المسار : نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” افتتاحية أعلنت فيها أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خسر هذه الحرب مع إيران، وذلك تعليقا على الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران لوقف الحرب، بما في ذلك رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية وإعادة فتح مضيق هرمز، ثم التفاوض على ملف إيران النووي واليورانيوم المخصب والأموال الإيرانية المجمدة.
ورغم ترحيب الصحيفة بالاتفاق المبدئي للرئيس ترامب باعتباره خطوة إيجابية لوقف الحرب المستمرة منذ أربعة أشهر، فإنها أشارت إلى عدد من الحقائق التي وصفتها بالمريرة.
وقالت إن أولى هذه الحقائق تتمثل في الخطأ الفادح الذي ارتكبه ترامب بشن الحرب بتهور وتحدٍ للقانون، معتبرة أن الولايات المتحدة خرجت منها أضعف عسكريا ودبلوماسيا واقتصاديا، وأنها ستدفع ثمن ذلك استراتيجيا خلال السنوات المقبلة.
ورغم عدم وضوح تفاصيل الاتفاق، رأت الصحيفة أن الإطار المعلن يكشف عن بعض الشروط التي حققها ترامب وأصر عليها، لكنه في المحصلة يمثل هزيمة له وللولايات المتحدة.
وأشارت إلى أن ترامب أكد في بداية الحرب أن الولايات المتحدة ستحقق “نصرا كاملا وشاملا”، وأن على إيران الموافقة على “استسلام غير مشروط”، ملمحا إلى إمكانية تغيير النظام.
كما قال إنه لن يسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم، وإن الولايات المتحدة بالتعاون مع إيران ستعمل على استخراج وإزالة جميع المواد النووية شبه المخصبة المدفونة في أعماق الأرض.
لكن الصحيفة اعتبرت أن أيا من هذه التصريحات لم يتحقق؛ إذ لا تزال الحكومة الإيرانية المتشددة في السلطة، فيما ستناقش تفاصيل الاتفاق النووي خلال الشهرين المقبلين، مرجحة أن تكون بنوده مشابهة لاتفاق عام 2015 الذي تفاوضت عليه إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما وألغاه ترامب عام 2018.
وأضافت أن ترامب سبق أن وصف اتفاق أوباما بأنه “أسوأ اتفاق في التاريخ”، معتبرا أنه وضع إيران على طريق امتلاك سلاح نووي، كما انتقد عدم إجبار إيران على وقف دعم جماعات مسلحة مثل حماس و”حزب الله”، وتخفيف العقوبات الاقتصادية عنها، إلا أن الحرب التي خاضها قد تقوده في النهاية إلى اتفاق مشابه.
وترى الصحيفة أن أبرز ما حققه ترامب يتمثل في إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة العالمية، بما يسهم في خفض أسعار الطاقة والسلع، لكنها اعتبرت أن ذلك لا يمثل إنجازا بحد ذاته، بل عودة إلى الوضع الذي كان قائما قبل الحرب.
وأضافت أن إيران أغلقت المضيق بهدف الضغط على الاقتصاد العالمي وزيادة الضغط السياسي على الولايات المتحدة، ونجحت بذلك، ما جعل قادتها يدركون امتلاكهم أداة ضغط اقتصادية فعالة.
وخلصت الصحيفة إلى أن إيران خرجت، من منظور استراتيجي، أكثر استفادة من حرب الأشهر الأربعة، رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها في قواتها البحرية والجوية وقدراتها العسكرية وقيادتها السياسية، بما في ذلك مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في اليوم الأول للحرب، معتبرة أن انتهاء الحرب أتاح للقيادة الإيرانية البدء بإعادة بناء نفسها.
وفي المقابل، قالت إن الولايات المتحدة بدت أضعف أمام العالم، بعدما أظهر جيشها عجزا عن حسم المواجهة مع خصم أصغر، رغم استنزاف كميات كبيرة من الصواريخ الدقيقة والطائرات الاعتراضية، الأمر الذي يضعف قدرتها على ردع خصوم محتملين.
ورأت الصحيفة أن إصلاح هذا الضرر يتطلب إعادة بناء التحالفات الأمريكية في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، إلى جانب تحديث وزارة الدفاع الأمريكية والاستعداد لحروب المستقبل، لكنها استبعدت تحقق ذلك في عهد ترامب.
وأشارت إلى أنه قبل بدء الهجوم الأمريكي والاحتلال في 28 شباط/فبراير، كانت القيادة الإيرانية تعاني من وضع داخلي صعب، وكانت أضعف مقارنة بالفترة التي سبقت هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وأضافت أن الاحتلال تمكن لاحقا من تقليص نفوذ حماس و”حزب الله”، فيما سقط النظام السوري السابق المدعوم من إيران دون تدخل فعلي لإنقاذه.
كما اعتبرت أن الضربات الأمريكية وضربات الاحتلال كشفت محدودية منظومات الدفاع الجوي الإيرانية، في وقت واصل فيه الاقتصاد الإيراني تراجعه، بالتزامن مع احتجاجات داخلية واسعة واجهها النظام بالقوة.
ومع ذلك، قالت الصحيفة إن الحرب منحت إيران نفوذا لم يكن متاحا لها مع بداية عام 2026، إذ أثبتت قدرتها على الصمود، ولم تضطر للتخلي عن طموحاتها النووية، كما اكتشفت أن العالم لا يبدو مستعدا لاستخدام القوة لإعادة فتح مضيق هرمز.
وتساءلت الصحيفة: إذا قررت إيران إغلاق المضيق مجددا خلال الأشهر أو السنوات المقبلة، فكيف سيكون رد ترامب؟
ورغم ذلك، شددت الصحيفة على أنها لا تزال تعتبر إيران دولة تمارس القمع الداخلي وتمول الإرهاب، وتفرض قيودا واسعة على الحريات.
وقالت إن هذه الوقائع كان يجب أن تدفع الولايات المتحدة إلى التفكير والتخطيط بعناية قبل الدخول في الحرب، مشيرة إلى أن تاريخ الحروب الأمريكية الحديثة في المنطقة مليء بحالات الغرور التي انتهت بالفشل.
وأضافت أن ترامب تجاهل التخطيط المدروس في جميع المراحل، واعتمد على تقديرات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الذي توقع سقوط النظام الإيراني بسرعة.
كما تجاهل، بحسب الصحيفة، آراء مساعديه وتحفظات الحلفاء الأوروبيين والآسيويين، ولم يحصل على موافقة الكونغرس، ولم يضع خطة لمواجهة احتمال إغلاق مضيق هرمز.
وختمت الصحيفة بالقول إن ترامب، نتيجة لهذه الأخطاء، وافق اليوم على إطار سلام يرى العالم أنه يمثل هزيمة له وانتكاسة للولايات المتحدة أيضا.

