قرقاش، كبير مستشاري رئيس الإمارات محمد بن زايد، على شبكة “إكس” في اليوم الرابع عشر من الحرب، أنه على الرغم من العدوان الإيراني، فإن بلاده “تواصل إعطاء الأولوية للحكمة والعقلانية، وضبط النفس، والبحث عن مخرج لإيران والمنطقة بأسرها”. 

 سياسة التحوط تخضع للاختبار

يُنظر إلى الحملة ضد إيران في الخليج على أنها حدثٌ مفصلي، إذ يصفها المعلقون بأنها نقطة تحول ستجبرهم على تغيير جذري في مفهومهم للأمن. لكن يبقى السؤال: هل هذا تغيير جذري حقًا؟ فالحرب لا تكشف عن واقع جديد، بل تُؤكد واقعًا معروفًا. لطالما كان واضحًا أن إيران تتمتع بتفوق عسكري غير متكافئ في الخليج، لا سيما في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة. وقد بُنيت هذا الترسانة الإيرانية خصيصًا لمواجهة خصوم يمتلكون أسلحة غربية متطورة. في الواقع، كشفت الحرب عن ثغرات كبيرة في مخزون الصواريخ الاعتراضية والقدرة على التعامل مع الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة المكثفة، وهي ثغرات عانت منها دول أخرى في الشرق الأوسط، بما فيها الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن هذا قيدٌ هيكليٌّ لعصر الحروب الحالي: فمن الأسهل والأرخص إنتاج وسائل هجوم بسيطة من إنتاج أنظمة دفاعية مضادة لها. ومن المتوقع أن تستمر هذه الفجوة في مواكبة الساحة الإقليمية في المستقبل المنظور.

منذ بداية الحملة، لم ترَ دول الخليج جدوى من اتخاذ خطوات علنية وعدوانية ضد إيران، خشية أن تُترك وحيدة في نهاية المطاف لمواجهة نظام إيراني مُنهك ولكنه مُتعطش للانتقام. وقد اعتُبرت تكلفة الانضمام العلني إلى الولايات المتحدة وإسرائيل باهظة للغاية، لا سيما في ظل عدم وضوح الالتزام الأمريكي طويل الأمد. لذا، تسعى هذه الدول إلى دعم المجهود الحربي، بما في ذلك العمليات الهجومية الموجهة ضد إيران، ولكن دون الوصول إلى حد الحرب ودون قطع العلاقات معها. ولا ينبع استمرار التحوط من المخاطر حتى في أوقات الحرب من وهمٍ بشأن نوايا إيران، بل من فهمٍ لواقعٍ مُحكم. وبالتالي، لا تُمثل الهجمات الإيرانية على دول الخليج فشلاً لمفهومها الأمني، بل تأكيداً على صحة استراتيجيتها، وإن كانت تُظهر في الوقت نفسه حدودها. ومع ذلك، يجب الأخذ في الاعتبار أن ضبط النفس – على المدى الطويل – له ثمن، وأن تجنب الرد يُوحي بالضعف.

