المسار : ترجمة عرب 48_ العالم ليس «مجتمعًا عالميًا» بل «ساحةٌ تتنافس فيها الدولُ والجهاتُ غيرُ الحكومية والشركاتُ لتحقيق مكاسب»، وفي عالم السّياسة القائمة على القوة، تتمتّع الولايات المتحدة بنفوذٍ «لا يُضاهى». ولكن إلى متى؟…
يقدم روبرت كاغان (Robert Kagan)، أحد أبرز مُنظّري حركة المحافظين الجدد، وأحد مؤسسي مشروع القرن الأميركي الجديد (Project for the New American Century)، الذي مهَّد فكريًا لغزو العراق عام 2003، رثاءً مُطوَّلًا في هذه المقالة المنشورة في مجلة ذا أتلانتيك (The Atlantic) لما يُسمِّيه «النظام العالمي الليبرالي» الذي قادته الولايات المُتَّحدة منذ عام 1945. يرى كاغان أنَّ تخلِّي إدارة دونالد ترامب عن هذا الدور يُدخل العالم في مرحلة جديدة من «التعدُّدية القُطبية» تشبه ما سبق الحربَ العالميةَ الثانية، وأنَّ النتيجة ستكون عودةَ النّزاعات بين القوى العُظمى، وتراجع التجارة الحرَّة، وانهيار «الأمن» العالمي.
غير أنَّ المقالةَ، في جوهرها، نموذجٌ صريحٌ لخطاب الحنين الإمبريالي، إذ يَفترضُ الكاتبُ ضمنيًا أنَّ الهيمنةَ العسكريةَ والاقتصادية الأميركية على العالم على مدار ثمانين عامًا كانت تجربةً حميدةً في مُجملِها، وأنَّ ما يصفه بـ «السَّلام والازدهار والانفتاح» هو حالةٌ مُحايدةٌ أنعمت بها واشنطن على البشرية، لا مشروعَ هيمنةٍ قائمًا على الحروب وتغيير الأنظمة والانقلابات والعقوبات. تختفي من سرديَّةِ كاغان حربُ فيتنام، والانقلابات في تشيلي وإيران وغواتيمالا وإندونيسيا، والغزو الأميركي للعراق وأفغانستان، والدَّعم اللامحدود للاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي في فلسطين، وعقوبات العراق التي حصدت أرواحَ ما يزيد على نصف مليون طفل دون الخامسة (وفق تقديرات اليونيسف، 1999)، إلى جانب عشرات التدخُّلات العسكرية والاقتصادية التي شكَّلت العمود الفقري لذلك «النظام» الذي يرثيه.
يتبنَّى كاغانُ كذلك لغةً «جيوسياسيةً داروينية» في وصفه للعالم القادم، فالقوى الكُبرى في تصوُّره تتصرَّفُ بطبيعتها كـ «مُفترساتٍ» تبتلع جيرانها، والدول الصغرى «فرائسُ» مَآلُها التَّبعيَّة. وهو في ذلك يستحضرُ مفرداتٍ تنتمي إلى الفكر الإمبريالي الكلاسيكي للقرن التاسع عشر، ويُعيدُ تأطيرَ التَّاريخ بوصفه صراعَ قُوى عُظمى تتنازع على «مناطق نفوذ»، مُتجاهلًا أنَّ هذه اللغة ذاتها هي التي بَرَّرت تقسيمَ سايكس-بيكو والانتداباتِ الاستعماريةَ ومحوَ شعوبٍ بكاملها من خرائط السِّياسة الدُّولية، وفي مقدِّمتها الشَّعبُ الفلسطيني.
ويغيبُ عن المقالةِ، كما هي عادةُ هذا النَّوع من الكتابات، أيُّ ذكرٍ صريحٍ لفلسطين أو للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزّة بدعمٍ أميركي مباشر، رغم أنَّ هذه الإبادةَ هي التَّجلي الأوضحُ لطبيعة «النِّظام» الذي يُدافع عنه الكاتب. فحين يتحدَّث كاغانُ عن «الأصدقاء والحلفاء الموثوقين» الذين خسرتهم واشنطن، أو عن «المُثُل الديمقراطية» التي تتراجعُ، فإنَّه يكتب من داخل فُقاعةٍ معرفيَّةٍ تعتبرُ إسرائيلَ ديمقراطيةً حليفةً، لا دولةَ استعمارٍ استيطاني تمارسُ الفصلَ العنصري والتَّطهيرَ العرقي. كما يَستخدمُ مُصطلحاتٍ كـ«الإرهاب» و«الدولة المارقة» بوصفها مُسلَّماتٍ، دون أن يتساءلَ عمَّن يحقُّ له تعريفُ هذه المُصطلحات أصلًا.
يستحقُّ النَّصُّ مع ذلك القراءةَ، لا لأنَّه يُقدِّمُ تحليلًا دقيقًا، بل لأنَّه يكشفُ بصدقٍ نادر عن قلقِ النُّخبةِ الإمبرياليةِ الأميركية من فقدانِ موقعِها التَّاريخي. ففي اعترافات كاغان عن انهيار النِّظام ووصوله إلى نهايته، وفي وصفه لعالمٍ «مُتعدِّد الأقطاب» تنحسرُ فيه القوَّةُ الأميركية، إقرارٌ ضمنيٌّ بأنَّ مرحلةَ الهيمنةِ الأحاديةِ التي عانى منها الجَنوبُ العالميُّ، قد تكون قاربت على الانتهاء فعلًا، وإن كان كاغانُ يرى في ذلك نهايةَ العالم، فإنَّ كثيرين غيره يرون فيه بدايةَ احتمالٍ تاريخيٍّ مُغايرٍ، ولو كان طريقُهُ مَحفوفًا بمخاطرَ من نوعٍ آخر.
مُلاحظة: كل هوامش المقالة من المُترجم.
المقالة
أعلنت إستراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب رسميًا: انتهى النظام العالمي الليبرالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة. ليس ذلك لأن الولايات المتحدة أثبتت عجزها المادي عن الحفاظ عليه، بل لأن الولايات المتحدة قررت أنها لم تعد ترغب في القيام بدورها غير المسبوق تاريخيًا في توفير الأمن العالمي؛ فالقوة الأميركية التي دعمت النظام العالمي على مدى الثمانين عامًا الماضية ستُستخدم الآن لتدميره.
يدخل الأميركيون اليوم عالمًا هو الأخطر منذ الحرب العالمية الثانية؛ عالمٌ سيجعل الحرب الباردة تبدو كلعب الأطفال، وعالم ما بعد الحرب الباردة أشبه بالجنة. سيشبه هذا العالم الجديد، في الواقع، إلى حد كبير العالم قبل عام 1945، بوجود قوى عظمى متعددة وتنافسٍ وصراعاتٍ متفاقمة. لن يكون للولايات المتحدة أصدقاء أو حلفاء موثوق بهم، وسيتعين عليها الاعتماد كليًا على قوتها الذّاتية للبقاء والازدهار. سيتطلب هذا زيادة الإنفاق العسكري، لا تقليله، لأن الوصول المفتوح إلى الموارد والأسواق والقواعد الإستراتيجية الخارجية التي تمتَّع بها الأميركيون لن يكون بعد الآن مِن مزايا تحالفات البلاد، بل سيغدو ضرورةً يتنافسون عليها ويدافعون عنها في مواجهة القوى العظمى الأخرى.
الأميركيون ليسوا مستعدين ماديًا ولا نفسيًا لهذا المستقبل. فعلى مدى ثمانية عقود، عاشوا في ظل نظام دولي ليبرالي تشكّل بفعل هيمنة أميركا. وقد اعتادوا على سير العالم بطريقة معينة: حلفاء أوروبيون وآسيويون، متفقون إلى حد كبير وغير منخرطين عسكريًا، يتعاونون مع الولايات المتحدة في القضايا الاقتصادية والأمنية. أما الدول التي تُهدد هذا النظام، مثل روسيا والصين، فهي مقيدة بالثروة والقوة المُجتمعة للولايات المتحدة وحلفائها. التجارة العالمية حُرّة عمومًا وغير مُقيدة بالتنافس الجيوسياسي، والمحيطات آمنة للملاحة، والأسلحة النووية محدودة بموجب اتفاقيات إنتاجها واستخدامها. لقد اعتاد الأميركيون على هذا العالم السِّلمي المزدهر والمنفتح حتى باتوا يميلون إلى اعتباره الحالةَ الطبيعية للعلاقات الدولية، وأن من المُرجَّح استمرارها إلى أمدٍ غير منظور. ولا يستطيعون تخيُّل انهياره، فضلًا عن استيعاب ما قد يعنيه هذا الانهيار بالنسبة إليهم.
