المسار: القاهرة – عن“القدس العربي”: في الوقت الذي تتعالى فيه المطالبات بالإفراج عن سجناء الرأي في مصر قبل عيد الأضحى، قللت مصادر من لجنة الدفاع عن هؤلاء من إمكانية استجابة السلطات، خصوصاً بعد حملات القبض والتنكيل والتهديد التي تعرض لها عدد من أهالي المعتقلين على خلفية معرض الصور الذي نظمته اللجنة بمشاركة من برلمانيين وشخصيات عامة وحقوقيين، والذي أكدت فيه على ضرورة الإفراج الفوري وغير المشروط عن كافة سجناء الرأي، وبخاصة أولئك الذين تجاوزوا المدة القانونية المقررة للحبس الاحتياطي.
وقالت لجنة الدفاع عن سجناء الرأي، في بيان، إنها تدين هذه الإجراءات الانتقامية، وتؤكد على أن استهداف عائلات وأهالي سجناء الرأي والقبض عليهم وحبسهم والضغط عليهم والتنكيل بهم لمجرد مطالبتهم بالإفراج عن أبنائهم، لا يمثل فقط أحد أسوأ الممارسات الفاشية والسلطوية، بل هو أيضاً عبث كامل بمفهوم الأمن والاستقرار الذي تحاول الدولة البوليسية تسويغ وتبرير مثل تلك الممارسات من خلاله.
لجنة الدفاع عن سجناء الرأي: استهداف عائلات وأهالي سجناء الرأي والقبض عليهم وحبسهم والضغط عليهم والتنكيل بهم، ممارسات فاشية وسلطوية
وتابعت في بيانها: “لا معنى ولا فائدة من هذه الممارسات الأمنية، لكونها لن تثني اللجنة بأي حال من الأحوال عن القيام بواجبها في الدفاع عن كل سجناء الرأي، والاستمرار في تقديم كافة أشكال الدعم المتاحة لذويهم”.
كما أكدت للرأي العام وللأجهزة الأمنية أن أي بيانات تنشرها اللجنة طلباً للإفراج عن سجناء الرأي، إنما تحصل عليها من مصادر متعددة، منها ما هو حقوقي، أو قانوني، أو إعلامي، وليس بالضرورة من خلال التواصل المباشر مع الأهالي، وبناءً على ذلك، فلا معنى ولا منطق وراء تلك الممارسات المستنكرة والعشوائية ضد الأسر، سوى أن هذه المنظومة ترتعد مفاصلها وتخشى مجرد صورة مكتوب فيها بعض البيانات ومطالبة واضحة بالإفراج الفوري عن صاحبها.
ونددت بمثل تلك الممارسات وعدم الإفراج الفوري عن الأهالي، كما جددت عهدها بالبقاء صوتاً لكل سجين رأي عبر عن رأيه سلمياً، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع رأيه وذلك حتى إغلاق هذا الملف نهائياً، وعودة جميع سجناء الرأي إلى ذويهم سالمين.
يذكر أن مجموعة من الأحزاب والحركات السياسية وأكثر من 50 شخصية عامة وأسر مُعتقلين، قد أعلنوا في نوفمبر الماضي عن تأسيس “لجنة الدفاع عن سجناء الرأي” تحت شعار “مصر بلا سجناء رأي” بهدف توحيد الجهود المدنية والقانونية لتبييض السجون والإفراج عن المسجونين على خلفية قضايا متعلقة بحرية التعبير والعمل العام، والتأكيد على حقهم في الإفراج الفوري وضمان أوضاع احتجاز تتفق مع القانون.
معايير العفو
يأتي ذلك وسط انتقاد منظمة “هيومن رايتس إيجيبت”، اتساع الفجوة بين معايير العدالة في مصر، في ظل قرارات وإجراءات أتاحت الإفراج أو العفو عن شخصيات ارتبطت أسماؤها بوقائع واتهامات أو إدانات جنائية، من بينهم صبري نخنوخ، وإبراهيم العرجاني، وهشام طلعت مصطفى، ومحسن السكري؛ في حين لا يزال خلف القضبان عدد من الشخصيات العامة وأصحاب الرأي والخبرة، مثل الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، والباحث الاقتصادي عبد الخالق فاروق، والمهندس يحيى حسين عبد الهادي.
