الجريمة المنظمة تتمدد: 8 رؤساء سلطات عربية تحت التهديد بسبب المناقصات

المسار : يواجه 8 رؤساء سلطات محلية عربية تهديدات بالقتل بمستويي الخطر 5 و6، في مشهد يعكس انتقال منظمات الإجرام من استهداف الأفراد والممتلكات إلى محاولة فرض نفوذها على المناقصات والميزانيات في السلطات المحلية.

في ظلّ تصاعد نفوذ الجريمة المنظمة داخل المجتمع العربي، بات رؤساء السلطات المحلية وموظفو البلديات والمجالس هدفًا مباشرًا للتهديدات ومحاولات الاغتيال، في مشهد يعكس انتقال منظمات الإجرام من استهداف الأفراد والممتلكات إلى محاولة فرض نفوذها داخل مؤسسات الحكم المحلي والسيطرة على المناقصات والميزانيات.

وبحسب بحث خاص أجراه “عرب 48″، يواجه 8 رؤساء سلطات محلية عربية تهديدات بالقتل بمستويي الخطر 5 و6، علمًا بأن المستوى السادس يُعد الأعلى والأشد خطورة، ويستوجب توفير حراسة شخصية مسلحة.

والرؤساء المهددون هم: رئيس مجلس طلعة عارة، رئيس مجلس كفر مندا، رئيس مجلس نحف، رئيس مجلس الشبلي – أم الغنم، رئيس مجلس جديدة المكر، رئيس بلدية عرابة، رئيس بلدية المغار، إضافة إلى رئيس بلدية رهط، الذي خُفّض مستوى التهديد بحقه إلى الدرجة الخامسة.

من مكان محاولة قتل رئيس مجلس جديدة المكر والقائم بأعماله

وخلال الأشهر الأخيرة، شهدت البلدات العربية تصعيدًا خطيرًا في استهداف رؤساء السلطات المحلية؛ ففي 7 آذار/ مارس الماضي، تعرّض رئيس بلدية عرابة، د. أحمد نصار، ورئيس اللجنة الشعبية في المدينة، د. أنور ياسين، لمحاولة قتل بإطلاق نار داخل محل تجاري، ما أسفر عن إصابتهما بجراح خطيرة آنذاك.

وفي 17 أيار/ مايو الجاري، أطلق مسلح ملثم استقل دراجة “سكوتر” النار على رئيس مجلس جديدة المكر المحلي، المهندس سهيل ملحم، والقائم بأعماله عبيد عبيد، أثناء خروجهما من حفل زفاف في البلدة، ما أدى إلى إصابة ملحم بجراح خطيرة، فيما أُصيب عبيد بجراح متوسطة.

ولا تقتصر دائرة الاستهداف على رؤساء السلطات المحلية، بل تمتد إلى كبار الموظفين والعاملين في البلديات والمجالس المحلية.

ففي عام 2023، قُتل مدير عام بلدية الطيرة، عبد الرحمن قشوع، بإطلاق نار، كما قُتل مهندس مجلس جديدة المكر المحلي، أدهم حمود، عام 2024، في جريمة مشابهة.

كما تعرّض موظفون في عدد من السلطات المحلية لاعتداءات وإطلاق نار وتهديدات مباشرة استهدفت منازلهم وممتلكاتهم، في ظل اتساع نفوذ الجريمة المنظمة داخل مؤسسات الحكم المحلي العربي.

“القائمة متشعبة وأوسع بكثير”

ويقول رئيس مجلس طلعة عارة، محمد جلال إغبارية، في حديثه لـ”عرب 48″، إن “ما نعرفه أن نحو 10 رؤساء سلطات محلية يواجهون درجات تهديد بمستوى 5 و6، لكن القائمة متشعبة وأوسع بكثير”.

ويضيف أن “التهديدات لا تقتصر على رؤساء السلطات المحلية فقط، بل تمتد إلى مهندسين ومحاسبين ومديري أقسام رفاه وموظفين كبار داخل السلطات المحلية”.

وأشار إغبارية إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه التهديدات “يبقى متداولًا بشكل غير رسمي، وغالبًا ما يُعرف عبر العلاقات الشخصية أو المتابعة الميدانية، لا من خلال إعلان رسمي واضح من الشرطة أو الجهات المختصة”.

وبشأن مستويات التهديد، أوضح أن “درجة التهديد بمستوى 6 تعني أن التهديد أصبح ملموسًا واحتمال تنفيذ الاغتيال قائمًا”، مشيرًا إلى أن التصنيف يستند إلى تقييمات الشرطة والجهات المسؤولة عن حماية الشخصيات المهددة.