ومن يلومهم؟ فبحسب فرانسيس فوكوياما، «انتهى» التاريخ عام 1989 بانتصار الليبرالية. حتى الغريزة البشرية البدائية تجاه العنف قد «تغيرت جذريًا»؛ وبالتالي، من سيحتاج إلى أميركا قويّة للدفاع عمّا كان مقدرًا له أن ينتصر على أي حال؟ ظل النقاد المؤثرون منذ نهاية الحرب الباردة يخبروننا أن الهيمنة الأميركية زائدة عن الحاجة ومكلفة في أحسن الأحوال، ومدمرة وخطيرة في أسوأ الأحوال[1].
يُشيرُ بعضُ المحللين الذين يُرحِّبون بفترة ما بعد العالم الأميركي وبعودة التعدُّدية القُطبية إلى إمكانية احتفاظ الولايات المتحدة بمعظم مزايا النظام الأميركي. فكلُّ ما تحتاجه أميركا، بحسبهم، هو أن تتعلَّم ضبط النَّفس، وأن تتخلَّى عن المساعي الطوباوية لتشكيل العالم، وأن تتقبَّل «حقيقة» أنَّ الدول الأخرى «تسعى إلى إقامة أنظمة دولية خاصة بها تحكمها قواعدها»، كما يقول غراهام أليسون (Graham Allison) من جامعة هارفارد. بل إنَّ أليسون وآخرين يرون أنَّ إصرار الأميركيين على الهيمنة كان سببَ معظم النزاعات مع روسيا والصين، وأنَّه ينبغي على الأميركيين تبنِّي تعدُّدية قُطبية أكثر سلمًا وأقل عبئًا. ومؤخرًا، بدأت نخبٌ سياسية، ومن بينهم مؤيدو ترامب في الخارج، تُشير إلى الوفاق الأوروبي (Concert of Europe)[2] في أوائل القرن التاسع عشر بوصفه نموذجًا للمستقبل، بما يوحي بأنَّ الدبلوماسية المهاريّة بين القوى العُظمى يمكنها أن تحافظ على السلام بفاعلية أكبر مما فعله النظام الذي تقوده الولايات المتحدة في عالم أحادي القُطب.
هذا وَهْمٌ من الناحية التاريخية البحتة. فحتى أكثر الأنظمة المُتعدِّدة الأقطاب تنظيمًا كانت أشدَّ وحشيةً وأكثر ميلًا للحرب من العالم الذي عرفه الأميركيون خلال الثمانين عامًا الماضية. فعلى سبيل المثال، خلال ما يُطلق عليه البعض «السَّلام الطويل» في أوروبا، من عام 1815 إلى عام 1914، خاضت القوى العُظمى (بما فيها روسيا والإمبراطورية العثمانية) عشرات الحروب فيما بينها ومع دول أصغر منها للدفاع عن مزايا إستراتيجية أو لاكتساب موارد ومناطق نفوذ. ولم تكن هذه محض مناوشات، بل نزاعاتٍ شاملة، عادةً ما حصدت أرواحَ عشرات الآلاف، وأحيانًا مئات الآلاف. لقي نحو نصف مليون شخص حتفهم في حرب القرم (1853-1856)[3]؛ وأسفرت الحرب الفرنسية البروسية (1870-1871)[4] عن مقتل حوالي 180 ألف عسكري وما يصل إلى 250 ألف مدني في أقل من عام من القتال. وشهدت كل عشر سنوات تقريبًا، من 1815 إلى 1914، حربًا واحدة على الأقل شاركت فيها قوتان عظميان أو أكثر.
وما يُعادِلُ ما ذكرناه أعلاه اليوم، على غرار التعدُّدية القُطبية في القرن التاسع عشر وفي القرون التي سبقته، هو عالمٌ تخوض فيه الصينُ وروسيا والولايات المُتَّحدة وألمانيا واليابان ودولٌ كُبرى أخرى حربًا كبرى، بشكلٍ أو بآخر، مرَّةً واحدةً على الأقل كلَّ عقد، فتُعيد رسمَ الحدود الوطنية، وتُهجِّر السكان، وتُعطِّل التجارة الدولية، ويُنذِر بصراعٍ عالميٍّ مُدمِّر. هذا هو العالم كما كان لقرونٍ قبل عام 1945، والاعتقاد بأنَّ عالمًا كهذا لن يعود أبدًا يبدو ضربًا من المثالية المُفرِطة.
ولتجنب دوامة النزاعِ هذه تحديدًا، أرست أجيال الأميركيين الذين عاشوا خلال حربين عالميتين أسس النظام العالمي الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة. لقد كانوا واقعيين حقيقيين، لعدم تبنّيهم لأيّ أوهام حول التعدُّدية القُطبية؛ وعاشوا حياتهم كلَّها مع عواقبها المُروّعة. وحوّلوا الولايات المتحدة بعد عام 1945، بدلًا من إعادة تأسيس نظام متعدد الأقطاب، إلى قوة عالمية، مسؤولة ليس فقط عن الحفاظ على أمنها وحدها، بل عن أمن العالم أجمع. وقد استلزم ذلك كبح جماح صعود القوى المهيمنة إقليميًا، لا سيما في أوروبا وشرق آسيا. ولم يفعلوا ذلك رغبةً منهم في إعادة خلق العالم على صورة أميركا، ولكن لأنهم تعلموا أن العالم الحديث مترابط بطرق ستؤدي في النهاية إلى جرِّ الولايات المتحدة إلى نزاعاتِ القوى العظمى في أوراسيا في كل الأحوال.
لم يسبق لأي دولة أن أدّت الدور الذي اضطلعت به الولايات المتحدة، التي كانت تقليديًا منعزلة، بعد عام 1945. ويعود ذلك جزئيًا إلى أنَّ أيّ قوةٍ أخرى لم تتمتَّع بظروف أميركا الفريدة؛ فبفضل قوتها وبُعدِها الجغرافي عن القوى العُظمى الأخرى، كانت الولايات المتحدة غيرَ عُرضةٍ للغزو الأجنبي، مما مكَّنها من إرسال قواتها على بُعد آلاف الكيلومترات من أراضيها دون تعريض أمنها الداخلي للخطر. هذا المزيج من الموقع الجغرافي والنفوذ سمح للولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية بتحقيق السلام والأمن في أوروبا وشرق آسيا. أما الدول التي أثقلتها الحرب، فقد كرّست جهودها لتصبح قوى اقتصادية عظمى، الأمر الذي مهّد الطريق للازدهار العالمي والتعاون الدولي.
ولعلَّ الأمر الأكثر غرابة من قدرة أميركا واستعدادها لتأدية دور المُهيمن هو استعدادُ معظم القوى العُظمى الأخرى لتبني هيمنتها وإضفاء الشرعية عليها، حتى على حساب قوتها. ففي العقود التي تلت عام 1945، تخلَّت جميع الدول التي خاضت الحربين العالميتين تقريبًا عن طموحاتها الإقليمية، ومناطق نفوذها، بل وحتى، إلى حد ما، عن قوتها نفسها. لم تكتفِ بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان بالتخلي عن قرون من التفكير والسلوك كقوى عظمى، بل وضعت أمنها ورفاهية شعوبها في يد القوة العظمى الأميركية البعيدة.
كان هذا سلوكًا شاذًا حقًا، يتنافى مع جميع نظريات العلاقات الدولية والسوابق التاريخية. كان الرد الطبيعي على صعود قوة مهيمنة جديدة هو أن تسعى القوى الأخرى إلى موازنتها. إذ تشكلت تحالفات لكبح جماح لويس الرابع عشر (Louis XIV)[5]ونابليون وألمانيا الإمبراطورية والنازية واليابان الإمبراطورية. أما بعد الحرب العالمية الثانية، وبدلًا من اعتبار الولايات المتحدة خطرًا يجب احتواؤه، رأت معظم قوى العالم فيها شريكًا يُستعان به. راهن حلفاء أميركا رهانين بارزين: الأول، أن الولايات المتحدة جديرة بالثقة في الدفاع عنهم عند الحاجة، والثاني، أنها لن تستغل قوتها الهائلة لإثراء نفسها أو تعزيز قوتها على حسابهم. بل على العكس، ستعمل على تعزيز ازدهار حلفائها الاقتصادي والاستفادة منه.
كان هذا هو الاتفاق الكبير للنظام الأميركي بعد عام 1945. وهو ما أتاح السلام والاستقرار الاستثنائيين اللذين سادا العقود اللاحقة، حتى خلال الحرب الباردة. لقد أرسى النظام الأميركي الانسجام[6] بين القوى العظمى داخله، وترك القوى خارجه، روسيا والصين، معزولتين نسبيًا وغير آمنتين، وغير راضيتين عن النظام العالمي، لكن قدرتهما على تغييره كانت محدودة.
