| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
يديعوت احرونوت 19/5/2026
لا يزال ترامب مصمما على مواصلة خطته في غزة رغم اعتراض حماس
بقلم: تساحي هنغبي
في أيلول 2025، عرض مبعوثو ترامب على إسرائيل خطة الرئيس الأمريكي لإنهاء الحرب في غزة. ألزمت المرحلة الأولى حماس بإطلاق سراح جميع الرهائن، أحياءً وأمواتًا.
في المناقشات الحادة التي دارت بين البلدين عقب مبادرة الرئيس، أوضحت إسرائيل أن أحدث المعلومات الاستخباراتية التي بحوزتها تشير إلى نية قائد الجناح العسكري لحماس في غزة، عز الدين الحداد، التهرب من التنفيذ الكامل لهذا الشرط الأساسي. وكان الرد الأمريكي حاسمًا: “نتفهم تقييمكم، وقد يكون مُبررًا. طلبنا منكم بسيط: لا تُطالعوا التقارير الاستخباراتية في الأيام المقبلة، فمعلوماتنا الاستخباراتية أكثر موثوقية. إنها “استخبارات بشرية”. هؤلاء هم قادة الدولتين الوسيطتين، مصر وقطر، وهم على يقين بأن حماس لن تُعرقل الاتفاق”.
بالنظر إلى الثقة الكبيرة التي أبدتها الولايات المتحدة في هذا الشأن، فإن إسرائيل مُحقة في اختبار حماس. كانت خطوة مُرحَّب بها. في أكتوبر، أُطلق سراح جميع الرهائن أحياء، وأُعيد آخر القتلى إلى إسرائيل في نهاية كانون الثاني 2026.
لقد شكّلت وثيقة الرئيس ترامب المكونة من 20 بندًا لإعادة إعمار قطاع غزة شريان حياة غير متوقع للحداد وشركائه في قيادة هذه المنظمة الإرهابية الإجرامية. بعد القضاء على آلاف من إرهابيي حماس، بقيادة كبار المسؤولين – إسماعيل هنية، ويحيى ومحمد السنوار، ومحمد ضيف، وصلاح العاروري، وغيرهم الكثير – كانت الرسالة واضحة: لن تسمح إسرائيل لمن ارتكبوا أكبر مجزرة بحق اليهود منذ المحرقة بالفرار من قبضتها، مهما طال الزمن. والآن، مهّد البند السادس من خطة ترامب طريق هروب جديد ومفاجئ للإرهابيين. ينصّ على: “بعد إطلاق سراح جميع الرهائن، سيُمنح أعضاء حماس الذين يلتزمون بالتعايش السلمي ويسلمون أسلحتهم عفوًا عامًا. وسيُمنح أعضاء حماس الراغبون في مغادرة غزة ممرًا آمنًا إلى الدول المستقبلة”.
لكن الحداد قرر المخاطرة بكل شيء. اتضح أن استعداده للتخلي عن ورقة الرهائن، مقابل الإفراج الموازي عن مئات القتلى الفلسطينيين، واستئناف المساعدات الإنسانية الضخمة، ووقف الأعمال العدائية، كان مجرد استعراض مؤقت للمرونة. في الأشهر التي تلت ذلك، بات واضحًا ليس لإسرائيل فحسب، بل أيضًا للولايات المتحدة، التي كانت حكيمة وحازمة مع حماس في الحفاظ على هويتها الجهادية. هذه المرة، حتى “المعلومات الاستخباراتية البشرية” الموثوقة التي تلقاها ترامب من الدول الوسيطة لم تترك مجالًا للشك: حماس لا تفكر حتى في تغيير شكلها والتحول، كما فعلت منظمة التحرير الفلسطينية في وقتها، إلى حركة سياسية. يتمسك قادتها، وعلى رأسهم الحداد، بالمناطق التي لا يزالون يسيطرون عليها، والتي تبلغ حوالي نصف مساحة قطاع غزة، ويركزون على تعميق سيطرتهم على السكان واستعادة القدرات والأنظمة العسكرية التي تضررت بشدة خلال الحرب.
لحسن الحظ، نجحت رؤية ترامب الطموحة في إنقاذ الرهائن، لكن ذلك لم يكن كافيًا لتحرير مليوني غزي من براثن طغيان حماس. ومرة أخرى، اتضح جليًا أن المتعصبين المستعدين للتضحية بأرواحهم في سبيل تدمير إسرائيل لا يكترثون بمصير ملايين الأبرياء في قطاع غزة. ولم يُغير انضمام دول عديدة، من بينها دول إسلامية وعربية، إلى الجهود المبذولة لتنفيذ المبادرة الأمريكية لإعادة إعمار غزة شيئًا. فحماس تُعرقل المحادثات الرامية إلى صياغة اتفاقيات نزع سلاح القطاع، ما أثار تساؤلات حول قدرة “مجلس السلام”، الذي أطلقه الرئيس ترامب رسميًا، على تنفيذ رؤيته الرائدة.
لقد كان ينبغي محاسبة الحداد على جرائمه قبل السابع من أكتوبر بزمن طويل. فالهجمات التي قادها على مدى عقود من النشاط الإرهابي الجامح تُجسد شخصيته العنيفة والمتعصبة والوحشية. وقد نفّذ ببراعة مهامًا متنوعة، وكان يحظى باحترام قادة حماس. لاحقًا، انضم الحداد إلى الدائرة السرية، وكما كشفت وثائق عُثر عليها خلال الحرب، كان مشاركًا رئيسيًا في التحضير للمجزرة. بعد السابع من أكتوبر، دأب الحداد على وضع عدد من الرهائن بالقرب من المخابئ التي كان يقيم فيها، ليصعّب على الجيش الإسرائيلي قتله، وبذلك نجا من قرابة عامين من القتال. إن النجاح في القضاء عليه يُنصف أجيالًا من الضحايا الإسرائيليين.
إلى أين نتجه من هنا؟ إن “خطة السلام لغزة” عزيزة جدًا على قلب ترامب. فهو يعتقد أن تطبيقها سيغير مصير المنطقة المنكوبة والمعذبة نحو الأفضل. صحيح أن استخدام حماس لحق النقض (الفيتو) يُشكّل تحديًا له، لكنه لا يُضعف عزمه على تنفيذ رؤيته قيد أنملة.
هكذا ينبغي تفسير موافقته على الهجوم الإسرائيلي الدامي على مخبأ قائد حماس الأول في غزة، رغم أن وقف إطلاق النار، الذي بذل ترامب جهودًا حثيثة للترويج له، لا يزال ساريًا. هناك بيان أمريكي واضح لا لبس فيه: سنواصل تنفيذ خطة النقاط العشرين، لكننا سنغير ترتيب العمليات. ولأن الركيزة الأساسية للخطة، وهي نزع سلاح حماس، لا يمكن تأجيلها، فإن إعادة إعمار غزة ستبدأ مبدئياً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي. ستكون هذه “غزة الجديدة”. سيتم إزالة الأنقاض من المجمعات السكنية الكبيرة، وبناء البنية التحتية فيها ليتمكن سكان غزة من الانتقال إليها، متحررين من إرهاب نظام حماس وجرائمه. وستُمنح إسرائيل حرية استئناف عملياتها في الأراضي التي لا تزال تحت سيطرة التنظيم الإرهابي، بالتنسيق مع الولايات المتحدة.
من المرجح أن يتم تكثيف الهجمات على حماس في المرحلة الأولى جواً، ولاحقاً، مع تحويل موارد الجيش الإسرائيلي من الساحتين الإيرانية واللبنانية، سيصبح من الممكن أيضاً تنفيذ عمليات برية. بالطبع، ستؤثر طريقة انتهاء الصراع مع إيران على قدرة حماس على الصمود، لكن علامات الاستفهام حول الخطوات التي سيتخذها الرئيس الأمريكي لا تزال قائمة. مع ذلك، فإن الخبرة المكتسبة خلال سنوات القتال الطويلة تقتضي منا عدم المبالغة في أهمية اغتيال الحداد. فعلى مدى عقود من استهداف قياداتها، أثبتت حماس مرونتها؛ إذ تولى البدلاء المعينون مسبقًا مهام القادة والزعماء الذين أُقصوا على الفور، وقد حدث هذا أيضًا في حرب السيوف الحديدية. والخلاصة ليست في تجنب القضاء على مرتكبي المجازر الجماعية وعناصرهم، بل في إدراك أن هذا الإجراء بحد ذاته لا يضمن نصرًا حاسمًا في المعركة.