وأضاف أن “الدرجات الأولى، وتحديدًا الدرجة 3، تتعلق بتحذيرات عامة وأخذ الحيطة، لكن عند الوصول إلى الدرجتين 5 و6 تصبح التهديدات عملية وملموسة، وتستوجب فرض حراسة دائمة على رئيس السلطة المحلية ومنزله”.

وقال إغبارية “بعد إطلاق النار عليّ، أصبحت التهديدات عملية وليست نظرية”، مضيفًا أنه تولى منصبه وهو مصنف بدرجة تهديد 4، قبل أن يرتفع التصنيف بعد إلقاء قنبلة على منزله بواسطة طائرة مسيّرة.

وأوضح أن حياته اليومية أصبحت مرتبطة بالحراسة والإجراءات الأمنية المستمرة، مضيفًا أن “العيش تحت الحراسة ليس مريحًا أبدًا”.

وتابع: “أعيش منذ فترة طويلة تحت حماية أمنية متواصلة، مع وجود حراسة دائمة قرب المنزل وحارس شخصي يرافقني في كل تحركاتي خارج البيت”.

وأضاف أن هذا الواقع “ينعكس على الحياة الاجتماعية والعائلية، بدءًا من المناسبات الخاصة وصولًا إلى الزيارات العائلية”، مشيرًا إلى أن “غياب الخصوصية هو أحد أصعب جوانب هذه الحياة”.

“المناقصات والميزانيات هي الهدف الأساسي”

وربط إغبارية بين تصاعد التهديدات وبين الصراع على المناقصات والميزانيات داخل السلطات المحلية. وقال إن “العطاءات والمناقصات والميزانيات هي الهدف الأساسي”، موضحًا أن “منظمات الإجرام تنظر إلى السلطات المحلية باعتبارها مركزًا ماليًا ضخمًا يمكن السيطرة على جزء من موارده”.

وأضاف أن “التدخل يبدأ غالبًا عند طرح المناقصات أو تنفيذ المشاريع، حيث تحاول جهات مختلفة فرض نفوذها أو التأثير على القرارات داخل المجالس المحلية”.

واعتبر إغبارية أن “الصراع لا يتعلق فقط بالسيطرة السياسية، بل أيضًا بالتحكم بالميزانيات والعطاءات وما يرافقها من مصالح اقتصادية ضخمة”.

وأشار إلى أن “المؤلم أن الذين يهددوننا هم أولاد بلدنا، وليسوا غرباء”، مضيفًا أن الكثير من رؤساء السلطات المحلية “جاءوا بخلفيات مهنية وأكاديمية مستقرة، وكان بإمكانهم الاستمرار في أعمالهم الخاصة بعيدًا عن الضغوط والمخاطر، لكنهم اختاروا العمل العام بدافع خدمة المجتمع”.

وقال رئيس مجلس طلعة عارة، إن “الناس اليوم تعيش في حالة رعب حقيقية”، مضيفًا أن الأزمة “لم تعد محصورة بجرائم القتل فقط، بل بالخوف الذي بات يسيطر على الحياة اليومية داخل المجتمع العربي”.

وأكد أن “السلطات تمتلك الإمكانيات لمواجهة الجريمة، لكن الواقع الحالي يوحي وكأن هذه الفوضى تُترك لتتعمق وتتوسع داخل المجتمع العربي”.

“على الشرطة تغيير أسلوب تعاملها مع هذه الظاهرة”

ومن جانبه، قال رئيس بلدية رهط، طلال القريناوي، لـ”عرب 48″: “أنا أيضًا واحد من المهددين، وكنت في درجة تهديد 6 قبل أن تُخفَّض إلى خمسة”.

وأضاف أن “الشرطة مطالبة بتغيير أسلوب تعاملها مع هذه الظاهرة”، معتبرًا أن الجهات التي تقف خلف التهديدات “تملك إمكانيات وقدرات كبيرة، إلى درجة توحي أحيانًا بأن نفوذها يتجاوز قدرة أجهزة إنفاذ القانون على الردع”.

وقال القريناوي “ليس سهلًا أن يعيش الإنسان مهددًا طوال الوقت”، مضيفًا أن وجود الحراسة “ليس أمرًا مريحًا، بل يكرّس الإحساس بأن الخطر دائم وقريب”.

وأضاف “لو كنت أعرف من يهددني، لذهبت إليه وواجهته”، موضحًا أن “التهديدات غالبًا ما تكون غامضة وغير واضحة المصدر”.

