| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
معاريف 15/5/2026
مشروع اعمار غزة ينهار هذه الأيام وهذه ليست بشرى طيبة لاسرائيل
بقلم: جاكي خوجي
في زيارتين الى إسرائيل الواحدة تلو الأخرى اعتراف نيكولاي ملادينوف عمليا بان مشروع “مجلس السلام” لغزة فشل. وكان ملادينوف، وهو دبلوماسي دولي ناجح، وفي ماضيه شغل منصب وزير خارجية بلغاريا، قد عينه دونالد ترامب ليرأس الهيئة الإدارية للقطاع. مرت بضعة اشهر واذا بالمشروع كله عالق. يوم الثلاثاء التقى ملادينوف مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وكان هذا لقاءهما الثاني في الفترة الأخيرة. قبل أسبوع من ذلك جاء، وصف على مسمع نتنياهو وضع الأمور في القطاع، وتقدم له بعرض لاختراق للطريق. فقد حاول الاقناع بان حماس لا تعتزم نزل سلاحها بمبادرة منها. ملادينوف لم يقل صراحة لكنه كان واضحا لكل الحاضرين في الغرفة بان على إسرائيل أن تفعل شيئا ما. “ان تفعل شيئا ما”، معناه استخدام القوة لاجل اجبار حماس على المرونة.
مشكوك جدا ان تعود دبابات الجيش الإسرائيلي لتندفع قريبا الى ساحات غزة. لكن مشروع مجلس السلام” استنفد نفسه ويوشك على الانهيار، والدبلوماسي المبجل يرغب في أن يري كل الأطراف بانه يحاول بكل جهده ان ينقذه. ناهيك عن انه في اللقاء جلس الى جانبه مبعوثان من البيت الأبيض. اللحظة ملزمة، وكذا الامل الذي علقه عليه مرسلوه.
بعد وقت قصير من انتهاء لقائه مع نتنياهو جمع ملادينوف صحافيين أجانب في شرقي القدس. وقال للكاميرات ان “الباب لتحسين مستقبل غزة لا يزال مقفلا. هذا ليس ما وعد به الفلسطينيون، وهذا ليس ما هم جديرون به”. وأشار ملادينوف الى أن حماس تعزز حكمها في القطاع وتفرض الضرائب على السكان. أي انها ترمم سيادتها، وكذلك وضعها المالي. وقد حذر من الإهمال الذي يلوح في الأفق قائلا: “سيستغرق سنوات جيل لاعمار غزة”.
نبوءة غضب
مشكوك أن يكونوا في حماس يعرفون بان الفشل سيأتي بهذه السرعة. فمن ناحيتهم، طالما لا تتدفق المليارات فان ملدنوف ومجلس السلام لا داعٍ لهما ومن الأفضل ان يتفككا. في الأسابيع الأخيرة ادروا ضد ملادينوف حملة في الصحة العربية تستهدف التشهير به كي يستقيل وبذلك يسرع انهيار المشروع.
ملادينوف لن يغادر بهذه السهولة، إذ في ذلك اعتراف بالفشل. فهو يتابع مثلنا الاخبار في إسرائيل ويعرف أن في الأسبوع القادم سيكون تصويت حاسم في الكنيست وان نتنياهو يواجه مشاكل طبية ولعله يفضل الاعتزال قريبا. فلماذا يستقيل اذا كان مرسلوه على أي حال لم يطلبوا منه ذلك. وفي إسرائيل كفيل بان يقع تغيير سياسي.
في حماس يرون في مشروع الاعمال مشروعا لصالح إسرائيل. وكانت هذه على أي حال مبادرة طموحة فرضت عليهم بضعة تحفظات وعمليا سعت الى تصفيتهم. كل هذا سيرفع عنهم: هيئة الوزراء الفلسطينية التي لا تزال تنتظر في القاهرة الإشارة للدخول الى القطاع صامتة ولم يجند لها حتى فلس؛ القوة الاقتصادية متعددة الجنسيات التي وعد بها ولم يصل أي من جنودها؛ ولا حتى قوة حفظ النظام الجديدة، الاف أفراد الشرطة الفلسطينيين إياهم بتمويل من محمد دحلان ممن كان يفترض أن يحلوا محل حماس في كل ما يتعلق بالقانون والنظام.
في انهيار المشروع كله ستبقى حماس وحدها امام إسرائيل. مقلصة اكثر، مضروبة، لكن مع سلاح في اليد ودون أن تكون رفعت علما ابيض. بمفاهيمها، بعد سنتين من القتال، هذا نصر. والاعمار؟ والمليارات الموعودة؟ لقد كان الحماسيون يعرفون مسبقا بان كل هذا سيبقى على الورق.
ما قاله ملادينوف هذا الأسبوع في القدس ينبغي أن يُرى كنبوءة غضب، كجرس تحذير. فالكثيرون من الإسرائيليين يعتقدون بان الوضع الحالي ليس سيئا حقا. حماس اعيدت عقدين الى الوراء، والسيطرة الإسرائيلية على القطاع وثيقة جدا. وبالفعل، للزمن القريب يمكن أن نقول بحذر ان بلدات الغلاف ومنطقة الجنوب ستتمتع بالامن. لكن ليس هكذا في المستقبل المنظور. غزة لن تذهب الى أي مكان، وحماس ستبقى تعزز قوتها وتقاتل. قادة حماس لا يخفون هذا ويعلنون على الملأ بان من ناحيتهم الكفاح مستمر. لديهم نحو عشرة الاف بندقية، ومع انها صغيرة ومفككة مقارنة بما كان في الماضي، فلا يزال الحديث يدور عن منظمة حرب عصابات ترى في إسرائيل عدوا وتتميز بطول نفس.
بضعة دروس تعلمناها في ذات السبت الرهيب في 7 أكتوبر. احدها كان هو ان من يغلق غزة بالقضبان الحديدية ويدير لها الظهر، نهايته ان تقوم غزة عليه آجلا أم عاجلا. غزة اليوم وان كانت اضعف مما كانت عشية المذبحة لكنها لا تزال محاصرة، فقيرة ومهملة. بين سكانها يوجد الاف الأطفال ممن تعرضوا لصدمة قاسية. رأوا اقرباءهم، إخوانهم او اهاليهم يقتلون امام عيونهم.
في القطاع لا يوجد جهاز للصحة النفسية واي منهم لم يعالج كي يشفى من الصدمة. وعليه فان جراحهم هي قنبلة موقوتة. طفل كهذا لا حاجة لان يجند الى منظمة ما بعد سنة، سنتين او خمس سنوات. فهو مجند منذ الان.
“الحمدلله، انت شهيد”
من يريد أن يعرف الى أي هوة تردى النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني مدعو لان يتمعن بما قالته ام أسامة. هذا هو لقب زوجة خليل الحية، من كبار قيادات حماس في الدوحة. ام أسامة، او باسمها الرسمي أمل الحية، أجريت معها هذا الأسبوع مقابلة في قناة “الجزيرة”.
هي وزوجها فقدا أربعة من خمسة ابنائهما على مدى السنين، وكذا خمسة احفاد. الابن الأول، حمزة، قتل بهجوم للجيش الإسرائيلي في 2008، والثاني، عزام، في الأسبوع الماضي في غزة. ابن آخر، همام، قتل في الهجوم الذي نفذه الجيش الإسرائيلي قبل تسعة اشهر في الدوحة. البكر، أسامة، قتل في هجوم على منزل العائلة في حملة “الجرف الصامد”. وتوقف المذيع عند موت ابنها في 2014.
روت امل الحية كيف قتل كل واحد منهم بنار الجيش الإسرائيلي وشكرت الله. “الحمدلله انك شهيد يا حبيبي، الحمدلله رب العالمين”، هكذا كان ردها بعد ان علمت بموت ابنها عزام. “ركعت سجدة شكر لله العلي القدير على أنه شهيد، الحمدلله رب العالمين”. عن موت ابنها حمزة قالت “الله تعالى أتاح لي ان أقول اني اريد الشهادة وليس الجراح”.
