أمس وقبل التوصل لاتفاق الهدنة، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتدمير «حضارة كاملة» في سياق التصعيد مع إيران. هذا التصريح يفتح باب مناقشة تاريخية وسياسية لفكرة محو الحضارات وحدود القوة العسكرية.
المسار: قبل ساعات من التوصل إلى اتفاقية وقف إطلاق النار المؤقت بين كلّ من إيران والولايات المتحدة الأميركية، وفي لحظة تصعيدٍ حادٍ، خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليعلن، مع اقتراب انتهاء مهلة فتح مضيق هرمز، أن «حضارةً كاملةً ستموت الليلة، ولن تعود أبداً».
لم يكن التصريح مجرد تهديدٍ عسكريٍ تقليديٍ، بل انزلق إلى مستوى رمزي أكثر خطورة، حيث لم يعد الحديث عن ضرب منشآتٍ أو أهداف استراتيجية، بل عن «القضاء على حضارة» بكاملها، في إشارة إلى إيران بوصفها كياناً تاريخياً وثقافياً متراكباً عبر آلاف السنين.
الحضارات لا تُمحى بضربة عسكرية بل تتحول عبر التاريخ
هذا النوع من التهديد لا يمكن قراءته فقط في سياق الحرب الدائرة، بل يتجاوزها إلى سؤالٍ أعمق: كيف يمكن لعقل سياسي معاصر أن يتصور إمكانية محو حضارةٍ؟ وهل الحضارات تُدمَّر فعلاً بقرار عسكري أو ضربة قاصمة، أم أن التاريخ يسير بمنطق أكثر تعقيداً من ذلك بكثير؟ من الناحية السياسية، يعكس هذا التصريح ذروة ما يمكن تسميته «لغة الحافة»، أي استخدام أقصى درجات التهديد لفرض وقائع تفاوضيةٍ في لحظة حرجة.
غير أن خطورته لا تكمن فقط في مضمونه العسكري، بل في كونه يعيد إحياء تصورٍ بدائيٍ عن القوة، يرى في القدرة التدميرية وسيلةً لمحو الذاكرة والتاريخ والهوية. هنا يتحول الصراع من نزاع جيوسياسي إلى محاولة رمزية لإلغاء الآخر، لا مجرد هزيمته.
لكن التاريخ، في مقابل هذا التصور، يقدم سردية مغايرة تماماً. فالحضارات لا تسقط بضربة خارجية مفاجئة، بل نتيجة تفاعل معقد بين عوامل داخلية وخارجية، حيث يتراكم العجز عن التكيف مع التحديات السياسية والاقتصادية والبيئية. وعندما تبلغ الأنظمة درجةً من التعقيد تفوق قدرتها على الاستمرار، تبدأ بالتفكك التدريجي، خاصةً إذا ترافق ذلك مع سوء إدارة الموارد أو اختلال التوازن بين المجتمع والدولة.
-

قصر جولستان التاريخي في طهران والذي تعرض لأضرار بسبب القصف الإسرائيلي (من الويب)
بهذا المعنى، لا يمكن اختزال نهاية حضارة في ضربة عسكرية، مهما بلغت قوتها. فحتى أكثر اللحظات دمويةً في التاريخ لم تؤدِّ إلى محوٍ كاملٍ للحضارات. عند سقوط الإمبراطورية الرومانية، لم تختفِ الثقافة الرومانية، بل تحولت وأُعيد تشكيلها داخل أوروبا الوسيطة. وعند اجتياح المغول لمدنٍ كبرى في العالم الإسلامي، كما في سقوط بغداد 1258، لم تُمحَ الحضارة الإسلامية، بل أعادت إنتاج نفسها بأشكال مختلفة.
الأمر ذاته ينطبق على إيران، التي تمثل واحدةً من أقدم الاستمراريات الحضارية في العالم، منذ الإمبراطوريات الأخمينية مروراً بالساسانية وصولاً إلى الدولة الحديثة. هذه الحضارة لم تنقطع رغم الغزوات، من الإسكندر المقدوني إلى الفتح الإسلامي، بل كانت قادرةً في كل مرةٍ على امتصاص الصدمة وإعادة إنتاج ذاتها ضمن سياقات جديدة.
التاريخ يثبت أن «النهايات» غالباً ما تكون بدايات جديدة
ما يغيب عن تهديد ترامب بتدمير الحضارة هو أن الحضارات ليست مجرد بنىً ماديةً يمكن قصفها أو تدميرها، بل هي منظومات معقدة من اللغة والذاكرة والرموز والعلاقات الاجتماعية. يمكن تدمير المدن، تعطيل الاقتصاد، وحتى إسقاط الدول، لكن محو حضارة يتطلب اقتلاع الإنسان ذاته من تاريخه، وهو أمرٌ لم تنجح فيه أي قوةٍ عبر التاريخ.
ومع ذلك، لا يعني هذا التقليل من خطورة الحروب الحديثة، فالتدمير الشامل للبنية التحتية، واستهداف المراكز الثقافية، وإضعاف النسيج الاجتماعي، كلها عوامل قد تدفع حضارة ما إلى مرحلةٍ من الانكفاء أو التحول الحاد. لكن هذا يختلف جذرياً عن فكرة «الإبادة الحضارية» التي يوحي بها الخطاب السياسي المتطرف.
في هذا السياق، يمكن فهم تهديد دونالد ترامب بوصفه تعبيراً عن منطق القوة القصوى في العلاقات الدولية، حيث يُعاد تعريف الصراع ليس كتنافس بين دول، بل كصراع وجودي، غير أن هذا المنطق يصطدم بحقيقة تاريخية ثابتة، الحضارات لا تُباد، بل تتحول. وما يبدو في لحظةٍ ما كـ«نهاية»، قد يكون في الواقع بداية طور جديد من إعادة التشكل، حيث تعيد المجتمعات صياغة ذاتها وهويتها في مواجهة التهديد، وغالباً ما يُفضي ذلك إلى انتماء أشد تماسكاً، وإلى تصاعد أشكال الدعم الداخلي، بل وحتى إلى ولادة أنماط أكثر صلابة من المقاومة.
عن الأخبار اللبنانبة


