المسار: تونس – عن”القدس العربي”: نددت أحزاب ومنظمات حقوقية ومدنية بقرار السلطات التونسية تجميد نشاط رابطة حقوق الإنسان لمدة شهر، محذرين من تصفية “آخر قلاع الديموقراطية” في البلاد، وخاصة أنها حصلت على جائزة نوبل للسلام عام 2015 ضمن الرباعي الراعي للحوار الوطني.
وأعلنت الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، الجمعة، تلقيها حكما قضائيا بتجميد نشاطها لمدة شهر، معتبرة أنه “إجراء تعسفي وخطير، يشكل انتهاكا صارخا لحرية التنظيم والعمل الجمعياتي، ومساسا مباشرا بأحد أهم المكاسب الديمقراطية والحقوقية التي ناضل من أجلها التونسيون”.
كما اعتبرت أن هذا الإجراء “لا يمكن اعتباره معزولا عن سياق عام تعيشه البلاد، يتسم بتصاعد التضييق الممنهج على المجتمع المدني والأصوات الحرة والمستقلة، ومحاولة مكشوفة لإخضاع كل من ظل وفيا للمبادئ الكونية لحقوق الإنسان، ومدافعا عن دولة القانون والمؤسسات، وعن حرية التعبير وحرية التنظم والتعددية”.
كما أكدت في بيان لاحق، الأحد، رفضها المطلق لـ”هذا القرار الجائر، واعتباره قرارا سياسيا يهدف إلى التضييق على الرابطة ومنعها من الاضطلاع بدورها الوطني والتاريخي في الدفاع عن الحقوق والحريات ومناهضة الظلم أيا كان مصدره وضحيته”.
كما أكدت تمسكها بحقها في “التصدي لهذا القرار بكل الوسائل القانونية والنضالية المشروعة”.
وأثار القرار موجة استنكار واسعة في تونس، حيث حذر الحزب الجمهوري من “تصفية العمل الجمعياتي المستقل وتجريم الفعل المدني عبر توظيف القضاء والإدارة والآليات المالية وحملات التشويه لضرب كل منظمة أو جمعية تواصل الدفاع عن الحقوق والحريات”.
واعتبر أن “ما يحدث اليوم ليس مجرد تطبيق انتقائي للقانون، بل هو جزء من مشروع سياسي لتفكيك المجتمع المدني وفرض مناخ من الخوف والصمت للتغطية على الفشل السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه البلاد”.
وأكد الحزب الاشتراكي أن رابطة حقوق الإنسان مرت منذ تأسيسها بأزمات عدة افتعلتها الأنظمة السياسية التي حكمت تونس و”رغم المحاصرة والمنع المتواصل منذ عشرات السنين -بشتى الأشكال- عن ممارسة نشاطها الطبيعي في الدفاع عن حقوق كل الناس وعن الحريات والديمقراطية، فإنها لم تعرف إيقافا عن النشاط بشكل مؤقت إلا في ظل حكم سلطة 25 جويلية/ تموز، مثلما وقع لمنتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وجمعية النساء الديمقراطيات”.
واعتبر الحزب أن “ما وقع اليوم في حق منظمة عريقة ناهضت الظلم والاستبداد هو استهداف لآخر قلاع المجتمع المدني الديمقراطي، وهو يطرح بكل إلحاح وحدة كل الغيورين على هذا الصرح الحقوقي من أحزاب ديمقراطية وتقدمية ومنظمات وجمعيات ونشطاء حقوق الإنسان دفاعا عن الرابطة، فدفاعنا عنها هو دفاع عن تونس الحرية والديمقراطية، وستظل الرابطة منبر من لا منبر له تندد بالاعتداءات وتقف ضد الظلم والقمع مهما كان مأتاهما”.
وكتب المحامي سامي بن غازي “من اتّخذ قرار تعليق نشاط الرابطة لا يعرف تونس، ولم يقرأ تاريخها الحديث”، مؤكدا أن “محاولات إخضاع هذه المنظمة انتهت دائماً إلى نفس النتيجة: العجز عن كسرها، رغم تغيّر الأدوات وتبدّل السياقات”.
وأكد أن نظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي فشل، بكل ما يملكه من سلطة وأدوات، في إخضاع رابطة حقوق الإنسان و”اليوم حين يُعاد إنتاج نفس المقاربة في سياق أضعف، وبأدوات أقلّ تماسُكاً، يبدو الأمر أقرب إلى إعادة تمثيل تجربة فاشلة، معتقدين بأنّ ما عجز عنه نظام بن علي بكامل قوته يمكن أن يتحقّق اليوم”.
وأعربت منظمة محامون بلا حدود عن “تضامنها المطلق واللا مشروط مع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان الحائزة على جائزة نوبل للسلام وعميدة الجمعيات الحقوقية في العالم العربي والقارة الإفريقية، وذلك على إثر تعليق نشاطها لمدة ثلاثين يوما”.
واعتبرت أن هذا الإجراء “يندرج في سياق متواصل من التضييق على الفاعلين المدنيين، ويمثل مساسا خطيرا بحرية العمل الجمعياتي واستقلالية المنظمات الحقوقية، كما يعكس توجها مقلقا نحو تكميم الأصوات المستقلة والناقدة”.
وكتب النائب محمد علي “في لحظة كان يُفترض أن تكون للاحتفاء بخمسينية الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ونضالاتها، نجد أنفسنا اليوم أمام قرار تعليق نشاطها لشهر، في مشهد يعيد إلى الأذهان صفحات مؤلمة عشناها قبل 2011”.
وحذر من “تصور سلطوي للفضاء الجمعياتي والعام، يقوم على الشك في استقلالية الفاعلين المدنيين والسعي إلى إخضاعهم لمنطق الرقابة والضبط. وهو ما يتناقض جوهريًا مع روح الدستور ومع المبادئ الكونية لحرية التنظيم والعمل المدني، ويطرح تحديًا حقيقيًا أمام مستقبل الديمقراطية في البلاد”.
ودعا منتدى الحقوق والحريات إلى التراجع عن قرار تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان واحترام استقلالية المنظمات المدنية، محملا السلطات المسؤولية الكاملة عن تدهور وضع الحريات في البلاد.
كما دعا القوى الحية من منظمات وهيئات ونقابات إلى توحيد الجهود للدفاع عن حرية التعبير واستقلالية العمل الحقوقي، معتبرا أن “حرية التعبير ليست امتيازا ظرفيا بل هي شرط بنيوي لقيام مجتمع ديمقراطي، وأي مساس بها هو مساس بجوهر العقد الاجتماعي نفسه”.