خليل الحية هو من مقرري السياسة في حماس. حيثما ذهب، ستكون ذكرى أبنائه واحفاده معه. انسان عاقل في العقد السابع او الثامن من حياته يجد نفسه في محيطه الخاص. ليس لخليل الحية أي محيط خاص. فإما ان يكون هذا صعد الى السماء او ضاع في سبيل الكفاح الوطني. وليس له الكثير مما يخسره.
في الأسابيع الأخيرة أجريت انتخابات داخلية في حماس، والحية هو واحد من اثنين يتنافسان على منصب رئيس المكتب السياسي. هذا اجراء سري وقريبا ستعلن النتائج. يحتمل أن يكون الحية هو الزعيم التالي، خليفة خالد مشعل، إسماعيل هنية ويحيى السنوار. صحيح انه سيكون عليه ان يأخذ بالحسبان احتياجات رفاقه، رأي قادة الذراع العسكري وإرث اسلافه. لكن من حيث الحقائق هو اب فقد أربعة أبناء.
لقد كان لإسرائيل أعداء كثيرون على مدى السنين، لكني لا اذكر انها عرفت عدوا على رأسه شخصية ذات حساب دم شخصي كهذا.
——————————————
هآرتس 15/5/2026
لماذا تتغاضى الإدارة المدنية عن البناء غير القانوني في مستوطنة كرمل
بقلم: ميخائيل سفارد
يا سكان مستوطنة كرمل، لا اعرف أي أحد منكم. لا اعرف احلامكم أو آمالكم أو تطلعاتكم للمستقبل، والاهم من ذلك أنني لا اعرف ما تتمنوه لاولادكم وما تسعون الى تحقيقه لهم. ولكن أنا اعرف بعض جيرانكم في جنوب جبل الخليل، في قرية ام الخير الفلسطينية، حيث اقمتم مؤخرا حي كرفانات قربهم. واعرف انكم تحطمون احلامهم وآمالهم ومستقبل أولادهم في هذه الأيام.
اكتب اليكم وبشكل علني، لانكم كما تعرفون على الأرجح، لا وجود للشرطة أو الجيش أو الإدارة المدنية في المنطقة التي تعيشون فيها الآن. بكلمات أخرى، لا يوجد قانون. ذات يوم، قبل سنتين أو ثلاث سنوات، كان يوجد نظام فصل عنصري، منظومة قانونية إسرائيلية لليهود ومنظومة أخرى للفصل العنصري، تقوم على القانون العسكري للفلسطينيين. ومنذ ذلك الحين تغير الفصل العنصري، بل وتطور. واستمرت السيطرة على الفلسطينيين وقمعهم بواسطة قانون جائر، بينما انهار بالكامل النظام القانوني المنفصل لليهود. باختصار، اليوم يمكنك ان تفعل كل ما تريد بشكل كامل ورسمي. أنا أقول بحذر، للأسف، انه لا توجد محاكم حقيقية أيضا. اول ضحايا الانقلاب النظامي في إسرائيل هم الفلسطينيون. لقد تلاشى الدعم والحماية الضئيلة، التي كان سيحصل عليها ملايين عديمي الجنسية والمحرومين سياسيا من حقوقهم الذين كانوا تحت سيطرتنا، من النظام القانون الإسرائيلي في السابق، في ظل الخوف من ان تصنف آلة التضليل الإعلامي المحكمة كشريكة للعدو.
لهذا السبب أنا اكتب اليكم، كي تعرفوا عواقب افعالكم.
لقد اسستم مستوطنتكم على ارض محتلة، قرب تجمع ام الخير، الذي اقتلع من ارضه في النقب في حرب الاستقلال، وهاجروا الى جنوب جبل الخليل واشتروا الأرض هناك من اجل ان يكون لهم مكان للعيش. تم بناء اول مجمع سكني لكم قريبا منهم بطريقة غير قانونية حتى وفقا للقوانين التي فرضتها إسرائيل على المنطقة. لم تكن مستوطنة كرمل فقط وليدة الخطيئة، بل ان بعض توسعاتها تمت بطريقة غير قانونية أيضا. لقد خدمتم النظام على اكمل وجه: تبنون بشكل غير قانوني، بدون رخصة بناء، منتهكين المخطط الرئيسي المطبق في المنطقة، بعد ذلك – لانكم يهود – تجيز السلطات لكم البناء بأثر رجعي. لقد وقف النظام كله الى جانبكم لضمان التستر على كل مخالفة بناء قمتم بها وتسويتها بعد حدوثها.
أما بالنسبة لجيرانكم، الذين أقيمت قريتهم على أراضي عامة وكانت بمثابة رصيد طبيعي لتطويرهم، فان هذا النظام لا يساعد. اذا قاموا بالبناء، يهدمون لهم البناء، واذا حاولوا تثبيت حقائق على الأرض المختلف عليها – يقومون باعتقالهم. واذا قاموا بالاحتجاج على بنائكم غير القانوني كما حدث في تموز الماضي، فهم يخاطرون بحياتهم. هذا ما حدث لمعلم القرية عودة الهذالين، الذي قتل برصاص مقاولكم، يانون ليفي. وبعد أسبوع عاد ليفي الى موقع البناء.
لقد اصبحتم امبراطورية، وكما هي العادة في المستوطنات الراسخة، انتشرت حولكم بؤر استيطانية عنيفة، وتتقلص مساحة الرعي لسكان ام الخير. ففي كل مرة يخرج فيها أي راعي مع اغنامه يضايقه “حراس” البؤر، ويخيفون قطيعه، ويجندون الجنود لمضايقته. وفي نفس الوقت تدخل اغنام البؤر الاستيطانية مرارا وتكرارا الى المناطق الخاصة في القرية بدون رادع. وفي الأسابيع الأخيرة منعت اغنام ام الخير من الرعي نهائيا، فهي محصورة داخل القرية. واذا استمر هذا الوضع فسينهار مصدر رزق القرية الرئيسي.
في الأشهر الأخيرة قررتم الاستيلاء على آخر قطعة ارض بين جداركم والقرية، وإقامة حي سكني فوق بيوت ام الخير. وكالعادة قمتم بالبناء بشكل غير قانوني. هذه المرة حصل سكان ام الخير على المساعدة من حركة “السلام الان” وجمعية “بمكوم” للمخططين والمهندسين المعماريين، وبشكل غير مسبوق أصدرت المحكمة المركزية في القدس، بناء على طلب منا، أمر يمنعكم من مواصلة العمل والعيش في الكرفانات. فماذا فعلتم؟ انتم خالفتم الامر، زدتم من وتيرة العمل وسكنتم في الكرفانات في الليلة التالية لاصدار الامر. نظرتم بازدراء للقاضي الذي اصدر الامر، فخفض عينيه.
عندما ابلغناه بما حدث، بدلا من ان يأمر بتنفيذ الامر الذي أصدره واخلاء السكان الذين دخلوا الكرفانات مخالفين له، قام بإلغاء الامر الذي أصدره هو نفسه. في الأسبوع الماضي المحكمة العليا سحبت يدها من هذا الملف لاسباب تقنية، رغم انها قضت بان القرويين قدموا ادعاءات “قاطعة”. لقد اظهرتم (مجددا) من هم أصحاب الأرض الحقيقيين. مغاير الدير (أيار 2025)؛ بدو المعرجات (تموز 2025)؛ يانون (كانون الأول 2025)؛ راس عين العوجا (كانون الثاني 2026)، هذه بعض الامثلة من بين الـ 59 تجمع للفلسطينيين الذي تم اقتلاعها من مكانها منذ 7 تشرين الأول 2023، حسب رصد منظمة “بتسيلم”، نتيجة لمزيج من المضايقات والعنف والتضييق الذي بدأه وقاده جيرانهم المستوطنين.
