“ظننّا أننا سنعود بعد يومين”: خمسة فلسطينيين مُسنّين، مواطنو إسرائيل، يروون شهاداتهم عن النكبة
المسار: حين كنّا أطفالًا، كان جدّي يجلس على كرسيه الخشبي الهزّاز ويروي لنا قصة نجاته في النكبة. كان في العاشرة من عمره عام 1948، يعيش في عيلوط، وهي قرية فلسطينية صغيرة قرب الناصرة. بعض القصص كان يكررها كثيرًا: الهروب إلى الناصرة، الجوع، الخوف، والنوم بعيدًا عن البيت. أما قصص أخرى، فكانت تظهر على شكل شظايا متفرقة عبر السنوات: اعتقال رجال العائلة، الانتظار، والجثث التي تُركت خلفهم.
في 16 يوليو 1948، اعتقل جنود من الكتيبة الثالثة عشرة التابعة للواء غولاني والده وعمه وعددًا من شبّان العائلة. أُطلق النار عليهم لاحقًا وتُركت جثثهم على الأرض. قامت والدته بدفن زوجها وشقيقها وأبنائها بنفسها، مستخدمة حفنات من التراب لتغطية أجسادهم حتى لا تنهشها الكلاب السائبة.
ثمة جيل كامل يحمل ذكريات كهذه، فيما تتضاءل فرص توثيق الشهادات التي أبقاها كثير من الناجين مدفونة لعقود — حكايات لم يعرفها أحيانًا سوى أبنائهم وأحفادهم، أو لم يعرفها أحد على الإطلاق.
بالنسبة للفلسطينيين، لم تنتهِ النكبة عام 1948. فهي تتواصل عبر التهجير، والاحتلال العسكري، والحصار، ومصادرة الأراضي، وهدم المنازل، والمنفى، والسجن، والقتل في أنحاء فلسطين التاريخية. وحتى بينما كنت أجمع الشهادات لهذا المشروع، كان الفلسطينيون في غزة يعيشون مرة أخرى التهجير الجماعي، والتجويع، وتدمير مجتمعات بأكملها. كثير من الناجين الذين أُجريت معهم مقابلات في هذا المشروع تحدّثوا عن غزة اليوم وهم يستعيدون ذكرياتهم من عام 1948. بعضهم بكى وهو يستحضر مشاهد قال إنها تشبه ما عاشه أطفالًا. وتكررت الجملة نفسها مرارًا: “النكبة ما زالت مستمرة”.
أما حفظ الذاكرة نفسه، سواء لدى الفلسطينيين في إسرائيل أو في غزة، فقد أصبح بالنسبة لكثيرين شكلًا من أشكال مقاومة المحو.
تحدّثت “هآرتس” إلى خمسة فلسطينيين من مواطني إسرائيل نجوا من النكبة — رجال ونساء باتوا اليوم في الشيخوخة، كانوا أطفالًا عام 1948، لكنهم كانوا في سن تسمح لهم بفهم ما يجري وحمله معهم طوال حياتهم. بعضهم يتذكّر المجازر، والتهجير القسري، والجوع، والإذلال، والمنفى، أو قرى لم يروها مجددًا. وآخرون يتذكّرون تفاصيل تبدو صغيرة: مفاتيح بيوت أُخفيت، وقهوة حُمِلت إلى المنفى “من أجل الروح”، وألعابًا تُركت خلفهم، وأشجار تين، وآبارًا، وأغاني أعراس، وأراجيح، ورائحة البيت.

فاطمة أبو راس، 88 عامًامن عيلوط؛ هُجّرت إلى الناصرة
كنتُ في العاشرة من عمري آنذاك. مرّ شخص في القرية بمكبّر صوت وهو يقول: “يا أهل القرية، اليهود قادمون لاحتلال عيلوط، اخرجوا قبل أن يصلوا”. بعض الناس نزحوا إلى الناصرة، وآخرون بقوا. الذين بقوا في القرية — بحسب ما سمعناه لاحقًا من أمهاتنا — أُخذوا، وصُفّوا في طابور، ثم أُطلق النار عليهم. قُتلوا. أما الذين فرّوا، فبقوا في الدير وفي الناصرة إلى أن هدأت الأمور.
