الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

معاريف 24/05/2026

تكرار الخطأ التاريخي أمام “حزب الله”.. وزامير يخفي الحقيقة: الجيش مرهق ويتآكل

بقلم: ألون بن دافيد

“التاريخ يعيد نفسه مرتين، مرة كمأساة وأخرى كمهزلة”، هذا ما قاله كارل ماركس. وفي لبنان نجد أنفسنا اليوم في مرحلة المأساة، مأساة أكثر من عشرين عائلة تحطمت حياتها منذ استئناف القتال في جنوب لبنان، وتتفاقم المأساة لأن من يقود هذه المعركة من كبار ضباط الجيش الإسرائيلي، هم أنفسهم من خريجي “مسيرة الحماقة” في لبنان في تسعينيات القرن الماضي.

قوة من وحدتين خاصتين عملت هذا الأسبوع في منطقة الليطاني. مقاتلو حزب الله راقبوهم، وحللوا المسار الذي سيسلكونه بكل دقة، وزرعوا عبوة ناسفة وفجروها بينما كانوا يراقبون القوة. أُصيب أربعة جنود. نسخة طبق الأصل من حرب العصابات التي استخدمها حزب الله ضد الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان خلال سنوات الحزام الأمني بين 1985 و2000.

على مدى 15 عامًا شحذ حزب الله سلاحه على أجساد الجنود الإسرائيليين الذين خدموا في لبنان. تطور وتعلم من الاحتكاك اليومي بهم وتحول من منظمة مسلحة إلى جيش عصابات محترف. وبعد الانسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000، بنى نفسه كجيش حقيقي.

 في هذه الأيام، وبعد أن تلقى حزب الله ضربة قاسية في 2024، عاد إلى أنماط حرب العصابات – التي لا تتطلب قوات كبيرة، بل لسعات متواصلة ضد آلاف الأهداف التي نشر الجيش الإسرائيلي قواته أمامها داخل منطقة الأمن الجديدة. الوسائل تطورت، لكن الفكرة بقيت نفسها: العثور على نقاط ضعف العدو وضربها، ليس أملاً بالحسم، بل بقصد إنهاكه.

بعد وقت قصير من إقامة الحزام الأمني السابق في جنوب لبنان عام 1985، أصدر قائد المنطقة الشمالية آنذاك، يوسي بيلد، تعليماته بتعليق لافتة في كل موقع تقول: “المهمة: حماية بلدات الشمال”. أجيال من الجنود الذين خدموا آنذاك في الحزام الأمني آمنوا بذلك. كنت أزورهم شهريًا في لبنان، وكان دائمًا هناك جندي يشير إلى أضواء المطلة أو زرعيت ويقول: “نحن هنا لكي يناموا بهدوء”.

لكنها كانت قناعة فارغة؛ ففي كل مرة كان الجيش الإسرائيلي يصيب مدنيين لبنانيين، كان حزب الله يطلق النار نحو بلدات الشمال ويثبت أن الحزام الأمني لا يوفر لهم الحماية. وكان غادي آيزنكوت، قائد لواء غولاني آنذاك، أول من تجرأ على التشكيك بهذه العقيدة، وقال إن الحزام الأمني يجعل سكان الشمال يدافعون عن الجنود الإسرائيليين، بدل أن يكون العكس.

 وهكذا الحال اليوم أيضًا. ففي كل يوم نتلقى تذكيراً بأن الحزام الأمني الجديد لا يستطيع توفير الحماية لسكان الشمال، لا من الصواريخ ولا من المسيّرات، وحتى كما قيل، فإنه لا يبعدهم عن مدى صواريخ الكورنيت المضادة للدروع. قبل نحو عشرة أيام، أصاب صاروخ مضاد للدروع تابع لحزب الله موقعًا للجيش الإسرائيلي في تلة الحمامص، على بعد 300 متر من المطلة. ومن أطلق الصاروخ كان يستطيع بالقدر نفسه إصابة منزل في البلدة الجليلية.

قبل 35 عامًا، بدأ حزب الله يركز على الحرب النفسية. وكان شعاره: “إصابة جندي واحد ستجعل أمًا واحدة تبكي، أما تصوير تلك الإصابة فسيجعل آلاف الأمهات يبكين”. وسلاح مسيّرات FPV الموجهة بالألياف البصرية يناسب هذه الفكرة تمامًا. فهو ليس صاروخًا يصيبك عشوائيًا، بل شيء يراك ويختار مطاردتك شخصيًا.

عندما يشاهد المرء مقاطع الفيديو من أوكرانيا لجنود يتوسلون على حياتهم أمام المسيّرات، يأمل بألا يرى مشاهد مشابهة هنا. وحتى بعد أربع سنوات من الحرب، لم يجد الأوكرانيون حلًا شاملاً لتهديد المسيّرات.

 في إسرائيل، تلقي المؤسسة الأمنية بكل تكنولوجيا موجودة إلى “المختبر الجديد” الذي أُقيم في لبنان. كل وسيلة للكشف أو الاعتراض أو الحماية من المسيّرات تدخل إلى لبنان تقريبًا دون اختبارات كافية.

اليوم هناك شباك حماية للمواقع والمركبات، وأنظمة إطلاق دقيقة، وطلقات متشظية، ومسيّرات تطلق شباكًا، وأسلاك تهدف لقطع أو حرق ألياف المسيّرة، إضافة إلى الليزر، وبالطبع القبة الحديدية. لكن التحدي الأكبر هو القدرة على اكتشاف المسيّرة مسبقًا، لأن الاكتشاف المبكر يزيد فرص الاعتراض أو الاحتماء.

في مجال الكشف نُشرت أجهزة استشعار من كل الأنواع: رادارات ووسائل بصرية وصوتية. ويبدو أن الوسائل الصوتية تحمل أكبر احتمال للنجاح، لأن للمسيّرة بصمة صوتية خاصة تختلف عن الطيور أو الطائرات بدون طيار الكبيرة. ومن وسائل المواجهة أيضًا سلاح  HPM، وهو سلاح ميكروويف عالي الطاقة يعطل الأنظمة الكهربائية، وقد يكون حل المستقبل.

وإلى أن يتم العثور على حل، يعود الجيش الإسرائيلي إلى حلول قديمة. فقد سيطر على منطقة “ركبة الليطاني”، ما يجعل قواته مكشوفة من مرتفع علي الطاهر المطل عليها.

هناك محللون يقولون إن “أيدي الجيش الإسرائيلي مقيدة” بسبب “وقف إطلاق النار” الذي فرضه الأمريكيون. لكن الحقيقة أنه حتى لو كانت يد الجيش مطلقة بالكامل، فلا أهداف لديه يؤدي تدميرها إلى وقف القتال. كما لا توجد طريقة للقضاء على حزب الله إلا إذا أُرسل لاحتلال بيروت وسهل البقاع.

ما الموجود إذن؟ توجد فرصة نادرة تتمثل في حكومة لبنانية مصممة على مواجهة حزب الله، ورأي عام لبناني يقف إلى جانبها. لكن إسرائيل لا تدخل المفاوضات مع لبنان بهدف الوصول إلى اتفاق، بل لأنها أُجبرت على ذلك بضغط من ترامب.

يمكن التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار جيد في لبنان، اتفاق يفصل حزب الله عن إيران ويمنح الحكومة اللبنانية الموارد لبناء جيش قوي بما يكفي لمواجهته. لكنه اتفاق يحتاج إلى وفد إسرائيلي رفيع المستوى، أعلى من مستوى السفير في واشنطن، ويتطلب استعدادًا إسرائيليًا صادقًا لمساعدة الحكومة اللبنانية.

الحاجة الملحة لمثل هذا الاتفاق ليست فقط لوقف النزيف في الشمال، بل أيضًا لأن من يعتقد أنه يمكنه الحفاظ على حزام أمني في لبنان بثمانية ألوية قتالية، وحزام أمني في سوريا، وآخر في غزة، والدفاع عن الحدود مع الأردن، إضافة إلى 30 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية – فعليه أن يعيد التفكير.

الجيش البري الإسرائيلي مرهق، حتى لو لم يجرؤ رئيس الأركان قول ذلك للمستوى السياسي. الجيش متعب، يعاني من ضعف الانضباط، ومستواه المهني يتآكل بسبب غياب التدريبات والروتين الطبيعي.