هذا التناقض، وفق بيان المنظمة، يثير تساؤلات جدية حول مدى احترام الدولة لمبادئ المساواة أمام القانون، ويعزز الانطباع بأن العفو الرئاسي قد يُستخدم بصورة انتقائية تمنح امتيازات لأصحاب النفوذ، في الوقت الذي يُحرم فيه منها أصحاب الفكر والرأي والمعارضة السلمية. فحين يُفتح باب الرحمة لمن ارتبطوا بملفات جنائية، بينما يُغلق في وجه المرضى وكبار السن وأصحاب الكلمة الحرة، تصبح العدالة محل شك، ويتحول القانون من أداة إنصاف إلى وسيلة للتمييز.
وأكدت المنظمة أن استمرار حبس شخصيات مدنية وسياسية وفكرية بارزة، رغم ما تمثله من قيمة علمية ووطنية، يبعث برسالة سلبية بشأن حالة الحقوق والحريات في البلاد، ويكشف عن خلل عميق في أولويات العدالة الجنائية.
ودعت إلى مراجعة شاملة لملف العفو الرئاسي، ووضع معايير شفافة وعادلة لإعماله، تضمن أولوية الإفراج عن سجناء الرأي والمرضى وكبار السن، وتكفل احترام الحق في الحرية والمحاكمة العادلة والمساواة أمام القانون، وشددت على أن إصلاح منظومة العدالة يبدأ بإنهاء الانتقائية، ورد الاعتبار لكل من سُلبت حريته بسبب رأيه أو عمله العام.
الاعتقال التعسفي
وتحت عنوان: “الاعتقال التعسفي وانهيار منظومة العدالة وأحكام الإعدام في مصر”، عقدت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا ندوة تناولت خلالها التصاعد المستمر في انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، بما في ذلك الاعتقال التعسفي واسع النطاق، وأحكام الإعدام الصادرة عقب محاكمات جائرة، والانتهاكات المرتبطة بحرية التعبير والعمل الصحافي، إضافة إلى سياسات العقاب الجماعي واستهداف المعارضين المصريين في الخارج. كما سلطت الندوة الضوء على صمت المجتمع الدولي واستمرار الدعم الغربي للنظام المصري رغم تفاقم الأزمة الحقوقية.
تحت عنوان: “الاعتقال التعسفي وانهيار منظومة العدالة وأحكام الإعدام في مصر”، عقدت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا ندوة تناولت خلالها التصاعد المستمر في انتهاكات حقوق الإنسان
البروفيسور ويليام شاباس، أستاذ القانون الدولي في جامعة ميدلسكس، خصص مداخلته للحديث عن ملف عقوبة الإعدام في مصر، وهو الملف الذي أوضح أنه يتابعه عن كثب منذ أكثر من ثلاثة عقود من خلال عمله داخل الأمم المتحدة.
وسلط الضوء على أن مصر لا تزال ضمن مجموعة صغيرة جداً من الدول التي تواصل استخدام عقوبة الإعدام بشكل واسع ومنهجي.
ورغم إشارته إلى أن أعداد الإعدامات انخفضت نسبياً مقارنة بالذروة التي شهدتها البلاد قبل نحو خمس سنوات، فإنه أكد أن السلطات المصرية ما تزال تنفذ ما بين عشرين إلى ثلاثين حكماً بالإعدام سنوياً، إلى جانب إصدار أعداد كبيرة من أحكام الإعدام الأخرى، كثير منها يأتي عقب محاكمات وصفها بأنها شديدة الإشكالية.
أما البروفيسور ستيفن زونز، أستاذ الأمن الدولي والسياسة الخارجية في جامعة سان فرانسيسكو، فقد ركز في مداخلته على الدور الأمريكي في تمكين واستمرار القمع في مصر، معتبراً أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة، سواء الجمهورية أو الديمقراطية، واصلت حماية السلطات المصرية من أي محاسبة حقيقية رغم سجلها الواسع في انتهاكات حقوق الإنسان.