بعض الرجال الذين بقوا ظنّت عائلاتهم أنهم اعتُقلوا. لكن تبيّن لاحقًا أنهم لم يُعتقلوا. بعد عشرة أو خمسة عشر يومًا، عُثر عليهم في الجبل. كان هناك شبّان يرعون الأغنام وشمّوا رائحة غريبة. وعندما تتبّعوا مصدرها، وجدوا نحو عشرة أو اثني عشر رجلًا مقتولين، وقد بدأت جثثهم تتحلل. بعض الناس عادوا إلى عيلوط، وآخرون بقوا في الناصرة. ونحن كنّا من الذين بقوا في الناصرة. لم نعد إلى عيلوط أبدًا.
كان الناس يحبّون بعضهم أكثر مما هو الحال اليوم، أكثر بكثير. أبناء عيلوط الذين بقوا في الناصرة كانوا كالإخوة والأخوات. كانوا يزورون بعضهم باستمرار. وإذا أصاب أحدهم مكروه، كان الجميع يلتفّ حوله.
طوال تلك الفترة — بينما لم نكن قد عدنا بعد إلى عيلوط وكنا ما نزال نقيم في الدير — كانت الحياة تعتمد على ما يملكه الناس. من كان لديه مال استطاع شراء الطعام والأكل، ومن لم يكن يملك شيئًا عانى. لكن الدير كان يزوّدنا بالحليب والطعام. كل صباح، كانت الراهبات يوزعن الحليب. وكانت أديرة مختلفة تتكفّل بمجموعات مختلفة. كانوا يرسلون الطحين وكل ما استطاعوا توفيره. وبالتدريج بدأ الناس يعودون إلى العمل، وبدأت الحياة تستعيد شيئًا من انتظامها. لكن كم استغرق ذلك بالضبط، لا أعرف.
لطفية شلاعطة، 92 عامًامن الرويس؛ هُجّرت إلى شعب ثم مجد الكروم فَنحف ثم طمرة
“نحن من الرويس. كانت بيوتنا تُطلّ على عكا والبحر. كنت تجلس هناك وترى عكا من القرية. في تموز 1948 قال لنا أبناء الحرام: “اخرجوا من القرية لأسبوع واحد”. أقفل والدي الباب ووضع المفتاح تحت حجر. وقال لنا: “أول من يعود سيجد المفتاح هنا”.
في رمضان، كنّا نسمع مدفع الإفطار القادم من عكا. كانت الموائد تمتلئ بالعنب والتين وثمار أرضنا. كان والدي يأخذني لقطف التين وأنا صائمة. كانت شجرة التين بجانب بيتنا.
أتذكّر إبراهيم أبو خليل. كان رجلًا مسنًا ورفض مغادرة القرية، وقال: “أنا رجل عجوز، لماذا أترك قريتي؟”. دخلوا عليه وأطلقوا النار عليه. وفي الليل، دفنه أبناؤه بين الصخور.
حمّلنا الحصان ما استطعنا حمله — أدوات إعداد القهوة، والبابور، والملابس. كل امرأة جمعت أغراضها. ذهبنا أولًا إلى شعب وأقمنا هناك أسبوعًا، وربما أسبوعين، في بيت أقارب والدتي. ثم قيل إن اليهود احتلوا البروة. وبدأ الناس يقولون: “من بقي لديه سلاح فليذهب للمقاومة، ومن لا يملك فليهجُر إلى لبنان”.
كان أخي يحمل جرار الماء على كتفه من مجد الكروم لكي نشرب. مثل أهل غزة اليوم، كانت تلك حالنا — كنا نحصل على صحن طعام واحد، وربما صحنين.
مرّ شهر، وانتشر الخبر في نحف أننا نعيش في العراء. فجاء أحد أقارب والدتي وأخذنا إلى بيته في نحف. أقمنا هناك طوال الشتاء في بيت كبير، مع عائلة مهجّرة أخرى من الحدثة.
خلال إقامتنا في نحف، أُعلن أن مجد الكروم سقطت هي الأخرى. طلبوا من جميع أهالي نحف التجمّع في المسجد. ذهبنا جميعًا إلى هناك — نساءً وأطفالًا، الجميع. بقينا هناك لساعات. كدنا نموت من العطش والجوع. وبعد ثلاث ساعات، أمرونا بالخروج من المسجد. رأيتهم وهم يختارون عشرة رجال ويصفّونهم في طابور. أطلقوا النار عليهم جميعًا دفعة واحدة.