تُعدّ الأحداث والأوضاع في الإمارات العربية المتحدة ذات أهمية بالغة لتحليل الديناميكيات الإقليمية في ظل الحرب، نظرًا لعلاقاتها الوثيقة مع إسرائيل ومكانتها كدولة محورية في المنطقة. وقد بلغ عدد الهجمات الإيرانية على الأراضي الإماراتية أعلى مستوى له مقارنةً بجيرانها، بل وتجاوز عدد الهجمات على إسرائيل (حتى 16 آذار، اعترضت الإمارات 298 صاروخ أرض-أرض، و15 صاروخ كروز، و1606 طائرات مسيّرة). ولعلّ أحد أسباب ذلك هو العلاقات الوثيقة بين الإمارات وإسرائيل، ونظرة إيران إلى هذه العلاقات كتهديد لها. لذا، من المرجّح أن يزداد بعد الحرب شعور دول الخليج بأن للعلاقات مع إسرائيل ثمنًا يجب أخذه في الحسبان عند التفكير في تعزيز هذه العلاقات أو إظهارها بصورة إيجابية. دعت أصواتٌ في الرأي العام الإماراتي إلى إنهاء الصراع سريعًا، بل ووجّهت انتقاداتٍ ضمنية لإسرائيل، إذ قالت د. ابتسام الكتبي، رئيسة مركز السياسات الإماراتي: “هذه ليست حربنا. لم نكن نرغب في هذا الصراع، لكننا ندفع ثمنه بأمننا واقتصادنا”. ويُطرح الآن تساؤلٌ أكثر أهميةً أمام دول الخليج، وهو ما إذا كانت إسرائيل والولايات المتحدة، اللتان كانتا تُعتبران سابقًا عاملَي استقرارٍ يعملان على الحفاظ على الوضع الراهن، قد أصبحتا تضعضعانه، حتى بطرقٍ غير متوقعة، وبالتالي تُشكّلان في الواقع عواملَ خطرٍ على الاستقرار الإقليمي. في الوقت نفسه، تُشدّد أصواتٌ أخرى في الخليج على ضعف إيران العسكري، وتعتبره فرصةً تاريخيةً لتغيير وجه المنطقة نحو الأفضل. ووفقًا لهذا الرأي، حتى لو نجا النظام الإيراني، فإن ضعفه سيُقلّل من التهديد الذي يُشكّله على دول الخليج.

على أي حال، بالنسبة لدول الخليج، لن تُقاس الأهمية طويلة الأمد للحرب الحالية بحجم الخسائر العسكرية التي لحقت بإيران فحسب، بل بما إذا كانت هذه الخسائر ستُترجم إلى إطار إقليمي-دولي مستقر يمنع إيران من استعادة قدراتها والعودة إلى تشكيل تهديد لها. تُظهر التجارب السابقة أن الإنجازات العسكرية التي لا تدعمها آلية سياسية فعّالة تتلاشى بسرعة. لذا، فإن اهتمامهم الرئيسي يكمن في أن تنتهي الحملة بعملية تُقيّد قدرات إيران على المدى الطويل، لا سيما في مجالي الصواريخ وإدارة الوكلاء.

يُطرح تساؤل هام حول ما إذا كانت دول الخليج ستُغيّر استراتيجيتها التحوّطية في أعقاب الحرب. سيُؤكد بقاء النظام الإيراني وجهة نظرهم بأن البيئة الاستراتيجية في الخليج لم تتغير جوهريًا، وفي ظل هذه الظروف، من المرجح أن يعودوا إلى سياسة التحوّط من المخاطر لتجنب صراع آخر. يعود ذلك إلى احتمال استمرار الخوف من إيران، وبالتالي ستتواصل الجهود الرامية إلى تخفيف التوترات معها، بالتوازي مع زيادة الاستثمار في الأمن وتنويع الشراكات الإقليمية والدولية. بل إن بعض دول الخليج تعتقد أن الولايات المتحدة دخلت الصراع رغم تحفظاتها، وأنها فشلت حتى الآن في وقف الهجمات عليها. لذا، فإن بقاء النظام الإيراني في السلطة بعد انتهاء الحرب قد يشجع دول الخليج على العودة إلى سياسة توازن القوى الإقليمية الرئيسية (ويرجع ذلك جزئيًا إلى عدم رغبتها في نظام إقليمي تُنظر فيه إلى إسرائيل كقوة مهيمنة). ومن المرجح أن تسعى بعض هذه الدول على الأقل إلى تحقيق هذا توازن من خلال تنويع الدعم الاستراتيجي عبر تعزيز التعاون مع باكستان، بل وحتى تركيا.