——————————————
هآرتس 19/5/2026
ايران لا تتأثر بتهديدات ترامب وتثبت واقعا جديدا في الخليج
بقلم: تسفي برئيل
“الوقت ينفد”، هكذا هدد دونالد ترامب. “عليهم الاسراع والا لن يبقى لهم شيء”. يصعب حصر عدد المرات التي وجه فيها الرئيس الامريكي التهديدات لايران منذ الاعلان عن وقف اطلاق النار في 8 نيسان الماضي، الذي كان من المفروض ان يستمر اسبوعين. وقد مرت ثمانية اسابيع منذ ذلك الحين. امس قدمت باكستان نسخة “معدلة” من المقترح الايراني السابق الذي رفضه ترامب بشكل قاطع، والعالم ينتظر من جديد رده.
حسب مصادر مطلعة على المقترح فان هذه ليست مواقف جديدة، بل هي كما يبدو مزيج من مقترحات ترامب ومقترحات ايران بطريقة لا تقسم النقاش حول القضايا الجوهريةالى قسمين منفصلين، بل تسمح بالتفاوض حولها جميعها في اطار واحد. اذا كان هذا هو جوهر المقترح فهو يهدف الى تجاوز عقبة اجرائية، التي منعت احراز تقدم في المفاوضات، والتي صممت ايران في اطارها على مناقشة ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز أولا، والحصول على تعهدات وضمانات من الولايات المتحدة واسرائيل بالامتناع عن أي هجوم والافراج عن الاموال المجمدة في البنوك الامريكية وفي ارجاء العالم.
طرحت ايران الاتفاق على هذه البنود كشرط مسبق لمناقشة الملف النووي الذي يتضمن نقل اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة الى خارج ايران، والتصميم على حقها في تخصيب اليورانيون بمستوى منخفض 3.67 في المئة. واذا تم التوصل الى اتفاق حول “جدول الاعمال” للمفاوضات فقد يمهد ذلك الطريق امام الطرفين لاستئناف المحادثات المباشرة بهدف صياغة اتفاقيات ثنائية بالتدريج، وبالتالي منع استئناف الحرب.
لقد حققت ايران انجاز مهم جدا بتحويلها قضية مضيق هرمز الى تهديد سياسي واقصادي عالمي، الامر الذي، الى جانب هجماتها على دول الخليج، خلق رادع اثبت فعاليته حتى الآن. فبعد ان كان مضيق هرمز وحرية الملاحة في الخليج غير مطروحة على الاطلاق قبل الحرب، اصبحت هذه القضايا تجبر الولايات المتحدة على اعتبار سيطرة ايران على مضيق هرمز قضية لا يمكن تجاهلها. وسيتطلب ذلك نقاش واتفاق، وربما حتى تنازلات بشان الملف النووي.
حسب تقرير لـ “اكسيوس” نقلا عن مسؤول امريكي رفيع المستوى، فان المقترح الايراني المحدث غير كاف ولا يدخل أي تغيير جوهري مقارنة مع المقترح السابق، ولكن حسب نفس المسؤول، “قد يشير تقديم المقترح المعدل الى قلق ايران من استئناف الهجوم الامريكي”.
مع ذلك ايران ليست وحدها التي تشعر بالقلق من استئناف الحرب. فدول الخليج في حالة تاهب قصوى تحسبا لهجوم، وحتى لو نفذ، فلن يضمن الاستسلام الكامل الذي يطمح اليه ترامب. هذه الدول لا تقتنع بالبيانات التي قدمها قائد القيادة الوسطى الامريكية، الجنرال براد كوبر، في جلسة استماع امام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ في يوم الخميس الماضي. وحسب كوبر فقد دمرت الولايات المتحدة حوالي 90 في المئة من الالغام البحرية التي كانت لديها التي يبلغ عددها 8 آلاف لغم، وحوالي 75 في المئة من مخزون الصواريخ البالستية والمسيرات والقدرات البحرية.
وقد ادركت دول الخليج بالفعل ان صاروخ واحد أو مسيرة واحدة تكفي لتدمير منشأة نفط كبيرة أو وقف انتاج الغاز. ايران لا تخفي حقيقة ان قائمة اهدافها ستكون واسعة النطاق، بالضبط مثل الهجوم الامريكي. محطات تحلية المياه التي توفر 90 في المئة من استهلاك دول الخليج للمياه، ومحطات الطاقة النووية التي استهدفت في دولة الامارات، ومحطات توليد الطاقة وغيرها من منشآت البنى التحتية المدنية، جميعها ضمن قائمة الاهداف “المشروعة” التي تقول ايران بانها لن تتردد في مهاجمتها. وهذا ليس مصدر القلق الوحيد.
عندما يقول ترامب بان “الوقت جوهري” فانه يشير بالدرجة الاولى الى التطورات الحاصلة في الخليج العربي وكسر الحصار الذي فرضه على ايران. وفي نهاية الاسبوع الماضي مرت 30 سفينة، معظمها صينية، مضيق هرمز، 4 منها تحمل حوالي 2 مليون برميل نفط من العراق، اضافة الى ناقلات غاز مسال من قطر الى باكستان. وبالمقارنة مع 120 سفينة تمر في المضيق كل يوم في الايام العادية، فان هذا يعتبر عدد قليل لا يكفي لاستبدال خط الملاحة هذا، لكن جدير بالذكر ان الادارة الامريكية غير متحمسة لسد هذه الثغرة ومواجهة السفن التي ترفع العلم الصيني. في نفس الوقت اعلنت ايران بانها تتفاوض مع سلطنة عمان لصياغة بروتوكول مشترك لعبور السفن، وان “دول اخرى تتفاوض مع ايران حول اتفاقيات لعبور سفنها” وفقا للشروط التي تفرضها، والتي تشمل دفع رسوم “خدمات خاصة”. في يوم السبت غرد رئيس لجنة الامن القومي في ايران، ابراهيم عزيزي، بان ايران تعد بروتوكول مهني لادارة الملاحة في مضيق هرمز، وسيتم نشر تفاصيله في القريب.
في نهاية نيسان الماضي اعلنت باكستان، الوسيطة بين ايران والولايات المتحدة، عن فتح 6 معابر برية امام حركة الملاحة، ويتوقع ان يعبر فيها 3 آلاف حاوية عالقة في ميناء كراتشي. وفي الاسبوع الماضي اجرى وفد ايراني مباحثات مع باكستان حول توسيع الربط بين ميناء تشابهار في ايران وميناء جوادر في باكستان، بما يسمح بتجاوز جزئي على الاقل للحصار البحري الامريكي المفروض على الخليج الفارسي. هذه الطريق اذا فتحت على نطاق واسع قد تجعل باكستان مركز لتسويق بضائع ايران، ومن هناك نقل الجزء الاكبر من التجارة، غير تجارة النفط، من دولة الامارات التي كانت حتى الحرب ثاني أهم شريكة لايران. لم تكسر دول الخليج الحصار حتى الان، وحسب المعلومات المتوفرة فهي لا تتفاوض مع ايران حول ترتيبات العبور، لكن الوقت لا يتوقف بالنسبة لها ايضا.
تكشف خارطة طرق النقل البرية المتاحة لايران عن وفرة بدائل قائمة، واخرى قد يتم انشاءها، بما في ذلك الممر الشمالي – الجنوبي الذي يربط الهند عبر ايران بالقوقاز وروسيا، خط سكة حديد الشحن بين شيان في الصين وبين ايران، الذي زاد عدد رحلاته من مرة واحدة في الاسبوع الى 3 – 4 مرات في الاسبوع، وطرق النقل التي تربط ايران بالدول التي تطل على بحر قزوين. ايضا قد يتحول خط سكة الحديد بين ايران وتركيا، الذي عانى حتى الان من صعوبة فنية وادارية، الى طريق رئيسية بديلة، في حين ما زال مصير الاتفاق الموقع في نهاية السنة الماضية لانشاء خط سكة حديد متطور سريع جدا بين الدولتين، بتكلفة 1.6 مليار دولار، غير واضح.