كان هؤلاء رجالًا معروفين ومحترمين في نحف — عملوا ضباطًا ورجال شرطة في عكا وحيفا. منعوا الناس من الاقتراب منهم، ثم دفنوا جثثهم في حفرة.
مرّ عام، وبدأت الدولة الإسرائيلية حديثة النشأة بتوزيع بطاقات الهوية في طمرة.
طمرة، وهي قرية في الجليل، تبعد نحو 1.2 كيلومتر عن نحف. خلال تلك الفترة، كان الفلسطينيون خاضعين للحكم العسكري الإسرائيلي، وكانت أي حركة بين القرى تحتاج إلى تصاريح نادرًا ما كانت تُمنح.
“عبرنا الجبال الشمالية ليلًا. كان أخي يحمل طفلًا عند خصره وآخر إلى جانبه بينما كنّا نمشي. كنّا نختبئ نهارًا خوفًا من أن يرانا أحد. وعند السابعة أو الثامنة صباحًا وصلنا إلى طمرة. استقبلونا هناك. قدّموا لنا الفطور وسمحوا لنا بالاغتسال، لأننا كنّا قد مشينا طوال الليل. أقمنا هناك نحو عام في مخزن قديم للتبن بجانب المسجد القديم. كانت الفرشات موضوعة جنبًا إلى جنب. وبعد ذلك أعطونا خيمة”.
كان بعض الناس في طمرة يهينوننا أحيانًا لأننا لاجئون. كانوا يقولون: “شكلكو زي اللاجئين”، ويقولون لأطفالهم: “لا تلعبوا مع أطفال اللاجئين”. ذلك يجرح القلب. قبل النكبة، كانت الحياة فرحة. كانت حياة كريمة.
بعد عام من النكبة، ذهبت مع صديقتي لنرى قريتنا. كنّا نأمل أن نجد أي أثر لها، لكنها كانت قد دُمّرت بالكامل. لم يتركوا شيئًا خلفهم. عندما جاء اليهود قالوا: “جئنا إلى إسرائيل ولم نجد هنا سوى الزعتر البري. لا يوجد بشر”. لكنني ما زلت أتذكّر قريتي.
قبل ثلاث سنوات، عدت إلى الرويس. وقفت هناك أصف كل شيء — المسجد، الطريق، بيتنا. حتى إنني تعرّفت إلى القضيب الحديدي قرب المسجد. كنت أتذكّر كل بيت. لكن لم يبق شيء.
خرجنا ونحن نظن أننا سنعود بعد يومين. لم يتخيّل أحد أن هذا المنفى سيطول هكذا. في أحلامي، ما زلت أرى نفسي أقطف النعناع والبقدونس وتين الشتاء. ما زلت أجمع التين في أحلامي. أتمنى لو أستطيع الذهاب إلى هناك ليومين، أن أنام هناك ثم أموت. ليت ذلك ممكنًا.

رسمية أبو ريا، 86 عامًامن سخنين؛ نجت بالاختباء
“كنت في الثامنة من عمري. أتذكّر حين بدأ الناس يفرّون للمرة الأولى. كان هناك مسجد قديم، ليس المسجد القائم اليوم. لم يكن سوى غرفة. في المرة الأولى التي قصفت فيها الطائرة، انهار أحد أركان المسجد. وعندما رأى الناس ذلك، فقدوا صوابهم.
بدأ الجميع يحملون ما استطاعوا ويحاولون الفرار إلى التلال. كنّا من بين الذين ذهبوا إلى التلال، إلى المنطقة التي تُسمّى المال. في اليوم الأول، ثم الثاني — بقينا هناك ثلاث ليالٍ. ثلاث ليالٍ في العراء، تحت التل.
أخبرنا والدي، الذي بقي في سخنين، أن ميعار، وهي قرية مجاورة، سقطت بشكل مروّع. نصف أهلها انتهى بهم الأمر في سخنين وعرّابة ودير حنا وكابول. كان اليهود قد شتّتوا أهالي ميعار بين القرى. ولو لم يبق أحد في سخنين، ولو أنهم لم يستسلموا، لكانت سخنين قد احتُلّت”.
