مخطط إسرائيلي لمصادرة ثلث أراضي سهل الطيبة يثير مخاوف من استهداف الوجود العربي

المسار :؛في سهل الطيبة، حيث تمتد جذور الأرض في ذاكرة المزارعين، تتحول الزراعة إلى هوية وحق في الحياة، لا مجرد مصدر رزق. ومع تصاعد مخططات المصادرة والتهجير، يجد الأهالي أنفسهم أمام معركة وجود تهدد آخر متنفساتهم الخضراء.

يمثل سهل الطيبة للمواطنين في المدينة متنفس الحياة الأخير، والشريان الاقتصادي الذي يعيل مئات العائلات فيها. ويرى الأهالي أنه لولا خيرات هذه الأرض وثمارها لما تمكنوا من تعليم أبنائهم، أو إكمال مشاريعهم المختلفة، فالسهل ليس مجرد مساحة زراعية بالنسبة لهم، بل هو “الأوكسجين الذي يتنفسه الناس”، كما يصفه المزارع صبحي هدهد حاج يحيى.

عندما تدخل إلى مزرعة المزارع صبحي حاج يحيى، تجد الماضي والحاضر حاضرين فيها، إذ إن صبحي يعشق الأشجار والزراعة، كما يهوى جمع المقتنيات القديمة، حيث تبدو مزرعته أشبه بمتحف يضم قطعًا تاريخية، منها المحراث الذي كان يستخدمه جده، ومقتنيات قديمة تعود لأكثر من ألف عام.

يضم سهل الطيبة اليوم، بعد مصادرة أراضٍ منه لصالح المشاريع “الإسرائيلية”، نحو 6800 دونم، فيما تُهدد المصادرة نحو 2100 دونم لصالح بناء مشروع الميناء البري، حيث تلقى العشرات من الأهالي خلال الأيام الأخيرة إخطارات تقضي بإخلاء مزارعهم التي يملكون فيها تراخيص من لجنة التنظيم المحلية في المدينة.

رابطة التراب وإرث الأجداد

“هذا السهل كبر فيه الآلاف من أبناء الطيبة، وفضله على الجميع، فيه ترعرعنا ومن خيراته أكملنا تعليمنا وكبرنا بمشاريعنا، وكل خطوة خطوناها تعود إلى هذا التراب”، بهذه الكلمات يعبر المزارع ورئيس لجنة المزارعين في الطيبة صبحي حاج يحيى عن علاقة المواطنين بأرضهم في سهل الطيبة، الذي يواجه اليوم واحدة من أشرس حملات المصادرة والتهجير.

يتحدث حاج يحيى لـ”عرب 48” عن العلاقة التي تربط المزارعين الفلسطينيين في الطيبة بأرضهم، إذ يوضح أن هذه العلاقة تتجاوز مجرد العمل الزراعي إلى كونها ارتباطًا بالتراب، ويقول إن “رائحة الأرض عندما تهطل أولى قطرات المطر تمثل بالنسبة للمزارع أجمل رائحة يمكن أن نستنشقهـا في حياتنا، وهي تتفوق على أفخم أنواع العطور في العالم”.

ويستذكر تاريخ الأجداد في الأرض الذين زرعوا السهل بمختلف أصناف الأشجار، من بينها: المشمش، والعنب، والتين، والفستق، والحمص، وغيرها من الخضروات والفواكه. وأمام هذا التاريخ، يتعجب الحاج يحيى من فكرة التخلي عن الأرض، ويقول: “لا أتقبل فكرة أن يترك أحد أرضه، فهذه الأرض خُلقت لتخدم الإنسان، ويجب أن تبقى الحصن الحصين لحياتنا ومستقبلنا ومستقبل الأبناء”.

يعود حاج يحيى إلى جغرافيا وتاريخ سهل الطيبة، ويوضح أن أراضي المدينة والأجداد كانت تمتد تاريخيًا لتصل إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط، حيث كان الأهالي يمتلكون مساحات شاسعة، ومع قيام الدولة بدأت موجات المصادرات، وحُرم الأهالي منها بالكامل.

حصار من ثلاث جهات ومصادرات متواصلة

ويضيف حاج يحيى أن الشهية الإسرائيلية لم تتوقف عند هذا الحد، إذ تتبعت الدولة أهالي المدينة وصادرت الأراضي الواقعة شرق “شارع عابر إسرائيل”، واليوم بات المشهد واضحًا ويظهر حصار المدينة من ثلاث جهات: من الجهة الجنوبية تطوقها مستوطنات “تسور نتان”، “سلعيت” و”تسور يتسحاك”، ومن الجهة الشرقية يحدها خط وقف إطلاق النار مع الضفة الغربية وحدود عام 1967، أما الجهة الشمالية فتطوقها مستوطنات “شاعر إفرايم” وحاجز جبارة العسكري.