هذه الطرق البرية تربط ايران بدول مثل الصين وروسيا، غير الملتزمة بالعقوبات الامريكية، وبدول تطبق العقوبات جزئيا، بما فيها باكستان وتركيا والدول المطلة على بحر قزوين. ولا يمكن لهذه الطرق حتى الان ان تستبدل الطريق البحري الذي كانت ايران تسوق من خلاله حوالي 1.5 مليون برميل نفط كل يوم، معظمها للصين وبسعر اقل بكثير من سعر السوق. ولكنها سمحت للاقتصاد الايراني بالاستمرار في العمل حتى تحت نظام العقوبات الصارم.
حسب دراسة اجراها مركز الامارات للسياسات في بداية هذه السنة كان من المخطط له ان تشكل مداخيل النفط حوالي 15 في المئة فقط من الميزانية، وان يكون باقي التمويل من الضرائب (حوالي 50 في المئة)، ومن بيع السندات وسحب الاموال من صندوق الادخار الوطني الذي تودع فيه قوائض عائدات النفط، مع العلم انه لا توجد بيانات موثقة حول حجم الاموال المودعة فيه. لذلك فان تقدير المخابرات الامريكية بان ايران تملك “احتياطي مالي” يكفيها لثلاثة او اربعة اشهر لا يعكس الواقع بالضرورة. فايران لا تملك احتياطي مالي كبير فقط، بل ان قدرتها على استيراد وتصدير البضائع عن طريق البر قد تعزز مواردها المالية وتعطيها هامش اكبر مما يقدر الغرب.
——————————————
يديعوت 19/5/2026
تقترب المفاوضات بين امريكا وإيران من نقطة الغليان مجدداً، مُنذرةً بتجدد القتال
بقلم: رونين بيرغمان
يتصاعد التوتر مجدداً في مثلث الدول الثلاث التي لا تفصل بينها حدود، بعد أن أعلنت الولايات المتحدة يوم الاثنين أن المقترح الإيراني الجديد لا يُقدم أي جديد. في الكواليس، لاحظ المُتابعون عن كثب نبرة أخرى في تصريحات البيت الأبيض، تُشير إلى أن المفاوضات بين الأطراف – التي يتقدمون فيها خطوة ويتراجعون خطوتين – لا تُثمر شيئاً في الوقت الراهن. أو بعبارة أخرى، يبدو أن الرئيس دونالد ترامب قد سئم الوضع، وأنه لم يعد هناك ما يُناقشه، على الأقل ليس الآن وليس بهذه الطريقة.
بعد تصريحات ترامب الليلة الماضية بشأن الهجوم المُخطط له والذي تم إلغاؤه، لا تزال إسرائيل تحاول فهم مغزى هذا الإعلان، الذي فاجأ، مرة أخرى، صُنّاع القرار في القدس. وحتى وقت متأخر من الليلة الماضية، وطالما لم تتوفر أي معلومات أخرى حول الموضوع سوى التغريدة، فإن إسرائيل والولايات المتحدة تستعدان للعودة إلى الحرب، وقد لا تكون هذه العودة مجرد صدفة عابرة، إذ يبدو أنها لن تُغير شيئًا في موازين القوى على أي حال. يبدو أن التغيير سيحدث بالفعل في المستقبل القريب، حيث لم يعد بإمكان ترامب حتى المماطلة أكثر من ذلك، وتكرار وعوده بأن “الإيرانيين يريدون توقيع اتفاق” إلى جانب وعود بأن كل شيء سيكون على ما يرام في غضون أسبوعين. كما أن الإيرانيين أنفسهم بدأوا يفقدون حيلهم. جميع الأطراف تُصعّد من حدة التوتر، وتُزيد من المخاطر، وتتجه نحو المجهول.
حققت عملية “زئير الأسد” التي تشنها إسرائيل ضد إيران وحزب الله العديد من الإنجازات، إلا أن ديناميكية جولات القتال تتشكل تدريجيًا بين إسرائيل وإيران وحزب الله، مما يوقع إسرائيل في مأزق استراتيجي. في ساحات أخرى، لم تخدم هذه الديناميكية إسرائيل. قد تمثل هذه الحملة تحولًا في نظرة إسرائيل الأمنية – التي أصبحت أكثر تركيزًا على الوقاية – ولكن في كلتا الحالتين، كان من الأفضل لو كانت هذه الحملة قصيرة، ومركزة على إيران وأهداف قابلة للتحقيق، دون الانجرار إلى “توسع تدريجي” للمهمة إلى ساحات إضافية.
هذه الكلمات وسام شرف ليس فقط لمؤلفها، غال بيريل – رئيس القطاع البري ورئيس تحرير مجلة الجيش الإسرائيلي “بين القطبين” وقائد احتياط في تشكيل المظليين “سهام النار” – بل أيضًا لشجاعة الجيش الإسرائيلي، التي سمحت بنشرها في النسخة الإلكترونية الصادرة باسم الجيش. في المقال رؤى أولية من “زئير الأسد” كان نشر في آذار الماضي، تناول بيريل المشكلة بإيجاز ودقة- ففي ظل النجاحات العسكرية التي أعقبت الاخفاق الرهيب، تجد إسرائيل نفسها في نفس المأزق الذي أقسمت ألا تعود إليه أبدًا.
من المناسب جدًا أن يُقرأ قادة الجيش وأجهزة الاستخبارات والقيادات السياسية الأمور حتى قبل الجولة القادمة، وأن يفكروا ليس فقط في قائمة الأهداف التي تتزايد منذ إعلان وقف إطلاق النار، بل أيضًا في كيفية إنهاء كل هذا، مع تخصيص دقيقة إضافية له مقارنةً بالمرة السابقة.
لقد دخلت إسرائيل والولايات المتحدة الحرب للإطاحة بالنظام في إيران. صرّح نتنياهو بأنه سيخوض الحرب أيضًا لإحباط المشروع النووي ومنظومة الصواريخ، رغم قوله إنها دُمّرت بالفعل في المرة السابقة في حزيران- ولو أُطيح بالنظام، لما كان لكل هذا أي أهمية. أما اليوم، فيحاول قادة البلدين، إلى جانب بعض كبار المسؤولين في الأجهزة الأمنية في كلا البلدين، الادعاء بخلاف ذلك. لقد حرص الجيش الإسرائيلي منذ اليوم الثالث للحرب على النأي بنفسه عن خطة الانقلاب، رغم أنه كان جزءًا منها، وعلى سرد قصص لنفسه وللإعلام ستعود عليه كالسهم المرتد عندما يقرر أحدهم كشف الحقيقة. لم تُفضِ الأحداث التي وقعت إلا إلى استنتاج واحد: “لا أحد يقتل زعيم دولة قائمة إلا إذا كان ينوي الإطاحة بالحكومة”، كما يقول مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى، مُذكِّرًا بأن هذا العمل رفضه القادة الإسرائيليون مرارًا وتكرارًا عبر التاريخ.
من اللحظة التي اتضح فيها أن النظام في إيران لن يسقط، وعندما تبادل الطرفان الاتهامات بشأن عدم حدوث ذلك، استبعدت الولايات المتحدة إسرائيل من المفاوضات، ليس فقط بعدم إشراكها في مناقشات موعد وشروط إنهاء الحرب، وليس فقط بتجاهل مطالب إسرائيل في معظم القضايا، بل أيضاً بعدم إطلاعها على أي مستجدات.
لأسابيع، حاولت إسرائيل فهم ما يجري بين واشنطن وطهران. وبدا في بعض الأحيان أن الطرفين قد يتوصلان إلى صيغة: تسليم إيران لمخزونها من اليورانيوم المخصب، أو تخفيف تركيزه، أو إزالته، والالتزام بتعليق التخصيب لفترة طويلة، والموافقة على نوع من المراقبة، مقابل رفع واسع النطاق للعقوبات، وتنازل عن بعض الأصول، وعودة الدعم الاقتصادي للنظام. لكن سرعان ما تشددت المواقف الإيرانية، وردت عليها الولايات المتحدة بتشدد مماثل. وعادت الأمور إلى نقطة الصفر.