قالوا للجيش: “لقد استسلمنا، نحن نستسلم. لا نريد القتال”.
بعد ذلك عاد الناس الذين كانوا قد فرّوا من القرية. كانت كارثة. قُتل عمّي ناجي أبو رايان. لقد تعرّض شعبنا للاضطهاد منذ وُجدنا. بقينا مضطهَدين وما زلنا كذلك”.
كانوا يشقّون الطريق عبر أراضيه؛ صادروا أراضي كثيرين، من عيلبون حتى وصلوا إلى أراضي البدو.
ألقوا التراب عليه ودفنوه حيًّا. هرع الناس نحوه، لكنهم هدّدوهم: “ابتعدوا، وإلا سنفعل بكم جميعًا الأمر نفسه”، فجلس الناس صامتين بينما واصلوا عملهم”.

جوزيف معلم، 85 عامًامن عيلبون إلى لبنان ثم العودة
“وُلدتُ في 24 أكتوبر 1941. كان والدي، مرقس معلم، كاهن دير حنا قبل أن يعود إلى عيلبون. كانت الحياة بسيطة آنذاك. الأطفال يلعبون، والناس يعيشون ببساطة.
في عام 1948، كنت في نحو السابعة من عمري، لكنني كنت كبيرًا بما يكفي لأفهم وأتذكّر. في ذلك العمر، تبقى الذاكرة واضحة.
قبل الاحتلال، كانت الاشتباكات متواصلة بين قوات الهاغاناه المتمركزة قرب طرعان وجيش الإنقاذ العربي المتمركز حول عيلبون. كانت القذائف تسقط على القرية باستمرار. وكان الناس يختبئون داخل البيوت الحجرية ذات الأقواس، لأن البيوت الخشبية كانت تنهار بسهولة تحت القصف.
في اليوم الذي احتُلّت فيه عيلبون، تجمّع معظم الناس قرب الكنائس. أتذكّر أنني نمت على الأرض بينما استمر القصف طوال الليل. ومع اقتراب الصباح، دخل الجيش إلى ساحة القرية. دخل والدي إلى الساحة حاملًا راية بيضاء، وهناك التقى القائد. وقال له: “أنا أُسلّم قريتي إلى دولة إسرائيل”.
ثم أُمِر الجميع بالخروج إلى الساحة. كانت الرشاشات تحاصر القرية من كل الجهات. ما زلت أتذكّر مروري عبر بوابة الكنيسة ورؤيتي رجلًا ممدّدًا قتيلًا إلى جانبها. كان اسمه عازر.
بعد ذلك بدأوا باختيار شبّان القرية. كان الناس يعتقدون أنهم يُؤخذون للتحقيق. ثم أُمِر الجميع — كبار السن والنساء والأطفال — بالسير نحو المغار. وأجبروا الأطفال على المشي أمام الدبابات والمركبات العسكرية.
لاحقًا، قيل لنا إنهم أخذوا مجموعات من الشبّان، وقالوا لهم: “الحقوا بالبقية”، ثم أطلقوا النار عليهم من الخلف ليبدو الأمر وكأنهم حاولوا الفرار. بعض أبناء القرية عادوا لاحقًا سرًا وظلّوا يحرسون الجثث طوال الليل خوفًا من أن تنهشها الحيوانات. كان الجيش يريد اعتقالهم، لكن والدي هو من أوقفهم وقال إن على الرجال دفن القتلى.
ودُفنوا جميعًا في قبر واحد.

مشينا يومين إلى أن وصلنا لبنان
سرتُ حافي القدمين من عيلبون إلى عين إبل؛ واصلنا السير ليومين حتى وصلنا إلى لبنان. لم يكن معنا طعام ولا ماء. نمنا تحت أشجار الزيتون، واتخذنا الحجارة وسائد لنا. أتذكّر أمي وهي تلفّني بعباءتها إلى جانب شجرة بينما استمر إطلاق النار من حولنا. كانت تردّد: “إذا وصلت رصاصة إلى هذه الشجرة، فلتصبني أنا لا أنت”. تلك الجملة لم تفارقني يومًا.