كل ذلك يتلاشى الآن. احتفل ترامب علنًا بنهاية الاتفاق الكبير. وقد حثت إدارته الأوروبيين على الاستعداد لتولي مسؤولية دفاعهم بحلول عام 2027، واقترح على الحلفاء والشركاء الإستراتيجيين، بمن فيهم اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية، دفع مبالغ للولايات المتحدة مقابل الحماية. وشنّ ترامب حروبًا جمركية عدوانية ضد جميع حلفاء أميركا تقريبًا. كما شنّ حربًا أيديولوجية وسياسية ضد الحكومات الأوروبية، وهدد صراحةً بالعدوان الإقليمي على حليفين في حلف الناتو، وهما كندا والدنمارك. في غضون ذلك، لا تنظر إستراتيجية الأمن القومي للإدارة الأميركية إلى روسيا والصين كخصمين أو حتى منافسين، بل كشريكين في تقسيم العالم. ومع تركيزها الكبير على استعادة «الهيمنة الأميركية» في نصف الكرة الغربي، تتبنَّى إستراتيجية ترامب نهجًا مُتعدِّد الأقطاب، تمارس فيه روسيا والصين والولايات المتحدة هيمنةً كاملةً في مجالات مصالحها الخاصة.
يبدو أن ترامب ومؤيديه يعتقدون أن بقية العالم سيتكيّف ببساطة مع هذا النهج الأميركي الجديد، وأن الحلفاء، على وجه الخصوص، سيستمرون في اتباعه، خاضعين للولايات المتحدة التي تتخلى عنهم إستراتيجيًّا، وتفرض عليهم ضرائب اقتصادية باهظة، وتسعى إلى إقامة «وفاقٍ» مع القوى التي تهددهم تهديدًا مباشرًا. لكن هذا التحول الجذري في الإستراتيجية الأميركية يجب أن يُجبر الأصدقاء والحلفاء السابقين على إحداث تحولات جذرية مماثلة.

ماذا تفعل أوروبا، على سبيل المثال، الآن وهي تواجه قوى عظمى معادية وعدوانية على جبهتيها الشرقية والغربية؟ ليس روسيا فقط، بل والولايات المتحدة أيضًا، تهدّد أمن وسلامة أراضي الدول الأوروبية، وتسعى لتقويض حكوماتها الليبرالية. قد تتحول أوروبا السلبية إلى مجموعة من الإقطاعات، بعضها تحت النفوذ الروسي، وبعضها تحت النفوذ الأميركي، وربما بعضها تحت النفوذ الصيني. وبعد أن تتقلَّص سيادة دولها وتُنهَب اقتصاداتُها على يد واحدة أو أكثر من الإمبراطوريات الثلاث، هل ستستسلمُ الدولُ الأوروبيةُ التي كانت العظيمةُ لهذا المصير؟
إذا كان التاريخ دليلًا، فسيختارون إعادة التسلح بدلًا من ذلك، وستكون المهمة جسيمة. إن بناء دفاع قويّ ضدّ أي عدوان روسيّ إقليميّ إضافيّ، وردع العدوان الأميركي في الوقت نفسه، سيتطلب ليس فقط زيادات طفيفة في الإنفاق الدفاعي، بل إعادة توجيه إستراتيجي واقتصادي شامل نحو الاكتفاء الذاتي، أي إعادة هيكلة الصناعات والاقتصادات والمجتمعات الأوروبية. ولكن إذا تسلحت ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وبولندا بكامل طاقتها، بما في ذلك الأسلحة النووية، وقررت الدفاع بقوة عن استقلالها الاقتصادي، فإنها ستمتلك مجتمعة قوة كافية لردع روسيا، ودفع أي رئيس أميركي إلى التفكير مليًا قبل ممارسة أي ابتزاز ضدها. وإذا كان البديل هو الخضوع، فبإمكان الأوروبيين مواجهة هذا التحدي بكل قوة.
سيواجه شركاء الولايات المتحدة الآسيويون خيارًا مماثلًا. لطالما شكّك القادة اليابانيون في مصداقية أميركا، لكن موقف ترامب يُجبرهم على الخوض في هذا الأمر. فقد فرض تعريفات جمركية على حلفاء أميركا الآسيويين، وألمح مرارًا وتكرارًا إلى ضرورة دفعهم للولايات المتحدة مقابل حمايتهم («تمامًا كما تفعل شركات التأمين»). تركز إستراتيجية ترامب للأمن القومي بكثافة على نصف الكرة الغربي، على حساب آسيا، وتسعى الإدارة بشدة إلى إبرام اتفاقية تجارية وتنسيق إستراتيجي مع بيجين. قد تجد اليابان نفسها مضطرة للاختيار بين قبول التَّبعية للصين وبناء القدرات العسكرية اللازمة للردع المستقل.
يُشير انتخاب رئيسة الوزراء القومية اليمينية ساناي تاكايتشي (Sanae Takaichi) مؤخرًا إلى المسار الذي يعتزم اليابانيون اتباعه. قد يتوهم ترامب ومستشاروه أنهم يرون حلفاء يسعون إلى «إعادة اليابان إلى عظمتها»، لكن تصاعد النزعة القومية اليابانية هو رد فعل مباشر على مخاوف مشروعة من أن اليابان لم تعد قادرة على الاعتماد على الولايات المتحدة في دفاعها. كما تعيد كوريا الجنوبية وأستراليا النظر في سياساتهما الدفاعية والاقتصادية مع إدراكهما للتحديات القادمة من الشرق والغرب.
لذا، من المرجح أن تكون نتيجة تحول الولايات المتحدة إلى دولة غير موثوقة، بل وعدائية، هي تعزيزات عسكرية كبيرة من جانب حلفائها السابقين. ولن يعني هذا تقاسم عبء الأمن الجماعي، لأن هذه الدول التي أعادت تسليح نفسها لن تكون حليفة للولايات المتحدة بعد الآن. بل ستكون قوىً عُظمى مستقلةً تسعى لتحقيق مصالحها الإستراتيجية في عالمٍ مُتعدِّد الأقطاب. لن تدين للولايات المتحدة بشيء؛ بل على العكس، ستنظر إليها بنفس العداء والخوف اللذين توجّههما نحو روسيا والصين. وبعد أن تخلَّت عنها الولايات المتحدة إستراتيجيًا، وبينما تعاني من النهب الاقتصادي وربما من العدوان الإقليمي، فمن المرجح أن تغدو بؤرًا للعداء لأميركا. على أقل تقدير، لن تكون هذه الدول هي نفسها التي يعرفها الأميركيون اليوم.
لنأخذ ألمانيا مثالًا. فألمانيا الحالية، الدّولة الديمقراطيةُ الداعمةُ للسلام، نشأت في ظلّ النظام الدولي الليبرالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة. وقد ساهم هذا النظام في تحقيق المعجزة الاقتصادية لألمانيا الغربية في خمسينيات القرن الماضي، والتي كانت مدفوعة بالتصدير، ما جعلها بدورها محركًا للنمو الاقتصادي العالمي وركيزة للازدهار والاستقرار الديمقراطي في أوروبا. وقد خفت حدّة الإغراءات لاتباع سياسة خارجية طبيعية ومستقلة كقوة عظمى، بفعل المصالح الاقتصادية والبيئة المواتية نسبيًا التي كان بإمكان الألمان أن يعيشوا فيها حياتهم، والتي كانت مختلفة تمامًا عما عرفوه في الماضي. إلى متى ستظل ألمانيا مستعدَّةً للبقاء دولةً «غير طبيعية»؟ وأن تستمرَّ في إنكار الطموحات الجيوسياسية والمصالح الأنانية والوطنية بوصفها فخرها الأوّل؟ لقد كان هذا السّؤال مطروحًا حتى قبل أن يبدأ النظام العالمي الليبرالي الحالي بالتفكك. والآن، بفضل التحول الإستراتيجي الأميركي، ليس أمام ألمانيا خيار سوى العودة إلى وضعها الطبيعي، وبسرعة.