والآن، وفقاً لتقييمات في إسرائيل والولايات المتحدة، يُصعّد الطرفان من حدة التوتر. يرفض مجتبى خامنئي (أو الجهة التي تصدر منها البيانات التي تعكس موقفه المتشدد)، إلى جانب عدد قليل من كبار المسؤولين الذين سيدعمون موقف إيران – خلافًا لرأي معظم القيادة – منح الأمريكيين أي إنجاز يُقدّم على أنه نصر. من جانبها، تقترب الولايات المتحدة مجددًا من إمكانية العودة إلى القتال، ربما في الأيام القادمة، بهجوم واسع النطاق ومُشترك لا يستهدف المنشآت النووية فحسب، بل يستهدف أيضًا منظومة الصواريخ الباليستية والأنفاق ومنصات الإطلاق، وربما البنية التحتية للطاقة والكهرباء.
من الواضح أن هذا يهدف إلى ممارسة الضغط للتوصل إلى اتفاق أفضل. في الواقع، هذه خطوة لا أحد يعلم على وجه اليقين ما ستؤول إليه الأمور في النهاية. والأسوأ من ذلك، أنه ليس من الواضح وجود قائد يُمكن التفاوض معه على اتفاق لإنهاء جولة المفاوضات. لقد ظهر مجتبى نادرًا لدرجة أن البعض يعتقد مجددًا أنه قد مات.
تُدرك إيران تمامًا أنها قد تتكبد خسائر فادحة، وقد تكبدتها بالفعل. لكن طهران تُرجّح أنها حتى لو حدث المزيد من الدمار، فستظل قادرة على تحقيق أهم شيء بالنسبة لها: عدم الاستسلام. عدم تسليم الصواريخ. عدم التخلي فعلياً عن البنية التحتية للطاقة. عدم تحويل نهاية الحرب إلى لحظة يقف فيها ترامب ونتنياهو أمام الكاميرات ويعلنان انهيار الجمهورية الإسلامية.
واشنطن أيضاً تُصعّد الرهان، لكنها لا تعرف ما الذي ستجنيه في المقابل. السؤال بسيط: إذا لم تتحقق الأهداف المرجوة بعد أسابيع طويلة من القصف – لا إنهاء التخصيب، ولا تسليم مخزونات اليورانيوم، ولا تفكيك القدرات الصاروخية، ولا تغيير النظام – فلماذا ستؤدي جولة أخرى، حتى لو كانت أكثر ضجيجاً وفتكاً، إلى نتيجة مختلفة؟
عندما تُشرع في تحقيق هدف باستخدام القوة، قد يؤدي الفشل إلى استنتاجين. إما أن الطريقة برمتها كانت خاطئة، وعليك التفكير في شيء آخر، والعودة إلى ديارك، وتنظيم نفسك بشكل أفضل للمرة القادمة. أو قد تستنتج أنك ببساطة لم تستخدم القوة الكافية. إن خوض معركة أخرى سيشير إلى أن الخيار الثاني هو الحل في نظر الولايات المتحدة.
ومن الغريب أن إعلان النصر، ولو جزئياً، أسهل بالنسبة لإسرائيل. فإذا استهدفت الهجمات القادمة، على سبيل المثال، منظومة الصواريخ الباليستية الإيرانية، وألحقت أضراراً جسيمة بالأنفاق التي تُخبأ فيها هذه الصواريخ مع منصات إطلاقها المتعددة، فستعتبر إسرائيل ذلك إنجازاً عظيماً.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فالسؤال المحوري مختلف: هل سيُجبر ضرب إيران على الموافقة على اتفاق؟ إذا لم يكن الأمر كذلك، فقد يجد ترامب نفسه في الموقف السابق نفسه، لكن بأسلحة أقل، ومخاطر أكبر، وضغط أكبر لتبرير نجاح هذه الاستراتيجية هذه المرة.
ولا يوجد إجماع في إسرائيل أيضاً. فالبعض يقول إنه إذا لم نصل بالمر حتى منتهاه، فمن الأفضل عدم التحرك على الإطلاق. فالهجوم الرمزي، حتى وإن كان مؤثراً، قد يُعطي إيران ذريعة للرد، ويُلحق الضرر بدول الخليج، ويُزعزع استقرار سوق الطاقة، ويُثقل كاهل إسرائيل، ويعيدها في نهاية المطاف إلى المفاوضات نفسها، ولكن كدولة أكثر خطورة. من جهة أخرى، يرى آخرون أنه لا خيار آخر. فالاتفاق الذي لا يعالج بشكل كامل تخصيب اليورانيوم، ومنشأة فوردو النووية، والبنية التحتية، والصواريخ، لن يكون حلاً، بل سيؤجل الخطر فقط. إن رفع العقوبات دون تفكيك حقيقي لليورانيوم سيمكن النظام الإيراني من ترسيخ استقراره، وضخ الأموال في حلفاءه، وإعادة تأهيل حزب الله، والإعلان عن وقوفه في وجه الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد انتصر بالفعل.
بين هذين الخيارين السيئين، برز خيار ثالث في الأسابيع الأخيرة: التجميد. ليس اتفاقاً، ولا حرباً شاملة، بل “هدوء يستجاب بالهدوئ” على غرار ما يحدث في الخليج. ليس نصراً، ولا حسماً، ولا نهاية. مجرد وقفة مؤقتة حتى المرة القادمة. في نظر بعض كبار المسؤولين الإسرائيليين، هذا هو أهون الشرين. وفي نظر آخرين، هذا هو الفخ الذي أقسمت إسرائيل ألا تقع فيه مجدداً بعد السابع من أكتوبر: جولة أخرى، وقفة أخرى، انتظار آخر، مفاجأة أخرى.
المشكلة أن الحرب مع إيران لم تعد منذ زمن طويل مجرد حرب مع إيران. عاد حزب الله إلى أداء دوره كقوة تفريق وتشتيت انتباه. تخشى دول الخليج من التعرض للهجوم. مخزون الصواريخ الاعتراضية والأسلحة آخذ في النفاد، وكذلك الاحتياطيات. الجبهة الداخلية الإسرائيلية والاقتصاد الأمريكي العالمي مرتبطان بمؤشر تصعيد واحد. وفي كل مرة ترتفع فيها المخاطر، تزداد احتمالية ارتكاب أحد الأطراف خطأً في التقدير.
تراهن إيران على قدرتها على استيعاب الوضع والصمود. وتراهن الولايات المتحدة على أن الألم هذه المرة سيؤدي إلى الاستسلام. وتراهن إسرائيل على أن الضغط الأمريكي لن يُفضي إلى اتفاق أسوأ من الوضع قبل الحرب. يدرك الثلاثة جميعًا المخاطر التي يُقدمون عليها، لكن لا أحد منهم يعلم يقينًا ما سيجنيه. هذه هي المشكلة تحديدًا.
——————————————
إسرائيل اليوم 19/5/2026
مصدر مطلع في الخطوات الامريكية: جولة أخرى في ايران هي مسألة أيام
بقلم: اريئيل كهانا ودودي كوجن
عقد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمس مرة أخرى الكابنت الضيق وكان في مركز المداولات ما بدا ربما كجولة معارك أخرى مرتقبة تجاه ايران. مصدر مطلع على الخطوات الامريكية قال ان هجوما أمريكيا آخر على الجمهورية الإسلامية “ليس مسألة هل، بل متى”. وكانت مصادر امنية في إسرائيل اطلعت على انه اتخذت الخطوات والاستعدادات لامكانية جولة أخرى. والتقدير هو ان هذه الجولة ستتواصل بضعة أيام وستكون الأخيرة للفترة القريبة القادمة. وحسب المصدر الذي اطلع على الخطوات الامريكية، فان الهجوم المخطط له سيكون مختلفا عن الهجمات السابقة وسيضرب أهدافا امتنع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن لمسها.