ومن بين كل الجبهات المفتوحة، تبقى لبنان الساحة التي يمكن فيها التوصل إلى اتفاق يخلق واقعًا أفضل، وهو أمر ما زال في متناول اليد. هذا هو الوقت لتحقيقه ووقف النزيف.

——————————————

هآرتس 24/5/2026 

مقال “التايمز” مليء بالثغرات، لكن متى اجرينا تحقيق في شكاوى اغتصاب الاسرى؟

بقلم: غادي بيرل

قبل اسبوع ونصف نشر مقال لنيكولاس كريستوف في صحيفة “نيويورك تايمز”، وصف فيه اعتداءات جنسية واغتصاب ولواط مورس على فلسطينيين اعتقلهم جنود الجيش الاسرائيلي. تصعب قراءة الاوصاف، حيث يتضمن المقال تلخيص لمقابلات اجريت مع الضحايا، اضافة الى اقتباسات من تقارير لمنظمات مجتمع مدني.

هذا النشر اثار ردود فعل غاضبة من قبل حكومة اسرائيل. نفى كل المسؤولين الاسرائيليين هذه الادعاءات، بل ان بعضهم، بما في ذلك رئيس الحكومة، هددوا بمقاضاة الصحافي والصحيفة. يبدو ان الانتقادات في المقال، الذي زعم بانه تقرير استقصائي، مبررة بدرجة كبيرة. كريستوف روى رواية مقنعة، لكن ذلك يعود في المقام الاول الى مهارته في الكتابة. فالمقال نفسه مليء بالثغرات، واذا كان مدعوم بتحقيق دقيق وشامل تم فيه فحص الحقائق بشكل دقيق، فان ذلك لا يظهر فيه.

تفتقر الشهادات المقدمة الى الكثير من التفاصيل الفنية التي كان يمكنها تاكيد أو دحض ما جاء فيها: شكل الاعتقال، الاماكن التي مر فيها المعتقل، الاشخاص الذين اشتكى منهم والعلاج الذي حصل عليه. كل هذه التفاصيل كان يمكن ان توفر الدليل لايجاد ادلة تدعم روايته أو تدحضها. ايضا شهادات الاشخاص الذين اخبرهم بما حدث له كان يمكن ان تضفي المصداقية على روايته. لقد عملت كمحقق في الشرطة العسكرية، في الخدمة النظامية وفي الاحتياط، وتوليت مئات التحقيقات في شكاوى الفلسطينيين. هناك طريقة لجمع الشهادات، وهناك تفاصيل ضرورية اذا اردنا الوصول الى الحقيقة.

المقال لم يشر الى أي محاولة تواصل مع المشتبه فيهم أو الشهود المحتملين من جنود الجيش الاسرائيلي الذين خدموا في منشآت الاعتقال. لو أن كريستوف تواصل مع الجنود، لربما عرف عن عدم وجود كلاب للشرطة في منشأة الاعتقال، أو مثلا وجود توثيق فيديو للمكان. يمكن، كما حدث معي في بعض التحقيقات، أن يكون قد اكتشف وجود قدر كبير من الحقيقة في اقوالهم، وان الجنود ارتكبوا جرائم بالفعل. صحيح ان هذا يحدث على هامش الاحداث مثلما هي الحال في كل الجرائم، لكنه يحدث ولا يجب تجاهله. هنا ينتهي انتقادي لكريستوف، وعلينا الانتقال الى انتقاد سلوك الحكومة الاسرائيلية.

من الواضح ان مزاعم كريستوف تحتاج الى التدقيق من قبل شخص مطلع على الامر ويملك صلاحية التحقيق ويعرف كيف يجمع الادلة. هذه هي الطريقة الافضل لاستيضاح أي شكوى. اذا كان هناك احتمال ضئيل على ارتكاب الجنود لمثل هذه الاعمال الوحشية فلا بد من علاج ذلك. منشآت احتجاز الفلسطينيين هي اماكن نحتجز فيها المعتقلين لغرض الاستخبارات والاجراءات القانونية، وليست مكان يفرغ فيه الحراس نزواتهم الجنسية الشاذة. أنا اميل الى الايمان بان هذه الامور لم تحدث، لكن الايمان مكانه في الكنيس. في الواقع يتم استخدام هيئات تحقيق ويتم جمع ادلة.

المشكلة تكمن في ان سلوك الحكومة الحالي يصعب على تقديم الانتقاد على كريستوف. فقد قالت حكومة اسرائيل لسنوات امام كل العالم بان لديها هيئات تحقيق وانها قادرة على التحقيق في الادعاءات بنفسها. ولكن في السنوات الاخيرة اضرت الحكومة وممثلوها بهذه الهيئات وباستقلاليتها وقدرتها على كشف الحقيقة وجمع الادلة. لقد تلقى محققو الشرطة العسكرية الذين شاركوا في التحقيق في شكاوى الفلسطينيين تهديدات شخصية، وهذا مر بدون علاج. ايضا وصفت النيابة العسكرية بالخائنة بسبب فتحها ملف تحقيق. اختارت الشرطة عدم حماية القاعدة العسكرية التي يعتقل فيها مشبوهون باعمال اغتصاب، الذين تم احضارهم لمواصلة اعتقالهم، بل ان جهة مجهولة حرصت على اطلاق سراح المشتكي واعادته الى غزة، الامر الذي جعل اجراء المحاكمة أمر مستحيل، تعرضت جنرال في الجيش الاسرائيلي لاهانة كبيرة، والرسالة انتقلت الى كل المستويات.

التحقيق هو الطريقة الوحيدة للتاكد من الادلة التي قد تبدو غير معقولة. في السابق اجريت تحقيقات عن فلسطينيين تعرضوا للضرب اثناء الاعتقال، ووصلوا الى المحكمة وهم مصابون بكدمات بالغة، الامر الذي تطلب احالتهم الينا للتحقيق. كانت الشكاوى خطيرة. قدم الفلسطينيون شهاداتهم وقالوا فيها بان الجنود، اضافة الى الضرب، قاموا بالتبول عليهم. عند التحقيق مع الجنود نفوا في البداية الاتهامات، وبعد ذلك اعترفوا ببعض العنف وتم اعتقالهم الى حين توجيه لائحة اتهام لهم. لقد نفى الجنود بشدة مسالة التبول، ولم يتضح الا بعد مزيد من التحقيق ان احد الجنود سكب المياه من مطرته على احد المشتكين (يعرف كل من خدم في الجيش بان مياه المطرة غير صالحة للشرب، وفي العادة هي تكون مياه فاترة ولها رائحة كريهة). ويعرف كل محقق انه حتى عندما يقول الجميع الحقيقة، فان التحقيق يبقى أمر ضروري.     

نحن تنقصنا الادلة الكافية. يبدو مقال كريستوف وكانه حملة تشويه، وتوقيته القريب من نشر التقرير المتعلق بالاعتداءات الجنسية ضد مواطنين اسرائيليين في 7 تشرين الاول يبدو اكثر من مجرد صدفة. من جهة اخرى، لا يمكننا دحض مزاعمه تماما بسبب الضغوط الكبيرة التي تعاني منها اجهزة التحقيق في اسرائيل، ومشكوك فيه قدرتها على تقديم رد. الادلة والحقائق هي الاكثر اهمية الان، وليس مجرد المواقف السياسية والروايات. للأسف، لا يوجد من يقوم بالعمل المهني.

——————————————

هآرتس 24/5/2026 

نفوذ إسرائيل على ترامب قل وتسويته المتوقعة مع ايران لا تخدم مصالحها

بقلم: عاموس هرئيلِ 

لم ينته الامر بعد، لكن بدأت تلوح في الافق بوادر تقدم حقيقي في المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وايران. فبعد بضع ساعات على تصريح وزير الخارجية الامريكي ماركو روبيو عن “احراز بعض التقدم” في المفاوضات، اضافت مصادر في الادارة الامريكية المزيد من التفاصيل. ويجري الرئيس الامريكي دونالد ترامب مشاورات حول تسوية جديدة. وتشمل هذه التسوية، التي توسطت فيها باكستان، اقتراح بانهاء الحرب على الفور وفتح مضيق هرمز ومدة 30 يوم يتفاوض فيها الطرفان على اتفاق اوسع يشمل علاج قضية المشروع النووي الايراني.