بعض النساء تركن أطفالهن على الطريق لأنهن لم يعدن قادرات على حمايتهم. وفي النهاية وصلنا إلى لبنان. بعض العائلات انتهى بها المطاف في مخيم المية ومية للاجئين، وأخرى في بيروت أو في قرى مختلفة. كان أخي مديرًا لبنك في حيفا، وكان يومها في إجازة ببيروت، لذلك أقمنا عنده.
رافقهم والدي في جولة داخل القرية. رأوا القبور وما حدث هناك. وبعد ذلك بدأت النقاشات حول السماح لأهالي عيلبون بالعودة. وفي نهاية المطاف، انتشر الخبر بين اللاجئين في لبنان: “أهالي عيلبون عائدون”.
“عندما عدنا، كانت القرية قد نُهبت بالكامل. لم يبقَ شيء. حتى النوافذ والأبواب كانت قد اختفت.
لاحقًا، ساعد الصليب الأحمر الناس على إعادة بناء أجزاء من حياتهم. لكن الحياة بعد العودة بقيت شديدة القسوة. كان الحكم العسكري يتحكم في التنقّل وتصاريح العمل. حتى السفر من مكان إلى آخر كان يحتاج إلى إذن.
يسأل الناس اليوم: لماذا لم يقاوم أهل القرى؟ وبماذا كان يمكنهم أن يقاوموا؟ جيش الإنقاذ العربي الذي ظنّ الناس أنه سيحميهم انسحب. أما أهالي القرى، فلم تكن لديهم تقريبًا أي أسلحة.
أتذكّر جيدًا رسالة والدي إلى الصليب الأحمر. كتب فيها: “خسارة المال أهون من خسارة الأولاد، وخسارة الأولاد أهون من خسارة الكرامة، وخسارة الكرامة أهون من خسارة الإيمان. أما نحن في عيلبون، فقد أصبحنا بلا مال، وبلا أولاد، وبلا كرامة، وإلى حدّ ما، بلا إيمان”.


داهود عيلبوني، 88 عامًامن عيلبون؛ هُجّر إلى مخيم المية ومية للاجئين في لبنان
“كان عمري آنذاك عشر سنوات إلا شهرين. هناك أمور لا يستطيع الإنسان أن يتحدث عنها أو يستعيدها، لأن في القلب ألمًا لا يحتمل تذكّر تلك الأيام.
خلال المعارك في عيلبون، كان الأهالي يُجبرون على إعداد الطعام وإيصاله إلى مواقع جيش الإنقاذ العربي خارج القرية. وفي اليوم الذي تعرّضت فيه عيلبون للهجوم، جاء الدور على عائلة داهود عيلبوني.
حمّلوا الحمير بالطعام وأرسلوني إلى المكان الذي كان يتمركز فيه الجيش. وفي الطريق بدأ قصف عيلبون. بدأت أبكي من الخوف. قالوا لي ألا أقلق، وأرسلوا جنديًا ليمشي معي. لكن عندما وصلنا إلى أطراف القرية، بدأت القذائف تتساقط قربنا الواحدة تلو الأخرى”.
تخيّل طفلًا في التاسعة من عمره يسير وحده وسط معركة، فيما القذائف تتساقط حوله. خفتُ إلى درجة أنني رميت الطعام عن ظهر الحمار في الطريق، وهربت إلى البيت. نحو الساعة العاشرة ليلًا، أُعلن أن جيش الإنقاذ العربي ينسحب ويتراجع شمالًا نحو المغار وصفد.
لاحقًا، أُعلن أن الإسرائيليين دخلوا الكنيسة. كنّا أطفالًا، فذهبنا إلى هناك ونمنا حتى الفجر. نحو الخامسة صباحًا، دخل الإسرائيليون إلى عيلبون واحتلّوا القرية.
ساقونا من الكنيسة نحو الحارة. وفي الطريق، قرب البوابة المؤدية إلى بيت الكاهن، كان رجل من عيلبون يُدعى عازر ممدّدًا هناك قتيلًا. كان رجلًا فقيرًا يعمل في القرية. ما زلت أتذكّر المشهد كأنه يحدث الآن. كنت طفلًا ولم أرد أن أخطو فوقه. كان نَفَسه الأخير ما يزال يرتجف داخله”.
