المسار : مع اقتراب انتخابات الكنيست الإسرائيلي الـ26 المقرر إجراؤها في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تدخل الساحة السياسية الإسرائيلية مرحلة شديدة التعقيد، في ظل تحولات عميقة فرضتها الحرب التي اندلعت عقب 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وأعادت ترتيب موازين القوى داخل معسكري اليمين والمعارضة، بالتوازي مع أزمة متصاعدة في الساحة الحزبية العربية داخل أراضي عام 1948.
المشهد السياسي الحزبي في الـ 48
وتأتي الانتخابات المقبلة في ظل مشهد سياسي غير مستقر، تتداخل فيه الحسابات الانتخابية مع تداعيات الحرب والأزمات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية، بينما يسعى كل معسكر إلى إعادة بناء قوته وتحويل حالة الانقسام السياسي إلى أغلبية قادرة على تشكيل الحكومة المقبلة.
اليمين الإسرائيلي.. حكومة متشددة وحسابات ما بعد الحرب
تولى بنيامين نتنياهو رئاسة حكومة ائتلافية ضمت قوى اليمين المتشدد، وفي مقدمتها بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، وسط توجهات سياسية وأمنية دفعت باتجاه تكثيف الاستيطان في الضفة الغربية، والدفع بمشاريع ضم الأراضي المحتلة، إلى جانب سياسات تستهدف تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي في النقب والجليل.
كما شهدت الفترة السابقة على الحرب مواجهة داخلية حادة حول مشروع التعديلات القضائية، الذي فجّر احتجاجات واسعة داخل المجتمع الإسرائيلي، وكشف عن انقسام عميق حول طبيعة النظام السياسي وحدود صلاحيات الحكومة والمحكمة العليا.
ثم جاء هجوم 7 أكتوبر ليحدث تحولًا كبيرًا في المشهد الإسرائيلي، بعدما انتقلت الخلافات الداخلية إلى خلفية المشهد أمام حرب طويلة ومتعددة الجبهات، وما رافقها من أزمات سياسية وأمنية واحتجاجات ومطالبات بتحمل المسؤولية عن الإخفاقات التي سبقت الهجوم.
المعارضة.. إعادة تشكيل وتنافس على إسقاط نتنياهو
لم تبقَ الخريطة الحزبية في معسكر المعارضة على حالها، إذ شهدت السنوات الأخيرة عمليات اندماج وتشكيل أطر سياسية جديدة، في محاولة لإعادة تنظيم القوى المناوئة لنتنياهو واليمين.
ومن أبرز التحولات تأسيس حزب “الديمقراطيون” عبر اندماج حزبي العمل وميرتس، بقيادة يائير غولان، في محاولة لإعادة بناء اليسار الصهيوني ضمن إطار سياسي أكثر تماسكًا.
كما برزت محاولات أخرى لتشكيل أطر جديدة في مركز الخارطة السياسية، من بينها مشاريع سياسية مرتبطة بشخصيات مثل نفتالي بينيت ويائير لبيد، إلى جانب تحركات غادي آيزنكوت، بما يعكس حالة السيولة الحزبية داخل معسكر المعارضة.
وتحاول هذه القوى استقطاب الناخب الإسرائيلي الباحث عن بديل لنتنياهو، إلا أن تعدد الأحزاب والشخصيات والتباين في الرؤى بشأن الحرب ومستقبل العلاقة مع الفلسطينيين يجعل تشكيل جبهة سياسية موحدة تحديًا مستمرًا.
فلسطينيّو الداخل.. معركة سياسية في ظل تضييق متصاعد
على الجانب الآخر، يدخل فلسطينيو الداخل انتخابات الكنيست المقبلة في ظروف أكثر صعوبة، في ظل تصاعد سياسات التمييز والتشريعات المقيدة لحرية التعبير والعمل السياسي، إلى جانب استمرار أزمة الجريمة والعنف وانتشار جرائم القتل في البلدات العربية.
ويضاف إلى ذلك الجدل حول نقل مزيد من الصلاحيات المتعلقة بهدم المنازل إلى وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وما يعنيه ذلك بالنسبة للبلدات العربية التي تعاني أصلًا من أزمة التخطيط والبناء وتراكم المنازل غير المرخصة نتيجة سياسات التخطيط الرسمية.