لقد طالت حرب الخليج بالفعل اكثر بكثير مما توقع ترامب وفريقه في البداية، وتزداد اضرارها السياسية والاقتصادية على الولايات المتحدة. بالنسبة لاسرائيل اذا كان هناك جانب ايجابي في التصريحات الاخيرة للرئيس وكبار المسؤولين في الادارة فهو التصميم المتكرر على ان الولايات المتحدة لن تسمح لايران بانتاج السلاح النووي.

مع ذلك، نقل عن مصادر سياسية اسرائيلية مساء امس التعبير عن القلق من الاتفاق المتبلور. وتتعلق بعض هذه التحفظات بالخوف من ان يوافق ترامب على تقديم تنازلات مفرطة بشان القضية الرئيسية التي ما زالت تشغله، وهي القيود المفروضة على السلاح النووي (حيث بات واضح منذ فترة ان الامريكيين غير راضين عن طلبات اسرائيل، تقييد الصواريخ البالستية والمساعدة الايرانية لوكلاء ايران في ارجاء الشرق الاوسط).

لكن توجد هنا قضية اعمق، حيث حث رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مرارا على العودة الى حرب شاملة، ووعد بانهيار النظام في ايران اذا استخدم ضغط عسكري واقتصادي كاف على ايران. ويتحدث ترامب عن هجوم مشترك بين الولايات المتحدة واسرائيل على شاكلة الهجوم الذي اشعل فتيل الحرب قبل ثلاثة اشهر في 28 شباط الماضي.

ان التحرك الكثيف للطائرات القتالية والناقلات الامريكية الى اسرائيل في الفترة الاخيرة يشير الى ان جيش الدولتين ما زالا يستعدان لمثل هذا السيناريو.

لم تعد العلاقة بين الرئيس ترامب ونتنياهو تبدو وثيقة مثلما كانت في السابق. فقد صرح ترامب في منتصف الاسبوع الماضي بان نتنياهو “سيفعل كل ما اقوله له” فيما يتعلق بايران.

وفي هذا السياق يذكر اللقاء الاخير بينهما في 11 شباط الماضي، حيث زار رئيس الحكومة البيت الابيض واقنع الرئيس الامريكي بان هجوم مشترك للدولتين على ايران قد يؤدي الى اسقاط نظام الجمهورية الاسلامية بمساعدة المليشيات الكردية.

لم ينس ولم يغفر

تظهر عدة تقارير نشرت في وسائل الاعلام الامريكية في الاسبوع الماضي بان ترامب لم ينس وربما لم يغفر. من الواضح ان معظم هذه التقارير صادرة من داخل الادارة الامريكية. ومن بين ما جاء تقارير عن محادثة قصيرة ومتوترة بينهما في منتصف الاسبوع. حول النقص الشديد في صواريخ ثاد الامريكية الاعتراضية بسبب استخدام الولايات المتحدة المئات منها للدفاع عن اسرائيل من الصواريخ الايرانية، وقرار امريكا استبعاد اسرائيل من المفاوضات مع ايران وتقليص نفوذها، وخطة اسرائيلية لتنصيب الرئيس الايراني السابق محمود احمدي نجاد بدلا من المرشد الاعلى خامنئي، الاب والابن (يبدو ان جهة في واشنطن قررت بان ما كان لن يكون، وقد يتم حسم مصيره بسبب هذا التسريب).

القاسم المشترك بين كل هذه المنشورات هو الانطباع بتضاؤل نفوذ اسرائيل على حسابات ترامب. قد تنسى هذه الامور اذا تقرر مهاجمة ايران معا من جديد، لكن لا يجب تجاهل تداعيات ذلك بعيدة المدى. فقد وصل مستوى دعم اسرائيل في الحزبين الرئيسيين الامريكيين الى أدنى مستوى على الاطلاق.

ولا يقل خطرا عن ذلك ان المفاوضات بشان اتفاق المساعدات الامنية القادمة مع الولايات المتحدة ستبدأ بتحفظ كبير، بدءا من ترامب وانتهاء بأدنى مستوى، بشان الحفاظ على المساعدات عند المستوى الحالي (في عهد الرئيس اوباما تم الاتفاق على مساعدات بمبلغ 3.8 مليار دولار سنويا خلال عشر سنوات، وهذا الاتفاق سينتهي بعد سنتين).

هذا ما كتبه روبرت كاغان في مقال نشره في مجلة “ذي اتلانتيك” في نهاية الاسبوع الماضي. يعتقد كاغان، الذي يخشى من ان يسعى ترامب الى انهاء الحرب والانسحاب من الصراع، وان يأمر الرئيس بشن هجوم محدود ضد ايران “ليظهر بمظهر القوة ويلبي طلبات مؤيدي الحرب”. ولكنه يرى ان هذا سيكون فقط بادرة فارغة ستتبعها النهاية. ويؤكد ويقول بأن “الايرانيين سيدركون حقيقة الامر”.

اين سيضع هذا السيناريو اسرائيل؟ حسب كاغان “قد تثبت الحرب مع ايران بانها الضربة الاشد لامن اسرائيل في تاريخها القصير”.

ويرى انه على مسار التطور الحالي ستخرج ايران من الصراع اقوى بكثير مما كانت عليه عند دخول الحرب، وبنفوذ اقليمي اكبر، بفضل تحركاتها التهديدية في مضيق هرمز. وبالتالي، ستمتنع الدول الاخرى عن مواجهة ايران، وستجد اسرائيل نفسها اكثر عزلة من أي وقت مضى.

هذا تنبؤ متشائم جدا، ومن غير المؤكد تحققه، لكن على النقيض تماما من التصريحات العلنية لترامب ونتنياهو لا يبدو ان الامور تسير في صالح اسرائيل في الوقت الحالي.

——————————————

يديعوت احرونوت 24/5/2026 

قلق في إسرائيل بشأن وثيقة التفاهم بين الولايات المتحدة وايران

بقلم: رون بن يشاي 

إن سيل التقارير والتسريبات في الأيام الأخيرة حول المفاوضات الإيرانية الأمريكية مليء بالتضليل والأكاذيب والمصالح السياسية، وقليل من الحقائق. والأهم من ذلك، أنه يدل على تعدد الجهات التي تُحرك الأمور، ولكنه يُربك متلقي الأخبار العادي ويُبقيه في حالة من عدم اليقين المستمر والمقلق. ففي لحظة، يبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل على وشك مهاجمة إيران، وفي اللحظة التالية، يلوح في الأفق مسار للتفاهم بين إدارة ترامب وطهران. حتى ليلة السبت، يبدو أن الاتجاه السائد يتجه نحو التوصل إلى اتفاق، وأن احتمالية شن هجوم أمريكي قد انخفضت بشكل ملحوظ.

في الأيام الأخيرة، اتُخذت عدة قرارات في واشنطن بشن هجوم. أُبلغت إسرائيل بذلك، واستعد الجيش الإسرائيلي، ولكن في اللحظة الأخيرة، أُلغي الهجوم لصالح “فرصة أخرى للتفاوض”. ووفقًا لتقديرات مصادر مطلعة على ما يجري في الشرق الأوسط، يجري حاليًا تشكيل تفاهم مبدئي بين الأمريكيين والإيرانيين، بوساطة باكستانية وقطرية. هذا التفاهم ليس اتفاقًا شاملًا ينهي الحرب، بل هو وثيقة مبادئ – مذكرة تفاهم – من المفترض أن تكون أساسًا لمفاوضات أكثر تفصيلًا من المقرر أن تستمر 30 يومًا. وهذا تحديدًا ما يُقلق القادة في إسرائيل.