وكما تجبرُ الإستراتيجيةُ الأميركية الألمانَ على إعادة التّسلّح، فإنّها تضمن أن يفعلوا ذلك في إطار أوروبَّا منقسمةٍ ومُتعصّبةٍ تتصاعد فيها النزعة القومية. لقد عمل مؤسّسو النّظام الأميركي في سنوات ما بعد الحرب على كبح جماح النزعة القومية الأوروبية، جزئيًا من خلال دعم المؤسّسات الأوروبية الجامعة. وقد اعتقد الدبلوماسي الأميركي جورج كينان (George Kennan)، الذي عاش في حقبة الحرب الباردة، أنَّ الوحدة الأوروبية هي «الحلُّ الوحيد الممكن» للمشكلة الألمانية. إلّا أنَّ هذه المؤسسات اليوم تتعرضُ لضغوط، وإذا سارت الأمور كما تشتهي إدارة ترامب، فستختفي تمامًا. وفي الوقت نفسه، تحاول الإدارة الأميركية تأجيج النّزعة القومية الأوروبية، لا سيّما في ألمانيا حيث قد تنجح في ذلك؛ إذ يُعدُّ حزب اليمين المتطرَّف البديل من أجل ألمانيا (AfD) ثانيَ أكبر حزب في البرلمان الألماني، تمامًا كما كان الحزب النازي عام 1930.

سواء استسلمت ألمانيا لليمين المتطرف أم لا، فإن إعادة تسليحها دون ضمانة أمنية أميركية ستتبنى بالضرورة منظورًا قوميًا لمصالحها. وينطبق الأمر نفسه على جميع جيرانها. أما بولندا، المحصورة بين ألمانيا القوية من جهة وروسيا القوية من جهة أخرى، فقد تعرضت على مر القرون للتقسيم والاحتلال مرارًا وتكرارًا، بل وفي بعض الأحيان للإبادة ككيان ذي سيادة. وبدون وجود قوة عظمى بعيدة تحميهم، من المرجح أن يقرر البولنديون بناء قدراتهم العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية. في غضون ذلك، لم يتبق لفرنسا سوى انتخابات واحدة لتحقيق نصر قومي سيضرب أوروبا كزلزال. وقد حثّ القادة الفرنسيون البلاد بالفعل على الاستعداد للحرب ضد روسيا. لكن تخيلوا فرنسا قوميّة تعيد تسليح نفسها في مواجهة ألمانيا قوميّة تعيد تسليح نفسها. قد تجد الدولتان أرضية مشتركة في مواجهة التهديدات المتزايدة من الولايات المتحدة وروسيا، لكن تاريخهما معقد أيضًا، فقد خاضتا ثلاث حروب كبرى ضد بعضهما البعض في السنوات السبعين التي سبقت مساعدة الولايات المتحدة في إرساء سلام دائم بينهما.
سيكون لإعادة تسليح اليابان تداعيات مماثلة. وسيزيد ذلك من توتر جيران اليابان، بما في ذلك كوريا الجنوبية، وهي حليف آخر بات غير متأكد من التزام واشنطن بالدفاع عنها. كمّ من الوقت سيمر قبل أن يقرر الكوريون أنهم أيضًا بحاجة إلى إعادة التسلح، بما في ذلك بالأسلحة النووية، في مواجهة كوريا الشمالية المعادية والمسلحة نوويًا، واليابان المعاد تسليحها، وربما النووية، والتي غزت كوريا واحتلتها ثلاث مرات في الماضي؟
في عالمٍ مُتعدِّد الأقطاب، كلُّ شيءٍ مُعرَّضٌ للخطر، وتتزايد بُؤر التَّوتُر التي قد تُؤدي إلى صراعاتٍ مُحتملة. لم يقتصر النظام الأميركي، الذي استمر لثمانية عقود، على تقديم التزاماتٍ أمنيةٍ للحلفاء والشركاء فحسب، بل وفَّر أيضًا وصولًا مُشتركًا إلى موارد حيويةٍ وقواعد عسكريةٍ وممراتٍ مائيةٍ ومجالٍ جويٍّ، وهو ما يُطلق عليه المُنظّرون «المنافعَ العامّة». وفي غياب الولايات المتحدة عن هذا الدّور، تُصبح كلُّ هذه المواردِ مرّةً أخرى أهدافًا في منافسةٍ بين قوىً مُتعدِّدةٍ.
لن يقتصر هذا التنافس على أوروبا وشرق آسيا. فحتى الآن، كانت ألمانيا واليابان تكتفيان بالاعتماد على الولايات المتحدة للحفاظ على وصولهما البحري إلى نفط الخليج العربي، على سبيل المثال. أما الآن، فستحتاج هاتان الدولتان، إلى جانب قوى أخرى تسعى لإعادة التسلح، بما في ذلك الهند وبريطانيا وفرنسا، إلى إيجاد سبل جديدة لحماية أنفسهما. وقد أظهرت الصين كيف يمكن تحقيق ذلك. فقبل عقدين من الزمن، لم يكن لديها أسطول بحري يُذكر، ولا قواعد في الخليج العربي. أما اليوم، فهي تمتلك أكبر أسطول بحري في العالم، وقاعدة في جيبوتي، وترتيبات تعاون مع الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان لبناء منشآت لاستخدام الصين.
تكتسب مناطق النفوذ، في عالم متعدد الأقطاب، أهمية بالغة من جديد. فعلى مرّ القرون، كانت القدرة على الحفاظ على منطقة نفوذ وحمايتها جزءًا لا يتجزأ من مفهوم القوة العظمى. كما كانت من أكثر أسباب الحروب شيوعًا، نظرًا لتداخل مناطق النفوذ في كثير من الأحيان. وكان الصراع الثلاثي الذي لا ينتهي على ما يبدو بين روسيا والنمسا والإمبراطورية العثمانية للسيطرة على البلقان مصدرًا للعديد من النزاعات، بما في ذلك الحرب العالمية الأولى. أما الرّغبة في استعادة مناطق النفوذ أو إنشائها فكانت دافعًا رئيسًا للقوى الثلاث التي لم تكن تملكها، والتي ساهمت في اندلاع الحرب العالمية الثانية: ألمانيا واليابان وإيطاليا.
أدّى انتهاء تلك الحرب إلى تفكك عالمي لمناطق النفوذ. وكان ممّا جعل النظامَ العالميَّ الليبرالي ليبراليًا مبدأُ تقرير المصير (Self-determination)، وهو مبدأٌ راسخٌ في ميثاق الأطلسي[7] وميثاق الأمم المتحدة. وقد انتُهِك هذا المبدأ في بعض الأحيان، بما في ذلك من الولايات المتحدة نفسها. لكنَّه في الماضي، في ظل الأنظمة مُتعدِّدة الأقطاب، لم تكن القوى العُظمى مضطرّةً حتّى للنظر في حقوق الدول الصغيرة، ولم تفعل ذلك. وعلى النقيض من ذلك، ضغطت الليبرالية في النظام الأميركي على الدول القوية للتنازل عن سيادتها واستقلالها للدول الأصغر في فلكها.
فكك البريطانيون إمبراطوريتهم تدريجيًا، كما فعل الفرنسيون. واضطرت ألمانيا للتخلي عن أحلامها في وسط أوروبا(Mitteleuropa)[8] وفي أفريقيا. كما قبلت اليابان نهاية منطقة نفوذها في المحيط الهادئ، تمامًا كما قبلت نهاية منطقة نفوذها في البرِّ الآسيوي، والتي خاضت من أجلها حروبًا عديدة بين عامي 1895 و1945. في ظل النظام الذي تقوده الولايات المتحدة، لم تسعَ هذه القوى قط لاستعادة تلك المناطق. أما الصين، فبعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت بلا منطقة نفوذ لدرجة أنها لم تستطع حتى المطالبة بتايوان، وهي جزيرة مجاورة يسكنها أناس كانوا مواطنين لها. كانت منطقة النفوذ الوحيدة المتبقية، إلى جانب منطقة نفوذ الولايات المتحدة، هي تلك التي انتزعها الاتحاد السوفيتي في يالطا[9] في شرق ووسط أوروبا. لكن هذه المناطق أيضًا كانت تحت ضغط منذ البداية، وتجاوزت الجهود المطلوبة للاحتفاظ بها في نهاية المطاف قدرات الاتحاد السوفيتي، مما أدى إلى انهياره.
لقد منح مُجرّد وجود الولايات المتحدة والنظام الليبرالي الذي دعمته القوى الصغيرة والمتوسطة فرصةً حرمتها منها قرونٌ من التعدُّدية القُطبية. فلم تكن الدول التّابعة لموسكو في شرق ووسط أوروبا لتُصرّ على الهروب لو لم يكن هناك ما تهرب إليه. وعد النّظام الأميركي بمستوى معيشي أفضل وسيادة وطنية ومساواة قانونية ومؤسّسية، فأعطى الدولَ التي تعيش تحت ظل الاتحاد السوفيتي خيارًا آخر غير التَّكيّف، وعندما أتيحت لها الفرصة للخروج من سيطرة موسكو، انتهزت هذه الدول الفرصة.
