كتب عيسى قراقع: إسمه وليد خالد احمد…الطفل الذي مات جوعا في الزنزانة

 المسار: هذا ليس خبرا عاديا، أن يموت الطفل القاصر وليد خالد احمد 17 عاما من سكان سلواد قضاء رام الله في سجن مجدو يوم 22.3.2025 بسبب الجوع، ولأول مرة تعترف المحكمة الاسرائيلية انه توفي بسبب سوء التغذية الحاد، حيث اصيب بالهزال الشديد وضمور العضلات وأمراض عديدة، ولم يتلق العلاج، افترسه الجوع بقرار، وظل جائعا بعد الموت واحتجاز جثمانه في الثلاجات.

الطبيب الذي أشرف على تشريح جثمانه اكتشف أن هذا الصغير حرموه من الطعام وكسرة الخبز فترة طويلة، ووجد أن جسمه اليانع قد انكمش وانطوى وأصابه الجفاف والمرض، وعلى شفتيه الناشفتين اسئلة الطفولة، وفي عينيه دهشة الصغير وهو ينادي على أمه بعد عودته من المدرسة.

الشهيد القاصر وليد هو أول طفل يستشهد في سجون الاحتلال بعد السابع من اكتوبر 2023، لينضم إلى جانب المئات من الاسرى الذين فتك بهم التجويع والتعذيب والحرمان من كل مقومات الحياة.

ابناؤكم ليسوا بخير، يؤسفني أن أقول ذلك، طعام الأسير لا يكفي قطة، السجون جحيم حقيقي ومقبرة للاحياء، لا تتركوا الاسرى فهم جوعى للحرية والكرامة، هذه كلمات الصحفي علي السمودي الذي أفرج عنه من سجون الاحتلال بعد قضاء عام في الاعتقال الاداري، وقد ظهر هزيلا متعبا بسبب الظروف الوحشية التي يتعرض لها الاسرى في السجون، لقد نجا علي من الموت، لكنه يحمل صوت الموت من هناك، وهو يفتك بالأسرى اطفالا وشبابا ونساء.

استشهاد الفتى وليد خالد ليس حادثة فردية، بل هو حلقة في سلسلة الإبادة الصامتة التي تمارسها دولة الاحتلال ضد الأسرى الفلسطينيين، أنه حبل المشنقة وآلة الإعدام المفترسة قبل أن تشرع بقانون وحفلات انتقام صاخبة، تحويل الجوع إلى سلاح وسياسة ممنهجة في سياسات الاستعمار والاحتلال، هندسة الجوع بتقنية استعمارية متعمدة، إخضاع الأجساد وكسر الإرادات وتصفية مشروعية المقاومة.

الشهيد وليد فقد الوعي، خنقه الجوع وانتشار الأمراض الجلدية على جسده، لم يسمعه احد، لا ماء ولا طعام ، لا نوم، وقد انقبضت الأمعاء وعضلات القلب وجدار الصدر والبطن، تمزق الجسد من الداخل، تقلص كيانه خلية خلية، الرعب والخوف والحلم المؤجل، مات الطفل الف مرة وهو ينتظر أحدا  كي يتدخل، الباب مغلق والساحة تعج بالجنود والبنادق والهراوات، الطفل يصرخ ويرتعش بردا وجوعا، ويشهق ثم يشهق حتى آخر ما يفهمه العالم عن قاصر يفقد الطفولة في صمته الجائع إلى البقاء حيا.

الطفل وليد لم يعد إلى البيت، لم تستقبله ازهار الربيع في شهر نيسان واعشاش الحمام، لا نراه يلعب الكرة مع اصدقائه في شوارع القرية، لم يذهب إلى غرفة الصف عندما قرع جرس المدرسة، أخذوا منه الكتب والاقلام والورد والكلمات والحياة القادمة فجأة،

وليد رأى الموت قبل أن يتعلم اسمه، لم يكن يعرف أن للجوع نهاية تشبه الهاوية، كان يظنه مثل الليل يأتي ثم يمر، ولم يكن يعرف أن الجسد يمكن أن يخذل طفولته، أن يصير خفيفا كأنه يغادر نفسه دون وداع.