ام الخير مثل غيرها من القرى التي كانت توجد ولم تعد موجودة، تعاني من مزيج من المضايقات والحرمان من سبل العيش والعنف والبناء غير القانون فوق بيوت القرية. لقد قمت مؤخرا بشق طريق الى حي الكرفانات القريب من المنازل، على ارض كانت معترف بها في السابق من قبل السلطات كارض خاصة، ثم قام احدكم أيضا بنصب حواجز تعيق الطريق القديمة التي يسلك فيها أولاد القرية الى المدرسة، الامر الذي يضطرهم الآن الى المشي في طرق ملتوية وطويلة من اجل الوصول الى المدرسة.
هل تعرفون ما الذي تنشغل فيه أجهزة انفاذ القانون التابعة للإدارة المدنية، بينما توجد كل هذه الفوضى من البناء غير القانوني؟ هذه رقعة من العشب الصناعي، وضعها أهالي أم الخير لاقامة ما يشبه ملعب كرة قدم لاولادهم. انا لا امزح، لقد اصدر مفتشو وحدة الانفاذ أمر بتدمير العشب في بضع ثوان. هذا حقيقي تماما. ومن الغريب ان الإدارة المدنية اعادت أيضا تفعيل أوامر هدم صدرت لعدة بيوت في القرية قبل 10 – 20 سنة.
من الواضح لي ان هذا المزيج من العنف المادي والتخطيطي يهدف الى اقتلاع القرية من مكانها، واضافة تجمع ام الخير الى قائمة التجمعات التي محيت. هذا لن يساعدكم، لان هذا تجمع قوي نسبيا، شديد العزيمة، واكبر من التجمعات الأخرى التي تم اقتلاعها من جذورها. هم لن يرحلوا لانه ليس لديهم أي مكان آخر يذهبون اليه، لكن انتم تنجحون في جعل حياتهم بائسة.
لا اعرف اذا كنتم تهتمون. أنا آمل أن يكون بينكم من لم يصبح قلبه قاسيا بعد، من يستطيع ان يرى ما قمتم بفعله بمئات الأبرياء. الحقيقة هي انني لم اشاهد حتى الان الا سكان كرمل يهللون لمعاناة أم الخير. لم يسمع أي صوت آخر منكم علنا. لم يخرج أي احد من بين بيوتكم ذات اسطح القرميد ويصرخ: “كفى!”.
مع ذلك انا اسأل: هل يوجد في كرمل رجل صالح او امرأة صالحة؟ اذا كان يوجد فليسمعوا صوتهم.
*محامي لحقوق الانسان ويمثل سكان أم الخير وحركة “السلام الآن” في الإجراءات القانونية
——————————————
هآرتس 15/5/2026
مثلما في كل سنة، لم تنشغل مسيرة الاعلام بالقدس، بل بالعنف، القمع والاهانة
بقلم: نير حسون
شهدت مسيرة الاعلام التي أقيمت امس بمناسبة يوم القدس كل عناصر عروض السنوات السابقة: العنف، التخريب، أغاني الكراهية والعنصرية، وفوق كل ذلك كان الشعور بالتفوق اليهودي طاغيا. مع ذلك، يجب القول بان جرعة كل هذه العناصر كانت نسبيا اقل مقارنة مع السنوات السابقة. من الواضح ان المنظمين والحاخامات سعوا في هذه السنة الى الحد من العنف الذي عادة ما يندلع. كان النجاح في الحد منه جزئيا، لكن النتيجة كانت افضل من السنوات السابقة.
مثلما هي الحال في كل سنة من السنوات الأخيرة حدث معظم العنف في الساعات التي سبقت المسيرة، عندما تجولت مجموعات من الشباب في ازقة البلدة القديمة واعتدت على السكان الفلسطينيين والصحافيين ونشطاء الحماية، أيضا قاموا بتخريب ممتلكات الفلسطينيين. تعرضت ليندا ديان، مراسلة “هآرتس”، هي أيضا للهجوم اثناء تغطية الاحداث. فقد تم رشقها بالمياه والقهوة وتم سحب هاتفها ودفعها شرطي اثناء محاولة هربها. مثلما في السنة الماضية قام البعض في هذه السنة أيضا بوضع علامات على الممتلكات اليهودية لحمايتها من التلف، “هذا ملك يهودي، الرجاء عدم اتلافه، شكرا”، هكذا كتب على لافتة مؤقتة معلقة على جهاز صراف آلي في الحي الإسلامي.
في الساعات التي سبقت المسيرة، نشطت شبكة واسعة من نشطاء من منظمات يسارية، من بينها “نقف معا”، “نغير الاتجاه”، “تاغ مئير”، وشباب “الديمقراطيون”، حيث نشروا مئات المتطوعين. وقد تصدوا للمشاغبين واغلقوا الشوارع ورافقوا السكان والممتلكات الفلسطينية وحموها. اذا كان هذا مؤشر على الاستعداد للانتخابات فهو مؤشر إيجابي.
أما الشرطة، مثلما في السابق، فقد اتبعت سياسة تطهير المكان بدلا من حماية الضحايا. فعند اقتراب موكب المسيرة أجبرت الشرطة أصحاب المحلات التجارية في البلدة القديمة على اغلاق محلاتهم، التي هي في معظمها مغلقة أصلا، واخلت الشوارع من السكان والنشطاء والصحافيين للسماح بمرور الموكب. وحسب الشرطة فقد اعتقل 16 مشتبه فيهم خلال اليوم. ومع حلول المساء بدأت المجموعات الكبيرة في الوصول، من مدارس دينية ومدارس تمهيدية عسكرية ومدارس عادية. وكالعادة جاءوا وهم يحملون لافتات واعلام ويرتدون الزي الرسمي، وكان رمز الهيكل بارز جدا. في الواقع لم يكن عدد اعلام الهيكل اقل بكثير من عدد الاعلام الإسرائيلية. ولم تكتف الكثير من المجموعات بترديد الأناشيد الدينية وأخرى عن القدس، بل رددت أيضا أناشيد الكراهية المالوفة مثل “لتحترق قريتكم”، “انهم العماليق، محمد مات”، وبالطبع “سيتم الانتقام لأحد عيني، ليمح اسمهم”. أيضا تبنت معظم الجماعات عادة الطرق على أبواب المحلات التجارية على انغام الأغاني محدثة ضجيج يصم الاذان، والصقت ملصقات كتب عليها “الموت للمخربين”.
مقارنة مع السنوات الأخيرة، عندما كانت كل الجماعات تقريبا تغني أغاني الكراهية، كان الوضع في هذه السنة افضل بقليل، وشوهد هنا وهناك حاخام أو معلم وهم يحاولون تهدئة الفتيان. ويمكن أن يكون ما ساهم في هذا الهدوء النسبي هو رسالة من كبار حاخامات الصهاينة – بمن فيهم يعقوب شبيرا ويعقوب اريئيل واليعيزر ميلماد واليكيم ليفانون – يدعون فيها الى الاحتفال بيوم القدس بدون “الانجرار وراء محاولات الاستفزاز التي تسعى الى تشويه طهارة هذا اليوم”. وقد وزع موظفو بلدية القدس الرسالة على المشاركين في المسيرة. مع ذلك، يبقى النقاش حول الكلمات الدقيقة للاغاني نقاش داخلي في إسرائيل. بالنسبة للفلسطيني المقيم، الذي لا يحمل جنسية أي دولة في العالم، والذي يعيش تحت الاحتلال، ويحبس نفسه في بيته كل سنة في رعب مع اقتراب موكب النصر، لا يهم حقا اذا كان المتظاهرون يهتفون “لتحترق قريتهم” أو “القدس الذهبية”. فالايقاع واحد والعنف واحد. لا تتعلق المسيرة بتوحيد القدس أو بهجة النصر، بل جوهره هو المطالبة بالمزيد من القمع والاهانة لاكثر سكان المدينة اضطهادا واهانة. “اردتم المذبحة، ستحصلون على النكبة”، هكذا أعلنت لافتة كبيرة لجمعية “اذا شئتم”.