جمعونا جميعًا هناك فيما كان الجنود يحيطون بنا. ثم بدأوا يشيرون إلى الناس: “أنت، قف. أنت، قف”. اختاروا 14 شابًا وصفّوهم أمامنا. بعد ذلك قالوا لنا: “اذهبوا إلى عبد الله في الأردن وكلوا هناك الخبز والأرز واللحم”. لكن لم يكن أحد قادرًا على الرد. كنّا مستيقظين منذ الفجر. لم يتخيّل أحد أنهم على وشك طردنا من بيوتنا وقريتنا. وعندما مررنا قرب بيتنا، لم يسمحوا لنا حتى بفتح الباب أو أخذ أي شيء. لا شيء.
خرجنا نحو لبنان. الضرب، والجوع… مشينا حتى وصلنا إلى شجرة ضخمة قرب كفر عنان وجلسنا هناك. لا فطور، لا ماء، لا شيء. الأطفال والنساء، الجميع كان منهكًا. وفي طريقنا إلى لبنان، أوقفونا قرب الفراضية [حيث أُقيم اليوم كيبوتس بارود على أنقاض القرية]. أوقفنا الجنود وأجلسونا قرب مسجد. صفّوا الرجال — وكانوا نحو أربعين رجلًا في صف واحد — وقالوا لنا: “إما أن تعطونا مئة جنيه فلسطيني، أو نقتلهم”.
كانوا يفتّشوننا بدقة؛ وكل من وجدوا معه مالًا سرقوه. وإذا كانت امرأة ترتدي أقراطًا، كانوا يتحسّسون أذنيها وينزعونها منها. وجدوا بطاقة هوية والدي، فمزّقوها وألقوا بها. وحين غفل الجندي، مددت يدي والتقطتها، ثم خبأتها في جيبي. وما زلت أحتفظ بها حتى اليوم”.

“أخرج رجل يُدعى إبراهيم الحوّا المال الذي طلبه الجنود وقال: “ليس لدي أولاد، لكن جميع هؤلاء الرجال هم أولادي اليوم”. وهكذا أنقذ 39 رجلًا من القتل.
بعد فترة، أحضروا بطاطا مسلوقة وقالوا للناس أن يأتوا ليأكلوا. لم تكن هناك صحون، لا شيء. اندفع الناس نحو الطعام.
وفجأة فتحوا النار علينا من الأعلى، من جهة المغار.
كان عليك أن ترى الشيوخ والعجائز وهم يزحفون بين أشجار الزيتون. رأيت نساءً مسنّات يُسحبن على الأرض. كما رأيت رجلًا مسنًا من عيلبون يُدعى سمعان الشفانة يُقتل أمامي”.
“بدأ الناس يصرخون: “أريد أن أموت، أريد أن أموت”. إحدى النساء رمت ابنتها الصغيرة جانبًا محاولةً إنقاذها؛ قُتل هناك ثلاثون شخصًا من أبناء القرية. وما زال الوجع عالقًا.
كنت طفلًا، وفقدت أمي وأبي وأخواتي وسط الفوضى. أتذكّر أختي حياة؛ كانت حاملًا في شهرها السابع.
في تلك الليلة نمنا بين أشجار الزيتون في برد قارس. لم يكن لدينا ما يدفئنا. نزع والدي الكوفية عن رأسه وغطّى بها أجسادنا المرتجفة. وما زلت أتذكّر ذلك بوضوح.
في الليلة التالية، أحضروا مركبة ونقلونا نحو الحدود اللبنانية. أنزلونا هناك قرابة العاشرة ليلًا وقالوا: “من هنا، تابعوا السير نزولًا”. كانت المنطقة كلها غابات. لم نكن نعرف الطرق. وبينما كنّا نمشي، كانوا يطلقون النار إلى جانبنا. وبحلول الصباح كنّا نموت من العطش. لا طعام، لا شيء. وجدنا بركة قذرة كانت الحيوانات تشرب منها — الأبقار والماعز — فشربنا منها نحن أيضًا.