ويشير حاج يحيى إلى أن جميع المستوطنات أُقيمت بعد عام 1948 لخنق المدينة، وما تبقى هو المنطقة الغربية المتمثلة بسهل الطيبة. ويقول إن هذا المتنفس الأخير لم يسلم، إذ قُطعت أراضٍ منه لصالح مشاريع “إسرائيلية” مثل شارع عابر إسرائيل، وخط الغاز القطري، وخط المياه القطري، ومشاريع تصريف المياه والأودية ومياه الأمطار، والآن يُهدد السهل بمصادرة نحو 2100 دونم.

ويتحدث عن محاولات حماية ما تبقى من أراضي السهل التي تضم مخازن ومساحات زراعية مرخصة، موضحًا أن 90% من المخازن شُيدت برخص رسمية من لجنة التخطيط المحلية في الطيبة. وبعد الهجمة الشرسة التي شنتها السلطات الإسرائيلية قبل نحو 3 سنوات، تحركنا بشكل مباشر نحن وبالتوازي مع البلدية ومكتب هندسي لتخطيط المنطقة وإثبات الهوية الزراعية للأهالي، لإبعاد محاولات المصادرة.

مخطط الميناء البري طعنة كبيرة لنا

وتحدث حاج يحيى عن القرار الصادم من قبل السلطات الإسرائيلية، والذي علم به الأهالي قبل نحو شهر ونصف، والذي ينص على بناء ميناء بري على أراضي المدينة، يهدف لخدمة مدينة تل أبيب، ويصادر نحو 2100 دونم من الأراضي الخاصة للمواطنين في الطيبة.

ويوضح أن اختيار سهل الطيبة من بين أربعة مواقع بديلة في مناطق يهودية يظهر مدى استهداف الوجود العربي، ويقول إن الوثائق تشير إلى أن المشروع طُرح سابقًا في أربعة مواقع أخرى، وكان خيار سهل الطيبة مستبعدًا بسبب الكلفة الباهظة، رغم أن الخيارات الأخرى تقع على أراضٍ تملكها الدولة وليست أراضي خاصة، إلا أنه تم اختيار سهل الطيبة لاستهداف الوجود العربي، وهذا اختيار سياسي لمصادرة الأراضي.

كارثة بيئية ومقبرة تهدد أكثر من 100 ألف شجرة

وعن تداعيات المخطط، يوضح حاج يحيى أن المشروع سيكون بمثابة مقبرة بيئية للمدينة والبلدات المجاورة، إذ يضم السهل اليوم أكثر من 100 ألف شجرة مثمرة، من بينها الزيتون والتين والرمان والعنب والخوخ والحمضيات، والتي تشكل مصدر رزق وحيد لمئات العائلات في المدينة.

أما على الصعيد البيئي والمعيشي، فإن الضرر المترتب على الميناء سيؤدي إلى تحويل السهل من حاضنة استراتيجية ومتنفس أخضر للأبناء والأحفاد إلى مدينة خانقة بلا مساحات خضراء، تغطيها غيمة ملوثة مضرة بصحة المواطنين وحياتهم، إضافة إلى أزمات مرورية خانقة بسبب المشروع الذي من المتوقع أن يستقبل أكثر من 15 ألف شاحنة يوميًا، وفقًا لرئيس لجنة المزارعين.

وعن أدوات الضغط التي تمارسها السلطات الإسرائيلية لكسر إرادة المواطنين، يقول حاج يحيى إن المؤسسة الإسرائيلية تهدف إلى تحقيق التهجير القسري والإخلاء، وذلك عبر الترهيب وفرض الغرامات وإخطارات الهدم.

ويتابع أننا نعيش اليوم فترة أشبه بفترة الحكم العسكري، إذ إن الطواقم التي تقتحم السهل وتستهدف المزارعين تضم عناصر متطرفة من جمعية “رغافيم” الاستيطانية، ويتم استخدام القوانين والإجراءات التعسفية بحقنا لفرض الأحكام علينا من قبل الموظفين دون اعتبارات قانونية أو قضائية.

ويختتم رئيس لجنة المزارعين حديثه بتوجيه رسالة بضرورة تعزيز الانتماء إلى الأرض وتكثيف جهود التصدي لهذه المخططات، ويؤكد أن هذه الأرض ملك لنا منذ الفترة العثمانية، ونحن أصحاب الحق فيها، وليس من جاء من خلف البحار، وأن خلف هذه القرارات يقف الوزيران المتطرفان بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، إذ يسعيان عبر هذه الخطوات إلى قمعنا واضطهادنا واقتلاعنا من أرضنا، لكن التمسك بالحق والأرض هو السبيل الوحيد للبقاء والعيش بأمن وأمان.

المصدر  … عرب ٤٨

Share This Article