دعا العديد ممن يصفون أنفسهم بالواقعيين في السنوات الأخيرة الولايات المتحدة إلى قبول العودة إلى مناطق النفوذ بديلًا عن الأحادية القطبية. لكنهم في الغالب لم يعترفوا إلا بمناطق النّفوذ الروسية والصينية، وهذا بحد ذاته إشكالي. هل نعرف إلى أي مدى يمتد مفهوم الصين لنطاق نفوذها؟ هل يشمل فيتنام؟ كل جنوب شرق آسيا؟ كوريا؟ ماذا عن ما تسميه الصين «سلسلة الجزر الأولى»[10]، والتي تضم اليابان؟ طالما شمل نطاق النفوذ الروسي التقليدي، منذ عهد بطرس الأكبر، دول البلطيق وجزءًا على الأقل من بولندا. فلاديمير بوتين يحذو حذو بطرس علنًا، وهو صريح بشأن رغبته في إعادة بناء الإمبراطورية السوفيتية كما كانت عليه خلال الحرب الباردة[11].
إن الاعتراف بمناطق نفوذ روسيا والصين يعني قبول هيمنتهما على رقعة واسعة من الدول التي تتمتع حاليًا باستقلالها السيادي. وفي هذا العالم الجديد الناشئ، لن تكون روسيا والصين الوحيدتين الساعيتين لتوسيع نفوذهما. فإذا أرادت ألمانيا واليابان استعادة مكانتهما كقوتين عظميين، فسيكون لهما أيضًا مناطق نفوذ، ستتداخل حتمًا مع مناطق نفوذ الصين وروسيا، مما سيؤدي إلى صراعاتٍ عديدةٍ في مناطقَ متعدّدة، في مستقبلٍ مُتعدّد الأقطاب تمامًا كما كان الماضي المتعدّد الأقطاب.
وهذا يقودنا إلى الموضوع الأكثر أهميّة؛ إذ روّجت فكرةُ اتفاقٍ جديدٍ بين الولايات المتحدة والصّين وروسيا، يُضاهي الوفاق الأوروبي (Concert of Europe) في القرن التّاسع عشر. ويتطلب أي اتفاق ناجح تحديد حدود مناطق نفوذ كل منها. فهل يُمكن التوصل إلى مثل هذا الاتفاق؟
والجواب هو: لا، لأنّ النّظام الجديد المُتعدِّد الأقطاب لن يتمتّع بنفس خصائص العالم الذي ساد قبل قرنين من الزّمان. فقد كانت النَّمسا في عهد مترنيخ (Klemens von Metternich) قوةً مُحافِظةً على الوضع الرّاهن، لا يهمّها إلّا حماية النظام المحافِظ في مواجهة منافسيه الليبراليين. أمّا بِسمارك (Otto von Bismarck)، فقد اعتبر ألمانيا الموحّدة حديثًا في أواخر القرن التّاسع عشر «مكتفية». وسعى كلاهما إلى تحقيق توازن للحفاظ على ما لديهما، لا للحصول على المزيد.
لكن الصين وروسيا ليستا قوتين راضيتين عن الوضع الراهن، بل هما قوتان ساخطتان محرومتان. فمنذ نهاية الحرب الباردة، وهما تعانيان من استياء مزمن من الهيمنة الأميركية العالمية، وتسعيان لاستعادة ما تعتبرانه هيمنتهما الإقليمية الطبيعية والتقليدية. وحتى اليوم، لا تمارس الصين سوى سيطرة جزئية على جنوب شرق آسيا، ولا تسيطر على تايوان، فضلًا عن أنها لا تتمتع بما تعتبره خضوعًا مناسبًا من اليابان وكوريا الجنوبية. أما روسيا، فهي أيضًا في المراحل الأولى من إعادة بناء نفوذها التقليدي في شرق ووسط أوروبا. وأوكرانيا ليست نهاية المطاف، بل بداية النظام الذي يتصوره بوتين.
أي نوع من الاتفاق مع الولايات المتحدة يمكن أن يُلبي هذه الطموحات؟ ليس اتفاقًا يُرسّخ الوضع الراهن فحسب، كما حاول الوفاق الأوروبي؛ بل يجب أن يستوعب التحول الجيوسياسي الجذري في أوروبا وآسيا، الذي تعتبره روسيا والصين ضروريًا، والذي كانت روسيا، على الأقل، مستعدة لخوض الحرب من أجله. ولن يكون هذا التحول عمليةً سهلةً للدول الصغيرة والمتوسطة التي تُجبر على التخلي عن استقلالها وقبول هيمنة بيجين أو موسكو أو واشنطن، وربما في نهاية المطاف من قبل برلين أو طوكيو، أو من يدري من غيرها. إذا كان هناك درسٌ تعلمناه من العقود الأربعة الأولى من القرن العشرين، فهو أن تحقيق سلامٍ مستقر مع الدول غير النووية أمرٌ عسير. فكل دولة أو إقليم يُمنح لها يُقوّيها ويُشجعها على المطالبة بالخطوة التالية.
في الواقع، لا ترغب بيجين وموسكو، ولا تحتاجان، إلى أي اتفاق تقييدي مع الولايات المتحدة. بل على العكس، لديهما كل الأسباب للاعتقاد بأن هذه هي اللحظة المناسبة للمضي قدمًا. وقد تحدث شي جين بينغ عن «تغيرات عظيمة لم يشهدها العالم منذ قرن»، والتي تمنح الصين «فترة من الفرص الاستراتيجية». أمّا بالنّسبة لبوتين، فإنّ تدمير ترامب للتحالف الأطلسي يُعدُّ «تغييرًا جذريًا». فلماذا لا يغتنم هذه الفرصة؟ لا يمكنه التنبؤ بمدة استمرار حكم ترامب في الولايات المتحدة، وإذا أعاد الأوروبيون تسليح أنفسهم، فقد تُغلق نافذة الفرص أمام الكرملين. حتى الآن، كان بوتين حذرًا في تحركاته، إذ انتظر ست سنوات بين غزو جورجيا وضمّ شبه جزيرة القرم، ثم ثماني سنوات أخرى قبل الغزو الشامل لأوكرانيا، الذي عرقلته أميركا وحلفاؤها بشدة. والآن، حطّم الأميركيون هذا التضامن، وقد يعتقد بوتين أن هذه هي اللحظة المناسبة لتسريع خططه التوسعية.
وهذا يعني أنّ السنوات الأولى من النّظام الجديد المُتعدِّد الأقطاب لن تتميّز بدبلوماسيةٍ بارعةٍ ومتوافقة، بل بمنافسةٍ ومواجهةٍ شديدة. فسيبدو هذا العالم أشبه بعالم القرن العشرين الوحشي منه بعالم القرن التّاسع عشر الأكثر تنظيمًا، وإن كان هذا الأخير لا يزال وحشيًا. هذا هو العالم الجديد الذي تدخله أميركا، وقد تخلت طواعيةً عن أعظم ثرواتها. كتب المفكر الإستراتيجي الصيني المؤثر يان شيوتونغ (Yan Xuetong) ذات مرة أن أهم فجوة بين الولايات المتحدة والصين لم تكن القوة العسكرية أو الاقتصادية، فكلاهما تستطيع الصين حشدهما، بل كانت نظام التحالفات والشراكات العالمية الذي تمتلكه أميركا.
عندما تدخل روسيا أو الصين في حرب، تدخلها بمفردها. أما عندما تدخل الولايات المتحدة في حرب، حتى في صراع غير شعبي كالعراق[12]، فتحظى بدعم عشرات الحلفاء. وطالما اعتمدت القدرة العسكرية الأميركية على قواعد عسكرية منتشرة في أنحاء العالم، وفرتها دول وثقت بالولايات المتحدة شريكًا، وكانت على استعداد للتغاضي عن متاعب استضافة الجنود الأميركيين. لكن هذه الدول قد تعيد النظر في موقفها إذا لم تعد الولايات المتحدة تضمن أمنها، بل تشنّ حربًا اقتصادية ضدها[13]، وتفرض عليها مطالب سياسية وأيديولوجية تعتبرها مسيئة. يبدو أن مسؤولي ترامب يتوقعون من الدول الأوروبية والآسيوية الانضمام إلى الولايات المتحدة كلما احتاجت واشنطن إليها أو أرادتها، للضغط على الصين، على سبيل المثال، حتى وإن لم تقدم الولايات المتحدة لها أي مقابل. ولكن هل يمكن التخلي عن الحلفاء مع الاحتفاظ بهم في الوقت نفسه؟
كان الأمر سيختلف لو أن الولايات المتحدة كانت بالفعل تتراجع داخل نصف الكرة الأرضية التابع لها، وتعود إلى وضعها في القرن التّاسع عشر: عزلةٍ دامت قرنًا من الزّمان، وتجاهلٍ للشّؤون العالمية. لكن من أبرز ما يُميّز السياسة الخارجية لهذه الإدارة، أنه على الرغم من كل الحديث عن «أميركا أولًا»، يُظهر ترامب طموحًا عالميًا يبدو بلا حدود. فهو يستمتع بممارسة النفوذ الأميركي حتى وهو يُضعفه. ففي عامه الأول بعد عودته إلى منصبه، شنّ ضرباتٍ على إيران وسوريا، وهدّد بالاستيلاء على كندا وغرينلاند، وأطاح بحكومة فنزويلا ووعد بـ «إدارة» البلاد؛ وتدخّل دون جدوى في حروبٍ في جنوب شرق آسيا ووسط أفريقيا والشرق الأوسط؛ بل واقترح مشاريع بناءٍ في قطاع غزة كان لا بدّ من الدفاع عنها بواسطة القوات الأميركية.