ورغم أن إيران قد تكبدت خسائر فادحة في مختلف تشكيلاتها العسكرية، فإن التهديد الإيراني، في نظر دول الخليج، لم يُقضَ عليه بعد، ولا تزال قدراتها العسكرية غير المتكافئة تشكل مصدر خطر كبير لها. علاوة على ذلك، حتى لو استمر النظام الحالي في إيران بنهاية الحرب، واعتمدت دول الخليج عناصر من سياستها السابقة تجاه إيران، فإن هذه هي التحديات الرئيسية ستواجهها:

هشاشة مصادر الطاقة. لقد كشفت الحرب مع إيران عن هشاشة اقتصادات الخليج، التي تعتمد بشكل كبير على صادرات الطاقة، وزادت الضغط عليها للتحرك لإنهاء القتال. وقد أدى تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى تراكم النفط والغاز في مرافق التخزين المحلية، لدرجة اضطرت معها بعض الدول إلى خفض الإنتاج بسبب نقص سعة التخزين. ورغم أن السعودية بدأت بتحويل جزء من نفطها عبر “خط أنابيب الشرق والغرب” إلى موانئ البحر الأحمر، إلا أنها اضطرت إلى خفض معدل إنتاجها النفطي بنحو مليوني برميل يوميًا بسبب إغلاق بعض المرافق. وقد استعدت دول الخليج لمثل هذه السيناريوهات، لكن الحملة أظهرت أن هذا الاستعداد غير كافٍ للتعامل مع اضطراب طويل الأمد وواسع النطاق في طرق التجارة والطاقة في الخليج.

 تدهور السمعة الاقتصادية. استثمرت دول الخليج، ولا سيما الإمارات، سنوات في بناء سمعة طيبة في مجال الأعمال والاستقرار الاقتصادي، لتصبح مركزًا دوليًا للخدمات المصرفية والطيران والتجارة والخدمات اللوجستية، وهي تسعى الآن جاهدةً للحفاظ على صورة “الوضع الراهن”. إلا أن الحرب بدأت تُلحق الضرر بهذه الصورة وتُبرز المخاطر الجيوسياسية الكامنة في المنطقة. ونتيجةً لذلك، قد تُعيد الشركات الدولية النظر في نشر عملياتها، وتعمل على توزيع المخاطر، بل وقد تُفكّر في نقل بعض عملياتها إلى دول أقل تضررًا من القتال، وعلى رأسها السعودية. وإذا ما تفاقمت هذه المسألة، فستمنح السعودية ميزةً في المنافسة الاقتصادية بينها وبين الإمارات.

  هشاشة البنية التحتية الرقمية: تُبيّن الهجمات على مراكز البيانات في الإمارات والبحرين أن البنية التحتية الرقمية أصبحت هدفًا في هذه الحملة. تُقوّض هذه الأحداث طموح دول الخليج في أن تُصبح مراكز عالمية للمعلومات والتكنولوجيا، إذ تُثير تساؤلات حول أمن أنظمة الحوسبة السحابية وتخزين البيانات والخدمات الرقمية. وإلى جانب الاضطرابات الفورية في العمليات، قد يُؤثر الضرر أيضاً على ثقة المستثمرين وشركات التكنولوجيا على المدى الطويل. سيستلزم ذلك من دول الخليج استثمار موارد أكبر في حماية البنية التحتية وتعزيزها، مما قد يُرهق ميزانياتها ويُقوّض بعض خططها التنموية الطموحة.

ورغم أن دول الخليج لا تزال تنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها العامل الوحيد القادر على ضمان أمنها، إلا أنها تُدرك تمامًا محدودية قدراتها التي تجلّت خلال الحملة، وعجزها عن صدّ جميع التهديدات التي واجهتها حتى الآن. وإذا لم تنتهِ الحرب بتغيير جذري في الواقع الأمني ​​في الخليج، فقد تتزعزع مكانة الولايات المتحدة كحامية للخليج. لذا، فإن التوصية العملياتية ذات الأهمية الاستراتيجية تتمثل في ضرب التشكيلات الإيرانية التي تُهاجم دول الخليج حاليًا، لإتاحة فرصة لالتقاط الأنفاس وتخفيف الضغط عليها لإنهاء الحرب.