قبيل الجولة التالية التي تلوح في الأفق حيال ايران، في إسرائيل يقولون ان ترامب لن يتراجع عن هدفه لان يخرج من ايران اليورانيوم المخصب الذي يوجد لديها. كما يقولون في إسرائيل انه حتى بدون اخراج المادة المخصبة فقد لحق بالبرنامج النووي الإيراني منذ الان ضرر جسيم.
بخلاف الادعاء الذي صدر في وسائل الاعلام وكأن المشروع النووي الإيراني يوجد في الوضع إياه الذي سبق “زئير الأسد” و “الأسد الصاعد” في إسرائيل يشددون على أن البرنامج تراجع جدا الى الوراء.
الجانب الأكثر أهمية هو ضرب عناصر التواصل، بمعنى المنشآت التي يفترض بها ان تربط القنبلة النووية بالصاروخ. هذه المنشآت قصفت ولهذا فقد نزعت هذه القدرة من ايران. إضافة الى ذلك فقد صفي في الحملتين نحو عشرين عالم نووي رائد ومعاهد بحوث هامة. هذه الإصابات، كما يعتقدون في القدس، أبعدت ايران بشكل كبير عن النقطة التي كانت فيها قبل الهجمات الإسرائيلية والأمريكية. “انه لسوء فهم مطلق الادعاء باننا اذا لم نخرج اليورانيوم لا نكون فعلنا شيئا”، تقول مصادر في إسرائيل.
وأفاد مصدر امريكي امس لـ “الجزيرة” ان صبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “بدأ ينفد” بسبب انعدام التقدم في الاتصالات مع ايران وانه للنظام توجد “أيام، وليس أسابيع” لان يقترحوا شيئا ما يحطم الجمود.
مفاوضات جدية
أما ترامب نفسه فقد قال أمس لـ “نيويورك بوست” انه “ليس منفتحا على أي تنازل” تجاه طهران وان الإيرانيين “يعرفون ما سيحصل قريبا”. وردا على سؤال حول ملاحظته يوم الجمعة بانه يحتمل أن يكتفي بتأجيل تخصيب اليورانيوم لعشرين سنة قال الرئيس: “لست منفتحا على أي شيء في هذه اللحظة”.
وعلى حد قول الرئيس فان الإيرانيين “يريدون التوصل الى اتفاق اكثر من أي وقت مضى، لانهم يعرفون ما سيحصل قريبا”. وقال ترامب انه ليس “محبطا” من طهران لكنه أوضح بان الإيرانيين يعرفون جيدا بان الولايات المتحدة يمكن لها ان تتسبب لهم بـ “ألم إضافي”. وعندما سُئل عن الادعاء بان ايران تلعب بالوقت وتحاول تأجيل البحث في المسائل المركزية، النووي ومضيق هرمز الى أن يخف الضغط الأمريكي قال ترامب انه لم يسمع عن ذلك.
ومع ذلك غرد ترامب أمس بان زعماء من دول الخليج طلبوا منه تأجيل الهجوم العسكري “لانه تجري الان مفاوضات جدية وبرأيهم ستتحقق صفقة تكون مقبولة جدا من الولايات المتحدة وكذا من دول الشرق الأوسط وما ورائها. هذه الصفقة ستتضمن كما تجدر الإشارة صفر سلاح نووي لإيران!”. وأشار ترامب الى أنه وجه رجاله بان يكونوا جاهزين للتقدم الى هجوم كامل وواسع النطاق في اشعار للحظة، في حالة لم تتحقق صفقة مقبولة.
——————————————
هآرتس 19/5/2026،
الشرطة تلاحق الصحافيين الاجانب
بقلم: نير حسون
حسب وثائق حصلت عليها “هآرتس”فان شرطة اسرائيل تدير نظام لمراقبة وتحليل منشورات الصحافيين الاجانب بهدف التوصية لسلطة السكان والهجرة بمنع دخول من ينتقدون اسرائيل الى البلاد. احدى هذه الوثائق تشمل مراجعة لمقالات نشرها صحافي ايطالي تم منعه من دخول اسرائيل. وتم اعداد هذه المراجعة في تموز الماضي من قبل الوحدة المركزية في شرطة شاي (يهودا والسامرة)، في القسم المسؤول عن الجرائم القومية.
تتناول الوثيقة حالة اليساندرو ستيفانيلي، وهو صحافي مستقل يعمل مع وسائل اعلام دولية من بينها “ليبراسيون” الفرنسية و”ذي اتلانتيك” الامريكية و”لاريبوبليكا” و”لاستامبا” الايطالية. منذ العام 2023 دخل ستيفانيلي الى اسرائيل وخرج منها سبع مرات بدون ان يتم اعتقاله أو التحقيق معه من قبل الشرطة. في تموز الماضي تم ابلاغه في البريد الالكتروني بالغاء تأشيرة دخوله، وانه يجب عليه التواصل مع سفارة اسرائيل في روما من اجل تجديدها. وقد تواصل مع السفارة، ولكنه قال بانه لم يحصل على أي تفسير للقرار ولم يتم تقديم له سبب وجيه للالغاء.
في تموز الماضي قرر ستيفانيلي دخول اسرائيل عبر الاردن. وصل معبر اللنبي حيث احتجزته سلطة السكان والهجرة وحققت معه، وبعد خمس ساعات تم ابلاغه برفض دخوله واعادته الى الاردن. في وثيقة الاستجواب التي سلمت له تمت الاشارة الى انه نقل الى “معالجة الجهات الامنية لانه يجب عليه الخضوع لتحقيق امني”. وقد منع من الدخول واستشهدت سلطة السكان والهجرة بوثيقة للشرطة توصي بمنع دخوله على اساس انه اتهم دولة اسرائيل بـ “الفصل العنصري في يهودا والسامرة”.
تتكون الوثيقة التي اعدتها الشرطة ضد الصحافي الايطالي من اربع صفحات، وهي موقعة من الرائد شرطة شموئيل اشكنازي، رئيس قسم التحقيقات في الجرائم القومية في شرطة شاي. وتصف الوثيقة ستيفانيلي بانه “صحافي ومصور يغطي اخبار اسرائيل بشكل احادي الجانب”. وتتضمن الوثيقة روابط ولقطات شاشة لثلاثة مقالات له، اضافة الى تغريدة واحدة على صفحته في موقع “اكس”.
وبعد تقديم التماس لمحكمة الاستئناف من قبل المحامي تمير بلانك، الذي يمثل ستيفانيلي، بحثت شرطة اسرائيل عن المزيد من المواد ضده. وتشير وثيقة جديدة قدمت ضمن الاجراءات كتبتها الضابطة كيرن بنغال في شرطة اسرائيل، الى اربعة منشورات اخرى. اثنان منها عبارة عن مقالات حول احداث في الضفة الغربية لم يشارك فيها ستيفانيلي الا كمصور.
أما المنشوران الآخران فهما عبارة عن منشورات نشرها في الانستغرام، واحد منهما يوثق مستوطن وهو يحمل عصا. وكتب هذا الصحافي في التعليق بانه يجب على العالم التدخل من اجل وقف الارهاب اليهودي في الضفة الغربية. وكتبت الشرطة بانه “يدعو الى تدخل دولي ضد “عنف المستوطنين”ويرسم خارطة منحازة”. الصورة الاخرى تظهر مسلح فلسطيني في مخيم بلاطة في نابلس. واستنادا الى هذه الصورة فان الوثيقة تزعم ان ستيفانيلي “على تواصل مع مسلحين في مناطق السلطة الفلسطينية”.
في حديث مع “هآرتس” نفى ستيفانيلي كل الادعاءات الموجهة ضده. وقد قال: “هذه الاتهامات سخيفة جدا. فهم يضعوني في نفس قائمة الارهابيين. هذه صور كان يمكن لأي مصور آخر التقاطها في الضفة الغربية. يصعب علي حقا فهم كيف يكتب ضابط شرطة مثل هذه الامور في نظام ديمقراطي. لا يمكن اعداد مثل هذه الوثيقة الا اذا كنت تعرف بان هناك قضاة سيصدقون ذلك”.