وقال إن ترامب وبايدن استخدما بصورة متكررة الاستثناءات المرتبطة بالأمن القومي للالتفاف على القيود التي وضعها الكونغرس بشأن ربط المساعدات العسكرية بتحسين أوضاع حقوق الإنسان في مصر.
الدعم الأمريكي
وسلط الضوء على استمرار تقديم الولايات المتحدة ما يقارب 1.3 مليار دولار سنوياً كمساعدات عسكرية لمصر، رغم وجود نحو 60 ألف معتقل سياسي داخل السجون المصرية، بينهم مواطنون أمريكيون.
وتحدث عن حالات تعذيب ووفيات داخل السجون، إلى جانب سياسات العقاب الجماعي التي استهدفت أقارب مصريين أمريكيين بسبب انتقادهم للسلطات من الخارج. كما أشار إلى حوادث قال إن عناصر أمنية مصرية تورطت فيها داخل الأراضي الأمريكية، من بينها الاعتداء على أمريكيين أمام منشآت دبلوماسية مصرية في نيويورك، إضافة إلى إرسال جواسيس لمراقبة المعارضين المصريين في الولايات المتحدة.
وفي حديثه عن السياق السياسي الأوسع، رأى أن المبررات التي تستخدمها واشنطن منذ عقود للاستمرار في دعم النظام المصري، خصوصاً ما يتعلق بالحفاظ على السلام مع إسرائيل، أصبحت مبررات ضعيفة ومستهلكة.
أستاذ في الأمن الدولي والسياسة الخارجية في جامعة سان فرانسيسكو، اعتبر أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة، سواء الجمهورية أو الديمقراطية، واصلت حماية السلطات المصرية من أي محاسبة حقيقية
وذكّر بأن إدارة أوباما استأنفت المساعدات العسكرية بعد انقلاب 2013 رغم وجود قوانين أمريكية تمنع تقديم الدعم لحكومات وصلت إلى السلطة عبر الإطاحة بحكومات منتخبة ديمقراطياً. كما تحدث عن محاولات السلطات المصرية تصوير العمل المدني والنشاط الديمقراطي باعتباره مؤامرة أجنبية، مشيراً إلى اتهامات وجهت له شخصياً بسبب مشاركته قبل سنوات في ورش عمل تعليمية حول أساليب المقاومة المدنية في القاهرة. واختتم مداخلته بالدعوة إلى تحرك أوسع داخل الولايات المتحدة والدول الحليفة للضغط من أجل تغيير السياسات التي تستمر في تمويل وحماية القمع في مصر.
المحلل السياسي الأمريكي، كالفن دارك، تناول ملف حقوق الإنسان في مصر من زاوية تربط بشكل مباشر بين الانتهاكات الجارية ومسؤولية الولايات المتحدة والمجتمع الدولي.
وشدد على أن حقوق الإنسان لا يجب أن تُعامل باعتبارها “زينة في السياسة الخارجية”، بل كمبدأ أخلاقي أساسي يجب أن ينطبق على جميع الحكومات، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها.
وأقر بأن واشنطن ما تزال تنفذ أحكام إعدام داخل أراضيها، منتقداً توجه إدارة ترامب نحو توسيع استخدام هذه العقوبة، معتبراً أن ذلك يضعف مصداقية الولايات المتحدة عندما تنتقد الانتهاكات في دول أخرى.
وفي حديثه عن ملف انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، وصف دارك الأزمة الحقوقية بأنها ليست مجرد تجاوزات متفرقة، بل منظومة قمع مؤسسية ومتصاعدة.
المحلل السياسي الأمريكي، كالفن دارك، تناول ملف حقوق الإنسان في مصر من زاوية تربط بشكل مباشر بين الانتهاكات الجارية ومسؤولية الولايات المتحدة والمجتمع الدولي
وأشار إلى الارتفاع الكبير في أعداد الإعدامات خلال عام 2025، واستمرار إصدار مئات أحكام الإعدام، وغياب أي عفو رئاسي عن المحكومين، باعتبار ذلك مؤشراً على تفاقم أزمة عقوبة الإعدام في البلاد.