تداعيات ذلك على إسرائيل

سيُحدد مستقبل العلاقات بين دول الخليج وإسرائيل بناءً على كيفية انتهاء الحرب، وكذلك في ضوء مستقبل قضايا أخرى لا ترتبط بها بشكل مباشر. وقد تتعزز رواية مفادها أن إسرائيل هي من دفعت باتجاه الحرب، وبالتالي فهي مسؤولة أيضاً عن إلحاق الضرر بها. علاوة على ذلك، رصدت هذه الدول محاولة من إسرائيل لتصعيد التوتر بينها وبين إيران: فقد نفت قطر والإمارات، حليفة إسرائيل، مزاعم إسرائيل بشن هجوم على أراضٍ إيرانية. من المحتمل أن التسريبات الإسرائيلية تهدف إلى الضغط على دول الخليج للتحرك مباشرة ضد إيران، والتعبير عن خيبة أملها لعدم قيامها بذلك حتى الآن، وهو شعور تردد صداه أيضاً في بعض الأوساط في الولايات المتحدة. مع ذلك، رفض مسؤولون في أبو ظبي هذه التقارير بشدة، واصفين إياها بـ”التسريب الكاذب”، ومؤكدين أن أي عمل عسكري من جانبهم سيكون علنياً، وأبدوا استياءهم الشديد من نشر هذه المعلومات. خلال الحرب، برزت أصواتٌ تتهم الحكومة الإسرائيلية بـ”تخريب” عملية الاستقرار الإقليمي وخلق فوضى تُضر بأمن دول الخليج وأهدافها طويلة الأمد.

من وجهة نظر إسرائيل، قد تُتيح الحرب فرصًا لتحسين علاقاتها مع دول الخليج، إلى جانب التوترات التي قد تُسببها الحرب نفسها والواقع الذي سيترتب على انتهائها في هذه العلاقات:

تغيرات في موازين القوى الإقليمية. أبرزت الحرب التفوق العسكري والتكنولوجي لإسرائيل، ورجّحت كفة ميزان القوى الإقليمي لصالحها. في الوقت نفسه، برز عمق العلاقة الاستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة، والذي تجلّى في التنسيق الوثيق والتعاون الكبير خلال القتال. قد يُعزز هذا المزيج من العوامل صورة إسرائيل كفاعلٍ ذي قدراتٍ فريدة، وبالتالي كشريكٍ جذاب.

إمكانية التعاون الأمني. أبرزت الحرب تفوق إسرائيل في الدفاع الصاروخي، وأنظمة الإنذار المبكر، والدفاع السيبراني، وهو ما سيثير بلا شك اهتمامًا كبيرًا لدى دول الخليج. مع ذلك، من المرجح أن يظل التعاون العلني مع إسرائيل قضية حساسة بالنسبة لهما، لا سيما بسبب اختلاف وجهات النظر حول القضية الفلسطينية. لذا، من المحتمل أن تستمر القضايا التي أثقلت كاهل العلاقات قبل الحرب في إثقالها بعد انتهائها. علاوة على ذلك، إذا ما نُظر إلى إيران على أنها أقل تهديدًا في نهاية الحرب، فقد يقل حافز دول الخليج على إقامة علاقات أمنية وثيقة مع إسرائيل.

قد تدفع الهجمات الإيرانية على قطر إلى البحث عن قنوات اتصال حذرة مع إسرائيل، مما قد يُحدث شرخًا بين قطر وحماس. من وجهة نظر إسرائيل، قد يُتيح هذا الوضع فرصةً لإبعاد قطر عن حماس، التي كانت في بداية الحرب لا تزال مُتمسكة بولائها لإيران. احتمال حدوث تغيير جذري في السياسة القطرية ضئيل، لكن وضعها الحالي قد يُوفر لإسرائيل، ربما، نفوذًا ورابطًا بين المساعدات الإسرائيلية المُحتملة والتغيير المطلوب في نهج قطر تجاه إسرائيل.

