بكين وطهران في مواجهة واشنطن… اختلاف في إدارة الصراع والنتائج

المسار : تختلف طبيعة التوترات بين الصين والولايات المتحدة عن العلاقة الإيرانية الأميركية، سواء من حيث حجم الملفات الخلافية أو طريقة إدارتها. لكن الفارق الأهم لا يكمن فقط في طبيعة النزاع، بل في كيفية تعامل بكين وطهران مع واشنطن عند لحظات التصعيد. فلكل من الصين وإيران مقاربة مختلفة تماماً في إدارة الصراع مع الولايات المتحدة، ما يمنح المقارنة بين التجربتين أهمية خاصة بالنسبة إلى القرارات الإيرانية في المستقبل.

ورغم أنّ الملفات الخلافية بين بكين وواشنطن تبدو أوسع وأكثر تشعباً من تلك القائمة بين طهران وواشنطن، فإن العلاقة الصينية الأميركية لم تصل إلى القطيعة الكاملة أو الحرب المباشرة، فيما دفعت الخلافات الإيرانية الأميركية، رغم محدوديتها نسبياً، نحو مواجهات عسكرية وأمنية متكررة.

الصين والولايات المتحدة… تنافس شامل بلا قطيعة

من الناحية الكمية، تبدو الخلافات بين الصين والولايات المتحدة واسعة ومتعددة الطبقات، وتشمل التجارة، والرسوم الجمركية، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والتنافس الصناعي، وتايوان، وبحر الصين الجنوبي، والنفوذ العالمي، والأمن السيبراني، وحقوق الإنسان، والتنافس العسكري.

وبمعنى أكثر دقة، فإن الصين والولايات المتحدة تختلفان تقريباً في كل الملفات الكبرى. ولمن لا يعرف تاريخ العلاقات الدولية، تجدر الإشارة إلى أنّ الصين، قبل قيادة دنغ شياو بينغ في أوائل سبعينيات القرن الماضي، وخلال عهد ماو تسي تونغ، لم تكن على خلاف مع الولايات المتحدة فحسب، بل كانت تدعو إلى إزالة أميركا من الوجود. وفي النهج المعادي للأجانب الذي تبناه ماو، لم يكن حتى الاتحاد السوفياتي مقبولاً، إذ كان يحلم، بعد القضاء على الرأسمالية، بمواجهة “الشيوعية الحضرية والعمالية” السوفياتية، وتوسيع نموذج “الشيوعية الريفية والفلاحية” في العالم. لكن أحلام ذلك الزعيم الثوري تبددت اليوم تحت ناطحات السحاب الشاهقة في شنغهاي.

ومع ذلك، فإن الصين والولايات المتحدة، رغم هذا الحجم الهائل من الخلافات، تمتلكان علاقات اقتصادية ضخمة تشمل مئات مليارات الدولارات من التبادل التجاري سنوياً، يتراوح بين 500 و650 مليار دولار. ومن هذا الحجم، تصدّر الصين إلى الولايات المتحدة ما بين 400 و500 مليار دولار، فيما تتراوح صادرات الولايات المتحدة إلى الصين بين 150 و200 مليار دولار.

كما يتمتع البلدان بدرجة عالية من الترابط الصناعي والمالي، فيما تبقى قنوات التفاوض مفتوحة باستمرار في الملفات الخلافية.

إيران والولايات المتحدة… خلافات أقل وعداء أكبر

في المقابل، تبدو الخلافات بين إيران والولايات المتحدة أقل عدداً من حيث الملفات، لكنها أكثر حساسية من الناحيتين السياسية والأمنية.

وتتمثل أبرز محاور الخلاف بين طهران وواشنطن في البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات، والسياسات الإقليمية، وإسرائيل، والوجود الأميركي في الشرق الأوسط، والملف الصاروخي، وانعدام الثقة التاريخي منذ عام 1979، ولا سيما بعد أزمة احتجاز الرهائن، إضافة إلى غياب العلاقات الاقتصادية والعلاقات الديبلوماسية الرسمية.

وهنا تبرز نتيجة لافتة: الصين والولايات المتحدة لديهما خلافات أكثر بكثير، لكن علاقتهما لم تنقطع، وما زالتا تتحاوران ولم تدخلا في حرب مباشرة. أما إيران والولايات المتحدة، فعلى الرغم من أنّ حجم الخلافات بينهما أقل، فإن مستوى العداء السياسي بلغ درجة دفعت الولايات المتحدة إلى مهاجمة إيران عسكرياً مرتين خلال عام واحد.

ومن الناحية النوعية أيضاً، تبدو الفوارق أكثر وضوحاً.

فالصين والولايات المتحدة تتعاملان مع بعضهما بوصفهما قوتين عظميين متنافستين، ويعترف كل طرف بشرعية الطرف الآخر باعتباره فاعلاً رئيسياً في النظام العالمي.

ولا تسعى الصين إلى إزالة الولايات المتحدة أو تدميرها، بل تهدف إلى إعادة التوازن في موازين القوى لمصلحة بكين، بحيث ترتفع حصة الصين في النظام الدولي وتتحول إلى قوة موازية للولايات المتحدة. لذلك تنظر بكين إلى خلافاتها مع واشنطن باعتبارها خلافات هيكلية وطويلة الأمد، لكنها قابلة للإدارة، وتقوم على حسابات الكلفة والمنفعة.

أما الخلافات بين إيران والولايات المتحدة، فهي أقرب إلى أن تكون “أيديولوجية – أمنية”، إذ تمس الهوية السياسية للطرفين وتؤثر في النظام الإقليمي، فيما يشكك كل طرف في شرعية سلوك الطرف الآخر، ما صنع جداراً مرتفعاً من انعدام الثقة.

 

Share This Article