المسار : كشفت دراسة حديثة صادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية “مدار”، أعدها الباحث وليد حباس، أن “إسرائيل” تواصل استخدام الضفة الغربية كموقع رئيسي للتخلص من النفايات الخطرة والإلكترونية، في سياسة وصفتها الدراسة بأنها نموذج صارخ لـ”الاستعمار البيئي”، حيث تُنقل أضرار التلوث إلى الأراضي الفلسطينية فيما تُحافظ المستوطنات الإسرائيلية على بيئة أكثر أماناً وتنظيماً.
وأوضحت الدراسة، وصل نسخة منها لـ”قدس برس” اليوم الثلاثاء، أن “إسرائيل” تنقل سنوياً مئات آلاف الأطنان من النفايات المختلفة إلى الضفة الغربية، بما في ذلك النفايات الطبية، والطين الناتج عن معالجة مياه الصرف الصحي، والزيوت المستعملة، والمذيبات الكيميائية، والبطاريات، والنفايات الإلكترونية، إضافة إلى مخلفات صناعية أخرى تُصنف ضمن النفايات الخطرة.
وأكدت أن ما يقارب 350 ألف طن من النفايات الخطرة يتم تحويلها سنوياً من داخل “إسرائيل” إلى منشآت معالجة ومكبات تقع في المستوطنات المقامة على أراضي الضفة الغربية، مستفيدة من معايير بيئية أقل صرامة مقارنة بتلك المفروضة داخل “إسرائيل”.
وقالت الدراسة إن هذه السياسة تجعل من الأراضي الفلسطينية “ملاذاً بيئياً” للنفايات الإسرائيلية، حيث يتم تصدير الأضرار البيئية والصحية إلى المناطق الفلسطينية، بينما تستفيد الشركات الإسرائيلية من انخفاض تكاليف التشغيل والمعالجة، فضلاً عن حصولها على إعفاءات ضريبية ودعم حكومي.
كارثة النفايات الإلكترونية جنوب الخليل
وسلط التقرير الضوء على ظاهرة حرق النفايات الإلكترونية في جنوب محافظة الخليل، والتي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أخطر بؤر التلوث البيئي في المنطقة.
وأشار إلى أن أربع بلدات فلسطينية هي: بيت عوا، وإذنا، والكوم، ودير سامت، أصبحت مركزاً رئيسياً لاستقبال النفايات الإلكترونية القادمة من إسرائيل، حيث يتم سنوياً نقل نحو 40 ألف طن من هذه المخلفات إلى تلك المناطق.
وبحسب الدراسة، فإن شبكات اقتصادية واسعة تعمل في هذا القطاع غير المنظم، وتوفر أكثر من ألف فرصة عمل مباشرة وتدعم نحو 380 مشروعاً اقتصادياً، بينما تدر أرباحاً تقدر بنحو 28.5 مليون دولار سنوياً.
غير أن هذه المكاسب الاقتصادية المحدودة، وفق الدراسة، تأتي على حساب صحة السكان والبيئة، إذ يؤدي حرق الأسلاك والأجهزة الإلكترونية لاستخراج المعادن الثمينة إلى إطلاق كميات كبيرة من المواد السامة والمعادن الثقيلة والغازات الملوثة التي تتسرب إلى الهواء والتربة والمياه الجوفية.
وأضافت الدراسة أن هذه المحارق تقع غالباً في المناطق المصنفة “ج”، حيث تمنع “إسرائيل” السلطة الفلسطينية من ممارسة صلاحياتها الكاملة، فيما لا تبذل سلطات الاحتلال جهوداً جدية لمنع عمليات التهريب أو تنظيمها.
خسائر بمليارات الشواكل
وحذرت الدراسة من أن التكاليف الصحية والاقتصادية الناجمة عن تلوث الهواء الناتج عن حرق النفايات في الضفة الغربية قد تصل إلى نحو 9.1 مليار شيكل خلال الفترة الممتدة بين عامي 2023 و2030.