سنة بعد سنة تحسن الشرطة الاستعداد للمسيرة. وامس لأول مرة تم وضع ستارة بيضاء في باب العامود مصممة لحجب الرؤية ومنع المنطقة التجارية الفلسطينية في منطقة المصرارة من رؤية منطقة باب العامود. احتفاء بالذكرى الـ 59 لتوحيد المدينة اضيف جدار رقيق آخر للمدينة التي بدت موحدة.
——————————————
يديعوت أحرونوت 15/5/2026
دول الخليج تريد الهدوء
بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين
كما هو الحال مع إسرائيل، يدرك الخليج أيضًا أنه على الرغم من وقف إطلاق النار، فإن الأزمة مع إيران لم تنتهِ، وقد تشتعل من جديد قريبًا. لكن على عكس إسرائيل، التي تطمح إلى “إتمام المهمة”، لا سيما في سياق البرنامج النووي الإيراني، تتخذ دول الخليج موقفًا معاكسًا: منع تجدد الصراع. ينطلق هذا الموقف من فرضية أن النظام في طهران باقٍ، ولذلك من الضروري دراسة كيفية التعايش معه دون إغضابه، وفي الوقت نفسه تحييد التهديدات التي يمثلها من خلال المفاوضات.
يُحدد السعوديون، رأس الحربة في الخليج، مسارهم: إجراء حوار مع طهران والسعي للحفاظ على المفاوضات والتوصل إلى اتفاق. وذكرت صحيفة الشرق الأوسط الأسبوع الماضي، في إشارةٍ تبدو بادرة مصالحة تجاه طهران، أن “مسؤولين كبارًا في المملكة أوضحوا أنهم لن يسمحوا باستخدام المجال الجوي السعودي لشنّ هجوم عسكري”. ويحاول السعوديون حشد ضغوط دولية بالتركيز على سوق النفط. وأوضح الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية هذا الأسبوع: “سيواجه العالم أخطر أزمة طاقة في التاريخ بسبب تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، وسيُلاحظ هذا النقص في الأشهر المقبلة مع استنزاف احتياطيات النفط العالمية”.
يشرح الباحث السعودي عبد العزيز خميس، في حوارٍ له، تعقيد الموقف السعودي قائلاً: “لا يتعلق الأمر بالتردد أو إظهار الضعف، بل بتحقيق توازن دقيق بين ضبط النفس والردع. فالرياض لا ترغب في المواجهة، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع قبول الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية ووكلائها الذين يهددون أمن الخليج (وهي مطالب تتكرر كثيراً في الخطاب الإعلامي السعودي، وتعكس على ما يبدو مواقف صناع القرار في الرياض). يكمن التحدي الذي يواجه السعودية في كيفية الدفاع عن نفسها دون الانجرار إلى حرب يخطط لها آخرون”.
في الوقت نفسه، يستغل السعوديون نفوذهم الدولي للضغط على إيران، مع وضع الصين، حليف طهران الرئيسي، في صميم هذا الضغط. ويوضح الصحفي السعودي خالد سليمان قائلاً: “يلزم اتخاذ موقف واضح تجاه بعض الدول التي نعتبرها حلفاءنا، لكنها تُهرّب مكونات إلى إيران لتصنيع الصواريخ والطائرات المسيّرة (في إشارة واضحة إلى الصين)، الأمر الذي يضر بنا في نهاية المطاف”. يحتاج هؤلاء الأصدقاء إلى إدراك أن علاقاتهم مع دول الخليج تُختبر، وعليهم أن يثبتوا فعاليتهم في المساهمة في أمننا.
تتجاوز قطر حتى السعودية في هذا المسعى. فقد صُدمت هذه الدولة، الوسيطة الإقليمية المخضرمة، وشعرت بالإهانة بعد تعرضها لهجوم من إيران نفسها خلال الحرب، على الرغم من العلاقات الوثيقة التي كانت تربط البلدين. لكن الحفاظ على الاستقرار الإقليمي يُعدّ أمرًا بالغ الأهمية للدوحة، التي تجاوزت كبرياها وعادت إلى ممارسة الوساطة العريقة، جنبًا إلى جنب مع باكستان وبالتعاون معها. وهكذا، التقى رئيس الوزراء القطري محمد آل ثاني قبل أسبوع بنائب الرئيس الأمريكي فانس ووزير الخارجية روبيو، ويبدو أن الدوحة تستغل علاقاتها مع كبار المسؤولين في طهران لمواصلة المفاوضات، وبسرعة.
وتوضح الدكتورة ميخال يعاري، الخبيرة في شؤون دول الخليج، في حديث لها: “من الواضح أن الهجمات الإسرائيلية والإيرانية على قطر كانت تهدف إلى تقويض دبلوماسية الوساطة التي تنتهجها الإمارة. عمليًا، لا تتخلى الدوحة عن الوساطة، التي تُعدّ عنصرًا وجوديًا في نظرها، كونها دولة ضعيفة عسكريًا عالقة بين دولتين قويتين.” تحاول إيران التوفيق بين اعتمادها الوجودي على الأمريكيين وحاجتها إلى علاقة مستقرة مع إيران، جارتها القوية وشريكتها في حقول النفط والغاز.
* * *
أما البحرين والكويت فتجدان نفسيهما في موقف حرج، إذ يساورهما القلق إزاء مساعي إيران المستمرة لإلحاق الضرر بهما “دون علمهما”. فقبل أسبوع، أفادت التقارير باعتقال نحو أربعين مواطناً شيعياً في البحرين، بزعم عملهم لصالح إيران لنشر فكر النظام الإسلامي بين الأغلبية الشيعية في البلاد؛ وفي جزيرة بوبيان الكويتية، حيث تقع بنية تحتية نفطية هامة، تم القبض على خلية تابعة للحرس الثوري. تُذكّر هذه الأحداث إيران بقدرتها على إلحاق الضرر في حال تجدد القتال. عملياً، لا يملك البلدان سوى إدانة إيران علناً أو استدعاء السفير الإيراني للتوبيخ، كما حدث هذا الأسبوع في الكويت. وفي سياق متصل، لم تتضرر سلطنة عُمان، التي توسطت بين إيران والولايات المتحدة عشية “زئير الأسد”، إلا قليلاً من طهران، ومن الواضح أنها مهتمة بمواصلة المفاوضات والتوصل إلى اتفاق.
تُعدّ الإمارات العربية المتحدة استثناءً في هذه القصة. فقد اتخذت موقفاً متشدداً تجاه طهران، كما تربطها علاقات وثيقة بإسرائيل، التي جعلتها هدفاً لهجوم قبل أسبوعين رداً على العملية الأمريكية لفتح مضيق هرمز. وفي هذا السياق، برزت الأحداث التالية هذا الأسبوع: إعلان نتنياهو زيارته للإمارات خلال “زئير الأسد” ولقائه رئيسها (وهو إعلان أثار حرجاً نظراً لنفي الإمارات له بشدة)؛ وتأكيد السفير الأمريكي لدى إسرائيل وجود بطارية قبة حديدية إسرائيلية (مع مقاتليها) في الإمارات؛ والتقرير الذي يفيد بأن الإمارات نفسها هاجمت بنية تحتية للطاقة في إيران، بموافقة واشنطن.
