بالرغم من تهديدات ترامب الجوفاء بالقضاء على حضارة عريقة امتدت على مدى آلاف السنين، وبإعادة إيران للعصر الحجري، وبنتيجة لصمود إيران شعبا وقوات مسلحة وقيادة طوال 40 يوم من العدوان الامريكي- الإسرائيلي عليها، تراجع ترامب ووافق بإعلان منه على شروط إيران العشرة مقابل النقاط ال15 الأمريكية، وأعلن وقف العدوان لمدة أسبوعين يجري خلالها التفاوض على كل القضايا الخلافية ، وذلك بعدما أجادت إيران استخدام عناصر القوة والمقدرات العسكرية التي تملكها، وأضافت إليها عنصر قوة آخر يتمثل بتحكّمها بمضيق هرمز وأزمة الطاقة التي سببتها لأمريكيا والغرب وللدول المصطفة حولها وحول إسرائيل والداعمة للعدوان، كل ذلك في مواجهة أقوى دولتين أمريكيا عالميا وإسرائيل إقليميا.
نجحت إيران في جعل فتح مضيق هرمز الهدف الرئيسي للأمريكان والأولوية القصوى للرئيس الأمريكي في ظل تراجع الملفات الأخرى التووي والصاروخي ودعم طهران لجبهات المقاومة الأخرى في المنطقة والتي لم يات ترامب على ذكرها، بينما بقي هدف إسرائيل هو إلحاق أكبر ضرر بالدولة الإيرانية والقضاء على قدراتها العلمية والعسكربة والإقتصادية، خدمة لأهدافها التوسعية في إزالة آخر عقية كأداء أمام مشروعها في شرق أوسط تتسيده، وفي نفس الوقت الذي أعلن فيه ترامب وقف إطلاق النار استمرت إيران في إطلاق صواريخها على دولة الإحتلال، في حين صرّح مسؤولون أمريكان، أن واشنطن ملتزمة بوقف عملياتها، ما لم تتعرض قواتها لهجمات إيرانية ضاربة بعرض الحائط دول الخليج العربي ودولة الإحتلال.
إن قبول واشنطن مضطرة لشروط أو لنقاط إيران العشرة أساسا للتفاوض، جاء بعد ساعات قليلة من استخدام الفيتو الروسي – الصيني ضد قرار فتح مضيق هرمز، وقبل ساعات من انتهاء المهلة التي حددها ترامب بنفسه وتهديده، وبعدما فشل الإنزال الأمربكي في أصفهان الذي أكدت العديد من التحليلات والتقديرات بما فيها الأمريكية، بأن هدفه كان الإستيلاء على اليورانيوم المخصّب وليس إنقاذ الطيار الأمريكي، يدلّل بوضوح أن إيران قد نجحت برفع تكلفة الحرب على أطراف العدوان وداعميه اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، وخاصة مع اقتراب الإنتخابات النصفية في الولايات المتحدة الأمريكية، وخشية ترامب والحزب الجمهوري من خسارتها في ظل التحولات في الداخل الأمريكي ومعارضة غالبية الأمريكيين للحرب على إيران -وفقط ما نسبته 39% من الشعب الأمريكي يؤيدها-، هذا عوضا عن حملة الإقالات والفوضى في البيت الأبيض حسب آخر تقارير إعلامية أمريكية على خلفية العدوان على إيران. أي بمعنى آخر فإن هذه المفاوضات ستكون محكومة بميزان القوى الجديد الذي خلقه الصمود الإيراني.
مكاسب كثيرة ستحققها إيران بالرغم من التدمير الكبير الذي ألحقه العدوان بها سواء فيما يتعلق بتسليم أمريكيا بحقها بتخصيب اليورانيوم، أو برفع العقوبات الإقتصادية والإفراج عن أمولها المجمدة في الخارج والتعويصات عن الآضرار التي خلفها العدوان، وبشمول لبنان في أي تسوية مقبلة ووقف العدوان الإسرائيلي عليه، واشتراط إيران على أن أي اتفاق مع الأمريكان يتوجب أن يحظى باعتماد وتصديق مجلس الأمن الدولي وغيرها من المكاسب، ولكن الأهم أن حلم إسرائيل الكبرى إقليميا بالمعنى العسكري والإقتصادي والعلمي، وليس فقط بالمعنى الجغرافي، قد تم توجيه ضربة شبه قاضية له، وأن نتنياهو سيواجه أكبر هزيمة في تاريخه الحافل بالهزائم بعد فشله في تحقيق أيا من أهدافه المعلنة بالنسبة لإيران أو لبنان ومن ضمنها القضاء على النظام الإيراني.. ومرة أخرى سيظهر في عيون الإسرائيليين بأنه ينفذ ما يقرره ترامب، وقد بدأ الإعلام والمحللون في إسرائيل يتحدثون عن تراجع ترامب وهزيمة نتنياهو.
إن نتائج هذه الحرب على إيران والتداعيات الإقليمية والدولية التي نجمت عنها، من شانها ليس فقط أن تعيد رسم معالم جديدة للشرق الأوسط على عكس ما كان يأمل نتنياهو ، بل وكذلك على صعيد دول الخليج العربي، فقد حان الوقت لأن تدرك شعوبها قبل قادتها، أن وجود القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج هو لحماية دولة الإحتلال وليس لدولها، وأن على الدول التي طبّعت مع إسرائيل على اعتبارها قوة قادرة على حمايتها من ما يسمّى ” البعبع الإيراني ” أن تعيد حساباتها بعدما تبين ضعفها الشديد أمام الهجمات الإيرانية، وحتما فإن نتائج الحرب على إيران ونتائجها وبدء هبوط الزعامة الأمريكية دوليا، من شأنه أن يصب في خدمة القوى الصاعدة ” روسيا والصين” بما يمهد لنظام دولي متعدد الأقطاب. فما بعد العدوان لن يكون كما كان من قبل.

