من نشوة الضربة الأولى إلى القلق العالمي وتلاشي نشوة النصر

تبدأ الحروب بقرار، لكن استمرارها يفرض واقعًا مختلفًا. وفي هذا الواقع، لا يعود السؤال: من يملك القوة الأكبر؟ بل من يستطيع أن يتحمّل عضّ الأصابع أكثر؟ فالضربة الأولى قد تُصنع في لحظة، لكن ما بعدها تصنعه الأيام والأسابيع، وربما الأشهر

سهيل كيوان

المسار: في بدايات الحروب، تبدو الصورة واضحة، بل مغرية أحيانًا. ضربة أولى ناجحة، وخطاب سياسي واثق، وإحساس بأن الأمور تحت السيطرة. هكذا تُروى الحروب في أيامها الأولى، وهكذا تُبنى التوقعات على أنها ستكون قصيرة وحاسمة.

لكن مع مرور الساعات والأيام، تبدأ الصورة الواضحة التي يرسمها المبادر للضربة بالتشوّش، وتتحول الثقة إلى تساؤلات: ماذا تحقق بالفعل؟ وما مدى صدقية الأرقام التي تُذكر والإنجازات الكبيرة؟ ثم تتحول التساؤلات إلى قلق مفتوح على احتمالات لا يمكن ضبطها بسهولة.

كان الشعور بنشوة الضربة الأولى في إسرائيل مرتفعًا جدًا، لدرجة أن البعض شبّهه بضربة عام 1967 التي افتتحت بها الحرب بتدمير معظم الطيران المصري، وحسمت الحرب خلال ساعات، ولم يبقَ سوى تكملتها في ستة أيام.

تحدثت القيادة ونتنياهو عن أرقام وإنجازات خيالية، بدت معها إيران، ذات المساحات المترامية، قرية فلسطينية في ضواحي نابلس، يفعل بها المستوطنون ما يروق لهم.

يومًا بعد يوم، تتلاشى نشوة النصر، وبدأت تتآكل لصالح إدراك أكثر تعقيدًا بأن الحرب، حين تطول، لا تبقى كما بدأت، بل تتحول إلى حرب استنزاف.

لا شكّ أن الضربة الأولى كانت ضخمة بكل المعايير العسكرية والسياسية، ورافقتها شروط وضعها ترامب ونتنياهو، منها تغيير النظام وفرض الراية البيضاء على إيران.

إلا أن استمرار الحرب واقترابها من حرب استنزاف يعني فشل الأهداف التي أُعلنت في بدايتها.

لقد وصلت الحرب إلى ذروة جديدة من خلال تهديدات دونالد ترامب بضرب مراكز الطاقة في إيران، الأمر الذي يشير إلى عجزه العسكري عن فتح مضيق هرمز، رغم تغنيه بتدمير القوة البحرية الإيرانية، ثم التهديد بهجوم بري، ثم اللجوء إلى التهديد بإحراق مراكز الطاقة في إيران، وهو خيار لا يلجأ إليه منتصر عسكري في الميدان.

يأتي ردّ طهران بأن أي استهداف لنفطها سيقابله استهداف لنفط المنطقة، وهو ما يعني تحوّلًا إلى معادلة خطرة، تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، والميدان بالسوق. فالأمر لا يتعلق فقط بإضعاف الأطراف المتحاربة، بل بإدخال العالم كله في دائرة التأثير.

أي ضربة متبادلة، حتى لو كانت محدودة، ستُحدث صدمة في الأسواق العالمية، وترفع الأسعار، وتنعكس مباشرة على حياة الناس اليومية، من محطات الوقود في الولايات المتحدة إلى الصناعات الكبرى في آسيا. هذا ما يجعل التهديدات تبدو أكبر من مجرد خطوة عسكرية.

في هذا المشهد، لا تبقى المواجهة محصورة بين طرفين. الصين والهند مثلًا، وهما من أكبر مستهلكي الطاقة في العالم، تراقبان بقلق متزايد. فاقتصاداهما يعتمدان على تدفق مستقر للنفط، وأي اضطراب في الخليج يعني ارتفاعًا في التكاليف، وضغطًا على النمو، واحتمالات عدم استقرار داخلي. هذه الدول لا ترفع صوتها عاليًا في الخطاب السياسي، لكنها حاضرة في الحسابات، لأن تأثير الحرب عليها مباشر، حتى وإن لم تكن طرفًا فيها.

روسيا تتحرك في مساحة أكثر تعقيدًا. فهي تستفيد من ارتفاع الأسعار الذي يرافق التوتر، لكنها لا تريد أن يتحول هذا التوتر إلى انفجار شامل يخرج السوق عن السيطرة. لذلك، تدخل المشهد من دون أن تعلن دخولها، عبر توازن دقيق بين الاستفادة من الأزمة ومنعها من التفاقم. حضورها ليس عسكريًا، بل سياسي واقتصادي، يهدف إلى إبقاء المعادلة قائمة دون أن تُحسم، إضافة إلى أن الأنظار التي كانت مركزة على أوكرانيا تحولت إلى الخليج العربي.

هل يمكن لترامب التراجع عن هذه التهديدات بانتهاء مهلة الثماني والأربعين ساعة؟ تهديد ترامب يشير إلى تحوّل من نشوة الضربة الأولى إلى قلق الاستمرار في الحرب دون تحقيق أهدافها. بل ويبدو وكأنه يستجير بحلفاء أميركا التقليديين بأن ينضموا إلى حربه وحرب نتنياهو.

وتخويف أوروبا من صواريخ إيرانية ممكن أن تصل إلى 4000 كيلومتر، وهو ما لم تؤكده إيران ولم تنفه بصورة قاطعة.

الحروب لا تُقاس فقط بما تحققه في بدايتها، بل بما تفرضه مع مرور الوقت. كل يوم إضافي يضيف كلفة، وكل تأخير في الحسم يفتح بابًا لمخاطر جديدة، وكل تهديد غير محسوب قد يتحول إلى واقع لا يمكن السيطرة عليه.

لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت شبكة معقدة من المصالح الدولية المتشابكة. ما يجري في الخليج لا يبقى في الخليج، بل يمتد إلى الأسواق العالمية، وإلى قرارات الدول الكبرى، وإلى حياة الأفراد في أماكن بعيدة. وحين يصبح النفط هو الهدف والوسيلة في آن واحد، تتحول الحرب إلى اختبار للقدرة على التحمل، ليس فقط للقدرة على الضرب.

تبدأ الحروب بقرار، لكن استمرارها يفرض واقعًا مختلفًا. وفي هذا الواقع، لا يعود السؤال: من يملك القوة الأكبر؟ بل من يستطيع أن يتحمّل عضّ الأصابع أكثر؟ فالضربة الأولى قد تُصنع في لحظة، لكن ما بعدها تصنعه الأيام والأسابيع، وربما الأشهر والسنوات.

عن عرب 48

Share This Article