وأشار إلى أن بلدية رهط شهدت اعتداءات شملت إلقاء قنابل وإطلاق نار وتهديدات مباشرة، من دون معرفة الجهات التي تقف خلفها.

ورجّح القريناوي أن يتجاوز عدد رؤساء السلطات المحلية العرب المهددين “25 رئيس سلطة محلية”، معتبرًا أن الظاهرة “لم تعد استثنائية أو محدودة”.

التحول الأخطر

وفي قراءة أوسع للظاهرة، يقول المختص في علوم الإجرام، د. وليد حداد، لـ”عرب 48″، إن “النظرة إلى البلديات والمجالس المحلية في المجتمع العربي لم تكن يومًا محصورة بالخدمة العامة فقط، بل ارتبطت أيضًا بمصادر النفوذ والمال والمصالح العائلية والسياسية”.

وأوضح أن “السيطرة على السلطة المحلية كانت تعني عمليًا السيطرة على الوظائف والمناقصات والموارد”.

وأضاف أن “العائلة أو المجموعة التي كانت تفوز في الانتخابات، كانت تستحوذ أيضًا على التعيينات المركزية والمشاريع والخدمات المختلفة”.

وأشار حداد إلى أن هذا الواقع “كان جزءًا من البنية السياسية والاجتماعية في البلدات العربية منذ عقود”، في ظل ضعف مفاهيم الشفافية والرقابة.

واعتبر أن التحول الأخطر يتمثل في دخول منظمات الجريمة إلى الانتخابات المحلية بصورة مباشرة.

“بعض العصابات تنظر إلى الانتخابات كاستثمار مالي”

وقال حداد، إن “بعض العصابات باتت تنظر إلى الانتخابات كاستثمار مالي، إذ يجري دعم مرشح معيّن مقابل وعودات بمناقصات ومصالح مستقبلية بعد الفوز”.

وأضاف أن “الذي يدعمك في الانتخابات لا يفعل ذلك مجانًا، وفي النهاية يطالب بالفاتورة”.

وأوضح أن الدعم قد يأخذ أشكالًا مختلفة “من التخويف والترهيب إلى التمويل والحشد الانتخابي”، مقابل الحصول لاحقًا على مناقصات أو تعيينات أو تسهيلات داخل السلطة المحلية.

وأشار حداد إلى أن “السلطات المحلية أصبحت بالنسبة للعصابات مخزنًا ماليًا ضخمًا”، في ظل غياب المشاريع الاقتصادية الكبرى داخل المجتمع العربي.

وقال إن “بعض مناقصات القمامة تصل إلى خمسين مليون شيكل”، معتبرًا أن هذا النوع من المشاريع يشكل “هدفًا رئيسيًا لمنظمات الجريمة بسبب الأرباح الضخمة الممكنة منه”.

وأضاف حداد، أن بعض الجهات “لا تحتاج بالضرورة إلى امتلاك شركة مقاولات، بل يكفي أن تضمن التأثير داخل لجنة المناقصات أو لدى مسؤولين مركزيين داخل البلدية”.

كما تحدث عن تلاعب بالأوزان والكميات والطمر غير القانوني للنفايات، مشيرًا إلى أن “جزءًا كبيرًا من الأرباح يتحقق عبر التحايل في تنفيذ مشاريع القمامة والنفايات”.

وأضاف أن بعض المقاولين “يسجلون كميات نفايات أكبر من الواقع، أو يدفنون جزءًا منها بشكل غير قانوني في مناطق مفتوحة بدل نقلها إلى مواقع الطمر النظامية”.

وانتقد حداد طريقة تعامل السلطات الرسمية مع الملف، قائلًا إن الدولة “تجمد أحيانًا المشاريع بدل ملاحقة المجرمين”.

وأضاف أن “قتل رئيس بلدية أو مدير عام بلدية أو مهندس مجلس محلي لم يكن أمرًا مألوفًا في السابق”، معتبرًا أن ما يجري اليوم “نتيجة سيرورة طويلة من التغلغل داخل الحكم المحلي”.

وختم حداد بالقول، إن “المجتمع العربي بحاجة إلى نقد ذاتي حقيقي”، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات المحلية المقبلة، متسائلًا: “هل تُدار ميزانيات السلطات المحلية باعتبارها ملكًا للناس، أم باعتبارها غنيمة لمجموعات ومصالح ضيقة؟”.

 

المصدر … موقع عرب 48

Share This Article