وبيّنت أن الخسائر خلال عام 2022 وحده تراوحت بين 880 مليون شيكل و1.3 مليار شيكل، نتيجة ارتفاع النفقات الصحية وتراجع الإنتاج الزراعي وتلوث البيئة والموارد الطبيعية.
كما أشارت إلى أن الفلسطينيين يواجهون أزمة متفاقمة في إدارة النفايات ومعالجة مياه الصرف الصحي، في ظل القيود الإسرائيلية المستمرة على تطوير البنية التحتية البيئية الفلسطينية.
ووفق الدراسة، فإن نحو 700 ألف فلسطيني لا يحصلون على خدمات منتظمة لجمع النفايات، ما يدفع إلى التخلص منها بطرق عشوائية أو حرقها، وهو ما يفاقم مستويات التلوث البيئي في مختلف مناطق الضفة الغربية.
توظيف الأزمة لتوسيع السيطرة الإسرائيلية
ورأت الدراسة أن “إسرائيل” لا تكتفي بخلق الأزمة البيئية، بل تسعى إلى استغلالها لتبرير توسيع تدخلها في المناطق الفلسطينية.
وفي هذا السياق، أشارت إلى تقرير قدمته جمعية “يروك أخشاف” اليمينية الإسرائيلية أواخر عام 2024 إلى وزارة حماية البيئة الإسرائيلية، حمّل الفلسطينيين مسؤولية التدهور البيئي في الضفة الغربية، ودعا إلى توسيع تطبيق القوانين الإسرائيلية حتى في المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية.
ولفت التقرير إلى أن بعض الجهات الاستيطانية تستخدم المخاطر البيئية الناتجة عن سياسات الاحتلال نفسها ذريعة للمطالبة بفرض مزيد من السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية.
كما كشف تقرير لمراقب الدولة الإسرائيلي عام 2024 عن وجود 123 موقعاً غير قانوني لحرق النفايات في الضفة الغربية تتسبب انبعاثاتها، بفعل حركة الرياح، في انتقال التلوث إلى داخل إسرائيل.
الضفة.. مزبلة لنفايات الاحتلال
وتشير تقارير حقوقية وبيئية فلسطينية ودولية إلى أن استخدام الأراضي الفلسطينية المحتلة كموقع للتخلص من النفايات الإسرائيلية يعود إلى سنوات طويلة، لكنه تصاعد بصورة ملحوظة خلال العقدين الأخيرين مع توسع المستوطنات والمنشآت الصناعية الإسرائيلية في الضفة الغربية.
وتؤكد منظمات حقوق الإنسان أن إسرائيل تتبع سياسة تقوم على نقل الصناعات والمنشآت الملوثة ومرافق معالجة النفايات إلى الأراضي المحتلة، مستفيدة من غياب السيادة الفلسطينية الكاملة على المناطق المصنفة “ج” ومن القيود المفروضة على قدرة السلطة الفلسطينية على تطوير بنى تحتية بيئية متكاملة.
وتحذر تقارير بيئية من أن هذه السياسة أدت إلى تلوث مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الفلسطينية، وتهديد مصادر المياه الجوفية، وزيادة معدلات الأمراض المرتبطة بالتلوث، خاصة في المناطق القريبة من محارق النفايات الإلكترونية ومكبات النفايات الصناعية.
كما تؤكد مؤسسات فلسطينية أن الاحتلال يمنع إقامة العديد من مشاريع معالجة النفايات ومحطات تنقية المياه الفلسطينية، في الوقت الذي يواصل فيه توسيع منشآت معالجة النفايات المرتبطة بالمستوطنات، ما يعمق الفجوة البيئية بين الفلسطينيين والمستوطنين، ويحول التلوث إلى أداة إضافية من أدوات السيطرة على الأرض والموارد الفلسطينية.