 المخاوف في إسرائيل

“إذا دخلتم غرفة المفاوضات مع الإيرانيين، فقد خسرتم!”، هكذا قال مصدر مطلع على الشؤون الإيرانية. لا يقتصر الخوف في القدس على ما نسميه “اتفاقًا سيئًا” يسمح لإيران باستعادة قدراتها النووية والصاروخية في غضون سنوات قليلة، ويقضي على إمكانية إسقاط النظام من قبل الشعب. بل يتعداه إلى أن رئيسا جديدا سيتولى الرئاسة بعد عامين، ما سيؤدي إلى تراجع التأييد الشعبي لإسرائيل، وكذلك السياسيين من كلا الحزبين في الولايات المتحدة. ونتيجة لذلك، ستلقى إسرائيل رفضًا سياسيًا قاطعًا، وحظرًا على الأسلحة وقطع الغيار، إذا ما رغبت في التحرك بشكل مستقل ضد التهديد الإيراني المتجدد.

وبالعودة إلى الوضع الراهن، فإن الدافع الرئيس وراء استعداد إيران للمضي قدمًا في أي اتفاق هو رغبتها في وقف الحرب. فهي لا تطالب فقط بوقف إطلاق النار، بل بالتزام أمريكي بوقف الحرب مع إيران بشكل كامل، وهو ما سيلزمنا نحن أيضًا. يبدو أن المتطرفين في طهران يدركون تمامًا أن الحصار الاقتصادي الذي تفرضه واشنطن، بالإضافة إلى موجة أخرى من الضربات الأمريكية الإسرائيلية، التي تستهدف بشكل رئيس البنية التحتية الاستراتيجية للطاقة الوطنية، قد يُعيق قدرة إيران على التعافي اقتصاديًا من المصاعب والأضرار التي خلّفتها وفاقمتها الحرب على مدى سنوات طويلة.

يهدد هذا الوضع بقاء النظام. كما أن هناك رغبة واضحة لدى واشنطن في وقف التصعيد. ويتعرض الرئيس ترامب وفريقه لضغوط اقتصادية وسياسية هائلة لإنهاء الحرب، ولذلك فانهم يُبدون اهتمامًا بالتوصل إلى اتفاق مؤقت يمنع المزيد من التدهور.

لقد كتب السيناتور ليندسي غراهام، المقرب من الرئيس ترامب، الليلة الماضية على حسابه في شبكة X: “إذا تم توقيع اتفاق على أساس الاعتقاد بأن مضيق هرمز لا يمكن الدفاع عنه ضد الإرهاب الإيراني، وأن إيران لا تزال قادرة على تدمير البنية التحتية النفطية الرئيسية في الخليج، فسوف تُصوَّر كقوة مهيمنة تتطلب حلًا دبلوماسيًا”.

بحسب قوله، “إن هذا المزيج، الذي يُنظر فيه إلى إيران على أنها قادرة على ترويع المضيق بشكل دائم، وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية النفطية في الخليج، يُشكل تغييراً جوهرياً في موازين القوى بالمنطقة، وسيكون كابوساً لإسرائيل على المدى البعيد. ويثير هذا تساؤلاً حول سبب اندلاع الحرب من الأساس. أنا شخصياً أشكك في فكرة استحالة منع إيران من ترويع المضيق، أو عجز المنطقة عن الدفاع عن نفسها ضد قدراتها العسكرية. من المهم أن ندرك هذا الأمر جيداً”.

 مطالب إيران

يُقدّم الإيرانيون ثلاثة مطالب رئيسة. أولها التزام أمريكي بوقف الحرب، ليس فقط في إيران، بل في لبنان أيضاً. أما المطلب الثاني فيتعلق بمضيق هرمز. تسعى طهران بشكل أساسي إلى اعتراف دولي بسيطرتها الاقتصادية على هذا الممر البحري الاستراتيجي، بما في ذلك حقها في تحصيل مبالغ مالية من السفن مقابل “خدمات أمنية”. ويُطلقون على هذا “الوضع الخاص في مضيق هرمز”. ترفض واشنطن هذا المطلب رفضاً قاطعاً، وتحظى بدعم الصين وقطر. لذا، يُتوقع ألا تحصل إيران على ما تُريد، بل ستتوصل إلى صيغة غير مُلزمة يقبلها الإيرانيون، مع علم جميع الأطراف المعنية في هذه القضية بأنها ستتمكن أيضاً من إغلاق المضيق مستقبلاً متى شاءت.

أما المطلب الثالث فهو الإفراج عن الأموال الإيرانية المُجمّدة في الغرب، والتي تُقدّر بنحو 24 مليار دولار. وتشير التقديرات إلى أن الإيرانيين يُبدون استعداداً مبدئياً للقبول بالإفراج الجزئي فقط، على أن يتم ذلك فوراً. في الوقت نفسه، يطالبون أيضاً بتعويضات عن أضرار الحرب، ولكن ثمة احتمال أن يدفع القطريون، وليس الأمريكيون، مبلغاً ما لطهران.

مطالب الولايات المتحدة

من جهة أخرى، يطالب الأمريكيون إيران بالتزام واضح بعدم امتلاكها أسلحة نووية. لا يمانع الإيرانيون من تقديم هذا الالتزام من حيث المبدأ. فهم يدّعون منذ سنوات أن برنامجهم النووي سلمي فقط، رغم أن جميع الحقائق على أرض الواقع تشير إلى أن هذا كذب صريح. لكن الأمريكيين طالبوا بأن تنص “مذكرة التفاهم” صراحةً على أن اليورانيوم عالي التخصيب سيغادر الأراضي الإيرانية. ويبدو أن طهران مستعدة لمناقشة تخفيف اليورانيوم المخصب إلى نسبة 60%، لكنها تُصرّ على أن يبقى جزء من هذه المادة – قريب من مستوى المواد الانشطارية اللازمة لرأس حربي نووي – على الأراضي الإيرانية. في الوقت الراهن، يبدو أن هذه المسألة ستُؤجل إلى المفاوضات التفصيلية التي ستُفتتح بعد توقيع مذكرة التفاهم.

لم يتضح بعد ما إذا كانت واشنطن ستوافق على اقتراح الوسطاء بأن تستمر إيران في تخصيب اليورانيوم بنسبة منخفضة تبلغ حوالي 3.67 في المئة، وبكمية محدودة. من وجهة نظر إسرائيل، يُعدّ هذا الأمر مصدر قلق بالغ: إذ يُنظر في اسرائيل إلى مجرد الموافقة على استمرار التخصيب على الأراضي الإيرانية على أنه يُبقي القدرة النووية في يد إيران. لم يُحسم بعد جوهر المسألة المبدئية، ويتركز النقاش الرئيسي حول ما إذا كان ترامب سيوافق على رفع العقوبات تدريجيًا مقابل التزامات إيرانية بشأن الملف النووي. 

الصواريخ الباليستية – خارج الإطار

هناك مسألة أخرى تُثير قلق إسرائيل، وهي أن مسألة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة لا تظهر إطلاقًا في الإطار الحالي للتفاهمات. يدّعي الأمريكيون أن هذه المسألة ستُناقش لاحقًا، لكن القدس تخشى تهميشها أو تجاهلها في المفاوضات المستقبلية.

يقود جهود الوساطة فعليًا رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير. خلال زيارته لطهران، التقى وزير الخارجية عباس عراقجي، والرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان قاليباف، لكنه لم يلتقِ بصناع القرار الفعليين في النظام. ويُعتقد أن أعضاء الحرس الثوري والدوائر المتطرفة، الذين يؤثرون أيضاً على المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، يفضلون البقاء بعيداً عن الأضواء، تاركين المجال للطبقة السياسية، التي يتسم قادتها بالاعتدال والخبرة في الدبلوماسية والعلاقات مع وسائل الإعلام الدولية، لتنفيذ سياساتهم ومخادعة الوسطاء.

ان عمل الجهات الإيرانية المستفيدة والداعمة ليس صعباً. ففي الولايات المتحدة، تتزايد الأصوات المعارضة لاستمرار القتال في الكونغرس. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن أقل من ثلث الناخبين الأمريكيين يؤيدون استمرار الحرب. ومع ذلك، إذا انهارت المفاوضات واستؤنف القتال، يبدو أن الأمريكيين والإسرائيليين هذه المرة سيكونون على استعداد للمضي قدماً، لا سيما نحو إلحاق أضرار واسعة النطاق بالبنية التحتية للطاقة الإيرانية.