——————————————

هآرتس 19/3/2026

مع ضعف منظومتها الضباطة في الضفة الغربية.. إسرائيل تعرض أمنها وطابعها الديمقراطي للخطر

بقلم: شاؤول اريئيلي

لقد تعودت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن تبرر للرأي العام وللعالم بأنه رغم الواقع الاستثنائي الذي يتمثل بالسيطرة العسكرية على ملايين الفلسطينيين في الضفة الغربية، فإن هناك نظام ضوابط مؤسسياً يمنع تفاقم استخدام القوة التعسفي. لم تكن هذه مجرد شعارات، بل آليات لتحقيق ذلك: جهاز “الشاباك” الذي حارب الإرهاب اليهودي؛ والشرطة الإسرائيلية التي كان من المفروض أن تنفذ القانون على المواطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية؛ والإدارة المدنية التي عملت على حماية حقوق الفلسطينيين؛ ومكتب المدعي العسكري الذي وضع الحدود القانونية؛ والقيادة العليا في الجيش الإسرائيلي التي سعت إلى الحفاظ على التوازن في مواجهة ضغوط قادة المستوطنين أو ضغوط المستوى السياسي؛ والمستوى السياسي الذي حدد حدود العمل؛ والأجواء العامة في إسرائيل التي حافظت، رغم الاختلافات السياسية، على خطوط حمراء ضد العنف المدني.

لقد تآكل نظام الضوابط هذا، وقد أصبح هذا التآكل ملموساً وموثقاً على أرض الواقع في السنوات الأخيرة، وتعمقت هذه التغييرات منذ تشكيل الحكومة الحالية، وزادت حدتها بعد أحداث 7 أكتوبر. فقد أضعفت كل قيود النظام أو تم تحويلها إلى مسارات أخرى أو أنها خضعت لضغوط سياسية.

دائماً شكل القسم اليهودي في “الشاباك” حلقة مهمة في مكافحة عنف المستوطنين، لكنه أصبح في السنوات الأخيرة هدفاً سياسياً. فقد اتهمه وزراء وأعضاء كنيست في اليمين بالملاحقة الأيديولوجية، بل وطالبوا بتقليص صلاحياته. ومن الخطوات البارزة على هذا الصعيد قرار وزير الدفاع يسرائيل كاتس تقليص، بل ووقف، استخدام الاعتقال الإداري ضد أعضاء اليمين المتطرف، الذي كان في السابق أداة رئيسية لمنع الإرهاب اليهودي.

من المفروض أن تكون شرطة إسرائيل أيضاً أحد القيود الرئيسية، لأن المواطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية يخضعون للقانون الإسرائيلي، ومن المفروض أن تحقق الشرطة في الجرائم التي يرتكبها المستوطنون. ولكن بيانات إنفاذ القانون تشير إلى الفشل في ذلك، وتشير تقارير جمعية “يوجد حكم” إلى أن 3 في المئة فقط من ملفات التحقيق في الجرائم بدافع أيديولوجي التي يرتكبها الإسرائيليون ضد الفلسطينيين تنتهي بتوجيه اتهام. بكلمات أخرى، لا يتم تقديم أي أحد للعدالة في معظم حالات العنف مثل الإحراق المتعمد والاعتداء وتدمير الممتلكات. وحتى عند إجراء التحقيق، فعلى الأغلب يتم إغلاق الملفات لعدم كفاية الأدلة. ويساهم نظام إنفاذ القانون برئاسة الوزير بن غفير فعلياً في استمرار العنف.

لسنوات كانت الإدارة المدنية هيئة مهنية ضمن المؤسسة الأمنية، مصممة لإدارة شؤون المدنيين في الضفة الغربية والعمل كعامل موازنة للنشاطات الأمنية التي تنتهك حقوق الفلسطينيين. وكجزء من اتفاقات الائتلاف الحكومي الحالي، نقلت صلاحيات واسعة من الإدارة المدنية إلى وزير الدفاع الثاني سموتريتش، المسؤول عن قطاع الاستيطان. وهذا يعتبر تغييراً هيكلياً جذرياً. سموتريتش أحد القادة البارزين لتوسيع الاستيطان. وعندما تكون هيئة مهنية تابعة بالفعل لكيان سياسي ملتزم بتوسيع الاستيطان، فإنه يصعب اعتبارها كابحاً ناجعاً.