المحامي بلانك اتهم الشرطة بانتهاك حرية التعبير وقال: “هذا صحافي ايطالي يغطي الوضع في اسرائيل واماكن اخرى في العالم بشكل محترف، وحسب المعايير المطلوبة واخلاقيات الصحافة منذ بضع سنوات”. ومن المثير للدهشة ومن المخيب للامل ان تقوم الشرطة التي تتمثل مهمتها في مكافحة الجريمة، لا سيما شرطة اسرائيل التي تنشغل بمهمات كثيرة، في استثمار مواردها في مراقبة المقالات الصحفية وفرض قيود على حرية التعبير. هذه خطوة قريبة جدا من ظهور ما يسمى بشرطة الفكر.
وقد جاء رد من الشرطة يقول: “شرطة اسرائيل تعمل حسب القانون من اجل الحفاظ على امن مواطني دولة اسرائيل حيثما كانوا. وفي نفس الوقت يمنح التعديل 40 في قانون الدخول الى اسرائيل رقم 5785 (2025) صلاحية منع أي شخص اجنبي من دخول دولة اسرائيل اذا قام هو نفسه، أو أي منظمة يعمل فيها، بأي اعمال عدائية ضد دولة اسرائيل.
——————————————
هآرتس 19/5/2026
نتنياهو من اجل تجنب المحاكمة، هو مستعد لاحراق كل البلاد
بقلم: نحاميا شترسلر
بعد سلسلة مناورات، يحاول بنيامين نتنياهو الان منع حل الكنيست. هدفه هو تاجيل موعد الانتخابات حتى نهاية تشرين الاول القادم. ومن اجل تحقيق ذلك هو يعد الحريديين بأنه سيتمكن، طالما ان الوقت متاح، من تمرير قانون الاعفاء من الخدمة العسكرية. الحريديون لا يصدقونه وهم يتحدثون عن الطلاق من نتنياهو. هذا بالطبع كذب وتضليل. فهم لا ينوون تفكيك الكتلة. صحيح ان الحاخام دوف لنداو (ديغل هتوراة) اصدر رسالة جاء فيها “نحن لا نثق برئيس الحكومة… كل الاحاديث عن كتلة لم تعد قائمة”. ولكن كل ذلك هو مناورة سياسية مخادعة تخدم مصالح الطرفين. يسعى كل من الليكود والحريديين الى استعادة الناخبين. ومن اجل تحقيق ذلك يظهر كل واحد منهما تباين واضح بينهما في المواقف.
تهديدات الحريديين فارغة. فهم لن يصوتوا لبينيت ولبيد في كل الحالات. الليكود هو الخيار الوحيد بالنسبة لهم. اذا فاز نتنياهو فسيصوتون له، واذا خسر فسيبقون معه في المعارضة وسيفعلون ما في استطاعتهم للاطاحة باعدائهم، بينيت ولبيد وليبرمان. هم يعرفون انهم لن يحصلوا على ميزانيات كبيرة، وعلى مئات الوظائف والاعفاء من الخدمة العسكرية الا مع الليكود، وهذا لن يكون ممكن مع بينيت ولبيد وليبرمان.
في يهدوت هتوراة يخافون من تقلص عدد مقاعدهم مقارنة مع نموهم الطبيعي. يصوت بعض الحريديين لاحزاب اليمين ويقاطع آخرون انتخابات الصهاينة. لذلك هم يهاجمون نتنياهو مباشرة لاستعادة ناخبيهم.
أما في حزب شاس الوضع مختلف. من بين المقاعد الـ 11 التي حصل عليها آريه درعي، 4 منها لناخبين تقليديين من الطائفة الشرقية، وهم ايضا من مؤيدي نتنياهو. بسبب ذلك اعلن درعي بانه سيصوت لنتنياهو وحده، وهكذا يمكنه القول للمحافظين: صوتوا لحزب شاس واحصلوا على 2 بسعر واحد: ستعززون التقاليد وفي نفس الوقت تتويج نتنياهو. ليس بالصدفة انه اختار شعار انتخابي في السابق، “بيبي بحاجة الى آريه قوي”.
ليس من السهل هزيمة كتلة الليكود، الحريديين – المسيحانيين. هم سيفعلون كل ما في استطاعتهم للبقاء في السلطة، بما في ذلك تقويض نزاهة الانتخابات. يعرف نتنياهو بانه اذا هزم وانضم للمعارضة فستسير محاكمته بسرعة وقد ينتهي به المطاف في السجن. لذلك هو سيفعل كل ما في استطاعته للبقاء في منصبه. هو الوحيد في الساحة السياسية المستعد لاحراق كل البلاد من اجل تحقيق ذلك.
لذلك هو سيستمر في تقويض مكانة المحكمة العليا في الاشهر القادمة، نتنياهو يريد نزع الشرعية عنها كي لا تتمكن من تنفيذ قراراتها. وبسبب ذلك ايضا يشن شركاءه هجمات على لجنة الانتخابات المركزية. فهم يخوفون رئيس اللجنة ومديرها العام من اجل ان يفضلوا غض النظر عن التزوير عند فرز الاصوات، وأن لا يحققوا فيه. ايضا يحاول نتنياهو فصل وظيفة المستشار القانوني للحكومة وتعيين مدعي عام من قبله، كي يقوم بوقف المحاكمة. واذا تبين عشية الانتخابات، حسب الاستطلاعات، بانه ما زال لا يملك الاغلبية، فان نتنياهو يمكنه اشعال حرب لتاجيلها.
يحتمل ان يتم ارسال زعران اليمين المتطرف من اجل تفجير التجمعات الانتخابية لبينيت ولبيد. وهناك ايضا خطر مهاجمة المواطنين في مراكز الاقتراع لمنعهم من التصويت. ولن اتفاجأ اذا ما قاموا باقتحام منازل المرشحين للكنيست من اجل تخويفهم واسكاتهم، بعد ذلك ستأتي شرطة بن غفير، وبدلا من اعتقال الزعران، ستعتقل من يتعرضون للهجوم. وهناك ايضا احتمال ان يحقق جهاز الشباك مع “معارضي النظام”، وهو مصطلح يستخدم كمرادف للمعارضة.
اذا لم يساعد كل ذلك، وتبين عند فرز الاصوات بان نتنياهو سيهزم، فقد يتم الاعلان بان اليسار قد قام بالغش وسرقة الاصوات وان النتائج لا يجب قبولها. واذا عارضت المحكمة العليا فسيتم حلها وسيتم اجراء انتخابات جديدة على شاكلة الانتخابات التي يتم اجراءها في الديكتاتوريات. في هذه الانتخابات سيحصل على 99 في المئة من الاصوات وسيشكل حكومة مع الكتلة ويقوم بتعيين ابنه يئير في منصب وزير. هذا ليس غريبا! فهو في نهاية المطاف الشخص الاكثر حقارة في تاريخ الشعب اليهودي.
——————————————
يديعوت أحرونوت 19/5/2026
إلى الكوميدي الأمريكي بيل ماهر: بعد هذا كله وتدافع عن “الدولة المتعطشة للدماء”؟
بقلم: عيناب شيف
كرّس الممثل الكوميدي والساخر الأمريكي بيل ماهر فقرة برنامجه الأسبوعية للدفاع بقوة عن دولة إسرائيل. تتميز هذه الدقائق الثماني بوضوحها الأخلاقي، إذ ترسم خطًا فاصلًا بين النقد اللاذع لأفعال إسرائيل وقائدها وبين المبالغات الجامحة والمعايير المشوهة، النابع بعضها من معاداة السامية والمؤدية إلى تفاقمها إلى حدّ تهديد الأمن الأساسي لليهود في جميع أنحاء العالم. كلمات ماهر قادرة على إثارة التعاطف حتى لدى أولئك الذين يشعرون بصدمة عميقة إزاء الحكومة الأكثر تطرفًا في تاريخ البلاد، وتزايد تطبيع العنصرية ضد الأقليات القومية والدينية، وأعمال تقترب من جرائم الحرب. إن مشاهدتها تبعث على الأمل – وإن كان خافتاً – بأنها ستجد آذاناً لم تُصم تماماً بعد.