الأهداف المتوقعة في حال استئناف القتال

حتى الآن، تجنّب الأمريكيون تمامًا إلحاق أضرار جسيمة بمنشآت إنتاج ونقل وتكرير ومعالجة النفط والغاز في إيران، خشية انهيار الاقتصاد الإيراني الذي يعاني أصلًا من أزمة هيكلية ووظيفية حادة. وتخشى واشنطن، عن حق، من أن يؤدي تدمير 40 في المئة من مصادر العمل والدخل في إيران إلى غضب شعبي قد يتجه ضد الغرب بدلًا من النظام.

حصلت إسرائيل على الضوء الأخضر من ترامب خلال حملة “زئير الأسد” لمهاجمة منشأتين أو ثلاث منشآت طاقة رئيسية لإظهار ما ينتظر الإيرانيين إن استمروا على نهجهم. ولكن عندما بدأت سحب سوداء من الدخان الكثيف تتجمع فوق مستودعات الوقود في طهران ومنشآت الغاز في جنوب إيران، انتاب واشنطن الذعر وطالبت بوقف الهجوم. ليست هذه المرة الأولى التي يستخدم فيها ترامب الجيش الإسرائيلي كأداة هجومية، ثم يسحب لجامه عندما تكون النتائج مُرضية للغاية. ولكن يبدو الآن أنه إذا قرر ترامب الهجوم، فسيستهدف البنية التحتية للطاقة.

إضافةً إلى ذلك، قد تُشنّ هجمات أخرى على منشآت الصواريخ ومصانع الصلب والصناعات البتروكيماوية المرتبطة بإنتاج الأسلحة. ورغم أن المعلومات التي تنشرها وسائل الإعلام الأمريكية الرائدة باستمرار تُشير إلى أن إيران قد استعادت بالفعل 70 في المئة من قدراتها الصاروخية والمسيّرة، وأنه لا جدوى من تكرار أعمالٍ نُفّذت سابقًا دون جدوى، فإن الولايات المتحدة تُؤكد أنه حتى من وجهة نظر عسكرية، لا أمل في شنّ هجوم آخر على إيران.

القدرات الإيرانية المتبقية

لكن وفقًا لمصادر مطلعة على الحقائق والأرقام، فإن الصورة مختلفة. في هذا السياق، يجب التمييز بين الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة الهجومية التي يصل مداها إلى مئات الكيلومترات، وبين الصواريخ والوسائل الأخرى التي يصل مداها إلى أكثر من 1300 كيلومتر والتي تُشكّل خطرًا علينا. لا تعاني إيران من نقص في الصواريخ والطائرات المسيّرة قصيرة المدى التي تُهدد دول الخليج العربي ومنشآتها النفطية أو القواعد الأمريكية على أراضيها. ومع ذلك، فيما يتعلق بالترسانة التي تُهددنا، يمكن القول إنه من بين أكثر من ألفي صاروخ باليستي بعيد المدى وطائرة مسيّرة هجومية، تم تدمير جزء كبير منها، وتم إطلاق بعضها، ولا يزال بعضها الآخر مُعطّلاً تحت الأرض.

أقل من نصف هذه الأسلحة ومنصات إطلاقها لا تزال صالحة للاستخدام، لكن الخطر على إسرائيل قد انخفض لأن قواعد الصواريخ وأنظمة إطلاقها وإنتاجها قد تم إخراجها من الخدمة لفترة طويلة، وقُتل أو جُرح جزء كبير من العاملين في هذه الأنظمة، بمن فيهم قادة. لذا، لا تزال إيران قادرة على شنّ هجمات علينا ودفعنا إلى اللجوء إلى الملاجئ، ولكن ليس بوتيرة كافية لتحييد أنظمة دفاعنا الصاروخي.

الجيش الإسرائيلي على أهبة الاستعداد لأي هجوم. أما فيما يتعلق بالعمليات الهجومية، فلدى الجيش الإسرائيلي خططٌ يستحيل الكشف عنها أو التلميح إليها لأسباب تتعلق بأمن المعلومات. على أي حال، تعتقد إسرائيل أيضاً أن مفتاح تحقيق أهداف الحرب مع إيران يكمن في إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية، مما سيؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار النظام. أما بالنسبة للمعلومات المنشورة في وسائل الإعلام الأمريكية، فيُقدّر أن بعض هذه التسريبات على الأقل مصدرها عناصر في جهاز الاستخبارات الأمريكي تعارض الحرب منذ البداية، وعلى رأسها رئيسة المخابرات الوطنية، تولسي غابارد، التي تعارض الحرب علناً. ولعل هذا هو السبب أيضاً وراء إقالة ترامب لها مؤخراً.

من وجهة النظر الإسرائيلية، تثير مذكرة التفاهم الناشئة مخاوف عميقة. تخشى القدس من أن الاتفاق لن يضمن بشكل قاطع تفكيك البرنامج النووي، ولن يحدّ من برنامج الصواريخ، ولن يكبح جماح أنشطة وكلاء إيران الإقليميين، وعلى رأسهم حزب الله والحوثيون.

لذا، من وجهة نظر إسرائيل، فإن الوضع المنشود ليس بالضرورة هجومًا فوريًا، بل استمرار الضغط الاقتصادي والاستراتيجي على إيران، إلى حين التوصل إلى اتفاق أكثر صرامة ووضوحًا يضع حدًا لطموحات إيران النووية والصاروخية، أو إلى حين استبدال النظام الحالي بنظام يوافق على التخلي طواعية عن هذه الطموحات المدمرة.

——————————————

يديعوت احرونوت 24/5/2026

إسرائيل تكتسب تدريجيًا سمات الدولة المنبوذة من المجتمع الدولي

بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين 

قد يبدو للوهلة الأولى أنه لا توجد صلة بين “فيديو الأسطول” الذي أنتجه بن غفير والذي هز العالم، وبين التهديدات الأوروبية الحادة التي تصاعدت ضد إسرائيل في الأيام الأخيرة، ولا سيما تقييد واردات المنتجات القادمة من المستوطنات وفرض عقوبات على كبار المسؤولين الحكوميين، في ظل تزايد الانتقادات لتصاعد الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية. مع ذلك، في التصور الغربي، تنبع هذه الأمور من مصدر واحد: الشعور بأن تغييراً جذرياً يحدث في صورة إسرائيل وطابعها، مما يستدعي تحديث تعريف العلاقة معها.

قبل نحو عام، أُطلق تحذيرٌ شديد اللهجة من تسونامي سياسي قبيل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي شهدت قبلها وأثناءها اعترافًا دوليًا واسعًا بدولة فلسطينية بقيادة دول أوروبية. في إسرائيل، التي يحركها منذ السابع من أكتوبر مزيجٌ ضار من الأوهام (بعضها ذو طابعٍ خلاصي) والإيمان بضرورة استخدام القوة في كل زمان ومكان، يُستهزأ بهذا التحذير بالادعاء بأن السماء لم تسقط. والرد المفضل هو تأجيج كل ما يُعتبر عقبةً في طريق الغرب: توسع المستوطنات والإرهاب اليهودي يتصاعدان، مصحوبًا بمطالبات من مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى بإلغاء السلطة الفلسطينية وإخلاء الأراضي من الفلسطينيين.

كل هذا يعكس قصورًا في فهم السياقات وعجزًا عن التعلم من الماضي الذي يُصرّ صناع القرار على عدم التحقيق فيه، وبالتالي، ليس من المستغرب أنهم يطورون مفاهيم جديدة تستند جزئيًا إلى بذور المفهوم نفسه الذي انهار في السابع من أكتوبر، بما في ذلك الادعاء بأن العالم قد سئم من الفلسطينيين وسيسمح لإسرائيل بتغيير الواقع بين البحر والأردن تغييرًا جذريًا. من المرجح أن يُقابل هذا التحذير بازدراء من قِبل أولئك الذين يعتقدون أن الأمر الوحيد المهم هو موقف ترامب (مع أنه أظهر تقلبًا في موقفه من القضية الفلسطينية، على سبيل المثال عندما ذكر مصطلح “الدولة الفلسطينية” في قرار أصدره في مجلس الأمن بشأن الاستيطان في غزة)، أو أنه لا يكترث إطلاقًا لما يقوله العالم، وهي حجة شائعة بين مؤيدي مبدأ “شعب وحده يسكن” و”بعون الله سيكون كل شيء على ما يرام”.