لقد كان مكتب المدعي العسكري من أهم آليات الرقابة، حيث حدد حدود شرعية تصرفات الجيش، وفتح ملفات تحقيق بل وأوقف عمليات عسكرية، وفي السنوات الأخيرة، لا سيما منذ الحرب في قطاع غزة، ازداد الضغط السياسي والشعبي للحد من المراجعات القانونية الموجهة للجيش، وانتشرت عبارة “تقييد أيدي المقاتلين”.

القيادة العليا للجيش الإسرائيلي تقف فوق كل ذلك. أكد جنرالات القيادة المركزية بأن عنف المستوطنين ليس مجرد مشكلة أخلاقية، بل هو تهديد أمني أيضاً. مع ذلك، ازداد التوتر في السنوات الأخيرة بين القوة العسكرية والقوة السياسية. ويرى كثيرون بأن تعيين آفي بلوط في منصب قائد المنطقة الوسطى له دلالات سياسية، حيث يرتبط بلوط بالرأي العام القومي الديني وبالاستيطان، ويخشى المنتقدون من أن يشير تعيينه إلى استعداد أكبر لقبول توسيع المستوطنات ووجود مستوطنين عنيفين.

أما الضابط الأهم فهو القيادة السياسية. عندما يعلن كبار الوزراء عن دعمهم لأعمال المستوطنين أو يهاجمون سلطات إنفاذ القانون فإن رسالتهم تصل. وعندما لا يصبح المستوى السياسي كابحاً، تضعف كل الآليات الأخرى.

أخيراً، المناخ العام. لسنوات جرى نقاش في إسرائيل حول المستوطنات ومستقبل الضفة الغربية. ولكن بقي هناك إجماع واسع ضد العنف المدني. حتى غالبية الجمهور التي تؤيد الاستيطان عارضت أفعال “تدفيع الثمن”. مع ذلك، غير 7 أكتوبر المناخ العام وأدى إلى تشدد المواقف. وتشير الاستطلاعات إلى انخفاض تأييد العملية السياسية وزيادة تأييد الإجراءات القسرية. وعندما يصبح المناخ العام أكثر تسامحاً مع العنف، فستج الآليات المؤسسية صعوبة في مكافحته.

عند فحص هذه العناصر السبعة تتضح لدينا صورة مقلقة. لم يسقط أي منها دفعة واحدة. القسم اليهودي ما زال قائماً، والشرطة ما زالت تجري التحقيقات، والإدارة المدنية فاعلة، والنيابة العسكرية تراجع الإجراءات – لكن كلاً منها فقد حزءاً من سلطته.

يشير الكثير من الدراسات حول النزاعات الممتدة إلى نمط ثابت: عندما تتآكل آليات الرقابة ويزداد تواتر العنف، ينشأ تصاعد في وتيرة العنف. وهذا ما يحدث بالفعل في الضفة الغربية، حيث زاد عدد أحداث العنف بشكل ملحوظ، سواء من قبل المستوطنين أو في سياق العمليات العسكرية. ولا تقتصر عواقب ذلك على النواحي الأخلاقية والقانونية فقط، بل تمتد لتشمل النواحي الأمنية أيضاً.

يعلمنا تاريخ الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين أن التصعيد في الضفة الغربية لا يبقى محصوراً في نطاق ضيق، بل يميل إلى التصاعد بسرعة ويتحول إلى صراع أوسع. لذلك، فإن تآكل آليات الرقابة ليس مجرد مشكلة تتعلق بسيادة القانون، بل هو مشكلة استراتيجية. في نهاية المطاف، لا يكمن السؤال في ما إذا كان يحق لإسرائيل الدفاع عن نفسها – هذا حق أساسي لكل دولة – بل في ما إذا كان يمكنها أيضاً الحفاظ على حدود القوة التي تستخدمها.

لقد وضعت آليات ضبط النفس لهذا الغرض بالتحديد. فإذا تآكلت هذه الآليات فلن تفقد إسرائيل أداة مهمة لإدارة النزاع فحسب، بل سيعرض أمنها واستقرارها وطابعها الديمقراطي للخطر.

—————-انتهت النشرة

Share This Article