هل هذا ما يُسمى «ضبط النفس»؟ يُشيد به مُؤيدوه المُثقفون لتخليه عن «الأهداف الطوباوية العبثية» لـ «نخب جاهلة»، لكنهم في الوقت نفسه يُثنون عليه لسعيه إلى «إعادة تشكيل» العالم بأسره. إعادة تشكيله لأي غاية؟ لملء جيوب ترامب وتحقيق المجد؟
إنّ جنون العظمة الذي ينتاب ترامب يُحوّل الولايات المتحدة من دولةٍ ذات مصالحَ داخليّة إلى دولةٍ منبوذٍة دوليًّا، وسيعاني الشّعب الأميركي من عواقب ذلك لسنواتٍ قادمة. كان مستشار ألمانيا عام 1916، ثيوبالد فون بيتمان هولويغ (Theobald von Bethmann Hollweg)، قلقًا من أن سلوك بلاده قد يجعلها «كلبًا مسعورًا بين الأمم» ويستفز «إدانة العالم المتحضّر بأسره». وقد صدق حدسه. كان القادة الألمان فخورين بواقعيتهم الصارمة، ومؤمنين بأن السعي الصريح والوحشي وراء المصالح الذاتية هو ببساطة ما تفعله الدول. لكن كما أشار المؤرخ بول كينيدي (Paul Kennedy)، فإن لجوء ألمانيا المستمر إلى «قانون سياسة القوة المجردة» ساهم في توحيد القوى العظمى في العالم لإسقاط ألمانيا[14].
تستمتع إدارة ترامب بالسعي وراء مصالحها الذاتية وممارسة القوة لذاتها، متجاهلةً مصالح الآخرين بشكلٍ واضح. وكما كتب مستشار الأمن القومي لترامب في ولايته الأولى، هربرت رايموند ماكماستر (H. R. McMaster)، بالاشتراك مع الخبير الاقتصادي غاري كوهن (Gary Cohn)، فإنّ العالم ليس «مجتمعًا عالميًا» بل «ساحةٌ تتنافس فيها الدولُ والجهاتُ غيرُ الحكومية والشركاتُ لتحقيق مكاسب»، وفي عالم السّياسة القائمة على القوة، تتمتّع الولايات المتحدة بنفوذٍ «لا يُضاهى». ولكن إلى متى؟ تستند صياغة ماكماستر، مثل تمجيد ترامب للأنانية، إلى جهل عميق بالمصادر الحقيقية للقوة الأميركية. فقد استُمِد جزء كبير من نفوذ أميركا في العالم من معاملة الآخرين كجزء من مجتمع الدول الديمقراطية أو كشركاء إستراتيجيين.
يرى الآخرون هذا الأمر، حتى وإن لم يره كثير من الأميركيين. ولاحظ المفكر الصّيني يان شيوتونغ أنّ أحد العناصر التي تُبقي النّظام الأميركي متماسكًا هو سمعة أميركا في الالتزام بالأخلاق واحترام المعايير الوطنية في العلاقات الدُّولية. فقد كان ثيودور روزفلت (Theodore Roosevelt)، الذي يُعتبر غالبًا مثالًا حيًا للواقعية الأميركية، والذي لا يُستهان به في استخدام القوة، يعتقد أن الدول العظمى يجب أن تسترشد في نهاية المطاف بـ «وعي اجتماعي دولي» لا يأخذ في الاعتبار مصالحها الخاصة فحسب، بل أيضًا «مصالح الآخرين». ولاحظ أن القوة العظمى الناجحة لا يمكنها أن تتصرف «دون مراعاة أساسيات الأخلاق الحقيقية».
لعقود من الزمن، دعم جزء كبير من العالم الولايات المتحدة التي تصرفت وفقًا لهذه المبادئ وقبلت قوة أميركا، على الرغم من عيوبها وأخطائها، وذلك تحديدًا لأنها لم تتصرف بدافع المصلحة الذاتية الضيقة فحسب، ناهيك عن المصلحة الضيقة والأنانية لحاكم واحد. انتهى ذلك العصر. لقد تمكن ترامب في عام واحد فقط من تدمير النظام الأميركي القائم، وأضعف قدرة أميركا على حماية مصالحها في العالم الجديد. إذا كان الأميركيون يعتقدون أن الدفاع عن النظام العالمي الليبرالي مكلف للغاية، فلينتظروا حتى يبدأوا بدفع ثمن ما سيأتي لاحقًا.
[1] استشهاد كاغان بأطروحة فوكوياما عن «نهاية التاريخ» مُفارق؛ إذ كان كلاهما من رموز اللحظة الأيديولوجية ذاتها التي تَوَّجَتْ انهيار الاتحاد السوفيتي بإعلانٍ عن انتصار «الليبرالية» الأبدي، اللحظة التي مهَّدت لتوسُّع الناتو شرقًا، ولعقوبات العراق التي حصدت أرواحَ نصف مليون طفل في التسعينيات، ولاحقًا لغزو العراق وأفغانستان. ما يُسمّيه كاغان «طوباوية» الليبرالية كان في الواقع غطاءً أيديولوجيًا لعنف نظامي مُمنهج (المُترجم).
[2] الوفاق الأوروبي، نظامٌ دبلوماسي للتوازن بين القوى العُظمى الأوروبية، أرسته كلٌّ من النَّمسا وبروسيا وروسيا وبريطانيا (ولاحقًا فرنسا) في مؤتمر فيينا (Congress of Vienna) عام 1815، عقب هزيمة نابليون. قام على فكرة إدارة الشُّؤون الأوروبية عبر مؤتمراتٍ دوريةٍ بين القوى الكُبرى للحفاظ على الوضع الرَّاهن وقمع الحركات الثورية والقومية والليبرالية. صَمَدَ النِّظام جزئيًا حتى ثورات 1848، وانهار فعليًا مع الحرب الفرنسية-البروسية (1870-1871)، قبل أن يَتَهاوى تمامًا في الحرب العالمية الأولى. يَستخدمه الكاتبُ هنا بوصفه نموذجًا لما قد يحلُّ محلَّ النظام الأميركي، متجاهلًا أنَّ هذا «الوفاق» قام على شرعنة الإمبراطوريات وقمع شعوبها، لا على «السَّلام».
[3] حربُ القرم (Crimean War) نزاعٌ عسكريٌّ نشب بين الإمبراطورية الروسية من جهة، وتحالفٍ ضمَّ الإمبراطوريةَ العثمانيةَ وفرنسا وبريطانيا ومملكةَ سردينيا من جهةٍ أخرى، بين 1853 و1856، ودارت معظم معاركها في شبه جزيرة القرم على ساحل البحر الأسود. اندلعت الحربُ في ظاهرها على خلفية نزاعٍ حول حقوق رعاية الأماكن المقدَّسة المسيحية في فلسطين العثمانية، غير أنَّ جوهرها كان نزاعِ القوى الكُبرى على وراثة الإمبراطورية العثمانية المُتداعية، ومنعِ روسيا من التَّمدُّد جنوبًا نحو المضائق التركية والبحر المتوسط. انتهت بهزيمة روسيا وتوقيع معاهدة باريس (1856) التي حيَّدت البحرَ الأسود وأضعفت النفوذ الروسي لعقود. تُعدُّ من أوائل الحروب «الحديثة» تقنيًا (التلغراف، السكك الحديدية، التَّصوير الحربي، التَّمريض المنظَّم)، وحصدت أرواحَ نحو نصف مليون شخص، مات معظمهم بالأمراض والأوبئة في المعسكرات لا في ساحات المعارك. ويستحضرُها كاغان بوصفها مثالًا على «وحشية» التعدُّدية القُطبية، متجاهلًا أنَّ الحربَ كانت في جوهرها نزاعًا استعماريًا على تقاسم ميراث واسعة، لا حربًا بين ندّين (المُترجم).