 لكن في الواقع، لا شيء يسير على ما يرام هذه المرة: فإيطاليا، الصديقة المقربة لإسرائيل، تتصدر الانتقادات الموجهة لمعاملة المشاركين في أسطول الحرية (وخاصة الشكاوى من العنف الشديد)، وألمانيا (صديقة مقربة أخرى) تتخذ موقفًا أكثر صرامة من ذي قبل، والمجر، بعد أوربان، لم تعد حصنًا منيعًا ضد التحركات ضد إسرائيل في الاتحاد الأوروبي، وهولندا حظرت استيراد البضائع المنتجة في المستوطنات والقدس الشرقية، وفرنسا والسويد تخططان لتقديم قرار مماثل في مؤسسات الاتحاد الأوروبي. إسرائيل وان لم تكن على وشك الطرد من المجتمع الدولي، لكنها تكتسب تدريجياً سمات الدولة المنبوذة.

ومن المؤشرات التحذيرية الخطيرة بشكل خاص، التقرير الذي يفيد بأن محكمة الجنايات الدولية في لاهاي تعتزم إصدار مذكرات توقيف بحق مسؤولين حكوميين وعسكريين كبار بتهم ارتكاب جرائم حرب. وقد أعلن سموتريتش، الذي ورد اسمه في القائمة، فوراً أن هذا القرار معادٍ للسامية، ويستدعي شن حرب على السلطة الفلسطينية، ووقع أمراً بإخلاء خان الأحمر، موضحاً أن خطواته تهدف إلى “مصلحة جميع المواطنين الإسرائيليين، وتُتخذ باسمهم ولضمان سلامتهم وأمنهم في مواجهة تهديد حقيقي، بهدف أساسي هو جعل مشروع الاستيطان غير قابل للتراجع”. ولم يقف رؤساء الدول الغربية مكتوفي الأيدي، فأصدروا بياناً مشتركاً حذروا فيه من أن الشركات الإسرائيلية التي ستُعمل في منطقة E1، وهي خطوة أخرى حاسمة وقعها سموتريتش، ستُخاطر بانتهاك القانون الدولي. الرد الإسرائيلي التلقائي، الذي ربما كان فعالاً في وقت من الأوقات، هو اتهام المنتقدين بمعاداة السامية، أو الضعف أمام تحدي الإسلام (من بين أسباب أخرى تتعلق بتعزيز القضية الفلسطينية)، أو التذمر من ضعف الدعاية. والحقيقة المحزنة هي أن الواقع نفسه معيب، وأنه لا سبيل لتفسير ما يشاهده المشاهدون حول العالم. إن القتل الوحشي وإصابة الفلسطينيين في الضفة الغربية، والمعاملة القاسية للحيوانات على أيدي المستوطنين، وضرب الراهبات وإذلالهن، وتدنيس الرموز المسيحية، والاحتفال بيوم القدس مع إلحاق أضرار جسيمة بالعرب وممتلكاتهم، مع التصريحات بضرورة إبادة عماليق، وتحقيق حدود الوعد، وبناء الهيكل – كل ذلك يُشكل وصفة لتكوين صورة لإسرائيل كجالوت متطرف وعنيف، بعيدة كل البعد عن الأسطورة القديمة لداود العادل والذكي.

في ظل الظروف الراهنة، بات العالم يتذكر مجزرة 7 أكتوبر بشكل أقل بكثير، وبالتأكيد لا ينظر إليها كوسيلة تسمح لإسرائيل باستخدام القوة باستمرار؛ بدأت بالتلاشي الانتقادات الموجهة إلى أساطيل الحرية، والتي كانت مصحوبة بعناصر معادية لإسرائيل والصهيونية، وغالبًا ما كانت تُظهر توترًا تجاه حماس؛ وتشير التقارير، كما في صحيفة نيويورك تايمز، إلى أن هذه الأساطيل لا تُحدث الصدمة التي كانت ستُحدثها في الظروف العادية.

وفي محاولتهم لتلفيق سردية معينة وإضفاء الشرعية على موقفهم في الداخل، يدّعي صناع القرار في إسرائيل، المتورطون في سلسلة الأحداث السلبية الأخيرة، أن هذا هجوم على جميع مواطني البلاد، وأنهم يمثلون “قيم وأهداف ومصالح الجميع”. يتطلب هذا الوضع من الرأي العام الإسرائيلي، أولًا، أن يُواجه الواقع بصدق (وخاصة الأحداث في الضفة الغربية)؛ ثانيًا، أن يفهم التداعيات الجماعية، لا سيما القيود المفروضة على المجالين الاقتصادي والعلمي (حيث لا يُنصح بالاعتماد على افتراض أنه، في ظل تصاعد الحروب في العالم، ستسعى جميع الدول إلى إقامة علاقة مع إسرائيل، التي تمتلك قدرات عسكرية هائلة، دون “الإثقال” غليها بالقضية الفلسطينية). وثالثًا – والأهم – التوضيح بأن هذا ليس نهج الدولة وأغلبية مواطنيها، بل نهج ائتلاف من قطاعات ذات رؤية متطرفة، تُفرض كسياسة على المستوى الوطني بسبب ظروف سياسية مضطربة، وهو وضع قد يتغير، بل ينبغي أن يتغير، بعد الانتخابات.

——————————————

معاريف 24/5/2026

المعركة على المنطقة E1: شركات تبني في المناطق ستدفع ثمنا باهظا

بقلم: ايلي لئون

في بيان مشترك واستثنائي في شدته نشرت يوم الجمعة سبع من الدول الغربية الرائدة – بريطانيا، فرنسا، المانيا، إيطاليا، كندا، استراليا ونيوزيلندا – تنديدا حادا لسياسة الحكومة في الضفة الغربية.

الإعلان، الذي نشر رسميا عن مكتب رئيس الوزراء البريطاني، يحذر من أن الوضع على الأرض يتدهور بشكل كبير في الأشهر الأخيرة ويشير الى مستوى “غير مسبوق” من عنف المستوطنين، على حد تعبيرهم.

في مركز الإعلان خطة البناء في المنطقة E1 التي تربط بين القدس ومعاليه ادوميم. وحسب البيان، فان تطوير هذه المنطقة سيقسم الضفة الغربية الى قسمين وسيشكل “خرقا جسيما للقانون الدولي”.

في استعراض لضغط اقتصادي واضح، اطلقت القوى العظمى تحذيرا مباشرا للقطاع التجاري: “على الشركات ان تمتنع عن التقدم باقتراحات لعطاءات البناء في المنطقة E1 او في مستوطنات أخرى. عليها أن تكون على علم بالتداعيات القانونية وبالضرر الذي سيلحق بسمعتها، بما في ذلك الخطر في أن تكون تشارك بخروقات جسيمة للقانون الدولي”.

يشار على أن المنطقة E1 توجد منذ سنين في قلب خلاف دولي عميق. بناء في هذه المنطقة التي تمتد على مساحة نحو 12 كيلو متر، تعتبره الاسرة الدولية كخط احمر لزعمها فانه يقطع التواصل الإقليمي الفلسطيني من وسط الضفة وجنوبها. حكومات إسرائيل على اجيالها دفعت قدما بخطط البناء في المنطقة لكنها جمدت المرة تلو الأخرى بضغط دولي. اما الان فان هذا الضغط يترجم الى تهديدات باجراءات قانونية ضد شركات تجارية تشارك في مشاريع في المنطقة.

ويشار الى أن النزاع والاستقطاب حول المناطق بقي احد المواضيع المركزية التي تحدد منظومة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين إسرائيل ودول أوروبا. فمعظمها ترى في المناطق أرضا محتلة ليست جزءاً من سيادة إسرائيل. وهي لا تعترف بشرعية المستوطنات وترى فيها عائقا مركزيا امام حل الدولتين.   

 ——————————————

هآرتس 24/5/2026 

لم يعد النقاش في اسرائيل حول حدود السلطة والاخلاق، بل حول المسموح رؤيته

بقلم: جاكي خوري

 لقد كشفت العاصفة الدولية التي اثارها التوثيق الذي نشره وزير الامن القومي ايتمار بن غفير – الذي يتفاخر فيه باهانة نشطاء اسطول غزة – كشف مرة اخرى حقيقة صعبة حول الخطاب الاسرائيلي الرسمي والاعلامي: هذا الخطاب لا يرى المشكلة في الافعال نفسها، بل في الكاميرا التي وثقتها.