كما تحدث عن استمرار احتجاز المعتقلين السياسيين لسنوات طويلة دون محاكمات عادلة، بما في ذلك إعادة تدوير القضايا لإبقاء المعتقلين رهن الاحتجاز إلى أجل غير محدد. واعتبر أن هذه السياسات لا تدمر حياة المعتقلين فقط، بل تمتد آثارها إلى عائلاتهم التي تعيش تحت الضغوط والقيود المستمرة.
ورأى أن أحد الأسباب الرئيسية لتدهور الأوضاع في مصر هو صمت المجتمع الدولي وتواطؤه، خصوصاً من جانب الولايات المتحدة، منتقداً الإدارات الأمريكية المتعاقبة، الجمهورية والديمقراطية، بسبب تقديمها المصالح الاستراتيجية والتعاون العسكري على حساب حماية حقوق الإنسان، رغم مليارات الدولارات التي تقدمها واشنطن للقاهرة.
وقال إن كل استثناء يتعلق بشروط حقوق الإنسان، وكل صفقة سلاح، وكل ظهور علني إلى جانب عبد الفتاح السيسي، يمثل رسالة دعم للنظام وليس مساءلة له.
تجربة شخصية
واستهل دان كوفاليك، أستاذ القانون الدولي في كلية الحقوق في جامعة بيتسبرغ، مداخلته باستعادة تجربته الشخصية مع الاعتقال في مصر قبل فترة ليست ببعيدة، بعدما احتجزته السلطات المصرية مع مجموعة من النشطاء عقب تنظيمهم مؤتمراً صحافياً أمام السفارة الأمريكية في القاهرة أثناء محاولتهم التوجه إلى معبر رفح لإدخال مساعدات إنسانية إلى غزة.
وقال إن السلطات اعتبرت المؤتمر الصحافي تظاهرة غير مرخصة، وقامت باعتقال عشرة أشخاص، معظمهم أمريكيون. وانطلاقاً من هذه التجربة، وصف مصر بأنها “دولة بوليسية شديدة القمع” تعمل، حسب تعبيره، لخدمة مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل أكثر من خدمة شعبها.
وربط كوفاليك بين القمع الداخلي في مصر والسياق الإقليمي الأوسع، خصوصاً الحرب على غزة والدفاع عن القضية الفلسطينية.
وأشار إلى وجود عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين داخل السجون المصرية، من بينهم أشخاص سُجنوا بسبب دعمهم للفلسطينيين أو معارضتهم للتدخل الأمريكي في المنطقة.
كما أدان استخدام الإعدامات والقمع العنيف ضد المعارضين السياسيين، معتبراً أن الأمر يصبح أكثر فظاعة في ظل ما وصفه بـ”الإبادة الجماعية” الجارية في غزة.
ربط كوفاليك بين القمع الداخلي في مصر والسياق الإقليمي الأوسع، خصوصاً الحرب على غزة والدفاع عن القضية الفلسطينية
واعتبر أن الأجهزة الأمنية المصرية تُستخدم ليس فقط لقمع الأصوات الداخلية، بل أيضاً لحماية ترتيبات سياسية إقليمية تخدم واشنطن وتل أبيب.
وفي حديثه عن المسار السياسي لمصر، قارن كوفاليك بين المرحلة الحالية وفترة جمال عبد الناصر، التي قال إنها مثلت دوراً إقليمياً مستقلاً في مواجهة النفوذ الغربي والإسرائيلي، واتهم الإدارة الحالية بالخضوع للمصالح الجيوسياسية الغربية واستخدام “القبضة الحديدية” لإسكات المعارضة والحفاظ على السلطة.
كما حمّل الولايات المتحدة مسؤولية دعم النظام الذي تشكل بعد 2013، معتبراً أن واشنطن ساهمت في تقويض الديمقراطية بدلاً من الدفاع عنها.
وختم بالتعبير عن أمله في أن يتمكن المصريون مستقبلاً من إعادة بناء نظام سياسي يعكس فعلاً إرادة الشعب المصري.