لكن لا بد من قول الحقيقة: إن قدرة أشخاص مثل ماهر على التمسك علناً بموقفهم، الذي بات يفقد شعبيته ساعةً بعد ساعة، تُقابل بالازدراء، إذ تُدير إسرائيل، رسمياً وغير رسمي، ظهرها لحلفائها وشركائها الغربيين القلائل المتبقين. لم يُبنَ هذا التحالف على مصالح مشتركة باردة، بل وانتهازية، فحسب، بل أيضاً على أساس مجموعة من القيم، التي تتآكل بفعل الأفعال والأقوال، وكأنها تهدف إلى جعل إسرائيل أقرب إلى وصفها الوحشي: مُثيرة للحروب، متعطشة للاستعمار، مُحتقرة للمبادئ الأخلاقية والقانون الدولي، غير مبالية بشكلٍ مُرعب بالأذى الذي يلحق بالأبرياء.
على سبيل المثال، استُغلت احتفالات يوم القدس في مدرسة “مركز هراف” الدينية الخميس الماضي، لتوجيه تصريحات لا لبس فيها: فقد دعا الوزير بن غفير صراحةً إلى طرد الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية (“تشجيع الهجرة”)، وكذلك إلى الاستيطان في لبنان، بينما أعلن الوزير سموتريتش عن خطة “لإزالة الخطوط الفاصلة بين المناطق ب، أ، وج” لأن “أرض إسرائيل بأكملها لنا”. وأعلن رئيس الوزراء نفسه رسميًا أن إسرائيل تسيطر بالفعل على 60 في المئة من أراضي غزة، أي أكثر مما نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار.
من جهة أخرى، بالنسبة لمن يحاولون فهم ما تريده إسرائيل، يُعد هذا الدليل رقم 5215 على أنها غير مهتمة بتاتًا بالنأي بنفسها عما يقوله منتقدوها. على النقيض من ذلك، فإذا زُعم أنه من الممكن الفصل بين الخطاب العدائي والواقع على الأرض، فالشيكات اليوم تأتي مع تغطية: تحركات تُرسّخ نظام الفصل العنصري في الضفة الغربية، ونزع الشرعية عن التسويات السياسية، وتحييد أجهزة التحقيق والإنفاذ، وترك الشعب العربي فريسةً للعنف الداخلي والعنصرية الخارجية، وتسييس الشرطة، وبالطبع مشاريع كاملة لإضعاف الآليات الديمقراطية.
هذه الأمور ليست من اختراعات المؤثرين المعادين للسامية على منصة “تيك توك”، ولا من ذلك النوع من الصحافة الرخيصة التي قد تُغري صحيفة “نيويورك تايمز” نفسها بالانغماس فيها، بل هي أحداث متسقة وموثقة. لا ينفّذ هذه الأحداث أقلية ضد إرادة أغلبية الشعب، بل كجزء من حركة واسعة، مدعومة أيضاً من عناصر في المعارضة اليهودية. لذا، فالمشكلة ليست هزيمة في “حرب الدعاية” كما صرّح نتنياهو في مقابلة مع برنامج “60 دقيقة”: بل هي خيار حر وواعٍ للجماهير. تختلف الأسباب وراء ذلك (أمنية، دينية، ما بعد الصدمة، إلخ)، لكنها تؤدي جميعها إلى نفس المصير الأخلاقي والسياسي، وربما الاقتصادي والاجتماعي أيضاً. وفي النهاية، حتى بيل ماهر سيدرك أن البلد الذي يدافع عنه بشجاعة قد زال.
——————————————
هآرتس 19/5/2026
“مسيرة البهمنة”.. 20 يهودياً اعتدوا على عربي قبل 5 سنوات.. و”القضاء”: ننظر في الأمر
بقلم: أسرة التحرير
قبل خمس سنوات، انطلق زعران يهود للبحث عن عرب في شوارع “بات يام” ومدن أخرى انتقاماً على أعمال شغب في مدن مختلطة. سعيد موسى، من سكان الرملة، الذي تعثر حظه بوصوله إلى المتنزه في “بات يام” في ذاك المساء، كان ضحية لفتك جماعي شارك فيه أكثر من عشرين شخصاً.
اليوم أيضاً، بعد خمس سنوات من ذاك الحدث الذي يمثل نقطة على محور الزمن في مسيرة “البهمنة” للمجتمع الإسرائيلي، لم يُلقَ القبض على كل من شارك في الفتك. وأولئك الذين ألقي عليهم القبض، يتلوون ويبدلون الروايات في المحكمة حول سبب ضربهم لموسى. مرت خمس سنوات دون أن تنهي محاكمة سبعة من المتهمين.
12 شخصاً من أصل أكثر من 20 مهاجماً مسوا بموسى، اعتقلوا واتهموا بمخالفات عنف بدافع عنصري، شخص آخر اتهم بالتحريض. قاصران شاركا في الفتك أرسلا إلى أعمال خدمة، ثلاثة راشدين اعترفوا في إطار تسوية قضائية تلقوا عقوبات حبس قصيرة. شخص آخر- الأكثر وحشية من بين المشاركين – أدين بمحاولة قتل بدافع إرهاب، لكنه قد استئنافاً على عقابه وإدانته، وينتظر منذ سنتين البحث في الاستئناف.
لقد سمح جهاز القضاء بجر الأرجل هذا، ومعظم المتهمين لا يزالون أحراراً. لكن الأخطر، هو إتاحة القاضية سريت زمير لمحامي قسم من المتهمين باتخاذ خط دفاع، وهو ما مزق سعيد موسى إرباً على منصة الشهود. شكك خط الدفاع بأن شخصاً بريئاً علق في ساحة فتك عنصري. لا يزال أحد المتهمين يتبنى هذه الرواية حتى اليوم، ومحاميه وصف الحدث كـ “محاولة عملية مضادة”.
الفتك الذي حدث في “بات يام” واحد من سلسلة أحداث عنف هي الأكثر توثيقاً، وهكذا تبدو دعوات التحريض التي سبقته. كل واحد من الشهود الموضوعيين – بينهم صحافي “هآرتس” تومر ابلبوم – يروي بأنه عرف ما سيحصل بالضبط حين سمع هتافات “عربي”. وكيفما اتفق، فإن المتهمين يروون بأنهم صرخوا هناك “مخرب” وجاءوا لإنقاذ الدولة من موسى ولتحييده. في مسرحية ادعاء ساذجة، يحاول المتهمون الشرح بأنهم لم يعملوا بدافع عنصري. يقول أحدهم إنه جاء ملثماً وقت كورونا، وكان على دراجته. وروى آخر أنه لم يركل موسى، بل “مد قدماً” كي يحيده.
إن من حق المتهمين أن يديروا الدفاع عن أنفسهم كما يرونه مناسباً. لكن الواجب يلقى على المحكمة لكتابة قرار محكمة مدوٍ، في ضوء حدث كله يتسم بالعنف والعنصرية، ومن أخطر ما شهدته الدولة. محظور الصمت. لن يعيد هذا لسعيد موسى السنوات التي فقدها في محاولة لإعادة بناء حياته. لكن لعله ينقل رسالة للمجتمع الإسرائيلي “المتبهيم”.
——————————————
يديعوت 19/5/2026
إسرائيل أمام المحاكم الدولية بـسـبـب الإبـادة الـجـمـاعـيـة
بقلم: داني أورباخ
تحدثتُ، مؤخراً، في مؤتمرٍ بجامعة أمستردام الحرة حول كيفية استغلال أعداء إسرائيل للقانون الجنائي الدولي لمهاجمتها. إلى جانب عرضي للمغالطات والأخطاء الجوهرية التي يرتكبها أنصار نظرية الإبادة الجماعية، سواء من الناحية الواقعية أو التفسيرية أو العددية، طرحتُ أيضاً ادعاءً أكثر جذرية: «المحاكم الدولية ليست محاكم حقيقية». رداً على ذلك، تلقيتُ رداً حاداً من أستاذ قانون هولندي كان حاضراً (ففي نهاية المطاف، وصل الإيمان بالمحاكم الدولية في أوروبا منذ زمنٍ طويل إلى مستوى الدين)، لكنني مع ذلك حاولتُ توضيح وجهة نظري. لا أقصد هنا معاداة السامية أو التحيز فحسب، مع وجودهما بكثرة، بل أقصد المشكلات الهيكلية المتعلقة بالمحاكم نفسها وكيفية تنظيمها وعملها.