يوضح الدكتور براندون فريدمان، من مركز ديان بجامعة تل أبيب، في حديث له: “يشعر الإماراتيون بالغيرة على هويتهم وأراضيهم، ولديهم خبرة عسكرية أكبر من دول الخليج الأخرى، ويعود ذلك جزئياً إلى مشاركتهم في تحركات أمنية، برعاية أمريكية في الغالب، في الشرق الأوسط وخارجه. ويرى الإماراتيون أن أي هجوم على أراضيهم محاولة لتحدي “نموذج دبي” – كونه مركزاً عالمياً للتجارة والاستثمار – وهم مستعدون لاستخدام القوة للدفاع عنه”. وفي هذا السياق، يوضح الباحث الإماراتي عبد الله غفلي: “النموذج الذي نمثله يمثل تحدياً لإيران”. نحافظ على سيادتنا وتماسكنا رغم التهديدات التي تواجهنا، ونُشكّل مشروعًا فريدًا في بيئة مضطربة.
* * *
بالإضافة إلى احتواء الحرب، تسعى معظم دول الخليج إلى ترسيخ وجودها الاستراتيجي من خلال التعاون مع القوى الإقليمية. وتبرز هنا محاولة إنشاء “رباعية” إسلامية عربية تضم السعودية ومصر وتركيا وباكستان. وقد حقق هذا المحور، الذي يترسخ تدريجيًا، نجاحًا محدودًا في التوصل إلى وقف إطلاق النار، وهناك أمل في الخليج بأن يُشكّل أساسًا لمعسكر إقليمي جديد. ويوضح محمد جار الله، وزير الصحة الكويتي السابق، قائلاً: “تركيا وباكستان ليستا حليفتين ظرفيتين، بل هما جزء من تصميم استراتيجي مُجدد. فكلتاهما تمتلكان قوة عسكرية واقتصادية وسياسية، وينبغي أن تُوازن العلاقة معهما العلاقات المتنامية بين إسرائيل والهند، اللتين تُخططان لمنطقة نفوذ مشتركة تُشكّل تحديًا للعالم العربي.” أدت الحرب إلى استنتاج مفاده ضرورة تشكيل تحالف جديد يضم دول الخليج.
ويُركز الاهتمام بشكل خاص على الباكستان، التي تمتلك قوة نووية وتربطها علاقة وثيقة وطويلة الأمد مع السعودية. ونظرًا لدورها كوسيط مع إيران، يُنظر إليها كعامل يجب تعزيز مشاركته في المنطقة، وكمحور أساسي في تصميم بنية جديدة تحدّ من نفوذ إسرائيل وإيران، وتوازن التبعية العميقة لواشنطن. ويوضح الدكتور مايكل باراك: “تنظر السعودية إلى الباكستان كعامل يخدم مصالح المملكة والاستقرار الإقليمي. فهي حليف سني قوي يضمن عدم إهمال مصالح دول الخليج في إطار أي اتفاق بين إيران والولايات المتحدة”.
على إسرائيل أن تُدرك أنه على الرغم من رياح الحرب التي تهب (مجددًا) من واشنطن، إلا أن هناك ضغوطًا متزايدة على ترامب، بقيادة السعوديين والقطريين الذين يملكون نفوذًا ماليًا عليه وعلى حاشيته، لتجنب ذلك. كما يجب عليها أن تُدرك مدى هشاشة التصريحات التي تسمعها ليلًا ونهارًا حول شرق أوسط جديد ووديّ وعن تطبيع على “مسافة لمسة”. لا يوجد مسؤول عربي يكنّ وداً لإيران، لكن ثمة شكوكاً تجاه إسرائيل بسبب ما يُنظر إليه على أنه محاولة لفرض هيمنتها في المنطقة. ويُجسّد إنكار الإمارات المُحرج لزيارة نتنياهو هذه المشكلة، والأهم من ذلك، أنه يُفترض أن يُوضح ما إذا كنا نفهم محيطنا بشكل أفضل بعد السابع من أكتوبر.
——————————————
إسرائيل اليوم 15/5/2026
جبال بنيامين هي حزام الدفاع للدولة
بقلم: اسرائيل غانتس
59 سنة مرت منذ تحرير بنيامين، يهودا والسامرة. ستة عقود تقريبا منذ عاد شعب إسرائيل الى الجبل، الى الأماكن التي كتب فيه تاريخه، والى المجال الذي يتقرر منه اليوم أيضا امن دولة إسرائيل.
يوم القدس هذه السنة ليس فقط يوم ذكرى. هو لحظة للنظر الى الامام والسؤال كيف ستكون عليه السنوات الـ 59 التالية. بعد قرابة ثلاث سنوات من الحرب حان الوقت للنظر ولبلورة رؤيا للعقود التي امامنا.
مؤخرا انكشفت في مزرعة غربي بنيامين تحصينات الجيش الأردني التي بنيت قبل حرب الأيام الستة: قنوات اتصال، استحكامات اسمنتية وبطاريات مدفعية كانت موجهة الى تل أبيب ومطار بن غوريون. من يقف هناك اليوم يفهم على الفور لماذا لم يعد الجبل جدالا سياسيا. هو حزام الامن لدولة إسرائيل.
لقد جسدت السنوات الأخيرة لنا جميعنا في أي فترة تاريخية نعيش. هذه سنوات يعاد فيها تصميم هويتنا. سنوات نرى فيها اعداءنا عينا بعين، نقاتلهم ونهزمهم. أحيانا لا يكون النصر ظاهرا في اللحظة الأولى بل فقط في منظور الزمن. هكذا كان في حرب الأيام الستة، هكذا في الأيام، الأسابيع، الأشهر ما بعد مذبحة فرحة التوراة وهكذا أيضا في حملة “زئير الأسد” ضد ايران ووكلائها. امام المحاولة لاحاطة إسرائيل بالصواريخ والإرهاب تأكد مرة أخرى الفهم بان من يسيطر على الجبل يحمي دولة إسرائيل.
في اثناء الحرب رأينا كيف ان جبال بنيامين تشكل حزام الدفاع عن الدولة. اذا لم تكن إسرائيل على الجبل فستكون هناك محافل الإرهاب وفروع إيرانية تهدد القدس، تل ابيب ومطار بن غوريون.
لكن مستقبل يهودا والسامرة ليس فقط أمنيا. هو أيضا المستقبل القومي والاقتصادي لإسرائيل. على مدى السنين نظروا الى بنيامين، يهودا والسامرة كمنطقة نائية. اما اليوم فقد تغير الواقع. الطرق القديمة، الضيقة والخطيرة تحل محلها طرق واسعة وآمنة اكثر. مناطق صناعية ومركز عمل تتطور. خدمات صحة، سياحة واتصالات تصل الى أماكن بقيت في الماضي في الخلف. هذا ليس استثمارا فقط لسكان يهودا والسامرة. هذا استثمار في دولة إسرائيل كلها.
لان هذه المناطق، غوش عصيون وبنيامين، شومرون، جبل الخليل وغور الأردن هي النسغ الذي يربط بلادنا. من جفعون الجديدة حتى مافو حورون، من القدس الى تل أبيب، من العفولة حتى بئر السبع. الـ 59 سنة الأولى كانت سنوات عودة ودفاع. الـ 59 سنة التالية يجب أن تكون سنوات ربط، نمو وبناء.
التحدي امامنا ليس فقط الحفاظ على الجبل. التحدي هو أن نبنى عليه مستقبل دولة إسرائيل.
——————————————
هآرتس 15/5/2026،
اقترح تشكيل حكم دولي في القدس، ثم تنقل التجربة الى الضفة الغربية والجولان
بقلم: عوديد هايل برونر
ان الازمة السياسية والاجتماعية في إسرائيل، وصعود الشعبوية، وكارثة 7 أكتوبر، وتفاقم النزعات القومية والعنصرية، كل هذه أمور تشكك في فكرة الدولة اليهودية القومية الإسرائيلية، العلمانية المستقلة. وفي ظل تدخل أمريكا الحالي في سيادة إسرائيل يجب فحص إقامة نظام دولي بين البحر والنهر، بقيادة أمريكية أو أوروبية، بشكل جدي.
