المسار: صنّف مكتب “مراقبة الأصول الأجنبية” (تابع لوزارة الخزانة الأمريكية) أربع منظمات إغاثية وإنسانية دولية تعمل في قطاع غزة ضمن قوائم ما تصفه بدعم “الإرهاب”، في خطوة تندرج ضمن سلسلة إجراءات متصاعدة تستهدف القطاع الإغاثي في غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.
القرار الصادر في 12 من آذار/مارس الماضي يأتي امتدادًا لإجراء مماثل اتخذته وزارتا الخزانة والخارجية الأمريكية مطلع العام الجاري، حين أدرجت سبع جمعيات خيرية فلسطينية ضمن التصنيف ذاته، على خلفية اتهامات بتوجيه دعم مالي لفصائل فلسطينية، وتحديدًا الذراع العسكري لحركة حماس.
وبين القرارين، يرى مراقبون أن ملامح سياسة أمريكية آخذة في التشكل، لا تستهدف منظمات بعينها فقط، بل تمتد لتشمل الفضاء الإغاثي ككل، في وقت يمر فيه قطاع غزة بظروف إنسانية واقتصادية بالغة التعقيد.
وإن المنظمات المستهدفة بالقرار الأمريكي هي: جمعية وقف غازي للتعليم والأعمال الخيرية، وجمعية الأيدي البيضاء الفلسطينية للمساعدة والتضامن، ومنظمة طريق الحياة، واللجنة الوطنية لشعب فلسطين.
أما المنظمات المستهدفة بالقرار في يناير الماضي فهي: منظمة المؤتمر الشعبي للفلسطينيين في الخارج، وجمعية النور، وجمعية السلامة، وجمعية الأيادي الرحيمة، وجمعية قوافل، وجمعية واعد.
لم تقتصر الإجراءات الأمريكية على استهداف الكيانات الاقتصادية فحسب، بل امتدت لتشمل العشرات من أبناء الجاليات الفلسطينية المقيمة في الخارج، ولا سيما في القارة الأوروبية. ووفق التصنيف ذاته، أدرجت مجموعة من الأسماء على قوائم الإرهاب، من بينهم: محمد أبو مرعي، أمين أبو راشد، إسراء أبو راشد، زكي عرعراوي، أحمد البراهيمي، محمد حنون، ماجد الزير، عادل دوغمان، وزاهر بيراوي.
وتُعد هذه المؤسسات جزءًا أساسيًا من شبكة الأمان الإنساني في غزة، إذ تسهم في سد فجوات كبيرة ناجمة عن ضعف الموارد المحلية والقيود المفروضة على النشاط الاقتصادي.
ومع استمرار هذه الإجراءات، تتزايد المخاوف من تفاقم الأزمة الإنسانية، خصوصًا في أوساط النازحين، الذين باتت المساعدات بالنسبة لهم شريان الحياة الوحيد.
ويعتمد غالبية سكان القطاع بشكل شبه كامل على المساعدات الخارجية، في ظل انهيار واسع في البنية الاقتصادية وتراجع حاد في فرص العمل ومصادر الدخل. أي قيود على العمل الإنساني تؤثر مباشرة على حياة مئات آلاف الأسر.
وفي سياق حرب الإبادة “الإسرائيلية” على قطاع غزة، لم يقتصر استهداف العمل الإنساني على القيود القانونية والمالية، بل امتد إلى الميدان ليطال العاملين في هذا القطاع.
فقد تعرضت جمعيات إغاثية وناشطون إنسانيون لاستهداف مباشر من قبل جيش الاحتلال، في وقت وثقت فيه الأمم المتحدة استشهاد أكثر من 480 من العاملين في المجال الإغاثي أثناء تأدية مهامهم في توزيع المساعدات وتقديم الخدمات الأساسية.
وفي هذا الإطار، يرى مراقبون أن الإجراءات الأمريكية الأخيرة تمثل امتدادًا لهذا المسار، وإن اختلفت أدواته، إذ تعزز الضغوط الميدانية عبر فرض قيود مالية وقانونية على الفضاء الإنساني، ما يفاقم التحديات أمام المؤسسات الإغاثية ويقوض قدرتها على الاستمرار.
بدوره، يرى الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر أن تزامن الاستهداف الميداني “الإسرائيلي” مع القيود المالية الأمريكية لا يضغط فقط على العمل الإنساني، بل يعيد تشكيل البيئة الاقتصادية في غزة بشكل قسري.
ويشير أبو قمر إلى أن تجفيف قنوات التمويل، سواء عبر القيود على التحويلات المالية أو تصنيف بعض الجهات كـ”منظمات معادية”، سيؤدي إلى تعطيل ما يعرف بـ”اقتصاد المساعدات” أو “الاقتصاد الإغاثي”، الذي يمثل شريانًا حيويًا في ظل انهيار القطاعات الإنتاجية.
ويضيف أن هذا التداخل بين الضغوط الميدانية والمالية يؤدي إلى تفكيك تدريجي لمنظومة الصمود المجتمعي، إذ لم تعد المساعدات مجرد دعم إنساني، بل عنصرًا أساسيًا للحفاظ على الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي، ما يسرع من التدهور الإنساني والاقتصادي معًا.
المصدر: قدس برس