لننتقل من السهل إلى الصعب. على عكس المحاكم الوطنية، لا يوجد في المحاكم الدولية مبدأ تضارب المصالح. على سبيل المثال، قد يترأس محكمة العدل الدولية رئيس محكمة لبناني له سجل حافل بالتصريحات المعادية لإسرائيل، شغل منصب ممثل لبنان لدى الأمم المتحدة، ثم أصبح رئيساً لوزراء لبنان. بعبارة أخرى، تُحاكم إسرائيل من قبل شخص شغل قبل فترة وجيزة منصباً رفيعاً في دولة معادية، تحظر قوانينها حتى مجرد التحدث إلى الإسرائيليين. كما لا توجد آلية لتنحية القضاة الذين سبق لهم إبداء رأيهم في هذه القضية، ولا آلية للاستئناف.
علاوة على ذلك، ثمة قصور أشد خطورة يتعلق بمنهج المحكمة في فحص الأدلة. ففي المحاكمات الجنائية، يُفترض بالقضاة فحص الأدلة الأولية. فعلى سبيل المثال، عند النظر في قضية متهم بالقتل يفحص القاضي شهادات الشهود، وآثار الحمض النووي، وكاميرات الشوارع، وغيرها من الأدلة الجنائية المباشرة التي تثبت أو تنفي الفعل الإجرامي والنية الإجرامية للمتهم. إلا أن أي قاضٍ جاد لن يقبل كدليل تقريراً يدعي وجود شهادة شهود عيان، دون استدعاء الشهود أنفسهم، بل دون السماح للدفاع باستجوابهم.
من جهة أخرى، تقبل لجنة التحقيق المشتركة والمحكمة الجنائية الدولية تقارير الأمم المتحدة كمصادر أساسية. وحتى لو كانت هذه التقارير مصادر موثوقة ومهنية – وهي ليست كذلك – فإن هذا يُعد انتهاكاً لجميع المبادئ الممكنة في مجال القانون الجنائي. إذ تُصبح الأقوال غير المباشرة والشائعات أدلة مقبولة في هذه المحاكم.
بل إن الأمر الأسوأ هو التوجه الحديث نحو محاولة إثبات جريمة الإبادة الجماعية بطريقة «شاملة». فبحسب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية للعام 1948، وتفسيراتها في مختلف محاكمات مجرمي الحرب اليوغوسلافيين والدعاوى القضائية بين الدول، قضت المحاكم المختصة صراحةً بأن جريمة الإبادة الجماعية تتطلب نية خاصة (dolus specialis). وإذا لم تتوفر وثيقة تثبت هذه النية، فيمكن استنتاجها من نمط سلوكي لا يمكن تفسيره بأي طريقة أخرى. فعلى سبيل المثال، إذا تم إعدام أعداد كبيرة من السكان رمياً بالرصاص لمجرد انتمائهم إلى جماعة عرقية معينة، فلا يمكن فهم ذلك إلا على أنه نية لتدمير تلك الجماعة. وفي محاضر اللجنة التي صاغت اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية أوضحت الأطراف صراحةً أنه لا ينبغي تخفيض عتبة إثبات هذه النية. فحتى الحرب الوحشية التي تتسبب في خسائر فادحة للسكان المدنيين، وحتى عمليات الترحيل الجماعي، لا تُعد إبادة جماعية في غياب «النية الخاصة» لتدمير الجماعة أو السلوك الذي لا يمكن تفسيره بأي طريقة أخرى. في حالة إسرائيل، من الواضح تماماً أن كل خطوة تقريباً من خطواتها يمكن فهمها بطريقة أخرى؛ محاولة للقضاء على «حماس» وإعادة المختطفين.
ولهذا السبب تحديداً، تطالب جنوب أفريقيا وحلفاؤها في الساحة الدولية، مثل آيسلندا وهولندا، بتغيير تعريف الإبادة الجماعية، وتخفيض عتبة «النية الخاصة»، وتحديد الإدانة «بشكل شامل». ما معنى «بشكل شامل»؟ حتى لو لم يثبت وجود نية خاصة لارتكاب الإبادة الجماعية، ولم يكن هناك استنتاج ضروري من نمط السلوك، يُسمح للقضاة بالاستنتاج بناءً على انطباع عام بأن جميع الأدلة تتكامل لتشكل صورة معينة.
هذه هي الحيلة الأقذر: فالنهج «الشامل» ليس في الواقع سوى مجموعة من الاتهامات التي، حتى لو دحض الدفاع كل واحدة منها على حدة، تتراكم بطريقة ما لتُفضي إلى الإدانة. بمعنى آخر، إنها حيلة لفظية تهدف إلى ترسيخ ذنب الضحية من خلال ادعاءات قد لا تكون صحيحة، ومنح حصانة للنتيجة حتى لو تم دحض كل ادعاء على حدة. هناك قاعدة في القانون والتاريخ: ما إن تسمع كلمة «شامل» حتى تعلم أنها دجل.
أما قضية الإبادة الجماعية الأخرى التي تنظر فيها لجنة التحقيق المشتركة حالياً، وهي قضية غامبيا ضد ميانمار، فتُحاك بعناية من قبل منظمة التعاون الإسلامي لتمهيد الطريق لتغيير تعريف الإبادة الجماعية والمبدأ القانوني المحيط بها، وبالتالي ضمان إدانة إسرائيل حتى دون أي دليل. تطالب غامبيا المحكمة بقبول تقارير الأمم المتحدة كمصادر أساسية (خاصة تقرير لجنة تقصي الحقائق بشأن الجرائم المرتكبة ضد الروهينغا في ميانمار)، وكذلك إثبات الإبادة الجماعية من خلال نمط الأفعال «بشكل شامل» حتى دون أدلة محددة. في الواقع، تُعد ميانمار المرحلة التمهيدية للوصول إلى الجائزة الكبرى: إسرائيل.
وهذا يطرح سؤالاً أخيراً: هل ينبغي لإسرائيل المشاركة في هذه المناقشات ولعب هذه اللعبة؟ الإجابة ليست قاطعة، لكنني أميل إلى الإجابة بالإيجاب. أحياناً، حتى في ظل محاكم متحيزة، قد تحدث مفاجآت. ففي مطلع القرن العشرين، على سبيل المثال، برأت محكمة روسية معادية للسامية اليهودي مندل بيليس من تهمة الإبادة الجماعية، وذلك لأسباب من بينها أن محاميه فندوا شهود الادعاء بطريقة لم تستطع هيئة المحلفين تجاهلها. ثانياً، حتى لو قبلت المحكمة تهمة الإبادة الجماعية، فقد تكون هناك آراء أقلية منطقية من بعض القضاة الأكثر نزاهة، والتي يمكننا الاستفادة منها. وأخيراً، علينا أن نروي قصتنا للعالم. مهما كانت نتيجة المحاكمة، يجب على إسرائيل نشر دفاعها المفصل، الذي يتجاوز ألف صفحة ويحتوي على عدد لا يحصى من الوثائق الأصلية من كل من الجيش الإسرائيلي و»حماس». ستكون هذه الوثائق مادتنا الخام في أهم صراع في السنوات القادمة – ليس فقط من أجل عقول المترددين حول العالم، بل أيضاً من أجل الطريقة التي ستقدمنا بها محركات الذكاء الاصطناعي.
* مؤرخ عسكري في قسم التاريخ والدراسات الآسيوية بالجامعة العبرية. شارك في تأليف كتاب بعنوان «دحض مزاعم الإبادة الجماعية: إعادة تقييم حرب إسرائيل وحماس من 7 تشرين الأول 2023 إلى 1 حزيران 2025».
—————-انتهت النشرة—————–