يجب فحص مشكلات إسرائيل على خلفية مخاوف المفكرين اليهود، الذين عارض بعضهم إقامة دولة يهودية ذات سيادة. وتساءل الفيلسوف نتان روتنشتايخ في ستينيات القرن الماضي: “كيف يمكن سد الفجوة بين الوجود اليهودي (كدولة ذات سيادة) بين قوى العالم، وبين الطابع الفريد للشعب اليهودي وتراثه؟”. وقد جادل الفيلسوف هيرمان كوهين بان الصهيونية تساهم في تراجع اليهودية، التي تفقد طابعها الأخلاقي العالمي. وتساءل برنارد هنري ليفي عن سبب سطحية فكر وعمل النخبة السياسية (والثقافية) في إسرائيل مقارنة مع الشعب اليهودي في العالم. في العام 1969 دعا رئيس المؤتمر اليهودي العالمي، ناحوم غولدمان، إسرائيل الى اختيار الحيادية الدولية لجعلها “مركز ثقافي عالمي… ومركز روحي للشعب اليهودي”، على غرار حركة “احاد هعام” التي دعت الى إقامة مركز ثقافي وروحي يهودي في ارض إسرائيل، لكنها عارضت إقامة الدولة.
الآن تترسخ اقوال هؤلاء المفكرين. هل يمحو الخلاص السياسي البعد العالمي لليهودية ويحولها الى حركة سياسية – إقليمية بحتة؟ هل لا تضر السيادة على الأرض الطابع الفريد للشعب اليهودي؟ هل لا يضر التماهي بين الامة والدين الذي يميز الديمقراطية العرقية في إسرائيل وجود ديمقراطية صهيونية، علمانية وليبرالية؟.
يزعم فنانون وكتاب وباحثون ومفكرون، لهم آراء مختلفة، بان المشكلة في البلاد تنبع من اخفاق يهودي: موقف اشكالي تجاه الحياة السياسية، حيث تتركز السلطة في مركز واحد في منطقة جغرافية مستقلة. ان الارتباط السام بالأرض، التي تحمل دلالة دينية (“ارض الآباء و”ارض الميعاد”)، التي من المفروض ان تكون تحت السيادة اليهودية، يرسخ موقف متناقض تجاه الأفكار الإنسانية ومباديء القانون الدولي.
وحسب المفهوم الديني فان السلطة والعدالة هي بيد الله، وهذه السلطة هي التي وحدت القبائل وانشأت الامة، وهي التي تربط المجتمع اليهودي بالأرض. وقد طويت صفحة كلمات المؤرخ اسحق بار: “منذ (الدمار) ادرك اليهود بان ملكوت الله لا يقام بالقوة، وأنه من المستحيل التمرد على سيادة الأمم. في ذلك الوقت تخلى اليهود عن صفوف الأمم المتحارية وتوكلوا على الله في مصيرهم، وهي حقيقة تاريخية فريدة لم يعطها أي مؤرخ الأهمية التي تستحقها”.
لقد مر المجتمع الإسرائيلي بازمات منذ إقامة الدولة، لكن هناك تراجع واضح في صمود المجتمع المدني مؤخرا. ويشمل ذلك وضع المجتمعات الفلسطينية في داخل الخط الأخضر وخارجه؛ واحتمالية تحول المجتمعات الدينية القومية والحريدية الى أكثرية في البلاد؛ وعبء السيطرة على الأراضي المحتلة وما يترتب عليها من اضرار؛ وعجز السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية؛ وازدياد تطرف النظام الشعبوي؛ وبالطبع، تصاعد التحديات الوجودية في الحرب منذ 7 تشرين الأول 2023.
كل ذلك يساهم في خلق أجواء من الكآبة والازمة المزمنة، ويثير نقاشات قد تتطور في بعض الأحيان الى عنف. من جهة أخرى، تتبلور في وسائل الاعلام والاكاديميا والشبكات الاجتماعية مواقف مثيرة للجدل وتظهر حلول جديدة مختلفة. وفي القطاع المدني العلماني انتشرت مؤخرا اعمال في مجال الادب والمسرح والفن والموسيقى تعبر عن الاستياء من الدولة، بل وتشكك في عدالة مسارها. ولكن هذه الأصوات تسمع في السياق الصهيوني المقبول، الذي يعتبر دولة إسرائيل (ضمن حدودها) الاطار الوحيد لليهود (واحيانا العرب) الذين يطمحون في العيش تحت سيادة يهودية إسرائيلية.
وقد وجدت اقتراحات كثيرة حول طبيعة وحدود وبنية كيان يهودي مستقل، اجتماعيا وقوميا، حتى قبل قيام الدولة: الحكم الذاتي الثنائي لحركة “بريت شالوم”، وخطة “بالتمور” التي كانت الاقتراح الرسمي للحركة الصهيونية، و”مباديء الاحياء” (التي تحدثت عن استعادة الأرض) لمنظمة ليحي، والرؤية القومية – الاثنية – الإقليمية لـ “الكنعانيين”. بعد قيام الدولة كان، ضمن أمور أخرى، اعلان “ارض إسرائيل الكاملة” من قبل كتاب ومثقفين في اعقاب حرب 1967 على الفور. وفي بداية القرن الواحد والعشرين، “ميثاق كنيرت” حول العلاقة بين الدين والدولة، و”اتفاق جنيف”. جميعهم اعتبروا المنطقة التي نعيش فيها الآن المكان الوحيد الذي يجب ان يعيش فيه اليهود حياة ذات سيادة، وأن يكون هذا ممكن.
هل ما زال الخطاب الصهيوني التاسيسي الذي هيمن على الساحة حتى العام 1967 على الأقل ذي صلة؟ يبدو ان معظم التيارات الإسرائيلية تقر انه عفا عليه الزمن. لم تعد الدولة القومية الحل الوحيد للمجتمعات التي ترغب في السيطرة على أراضيها وإقامة حياة ثقافية وتعليمية فيها. ان ثورة التكنولوجيا الحديثة والاقتصاد الجديد، الى جانب مفاهيم جديدة للسيادة ونظرة جديدة للربط بين الأرض والثقافة، تتيح حلول جديدة ومبتكرة كبديل للدولة القومية. بعضها يظهر أنه عبثي، وبعضها جريء: أفكار مثل “دولة السوق” و”المنطقة الدولية” و”الإقليم الثقافي” توجد بالفعل.
هل يمكن التفكير خارج الاطار الصهيوني واقتراح إقامة سيطرة دولية في القدس (أمريكية أو أوروبية)، وبعد ذلك في أماكن أخرى؟.
هل كل ذلك ينطبق على الدولة الإسرائيلية والمجتمع الإسرائيلي، اللذان يوصفان بـ “فيلا في الغابة” و”الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”؟. هل تصريح البروفيسور عيدي اوفير ان “نفي الصهيونية كايديولوجيا يقوم على عدم توافقها مع العصر الحالي”، والذي اعتبر في حينه كتصريح مستفز، ربما ينظر اليه الآن كبرنامج عمل؟.
يجب الاعتراف بان الربط بين الرغبة في إقامة دولة قومية “طبيعية”، علمانية وليبرالية، وبين الخصوصية الجغرافية في السياق الديني اليهودي، كان له اثر سلبي على الثقافة السياسية في إسرائيل. فالارض الإشكالية المعروفة باسم “ارض إسرائيل” تشكل خطر على سكانها. ومن المفارقة انه رغم التغييرات الجذرية التي حدثت في العقود الأخيرة بين البحر والنهر، الا ان الفكرة الصهيونية التقليدية للاستقلال السياسي ما زالت تهيمن على معظم شرائح المجتمع اليهودي في البلاد. هذه الفجوة بين الخيال والواقع تنتج مجتمع يهودي – إسرائيلي مثقل بالازمات. يجب محاولة بناء كيانات جديدة تشكل وعي جديد.
في ظل التاريخ المأساوي للشعب اليهودي في أوروبا تحت حكم الأنظمة المسيحية والحركات القومية المتطرفة، لا يمكن لحياة اليهود بكل اشكالها ان تزدهر الا هنا، مع ضمان الحرية الدينية لكل الجماعات والحركات الدينية.