[4] الحرب الفرنسية-البروسية (Franco-Prussian War) نزاعٌ عسكريٌّ بين الإمبراطورية الفرنسية الثانية بقيادة نابليون الثالث (Napoleon III) ومملكة بروسيا ومعها الولايات الألمانية الجنوبية المتحالفة معها بقيادة المستشار أوتو فون بسمارك، اندلعت في تموز/ يوليو 1870 وانتهت في أيار/ مايو 1871. ذريعتها كانت الخلافَ على ترشيح أمير من آل هوهنتسولرن للعرش الإسباني، وقد استغلَّها بسمارك ببراعةٍ، عبر تحرير برقية إمس (Ems Dispatch) الشهيرة، لاستفزاز فرنسا إلى إعلان الحرب، وذلك ضمن مشروعه لتوحيد الولايات الألمانية تحت قيادة بروسيا. حسمت بروسيا الحربَ سريعًا بفضل تفوُّقها التنظيمي والمدفعي، وأَسرت نابليون الثالث في معركة سيدان (أيلول/ سبتمبر 1870)، فسقطت الإمبراطورية الفرنسية الثانية وقامت مكانها الجمهورية الثالثة. حاصرت القوات الألمانية باريس أربعة أشهر، انتهت باستسلامها وبتوقيع معاهدة فرانكفورت (أيار/ مايو 1871) التي اقتطعت إقليمَي الألزاس واللورين من فرنسا وفرضت عليها تعويضات حربٍ ضخمة. أَعلنَ بسمارك في قاعة المرايا بقصر فرساي قيامَ الإمبراطورية الألمانية الموحَّدة (الرَّايخ الثاني) وتُوّج فيلهلم الأول قيصرًا، مُدشِّنًا ولادةَ القوة الألمانية الكُبرى في قلب أوروبا. وتركت الحربُ جرحًا قوميًا فرنسيًا عميقًا تجلَّى لاحقًا في «حركة الانتقام» (Revanchisme) التي شكَّلت أحدَ المحرِّكات الكامنة وراء الحرب العالمية الأولى. ويستحضرها كاغان بوصفها نموذجًا على «وحشية» نظام القوى المتعدِّدة، متغاضيًا عن أنَّها نتاجٌ مباشرٌ لمنطق التَّوازن الأوروبي الذي يَرثيه، لا قطيعةً معه (المُترجم).
[5] لويس الرابع عشر (Louis XIV)، ملك فرنسا من عام 1643 حتى وفاته عام 1715، وأحد أطول الملوك حكمًا في التاريخ الأوروبي (نحو 72 عامًا). كرَّس مُلكَه لتعزيز الملكية المُطلقة وتمركز السلطة في يده، وعبَّر عن ذلك بمقولته الشهيرة المنسوبة إليه: الدّولة هي أنا (L’État, c’est moi). نقل بلاطه إلى قصر فرساي الذي بات رمزًا للفخامة المَلكية والاستبداد الأوروبي، وحوَّل النّبلاء إلى حاشيةٍ مُلتفّةٍ حوله ليُجرِّدهم من قواعد نفوذهم الإقليمي. خاض سلسلةً من الحروب التَّوسعية، منها حرب التحالف الكبير (1688-1697) وحرب الخلافة الإسبانية (1701-1714)، سعيًا إلى ترسيخ الهيمنة الفرنسية على القارة، ما استفزَّ تحالفاتٍ مُضادةً ضمَّت إنكلترا وهولندا والنّمسا وعدّة دول ألمانية. ألغى عام 1685 مرسوم نانت (Edict of Nantes) الذي كان قد منح الحقوق الدّينية للبروتستانت الفرنسيين (الهوغونوت)، فدَفع مئات الآلاف منهم إلى الفرار من فرنسا. ويستحضرُه كاغان هنا بوصفه أنموذجًا تاريخيًا لـ «القوة المُهيمنة» التي تستفزُّ موازنةً من القوى الأخرى، متجاهلًا أنَّ هذا النَّمط من السُّلوك التَّوسعي هو السِّمة البِنيوية للقوى الإمبراطورية عمومًا، بما فيها الولايات المتحدة، لا انحرافًا عنها (المُترجم).
[6] «الاتفاق الكبير» الذي يُمجِّده كاغان هو ذاته الذي قَسَّم العالم إلى مركزٍ مُتنعّم بـ«السلام» وأطرافٍ تتلقّى الانقلابات والحروب بالوكالة والعقوبات الاقتصادية. «الانسجام بين القوى العُظمى داخله» تعني عمليًا أنَّ تشيلي وإيران وإندونيسيا وغواتيمالا وفيتنام والكونغو وفلسطين كانت كلُّها خارجَ هذا الانسجام، وقرابين على مذبحه (المُترجم).
[7] ميثاق الأطلسي (Atlantic Charter) إعلانٌ مشتركٌ صاغهُ الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت ورئيسُ الوزراء البريطاني ونستون تشرشل في 14 آب/ أغسطس 1941، على متن سفينة حربية قبالة سواحل نيوفاوندلاند، في ذروة الحرب العالمية الثانية وقبل دخول الولايات المتحدة الرسمي إلى الحرب. حدَّد الميثاق ثمانية مبادئ لما سُمِّيَ آنذاك «عالم ما بعد الحرب»، من بينها: التَّخلِّي عن التَّوسُّع الإقليمي، وحقُّ الشُّعوب في اختيار شكل الحُكم الذي تعيش في ظلِّه (مبدأ تقرير المصير)، وحرية التِّجارة والملاحة في البحار، والتَّعاون الاقتصادي الدُّولي، ونزع سلاح الدول المعتدية. شكَّل الميثاقُ الأساسَ الفكري لإعلان الأمم المتحدة عام 1942 ثم لميثاق الأمم المتحدة عام 1945، ويُعدُّ، في السَّردية الليبرالية الأميركية، الوثيقةَ التأسيسية للنِّظام العالمي الذي قادته الولايات المتحدة. غير أنَّ مبدأَ «تقرير المصير» الذي نصَّ عليه طُبِّق انتقائيًا منذ البداية: فقد رفض تشرشل تطبيقَه على المُستعمرات البريطانية في الهند وأفريقيا، وأعاد الحلفاءُ الفرنسيين إلى الهند الصينية والجزائر، وقُسِّمت فلسطينُ عام 1947 دون استشارة سكَّانها الأصليين، فيما ظلَّت الولايات المتحدة تتدخَّل في تشيلي وإيران وغواتيمالا وفيتنام والكونغو وكوبا ونيكاراغوا وغيرها بما يتناقض جوهريًا مع روح الميثاق. وهكذا، كان «تقرير المصير» مبدأً معلنًا تتعلَّمُ شعوبُ العالم الثَّالث أنَّه لا يَسري عليها إلَّا حين يوافق هواه مصالحَ القوى الكبرى (المُترجم).
[8] ميتيلوروبا (Mitteleuropa) مصطلحٌ ألمانيٌّ يعني حرفيًا «وسط أوروبا»، لكنَّه في الاستخدام التاريخي والسياسي لا يُشيرُ إلى مجرَّد منطقةٍ جغرافيةٍ، بل إلى مشروعٍ هيمنيٍّ ألمانيٍّ لإقامة كتلةٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ تمتدُّ من بحر الشَّمال إلى البلقان، تخضع للقيادة الألمانية. صاغ المصطلحَ بصورته السِّياسية الحديثة المُفكِّرُ الليبراليُّ الألماني فريدريش ناومان (Friedrich Naumann) في كتابه الصَّادر عام 1915 تحت العنوان ذاته، وفيه دعا إلى توحيد ألمانيا والنمسا والمجر ودول وسط وشرق أوروبا في اتحادٍ جمركيٍّ وعسكريٍّ بقيادة برلين. وقد تَبنَّت قياداتُ الإمبراطورية الألمانية الفكرةَ خلال الحرب العالمية الأولى بوصفها أحدَ أهدافها الإستراتيجية الكبرى، ثم استعادها النَّازيون بصورةٍ أكثرَ تطرُّفًا في مشروع المجال الحيوي (Lebensraum) الذي بَرَّر غزوَ بولندا وأوكرانيا وروسيا واستعبادَ شعوبها وإبادتَها. ويُلاحَظ أنَّ كاغان يستخدم المصطلحَ بحياديةٍ ظاهرية، بوصفه مجرَّد «حلم» تخلَّت عنه ألمانيا بعد 1945، دون الإشارة إلى أنَّ هذا «الحُلم» كان مشروعَ هيمنةٍ استعماريةٍ داخل أوروبا نفسها، تَكشِفُ مفارقتُه أنَّ منطق «مناطق النفوذ»الذي يُسهبُ الكاتبُ في وصفه ليس حِكرًا على الصين وروسيا، بل هو الإرثُ الأوروبي الأصيلُ الذي قامت عليه الحربان العالميتان (المُترجم).
