المسار :في الحروب الكبرى، لا تكون نهاية المعارك هي اللحظة الحاسمة بقدر ما تكون “طريقة الخروج” منها، إذ تتحول الاستراتيجية من إدارة النار إلى إدارة الصورة، ومن حسابات الميدان إلى حسابات الرواية، وفي الحرب الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تبدو معضلة الخروج أكثر تعقيداً من الحرب نفسها، لأن كل طرف لا يبحث فقط عن وقف القتال، بل عن “صورة انتصار” يمكن تسويقها داخلياً وخارجياً، حتى وإن كانت بعيدة عن حقيقة ما جرى على الأرض.
منذ البداية، دخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذه الحرب بعقلية الحسم السريع، مستنداً إلى تصور مبسط لطبيعة الصراع، يقوم على توجيه ضربات قاسية تُرغم الخصم على التراجع، وتفتح الباب أمام إعلان نصر سياسي سريع، غير أن هذا التصور اصطدم بواقع مختلف تماماً، حيث تحولت المواجهة إلى حرب استنزاف مفتوحة، متعددة الساحات، لا يمكن حسمها بقرار أحادي أو ضربة خاطفة، وهنا برزت أزمة عميقة في بنية القرار، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الاعتبارات الشخصية، وتظهر النرجسية السياسية كعامل ضغط يدفع نحو تضخيم الإنجازات وتقليل حجم الخسائر، في محاولة للحفاظ على صورة الزعيم القادر على السيطرة.
لكن المشكلة في هذا النمط من التفكير أنه يخلق فجوة متزايدة بين الخطاب والواقع، فكلما طال أمد الحرب، بات من الصعب إقناع الرأي العام بأن ما يجري هو “انتصار”، خاصة مع تزايد الكلفة الاقتصادية والعسكرية، واتساع رقعة التوتر في الإقليم، وهنا تصبح “استراتيجية الخروج” معركة بحد ذاتها، لأن أي تراجع قد يُفسر كهزيمة، في حين أن الاستمرار في الحرب يحمل مخاطر أكبر، ليس فقط على مستوى الخسائر، بل على مستوى الانزلاق إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى هذه الحرب من زاوية مختلفة، فهي لا ترى في النهاية السريعة مصلحة استراتيجية، بل تعتبر أن إطالة أمد المواجهة يمنحها فرصة لتحقيق أهداف أعمق، تتجاوز حدود الاشتباك المباشر مع إيران، فالحرب بالنسبة لها، ليست مجرد رد فعل، بل أداة لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية، واستنزاف الخصوم، وإبقاء الولايات المتحدة منخرطة بشكل دائم في معادلات المنطقة، من هنا يصبح استمرار الحرب خياراً واعياً، لا نتيجة لفشل في إنهائها، بل تعبيراً عن رغبة في إدارتها ضمن سقف محسوب.
هذا التباين بين الرغبة الأميركية في إيجاد مخرج، والمصلحة الإسرائيلية في إبقاء النار مشتعلة، يخلق توتراً ضمنياً في طبيعة التحالف، حيث تتقاطع الأهداف في بعض النقاط، لكنها تتباعد في نقطة الحسم: متى وكيف تنتهي الحرب؟ فواشنطن، تحت ضغط الداخل وكلفة الانخراط الطويل، تبحث عن صيغة تتيح لها إعلان “إنجاز” ما، حتى لو كان جزئياً، بينما ترى تل أبيب أن أي نهاية لا تحقق تحولاً جذرياً في موازين القوى قد تُفقد الحرب معناها.
أما إيران، فهي تدير الصراع بمنطق مختلف، يقوم على امتصاص الضربات، وتوسيع مساحات الرد غير المباشر، وتحويل الحرب إلى مسار طويل الأمد، تتراكم فيه عناصر القوة تدريجياً، فبالنسبة لها لا يُقاس الانتصار بالسيطرة الفورية، بل بالقدرة على الصمود، وفرض معادلات ردع جديدة، وإفشال أهداف الخصوم في كسر إرادتها، ومن هذا المنطلق، فإن أي نهاية للحرب يجب أن تتضمن اعترافاً ضمنياً بهذا الصمود، وهو ما يزيد من تعقيد معادلة الخروج بالنسبة للأطراف الأخرى.
في هذا المشهد المعقد، تتحول “صورة الانتصار” إلى عنصر حاسم، وربما أهم من الانتصار ذاته، فالإدارة الأميركية تحتاج إلى رواية تُقنع جمهورها بأنها حققت أهدافها، حتى لو لم تكن تلك الأهداف قد تحققت بالكامل، وإسرائيل تسعى إلى تقديم الحرب كجزء من مسار طويل لإعادة تشكيل المنطقة، بينما تعمل إيران على ترسيخ صورة الصمود والانتصار المعنوي، وهكذا يصبح الصراع على الرواية موازياً للصراع على الأرض، بل وقد يكون أكثر تأثيراً في تحديد نتائج الحرب.
في النهاية، لا يبدو أن هذه الحرب تقترب من خاتمة واضحة، لأن شروط إنهائها لم تنضج بعد، ولأن كل طرف لا يزال يرى في استمرارها فرصة لتحقيق مكاسب إضافية، أو لتجنب خسائر أكبر، وبين أوهام الحسم السريع التي رافقت دونالد ترامب، وحسابات الاستنزاف التي تتبناها إسرائيل، واستراتيجية النفس الطويل التي تعتمدها إيران، تبقى المنطقة رهينة صراع مفتوح، لا تُحسم نتائجه في الميدان فقط، بل في قدرة كل طرف على كتابة نهاية القصة بالشكل الذي يريده، حتى لو كانت تلك النهاية بعيدة عن الحقيقة.![]()