وفي هذا السياق، تواجه الأحزاب العربية معضلة مزدوجة: الحفاظ على تمثيل سياسي مؤثر داخل الكنيست، وفي الوقت نفسه منع تشتت الأصوات العربية بين قوائم متعددة قد تهدد قدرتها على تجاوز نسبة الحسم.
القائمة الموحدة.. تجربة غير مسبوقة
شكّلت القائمة العربية الموحدة، برئاسة منصور عباس، محطة مفصلية في تاريخ العمل السياسي العربي داخل إسرائيل، بعدما دخلت عام 2021 في ائتلاف حكومي، لتصبح أول قوة سياسية عربية تشارك بصورة مباشرة في ائتلاف حاكم بهذا الشكل.
ورغم الجدل الذي أثارته تلك التجربة داخل المجتمع العربي، فإنها كرّست واقعًا جديدًا بشأن طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه الأحزاب العربية في تشكيل الائتلافات الحكومية، وحدود المشاركة وشروطها.
في المقابل، بقيت الخلافات السياسية والفكرية بين الأحزاب العربية عائقًا أمام إعادة إنتاج تجربة “القائمة المشتركة” التي نجحت في مراحل سابقة في توحيد عدد من القوى السياسية العربية.
القائمة العربية الموحدة.. عقبة الوحدة
مع اقتراب موعد الانتخابات، تعثرت المحاولات الرامية إلى تشكيل قائمة عربية موحدة تضم مختلف الأحزاب والتيارات السياسية العربية.
وأمام تعثر المفاوضات المباشرة، دخلت لجنة الوفاق الوطني على خط الاتصالات، بهدف الدفع نحو صيغة انتخابية أكثر اتساعًا، تقوم في مرحلتها الحالية على استكمال قائمة ثلاثية تضم الجبهة، والعربية للتغيير، والتجمع، بالتوازي مع السعي إلى توقيع اتفاق فائض أصوات مع القائمة العربية الموحدة.
وتكتسب هذه الصيغة أهمية خاصة، لأن انقسام القوائم العربية لا يمثل مجرد خلاف سياسي بين الأحزاب، بل قد يتحول إلى عامل حاسم في عدد المقاعد التي تستطيع القوى العربية الاحتفاظ بها داخل الكنيست المقبل.
بين الوحدة والتشتت.. ماذا يريد الناخب العربي؟
تبدو المعركة الانتخابية المقبلة بالنسبة للأحزاب العربية أكبر من مجرد التنافس على المقاعد.
فالناخب العربي يجد نفسه أمام أسئلة تتعلق بجدوى المشاركة السياسية، وحدود التأثير داخل الكنيست، والعلاقة مع الحكومات الإسرائيلية، وأولوية مواجهة سياسات التمييز والجريمة وهدم المنازل ومصادرة الأراضي، إلى جانب الموقف من الحرب والسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
وفي المقابل، تخشى الأحزاب العربية من أن يؤدي التنافس المنفصل إلى فقدان أصوات بسبب نسبة الحسم، بينما ترى أطراف أخرى أن التحالفات الانتخابية لا يمكن أن تقوم على الحسابات الرقمية وحدها، بل تحتاج إلى أرضية سياسية مشتركة قادرة على الصمود أمام الخلافات.
انتخابات تحمل أكثر من عنوان
وبذلك، تبدو انتخابات الكنيست الـ26 أمام مشهد سياسي مفتوح على احتمالات متعددة: يمين إسرائيلي يسعى إلى تثبيت موقعه، ومعارضة تحاول إعادة تنظيم صفوفها، وأحزاب عربية تخوض معركة مزدوجة للحفاظ على تمثيلها ومنع تشتت الأصوات.
أما بالنسبة لفلسطينيي الداخل، فإن السؤال المركزي لا يتعلق فقط بعدد المقاعد التي ستفوز بها الأحزاب العربية، بل بقدرتها على تحويل هذا التمثيل إلى قوة سياسية قادرة على مواجهة سياسات التمييز والدفاع عن الحقوق المدنية والوطنية، في ظل واقع إسرائيلي أكثر تشددًا واستقطابًا.
وفي النهاية، قد تكون الوحدة الانتخابية العربية أو استمرار التشتت واحدة من أكثر القضايا تأثيرًا في نتائج الانتخابات المقبلة، ليس فقط على حجم التمثيل العربي، وإنما على شكل الخارطة السياسية الإسرائيلية وإمكانات تشكيل الحكومة بعد 27 أكتوبر.