تنبع الازمة الداخلية التي تعاني منها دولة إسرائيل منذ اقامتها، من الفجوة الواسعة بين الأرض المقدسة والرغبة في الحفاظ على نظام علماني ليبرالي عليها. هذه الفجوة تعيق الابداع اليهودي، أي الابداع الثقافي اليهودي العلماني في إسرائيل، وتظهر اتجاهات مقلقة تزداد في السياسة الإسرائيلية.
يمكن أن تكون حكومة دولية اكثر قدرة على ضمان الامن الشخصي والجماعي لليهود والمسلمين والمسيحيين الذين يقيمون في البلاد، من التهديدات الداخلية والخارجية. ربما تكون هذه هي الطريقة الوحيدة لاقامة مجتمع يهودي إسرائيلي يتمتع بثقافة وابداع وتعليم يضاهي في قيمته ومستواه الحياة اليهودية في الدول الأوروبية وفي أمريكا. بالطبع، هذا الحل ينطوي على صعوبات، إضافة الى صعوبة التفكير خارج الاطار الصهيوني. يبدو اليوم انه من الصعب إيجاد سلطة دولية توافق على الحكم هنا، وتستفيد من أخطاء البريطانيين اثناء الانتداب، وتوفر الامن لكل السكان، ولن يكون اقناع سكان البلاد، عرب ويهود، بمثل هذا الحل سهل. ربما لن يتسنى استيعاب عقلية غير صهيونية ألا بعد حرب طويلة وصعبة.
مع ذلك، الحساسية الثقافية والسياسية في القدس قد تجعلها مرشح مثالي لهذا النوع من الحكم الدولي. اذا نجح هذا النموذج فسيكون نموذج القدس مثال يحتذى به في المناطق الموجودة وراء الخط الأخضر، حيث توجد اغلبية عربية، وفي هضبة الجولان وغيرها. أخيرا يؤمل بان يعيد هذا الحل “التاج الى مجده السابق” في ارض إسرائيل: التفاعل، بل والمواجهة اليومية أحيانا، مع ثقافات مختلفة، قد يغذي الثقافة اليهودية.
——————————————
هآرتس 15/5/2026
الدوائر التي تتحدث عن التحالف اليهودي المسيحي، تحطم تماثيل السيد المسيح
بقلم: عميت فيرشيتسكي
في السنوات الأخيرة دأب اليمين الإسرائيلي على الحديث عن “صدام الحضارات”: الغرب المتنور في مواجهة الإسلام الراديكالي، والتحالف اليهودي – المسيحي في مواجهة القوى الوحشية، وإسرائيل كجدار حماية للعالم الحر، الذي يصد بجسده هجوم ملايين المجاهدين المتعطشين للدماء على مدن الغرب. يحب نتنياهو وابواقه وصف إسرائيل بانها خط المواجهة في هذا الصراع، خط الدفاع الأخير عن الليبرالية والتقدم والحرية في مواجهة التعصب والعنف والجهل الذي يتصاعد ضدها من الشرق.
في الواقع يصعب نفي ان للصراعات الجيوسياسية المعاصرة (مثلما كانت عبر التاريخ)، بعد ثقافي، وديني في بعض الأحيان. في نهاية المطاف لا تقتصر الصراعات بين الدول والامبراطوريات على المصالح والموارد والأراضي فقط، بل تتعداها الى صراع على القيم والرؤى.
المفارقة تكمن في ان الذين يسوقون هذه الرواية ويتفاخرون بمعجزة “الغرب” و”الحضارة اليهودية – المسيحية”، هم انفسهم الذين يسعون بجهد لعزل إسرائيل عن الغرب ودمجها قصرا في فضاء الشرق الأوسط المتخلف والمعادي للديمقراطية والليبرالية، فضاء يطغى فيه الولاء للحاكم أو القبيلة على الانتماء المدني للدولة، وتحل فيه النزعة المسيحانية والاصولية الدينية محل العقل والتعليم وسيادة القانون، وتطغى فيه السلطة والكرامة والمال على القيم العالمية للحرية والتنور. ان الدوائر نفسها التي تتحدث بعاطفة عن التحالف اليهودي – المسيحي هي نفسها التي يهاجم مبعوثوها الراهبات في ازقة البلدة القديمة، ويضايقون الكهنة، ويحطمون تمثال السيد المسيح في القرى المسيحية في جنوب لبنان.
خذوا موشيه كوهين إيليا على سبيل المثال، الذي لا يفوت هو واصدقاءه في معسكر نتنياهو، أي فرصة لاضافة لقب بروفيسور الى اسمه، وكأن ذلك يعطيه سلطة فكرية وغطاء من الخبرة لاضفائها على الهراءات السامة التي يبثها كل يوم في فضاء الاعلام الرقمي. هناك شيء مثير للسخرية، بل يكاد يكون مثير للشفقة، في حقيقة ان شخص قام ببناء مكانته على اكتاف النخب الاكاديمية، التي يكثر من تشويهها باحتقار، ويتشبث بكل قوته بالهيبة السلطة التي يعطونه إياها. ومثل الكثير من المتحدثين باسم الثورة الشعبوية – البيبية، يسعى كوهين إيليا أيضا الى الاستفادة من رأس المال الرمزي (والمادي) الذي توفره مؤسسات المعرفة والتعليم والاعلام في الغرب الليبرالي، وفي نفس الوقت يكرس كل طاقته لتقويض شرعيتها، وتآكل ثقة الجمهور بها، وتقديمها كعدو للشعب.
في المقال الذي نشره في هذا الأسبوع في “معاريف” (10/5) عاد البروفيسور الى الازمة التي تعصف باوروبا الليبرالية. فعلى خلفية الإنجازات الانتخابية لحزب “الإصلاح من اجل بريطانيا” في الانتخابات المحلية في بريطانيا، وصف كوهين إيليا أوروبا بانها حضارة في حالة انحدار، نتيجة عدة عوامل، من بينها ازمة هوية داخلية، ضعف النخب الليبرالية، موجات الهجرة وصعود ثقافة الـ “ووك” العالمية. وحتى لو كان هناك بعض الصحة في ادعاء أن أوروبا الليبرالية تعاني من ازمة هوية عميقة واستنزاف ثقافي، فان القلق على مستقبل الليبرالية في الغرب ليس الدافع وراء اقوال كوهين إيليا. فاوروبا بالنسبة له هي فقط خلفية ومستودع للصور لغرض الحرب الثقافية الإسرائيلية الداخلية.
في نهاية المطاف لا يقودنا كوهين إيليا الى استنتاج مفاده ضرورة الدعوة الى تجديد ليبرالي للغرب أو تعزيز مؤسسات الديمقراطية أو الدفاع عن قيم المجتمع المنفتح، بل يطالب بتبني رؤية شعبوية مستبدة، على غرار دونالد ترامب ونهجه: “يكمن حل الغرب في إسرائيل: في روح النصر، روح الحرية، القيادة الأخلاقية التي تنشئها إسرائيل بالتعاون مع إدارة ترامب لإنقاذ الغرب من نفسه، ومن التطرف. وتعتبر نتائج الانتخابات البلدية في بريطانيا خطوة في الاتجاه الصحيح”.
يتم استغلال ازمة الليبرالية في الغرب هنا من اجل تبرير مشروع سياسي يناهض الليبرالية ويسعى الى تجريد الديمقراطية في إسرائيل من الأسس الدستورية والإنسانية والعالمية، كما جاءت في وثيقة الاستقلال وفي رؤية إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية.
ان الأوساط التي تتحدث عن “التحالف اليهودي – المسيحي” هي نفسها التي يقوم مبعوثوها بتحطيم تماثيل المسيح في لبنان والاعتداء على الراهبات في القدس.