دولة اسرائيل النووية قتلت الطفل وليد في سجونها قبل أن يتعلم معنى الموت، كان يحب الحياة كما تحبها العصافير بلا خوف، بلا تفسير، بلا أسئلة ثقيلة، وفي يومه الاخير، لم يفهم لماذا يكره الجلادون الاطفال وابتساماتهم الجميلة، الاطفال لا يحفظون اسماء الموت، ولا يتدربون على الفقد،، أنهم يركضون نحو الضوء كما لو أن العالم خلق لهم فقط، لكنهم في هذه السجون كبروا بسرعة، وتعلموا اشياء لم تكتب في كتب المدرسة:  اغتصاب الطفولة، غياب الخبز والحلوى والالعاب، لون الموت كبرودة تزحف ببطء، باب يغلق، عتمة، سجانون مقنعون لا يشبهون البشر، وليد لم يكن مستعدا للرحيل، كان جائعا فقط، لكنهم تركوه جوعانا بلا رحمة.

اسمه وليد خالد احمد، مات جوعانا في زنزانة عارية، مقيدا ومربوطا ووحيدا، تعرض للضرب المبرح منذ لحظة اعتقاله، الشتم والتحقير والصعق بالكهرباء والعنف الجنسي، التهديد والاعتداء بالكلاب، وقد بلغ سن الرشد بين الحديد والاسمنت، واكتشف أن الأطفال قنابل بشرية يتم تفجيرها جسديا ونفسيا في تلك الأجواء المرعبة، وعندما راي صور البيوت المدمرة والانقاض والدماء التي علقتها إدارة السجون في ساحات السجن، اشتم رائحة الإبادة في غزة، وان قضية الأسرى الاطفال امتدادا لهذه الجرائم المستمرة.

منذ العدوان الدموي على غزة، اعتقل الاحتلال أكثر من 1630 طفلا قاصرا والمئات من أطفال غزة، لا زيارات، لا حماية ورعاية، لا محاكمات عادلة، لا صوت للعدالة الدولية وهي تحتفل باليوم العالمي للطفل في كل عام، هو خارج النص والكلام، جوعانا حتى في خيال اللغة والاستعارة والمجاز، لم يمنح لا النجاة ولا الشهادة، لم يكتب سيرته، كان يريد أن يأكل قبل أن يصبح الالم مادة للسرد وقصة في فتات الحكاية.

اسمه وليد خالد احمد، مات جوعانا في زنزانة، طفولة محاصرة، مغلقة، وهنا وجد أن الجوع يعاد تعريفه، الحرمان من الشرط الأول للحياة: أن يأكل، أن ينمو، أن يحلم، وهنا يظهر الاستعمار لا فقط كقوة عسكرية، بل كنظام يحدد من يحق له الخبز ومن يترك ليموت جوعا، الجوع في السجن سلاح سياسي يمتد في العقل والجغرافيا والوعي، أن تعيش بشروط، وان تموت بلا جنازة.

المتطرف الوزير الاسرائيلي بن غفير أعلن  بعد مقتل القاصر وليد خالد ان الشعب الاسرائيلي سيحتفل في ما يسمي عيد الاستقلال باللحم والدجاج ويستمع إلى الموسيقى، بينما الأسرى الفلسطينيون يحتفلون بالخبز الجاف وقنابل الصوت، أنه فراغ اخلاقي، يتحول العيد إلى مناسبة لقياس مقدار الالم لدى الآخرين، ومتعة في مشاهدة الاسرى وهم يذوبون جوعا ويسحقون، الاحتفال ونشوته في اسرائيل يحتاج إلى جثث وسيطرة على الجسد، وتجريد الإنسان من انسانيته، أنها اعتداء على الوجود، إبادة صامتة لا تحتاج إلى رصاصة أو حبل مشنقة، جسد الأسير يصبح سجنه والجوع جلاده، وقريبا نسمع صفارات الانذار ، وقريبا سترفع اسرائيل كاس الدم والفاشية.

اسمه وليد خالد احمد، مات جوعانا في زنزانة،
ما أقسى هذا العالم،
كان يمكن لهذا الطفل أن يكبر قليلا،
ان يتعثر في الازقة،
لكنهم اختصروا الطريق،
جعلوا الجوع قبرا،
وجعلوا القيد لغة،
وجعلوا الموت أسرع من الحلم،
مات كحكاية لم تكتمل

 

Share This Article