التهجير إلى لبنان
في لبنان وصلنا إلى رميش، وسألنا إن كان أهالي عيلبون قد وصلوا. قالوا نعم. ثم أخذونا إلى الكنيسة في عين إبل. كان الناس في كل مكان، داخل الكنيسة وخارجها. حين خرجنا من عيلبون، كانت أمي تحمل مفتاح البيت معها. في تلك الأيام كانت المفاتيح كبيرة ومصنوعة من الحديد. حملته لأنها كانت ما تزال تعتقد أننا سنعود ونفتح البيت من جديد.
في أحد الأيام، وأثناء سيرها في ساحة الكنيسة بين الأعشاب اليابسة، اصطدم المفتاح الثقيل بركبتها، فرمتْه بعيدًا. كانت قد فقدت الأمل في العودة. بكيت حتى عثر بعض الناس على المفتاح وأعادوه إليّ. طوال الفترة التي عشناها في المخيمات وتحت الخيام، بقي المفتاح معي.
بعد يومين أو ثلاثة، حمّلونا مع مئات آخرين في حافلات. بعضهم نقلوا الجرحى إلى مستشفيات بيروت، أما نحن فأخذونا إلى مخيم ميه ميه. وبعد أيام، نصبوا لنا خيامًا. كانت أربع أو خمس عائلات تنام في خيمة واحدة — رجالًا ونساءً وأطفالًا معًا. عانينا كثيرًا هناك. لم يكن بإمكانك أن تغتسل كما يجب، ولا أن تنظّف شيئًا. كان القمل يغطي أجسادنا وحتى حبال الخيام. وكل أسبوع كنّا نصطف بينما رجل كردي يُدعى أبو معروف يرشّ رؤوسنا وأكتافنا بمادة الـ دي-دي-تي”.

“قرب المخيم كان هناك دكّان خضار. كان شبّان يجلسون هناك يقشّرون البرتقال ويرمون القشور. كنت أنا وأختي ننتظر حتى يغادروا، ثم نأخذ القشور ونأكل ما تبقّى فيها. في أحد الأيام رآنا صاحب الدكان وظنّ أننا نريد السرقة، فضربنا ضربًا مبرحًا. عدنا ونحن نبكي، لكننا رغم ذلك واصلنا العودة، ننتظر مغادرة الشبّان لنأكل قشور البرتقال.
في إحدى الليالي، مرض كل من في المخيم بسبب الطعام الذي قُدّم لنا — الفاصولياء والماء الفاسد. الرائحة والمشهد لا يفارقان الذاكرة. قرية كاملة تجلس معًا في البؤس.
أكره تذكّر تلك الأيام. إنها موجعة. لكن علينا أن نوثّقها ونحفظها.
لاحقًا، جاء وفد من المستشفى الفرنسي وعصبة الأمم. صوّروا الجرحى والقتلى. وسمعت لاحقًا أنهم عقدوا اجتماعًا وقرّروا السماح لأهالي عيلبون بالعودة من لبنان.
أتذكّر عودتنا ليلًا مع أهالي عيلبون. بعض أهالي سخنين ودير حنا حاولوا العودة أيضًا، متظاهرين بأنهم من عيلبون بعدما سمعوا أن العودة سُمِح بها لنا. وبينما كنّا نعبر الأراضي قرب دير حنا، رأيت عجولًا ترعى فصرخت: “هذه بقرتنا وهذا حمارنا!”. بدأت أبكي. صفعني الراعي وقال إنهما لم يعودا لنا. لقد عشت معهما طوال حياتي، ومن الطبيعي أن أتعرّف إليهما.
وعندما عدنا إلى عيلبون، لم نجد شيئًا. كل شيء كان قد نُهب. لا بقرة، لا حمار، لا شيء. كنت ما أزال أحمل المفتاح معي، معتقدًا أنني سأفتح الباب وأدخل بيتنا. لكن لم يعد هناك بيت أصلًا. لا شيء. كل شيء سُرق.
وجدت ورقة معلّقة داخل الزريبة التي كانت تنام فيها بقرتنا وحمارنا. كانت مكتوبة بالإنجليزية. احتفظت بها رغم أنني لم أكن أقرأ الإنجليزية آنذاك. واتضح لاحقًا أنها شهادة ميلادي باللغة الإنجليزية، وما زلت أحتفظ بها حتى اليوم”.