يجب التأكيد على البديهي: لا وجود لـ “حركة فكرية يهودية حقيقية” في إسرائيل، بالضبط مثلما لا يوجد يسار راديكالي حقيقي بالمعنى الأمريكي أو الأوروبي الغربي للمصطلح. باستثناء بعض الأوساط الاكاديمية الضيقة، وعدد قليل من الدوائر الفكرية الصغيرة، وبعض النقاشات المتفرقة في الشبكات الاجتماعية، تصعب الإشارة الى قوة سياسية أو ثقافية مؤثرة تروج لاجندة تقدمية عالمية في الجامعات الامريكية. ان اليسار الصهيوني الليبرالي في إسرائيل بعيد جدا عن “حركة الفكر اليهودي الحقيقية”، وعن اليسار ما بعد القومي، وعن اليسار الماركسي العالمي، مثل بعد الليل عن النهار. ما هي الصلة بالتحديد بين يئير غولان وغادي ايزنكوت ويئير لبيد وبين أيديولوجيا عالمية معادية للقومية، تسعى الى “اقتلاع” فكرة القومية والسيادة والهوية الجماعية؟. في نهاية المطاف حتى في اكثر مظاهرها ليبرالية يبقى اليسار – وسط في إسرائيل متجذر بعمق في الاطار الصهيوني القومي، وملتزم بشكل واضح بفكرة الدولة اليهودية وسيادتها وهويتها العرقية القومية. هل يوجد حزب واحد في اليسار الإسرائيلي يلبي تعريف كوهين إيليا، ويتبنى “نهج حركة العمل السياسي واليسار الراديكالي، الذي يعتبر القومية وأي تصور للراديكالية “سيئة” يجب استئصالها”. الجواب واضح، هذه محاولة مكشوفة لاستيراد وصفة نجاح اليمين الشعبوي في الغرب الى إسرائيل: ترسيخ السلطة السياسية عبر حروب ثقافية، وتحويل الخطاب العام عن القضايا الحقيقية الى تهديدات وهمية من “الدولة العميقة” وحكم رجال القانون. ومثلما هي الحال في أمريكا وأوروبا فان هذه المفاهيم تستخدم هنا أيضا كاداة ناجعة لاثارة وتاجيج القلق والاستياء الطبقي وسياسة الهوية الانقسامية مع خلق الشعور بالحصار الثقافي، يوحد معسكر اليمين الشعبوي حول أعداء وهميين.
خلافا لرأي كوهين إيليا فان الغرب ليس بحاجة الى إسرائيل، بل إسرائيل هي التي تحتاج الغرب. ان طريقة ضمان مستقبلها لا يكمن في إقامة نظام ديني على غرار الشرق الأوسط، أو في إقامة نظام مستبد غير ليبرالي مثلما هو سائد في بلاد الشام، بل العودة الى كنف الأمم الديمقراطية والى تقاليد الغرب الليبرالي. واذا كان يوجد صراع قائم اليوم على صورة وروح الحضارة الغربية، فلن يحسم هذا الصراع عبر القومية المتعصبة أو الشعبوية الاستبدادية، بل بالدفاع عن أسس الديمقراطية الليبرالية والمجتمع المنفتح. واذا كان لمفهوم الحضارة اليهودية – المسيحية المبهم أي معنى، فهو مرتبط بشكل وثيق بالتراث الإنساني والأخلاقي الذي نشأ في الغرب، والذي يقوم على الايمان بان كل انسان مخلوق على صورة الله.
ان طريقة ضمان مستقبل الغرب بشكل عام، وإسرائيل بشكل خاص، لا يكمن في تقويض القيود الدستورية على السلطة، وهو ما يسعى اليه كوهين إيليا واصدقاءه، بل بالدفاع المستميت عن مؤسسات الديمقراطية الليبرالية وسيادة القانون وحقوق الفرد والحرية المدنية، ومبدأ ان الحكومة ورئيسها موجودة لخدمة المواطنين وليس العكس.
——————————————
هآرتس 15/5/2026
“وترفض زيارتهم”:
ما تخفيه إسرائيل.. صور “مرعبة” وهياكل بشرية للأسرى الفلسطينيين
بقلم: أسرة التحرير
حسب ميثاقي جنيف الثالث والرابع، إسرائيل ملزمة بالسماح لمندوبي منظمة الصليب الأحمر الدولية بزيارة المعتقلين الفلسطينيين المحتجزين لديها. منذ 7 أكتوبر 2023 ترفض إسرائيل عمل ذلك بشكل جارف، رغم أنها موقعة على الميثاق. وعللت إسرائيل رفضها بحقيقة أن حماس لا تسمح بزيارات مشابهة للمخطوفين المحتجزين لدى حماس، فضلاً عن أنه لا يجب عليها أن تقايس نفسها بحماس، وأن المخطوفين قد تحرروا منذ زمن بعيد ولم يعد مرة أخرى أي ذريعة لمنع الزيارات. والسبب الحقيقي بشأن إصرار إسرائيل على رفضها شيء يسمى بن غفير. فمنذ تسلم مهام منصبه وزيراًللأمن القومي، شدد بن غفير الظروف الاعتقالية على المعتقلين الفلسطينيين وجعلها ظروفاً غير إنسانية. أكثر من 80 معتقلاً فلسطينياً توفوا في أثناء حبسهم بالتعذيب والتجويع والأمراض. وآخرون ممن نجوا يبدون كظلال بشر، إذا ما حكمنا على الأمور وفقاً لمنظر المعتقلين الذين أفرج عنهم ورووا للعالم ما فعلوه بهم.
لقد عصف العالم هذا الأسبوع جراء مقال نيكولاس كريستوف في “نيويورك تايمز” الذي اقتبس شهادات عن 14 معتقلاً محرر رووا أفعال اغتصاب مخيفة، بما في ذلك باستخدام الكلاب. نفت إسرائيل ذلك نفياً باتاً ووصفته بأنه “فرية دم” من أخطر ما شهده تاريخ الإعلام الحديث”. ولئن كان الحديث يدور بالفعل عن فرية دم، فمن الصعب أن نفهم سبب رفض إسرائيل السماح لمندوبي الصليب الأحمر بزيارة معسكرات الاعتقال. فإذا كانت شروط الاعتقال التي يحتجز فيها الآن آلاف المعتقلين – إسرائيل لا تنشر عددهم الدقيق – معقولة وتستجيب لمطالب القانون الدولي، فلماذا لا تسمح بالزيارات وتثبت للعالم عكس ما جاء في التقرير. وأفادت حن معنيت في “هآرتس” أمس بأن إسرائيل تجري اتصالات سرية مع منظمة الصليب كي تسمح بالزيارات. مؤخراً، وافقت على السماح بالزيارات، لكن دون أن يتمكن مندوبو المنظمة من الحديث مع المعتقلين، كما يطالب ميثاق جنيف. لا قيمة لمثل هذه الزيارات.
إن موقف كل مجتمع من المعتقلين لديه، سواء كانوا مواطنيها أم أعداءها، هو حجر اختبار لقيمها وللمستوى الأخلاقي السائد فيها. ثمة صورة مخيفة تظهر في بضع أشرطة مسجلة معيبة صدرت في الشبكات الاجتماعية ووثقت زيارات الثرثرة والشر التي قام بها بن غفير لمعسكرات الاعتقال:مروان البرغوثي ظهر هيكلاً بشكل بشري، وهناك معتقلون مستلقون على الأرض مكبلون كالأكياس أمام أقدام الوزير السادي. وأمس، أفاد نير حسون في “هآرتس” بأن نحو 200 قاصر فلسطيني يحتجزون في العزل. كما أن الشهادات حول ظروف تقترب من التجويع التام بدت شهادات رهيبة. كل إسرائيلي كان ينبغي له أن يكون قلقاً من هذه التقارير. زيارات رجال الصليب الأحمر ربما تكون الخطوة الأولى لمحو الوصمة التي علقت بالدولة بشأن تعاملها مع معتقليها.
—————-انتهت النشرة—————–