[9] يالطا (Yalta) مدينة ساحلية في شبه جزيرة القرم، انعقد فيها بين 4 و11 شباط/ فبراير 1945 مؤتمرٌ جمع زعماء «الحلفاء الثلاثة الكبار» في الحرب العالمية الثانية: الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل والزعيم السوفيتي جوزيف ستالين، وذلك قبل أشهرٍ من استسلام ألمانيا النازية. ناقش المؤتمر شكلَ أوروبا والعالم بعد الحرب، وتمخَّض عن سلسلةٍ من التفاهمات شملت: تقسيم ألمانيا والعاصمة برلين إلى مناطق احتلال بين القوى الأربع (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي)، وتأسيس الأمم المتحدة، وإجراء انتخابات «حُرَّة» في الدول الأوروبية المُحرَّرة، ودخول الاتحاد السوفيتي الحربَ ضد اليابان مقابل امتيازاتٍ إقليمية في الشَّرق الأقصى. غير أنَّ النتيجة العملية كانت تكريسَ السيطرة السوفيتية على شرق ووسط أوروبا (بولندا ورومانيا وبلغاريا وهنغاريا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشَّرقية لاحقًا)، التي ظلَّت ضمن الفلك السوفيتي حتى عام 1989. وقد صارت «يالطا» في الذَّاكرة السِّياسية الغربية رمزًا لتقسيم العالم بين القوى الكُبرى على حساب الشُّعوب الصَّغرى، فيما يُحتَفى بها في الذَّاكرة الرُّوسية بوصفها اعترافًا مشروعًا بـ«منطقة نفوذها» التَّاريخية. ويستخدمها كاغان هنا بوصفها دليلًا على أنَّ النِّظام الأميركي «ضغطَ» على الاتحاد السوفيتي ليتخلَّى عن مكاسبه، متجاهلًا أنَّ تلك المكاسب نفسها كانت ثمرةَ تسويةٍ أميركية-بريطانية-سوفيتيةٍ موَّقَّعةٍ في يالطا، لا «انتزاعًا» سوفيتيًا منفردًا كما يُوحي (المُترجم).
[10] «سلسلة الجزر الأولى (First Island Chain) مفهومٌ جيوإستراتيجيٌّ يُشير إلى السِّلسلة الأولى من الأرخبيلات الواقعة قبالة الشَّاطئ الشَّرقي للقارَّة الآسيوية، وتمتدُّ من شبه جزيرة كامتشاتكا الروسية في الشَّمال، مرورًا بجزر الكوريل اليابانية، وأرخبيل اليابان، وجزر ريوكيو، وتايوان، والفلبين، حتى تنتهي عند شمال جزيرة بورنيو. صاغ هذا المفهومَ في أوائل خمسينيات القرن العشرين وزيرُ الخارجية الأميركي جون فوستر دالاس (John Foster Dulles) بوصفه خطَّ احتواءٍ بحريٍّ للمعسكر الشُّيوعي في شرق آسيا (الصين الشَّعبية والاتحاد السوفيتي وكوريا الشَّمالية)، وقامت عليه شبكةُ التَّحالفات الأميركية في المنطقة (مع اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والفلبين) والقواعد العسكرية المنتشرة فيها. وقد تَبنَّت الصينُ المفهومَ ذاتَه لاحقًا، لكن بصورةٍ معكوسة؛ فهي تنظر إلى السِّلسلة الأولى بوصفها قيدًا أميركيًا يَخنق وصولها إلى المحيط الهادئ المفتوح، وتسعى منذ مطلع القرن الحادي والعشرين إلى تجاوزه نحو «سلسلة الجزر الثَّانية» (الممتدَّة من جزر أوغاساوارا اليابانية إلى غوام الأميركية إلى بابوا غينيا الجديدة). ويَستخدم كاغان المفهومَ هنا في معرض التَّساؤل عن حدود «منطقة النُّفوذ» الصينية المُحتملة، متجاهلًا أنَّ هذه السِّلسلة ذاتها هي في الأصل خطُّ هيمنةٍ أميركيٍّ مفروضٍ على آسيا منذ سبعين عامًا، لا «نفوذٌ» صينيٌّ طارئ (المُترجم).
[11] يلتزم كاغان الصمت عن «منطقة النفوذ» الأميركية الفعلية، التي تمتدُّ من بحر الكاريبي إلى أوكرانيا إلى الفلبين إلى الخليج العربي، والتي شملت عقودًا من التدخُّلات والانقلابات. السؤال «إلى أيِّ مدى يمتدُّ نطاق النفوذ الصيني؟» لا يقترن أبدًا بسؤالٍ مماثل عن النفوذ الأميركي (المُترجم).
[12] تمرير كاغان لغزو العراق بوصفه مجرَّد «صراع غير شعبي» تخفيفٌ مُتَعمَّد لجريمة دولية شارك هو نفسه في التحريض الفكري عليها عبر مشروع القرن الأميركي الجديد. أَوْدت الحرب بحياة مليون عراقي بحسب تقديرات Lancet، ودمَّرت بنية الدولة، وأنتجت تنظيم داعش لاحقًا. هذا ليس «اتفاقًا غير شعبي»، بل جريمة حرب موثَّقة (المُترجم).
[13] تكشفُ أحداثُ الأشهر الأخيرة (منتصف 2025 – 2026) صدقَ هذا التَّحذير على نحوٍ أوضحَ ممَّا قد يبدو من النَّصِّ نفسه. ففي حزيران/ يونيو 2025، انخرطت الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل في ضرباتٍ مباشرةٍ على المنشآت النوويَّة الإيرانية ضمن ما عُرف بـ«حرب الاثني عشر يومًا»، فيما ردَّت إيران بضرباتٍ صاروخيةٍ على قاعدة العديد الأميركية في قطر. كما هاجمت إسرائيل دولة قطر في شهر أيلول/ سبتمبر 2025، في اختراقٍ سافرٍ لسيادتها، دون إدانة أميركية واضحة. وفي 28 شباط/ فبراير، أعلنت أميركا وإسرائيل حربًا على إيران لإسقاط النظام، متجاهلةً كل جهود حلفائها في الخليج لوقف مثل هذه الحرب لضررها عليها مباشرةً في الخليج، ولضررها على الحلفاء حول العالم، غير أن أميركا لم تعبأ بحلفائها، وتعرضت دول الخليج لضربات هجومية عدوانية من إيران، واستهدفت منشآت عسكرية ومدنية على حدٍ سواء، واستهدف المنشآت النفطية ومنشآت الغاز، وعطّلت التصدير عبر مضيق هُرمز، ما أثّر في اقتصاد دول الخليج مُباشرةً، وفي الدول التي تشتري النفط والغاز الخليجي في آسيا وأوروبا. وفي السِّياق ذاته، سحبت إدارةُ ترامب بطارياتٍ من منظومة ثاد من مواقعها في كوريا الجنوبية والشَّرق الأوسط لإعادة نشرها في إسرائيل، تاركةً حلفاءها التَّقليديين في مواجهة كوريا الشَّمالية والصِّين منكشفين فجأةً.. هذه ليست توقُّعاتٍ مستقبليةً يُحذِّر منها كاغان، بل وقائعُ راهنةٌ يعيشها الحلفاء بالفعل، تُؤكِّد أنَّ الاتفاق الكبير الذي يَرثيه قد انهار عمليًا، وأنَّ الدُّول التي راهنت على الحماية الأميركية تَكتشفُ، متأخِّرةً، أنَّ تلك الحماية كانت دومًا مشروطةً بمصالح واشنطن، لا بالتزاماتها التَّعاقدية (المُترجم).
[14] المقارنة بألمانيا عام 1916 لافتة، لكنَّ كاغان لا يُتمّ القياس؛ فالولايات المتحدة كانت بالفعل «كلبًا مسعورًا» في عيون كثيرٍ من شعوب العالم منذ عقود، لا منذ ترامب. ما يصفه كاغان بـ«جنون العظمة» هو في الواقع استمرارٌ لسلوكٍ إمبراطوريٍّ سابقٍ على ترامب، وإن كان ترامب قد جرَّده من الأقنعة الدبلوماسية التي كانت تُغلِّفه (المُترجم).