سارع رئيس الحكومة ووزير الخارجية ومسؤولين آخرين الى التنصل من هذا التوثيق ليس لانهم صدموا من الاهانة أو الرسالة التي يحملها التوثيق المتباهي، بل لان فيلم الفيديو اضر بصورة اسرائيل. مرة اخرى تم الزعم بان هذا خطأ اعلامي، وكأن المشكلة تكمن في العلاقات العامة وليس في الواقع نفسه.

في نهاية المطاف ينظر الى نشطاء الاسطول من قبل كثيرين في المؤسسة الاسرائيلية بانهم “ارهابيين”. لذلك بالنسبة لهم لا تكمن المشكلة في المعاملة المهينة بحد ذاتها، بل في انكشاف هذه المشاهد لكل العالم. ومثلما حدث في سديه تيمان، وظهور ادلة على اساءة معاملة المعتقل الفلسطيني، فان الصدمة العامة لم تنبع من انتفاضة اخلاقية أو انتهاك قيم مثل حقوق الانسان والقانون، بل من تسريب الفيديو وما ترتب عليه من ضرر اعلامي.

هنا بالتحديد يكمن النفاق الصارخ. فقد دأبت اسرائيل الرسمية ووسائل الاعلام في السنوات الاخيرة على التصرف وكأن الاخلاق ليست قيمة بحد ذاتها، بل وسيلة للتوثيق. فاذا لم تكن هناك كاميرا فانه لا توجد مشكلة، واذا لم يكن فيلم فيديو فانه يمكن النفي أو الطمس أو التجاهل.

منذ سنتين يتم قصف قطاع غزة وتدميره وتجويعه بذريعة “الرد على مذبحة 7 اكتوبر”. لقد قتل اكثر من 70 الف شخص، بينهم عشرات آلاف الاطفال والنساء، واصيب اكثر من 170 ألف شخص، ويعيش 1.7 مليون شخص في مخيمات النازحين. لقد تم تدمير منطقة بالكامل وانهارت مستشفيات واصبح التجويع وسيلة حرب سافرة لا تخجل من نفسها. لم يثر أي شيء من ذلك صدمة أو غضب في المجتمع اليهودي الاسرائيلي، ليس بسبب جهل الناس، بل لان معاناة الفلسطينيين بقيت بعيدة، غامضة وغير مرئية.

ان صدمة توثيق المذابح التي ينفذها المستوطنون في الضفة الغربية لا تنبع من العنف الدموي نفسه، بل من نشر الفيديو نفسه. وينطبق نفس الامر على لبنان حيث تندلع عاصفة عندما يتم تدمير تمثال للسيد المسيح أو يتم تخريب كنيسة لوجود فيديو. أما عشرات القرى الشيعية التي محيت فلا تتم رؤيتها.

ان الرسالة التي توجهها المؤسسة الاعلامية والرأي العام ليست “لا تقوموا بايذاء الابرياء والجيدين”، بل هي “لا توثقوا”. استمروا في التدمير والاهانة والتجويع والقمع والقتل والسحق، لكن لا تنشروا ذلك في الانترنت. لا تزودوا العالم بوثائق تصعب تفسير هذه الافعال. هذه هي النقطة الاكثر اثارة للصدمة في قضية بن غفير واسطول الحرية. لو انه لم تكن وثائق، ولم يكن الوزير متفاخر بافعاله ولم يقم بنشر الفيديو، هل كان سيحدث أي غضب؟ هل كان احد سيصدق الشهادات عن الاهانة والعنف؟. في سديه تيمان ايضا حاولوا في البداية التشكيك في مصداقية الشهادات، الى ان بدأت الصور والتسجيلات تظهر.

في نهاية المطاف لم يعد النقاش في اسرائيل منذ فترة طويلة حول حدود السلطة والاخلاق، بل حول حدود الكشف. ليس حول ما هو مسموح، بل حول ما هو مسموح رؤيته وما هو ممنوع تصويره.

——————————————

هآرتس 24/5/2026

الجرافات اقتحمت قرية الولجة في الفجر وبدأت في الهدم

بقلم: نعومي زوسمان

في الاسبوع الماضي تم استدعاءنا من جديد الى الولجة. دخلت الى القرية اربع جرافات بمرافقة عدة سيارات عسكرية وعدد من الاشخاص الذين يرتدون الزي العسكري وهم مسلحون من الرأس حتى اخمص القدم. ولان ذلك اصبح امر معتاد فان السؤال المطروح هو عند اقتحام القوات ليس “لماذا؟”، بل “الى أين؟”. الى أين سيذهبون الان، أي عائلة سيدمرون حياتها في هذه المرة؟. لانه لا يوجد للولجة مخطط هيكلي، وبدون مخطط هيكلي فانه لا توجد رخص بناء، وبدون وجود رخص بناء فان أي بناء، حتى شرفة أو مستودع، معرض للهدم. هذا امر بديهي.

ان كارثة التخطيط في القرى الفلسطينية داخل اسرائيل معروفة جيدا. ولكن حالة الولجة هي استثنائية، حتى في هذه المناطق المالوفة من الطرد والنهب. الولجة هي قرية صغيرة توجد جنوب القدس، تم اقتلاعها من مكانها في 1948 واعيد بناءها خارج الخط الاخضر، بعد ذلك تم ضمها لاسرائيل في العام 1967.

لكن عند اعداد خرائط الضم تم تقسيم القرية الى قسمين، هكذا ببساطة، جلس مسؤول معين وحرك المسطرة على الخارطة بدون معرفة المنطقة وبدون معرفة وجود القرية. فقام بتقسيمها الى قسمين، ضمت اسرائيل جزء منها وبقي الجزء الآخر في الضفة الغربية. في الواقع يمر الخط في اراضي القرية بشكل عشوائي، الى درجة وجود قطع اراضي قسمت بحيث أن بعضها اصبح في الضفة الغربية وبعضها في اسرائيل.

لكن لا حاجة الى الدخول الى التفاصيل. يكفي ان نعرف بانه منذ العام 1967 وحتى الان لم تكلف دولة اسرائيل نفسها عناء الدفع قدما، وبالتاكيد اقرار، مخطط رئيسي للقرية. لذلك تم منع البناء في كل اراضيها لمدة 59 سنة. قرية بالكامل تم تجميدها، ويطلب من سكانها حبس الانفاس وانتظار أن تتذكر الدولة وجودهم.

أو يمكنهم الرحيل بالطبع والتنازل عن اراضيهم وارث اجدادهم. لقد ولد الناس وتربوا وتزوجوا وانجبوا وشاخوا وماتوا. نشأ اولادهم وتزوجوا وانجبوا وهم الان يشيخون ويرون اولادهم يكبرون ويتزوجون وينجبون.

ثلاثة اجيال لم يسمح خلالها لاحد ببناء بيته بشكل قانوني على ارضه وارض اجداده، رغم انه لا احد ينفي ملكيته لهذه الارض، ورغم انه لا يوجد أي خلاف بين سكان القرية انفسهم حول هذا الامر. مع ذلك، كل من يتجرأ على بناء بيت بدون ترخيص يعرف بأنه يخاطر، لكنه يعرف ايضا، وهذا امر طبيعي، بانه لا يوجد أي خيار امامه. فالحياة تستمر والبيت ضروري للسكن.

على هامش الموضوع، لكن في مركز الحدث، تجدر الاشارة الى أن سكان الولجة يعملون منذ عشرين سنة واكثر على وضع مخطط رئيسي للقرية. بعد جمع عشرات آلاف الشواقل وتوظيف عدد من المخططين، قدموا بالفعل مخططين لهيئة التخطيط في اسرائيل. الاول تم رفضه ببساطة، والثاني ما زال قيد النقاش حتى الان منذ عشر سنوات تقريبا. في هذه الاثناء ما زال البناء ممنوع لانه بدون مخطط هيكلي.

في الاسبوع الماضي تم استدعاءنا من جديد الى الولجة، هذه المرة جاءت القوات لهدم بيت في المناطق ج في القرية الموجودة تحت مسؤولية الادارة المدنية. لكن في اساس الامر كما قلنا، هذا غير مهم وبحق. فالقرية هي نفس القرية ولا توجد رخص بناء. وصلت القوات. كان يصعب على الجرافات الحركة في القرية لان الطرق ضيقة ومنحدرة. كيف تغلبوا على هذه الصعوبة؟ دخلوا الى قطعة ارض خاصة وشقوا الطريق بين البيوت للوصول الى المكان. تجرأ احد سكان البيوت الذي سحقت ساحته تحت الجرافات على سؤالهم عن وجهتهم. فكان الرد قنابل الصوت. استمرت القوات في الطريق الى هدفها. اتخذت مواقعها وبدأت في عملية الهدم.

لقد تم تدمير هيكل مبنى من طابقين كان معد لاربع شقق بشكل كامل، بما في ذلك كل الالواح الخشبية التي كانت موجودة استعدادا لبناء الحيطان الداخلية. لقد اجتاحوا كل شيء، سحقوه، مزقوه ودمروه. وخلال ساعات العمل هناك جلست عائلات في بيوتها، صغار وكبار، وهم في حالة خوف شديد. صحيح ان بيوتهم نجت بشكل مؤقت، لكن من يعرف الى اين سيذهبون بعد ذلك؟ ربما سيصلون اليهم ايضا؟ من يعرف؟ هل ربما سيتم تدمير حياتهم اليوم ايضا؟.

لكن لا، بعد اربع ساعات من الدمار غادرت القوات من حيث جاءت، عادت الى بيت العائلة (الذي تمكنا من الوصول اليه)، وهددت من جديد بقنابل الصوت (من المؤكد انهم لو لم يروا وجوهنا اليهودية بوضوح بين ابناء العائلة لكانوا قاموا بالقاء القنابل بدون تمييز مثلما فعلوا عند دخولهم)، وواصلوا طريقهم وهم يسحقون ويمزقون ويدمرون حتى آخر ما بقي من الطريق المؤدي الى البيوت.

تركوا ولكنهم سيعودون، الى بيت آخر. الى عائلة اخرى. “كيف سنعيش هنا معا؟”، اشتكت الام وهو تبكي. “من أين لنا القوة؟”. في طريق خروجنا شاهدنا كتابات بالعربية على جدار الفصل، “يبدأ باليأس وينتهي بالأمل”.

——————————————

هآرتس 24/5/2026

هل تستحق اسرائيل 2026 موكب التحية السنوي في نيويورك؟ على ماذا بالتحديد؟

بقلم: جدعون ليفي

على مدى 62 سنة دأبت مدينة نيويورك على تقديم التحية لاسرائيل في كل ربيع. هذا بدأ بمسيرة للشباب، وبعدها سير دافيد بن غوريون في الجادة 5 وسط تصفيق المارة لتصبح منذ ذلك الحين مسيرة دعم سنوية، واكبر مظاهرة تعاطف مع اسرائيل في المدينة الاكثر يهودية في العالم، مع كل ما تنطوي عليه من الروحانية للحركة الصهيونية المؤيدة لاسرائيل في امريكا. في يوم الاحد القادم سيسيرون من جديد لتقديم التحية لاسرائيل، لكن المنظمين يقلقون: يتوقع ان يقل عدد المشاركين في هذه السنة، وقد اعدوا تفسير لذلك، بسبب فظائع معاداة السامية.

يا للسخرية. لا يوجد أي دليل اكبر على لامبالاتهم. اذا قل عدد المشاركين في المسيرة في هذه السنة فهذا بسبب ان كثيرين، حتى في الجالية اليهودية في نيويورك، لم يعودوا قادرين على تقديم التحية لدولة اسرائيل. هذه ليست هي اسرائيل. ولا يوجد دليل افضل من هذه المسيرات على عمى المؤسسة الصهيونية اليهودية وتعاطفها التلقائي مع اسرائيل: ستقام مسيرة التملق هذه من جديد في هذه السنة، بل هذه السنة ايضا ستشتد العاصفة من حولهم وستتواصل الابادة الجماعية، وسيقدمون التحية لاسرائيل.

اعلن رئيس بلدية نيويورك زوهر ممداني عن مقاطعته للمسيرة. الامر انتهى. هذه اول مسيرة في تاريخ هذه المسيرات لا يشارك فيها رئيس البلدية. بدأت الجالية اليهودية الاسرائيلية بالفعل بترديد هتافات معاداة السامية وكراهية اسرائيل، لكن في هذه السنة اكثر من أي سنة اخرى، علينا ان نسأل المشاركين: لماذا تسيرون؟ لمن تقدمون التحية؟ ومن تعانقون؟ هل تعتقدون وبحق وصدق ان اسرائيل 2026 تستحق مسيرة تاييد في منطقتكم؟ ولماذا بالتحديد؟.

ان اسرائيل التي ستقدمون لها التحية في الاسبوع القادم لا تستحق ذلك. فهي متورطة في عدة حروب في نفس الوقت، جميعها زائدة وملطخة بجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية، وتعمل اسرائيل على الاستمرار فيها الى اجل غير مسمى، خلافا لموقف الولايات المتحدة. ما الذي يستحق التحية هنا؟ هل تقدمون التحية لدولة قتلت اكثر من 70 الف شخص في قطاع غزة ودمرت ارضه بشكل كامل؟ هل تقدمون التحية لدولة قامت بتهجير ملايين الاشخاص في ارجاء الشرق الاوسط وجعلتهم بدون مأوى؟ دولة تسببت في اعاقة عشرات آلاف الاطفال ويتمهم؟ دولة تنتهك بوحشية آلاف المعتقلين الفلسطينيين ومئات من اصحاب الضمائر الذين حاولوا الوصول الى غزة على متن اسطول الحرية؟ دولة تدمر الان جنوب لبنان ايضا؟ من الذي تقدمون له التحية في العام 2026؟ كيف يمكنكم الاستمرار في المسيرة وكأن شيئا لم يكن؟ وكأن اسرائيل لم تكن مجرمة ولم تصبح دولة منبوذة في نظر كل العالم؟ وفي نيويورك فقط ستسيرون وانتم تلوحون باعلام اسرائيل، ألا تخجلون؟.

اهلا بكم ايها المتظاهرون الاعزاء. الوفد الوزاري الذي سترسله حكومة اسرائيل لمسيرتكم: الوزراء اسحق فاسرلوف وعميحاي الياهو واوفير سوفر، اثنان منهم ينتميان لحزب ايتمار بن غفير، وواحد لحزب بتسلئيل سموتريتش، يتنافسون فيما بينهم حول من هو اكثر عنصرية، ومن هو اكثر تمسكا بالمسيحانية. ستؤدون لهم التحية. ستغنون لاسرائيلهم. احدهم قال، الياهو: “الحكومة تسارع الى ابادة غزة. الحمد لله اننا نمحوا هذا الشر. غزة كلها ستصبح يهودية”. تحيتكم لالياهو – تحيتكم هي للابادة الجماعية الصريحة والعلنية. وبعد كل ذلك تستنكرون مقاطعة رجل حقوق الانسان ممداني مناسبتكم المقيتة هذه؟ لا يوجد في العالم من لديه ضمير حي الا ويقاطع مثل هذا الحدث الآن.

لقد تدفقت مياه كثيرة في نهر هيدسون منذ ان وطأت قدم بن غوريون ذلك المكان، وسفكت دماء بريئة كثيرة في الشرق الاوسط. ان اقامة هذه المسيرة في هذه السنة بمثابة صفعة على وجه معظم الامريكيين الذين يخافون من اسرائيل. ان هذا استخفاف صارخ بالقانون الدولي وقيم الاخلاق، وتجاهل مصير 2.3 مليون شخص يعيشون في خيام للسنة الثالثة على التوالي، بدون كهرباء أو مياه، بدون حاضر وبدون مستقبل، بدون أي شيء.

مسيرة تضامن في نيويورك؟ لقد حان الوقت لمسيرة تضامن مع المضطهدين في قطاع غزة وليس مع من يضطهدونهم.

—————-انتهت النشرة—————–

Share This Article