الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

مركز بيغن السادات للدراسات الاستراتيجية  BESA 5/7/2026:

معضلة صادرات الغاز الإسرائيلي الى سوريا

بقلم: الدكتور إيلاي ريتيج 

ملخص تنفيذي:

تُعدّ صادرات الغاز الإسرائيلية إلى سوريا واقعًا قائمًا، لكنها تتم حاليًا بشكل غير مباشر، عبر صفقات مقايضة واتفاقيات إعادة بيع مع الأردن ومصر، بدلًا من عقد رسمي بين إسرائيل وسوريا. يُشكّل هذا معضلة استراتيجية لكلا الجانبين. فمن جهة، قد يُوفّر عقد غاز مباشر بين إسرائيل وسوريا مساءلة أوضح، وضمانات أقوى ضدّ أيّ انقطاعات، وأساسًا لتعاون مستقبلي في مجال الطاقة قد يشمل لبنان أيضًا. ومن جهة أخرى، قد يكون التداول المباشر للغاز سابقًا لأوانه سياسيًا، ويُعرّض كلا الجانبين لانتقادات داخلية: في إسرائيل، بسبب المخاوف من تناقص احتياطيات الغاز المحلية بعد اتفاقية التصدير الكبيرة مع مصر عام 2025؛ وفي سوريا، بسبب المخاوف من أن تُسيّس إسرائيل إمدادات الغاز أو تستخدمها كورقة ضغط. قد تكون العقود غير المباشرة عبر الأردن ومصر أسهل في التنفيذ والرفض، لكنها تُشوش المسؤولية وتُقلّل من سيطرة كلا الجانبين على شروط الإمداد. ينبغي لإسرائيل أن تتعامل مع هذه المسألة لا كخيار ثنائي بين التطبيع الرسمي واستمرار الغموض، بل كنقاش عملي حول نموذج التعاقد الأنسب الذي يخدم مصالحها في الاستقرار، والنفوذ، وإمكانية الإنكار، والتكامل الإقليمي طويل الأمد.

في كانون الثاني 2026، وقّع الأردن اتفاقية لتزويد سوريا بالغاز، تنص على تزويدها بنحو 1.45 مليار متر مكعب سنويًا عبر خط أنابيب الغاز العربي. ورغم أن الاتفاقية لا تُحدد مصدر الغاز، فمن الواضح أن سوريا تتلقى الغاز الإسرائيلي فعليًا. فالأردن لا يملك سوى حقل غاز محلي صغير، ويستورد 85 في المئة من غازه من إسرائيل، بينما يأتي الباقي عبر واردات الغاز الطبيعي المسال من العقبة. ورغم أن مسؤولين إقليميين زعموا في البداية أن الغاز القادم من الأردن إلى سوريا مصدره الغاز الطبيعي المسال القطري، إلا أن تصميم خط الأنابيب الحالي يجعل هذا الزعم غير مرجح. فالغاز الإسرائيلي يتدفق جنوبًا عبر النظام نفسه، ولا يمكن للغاز الذي يدخل عبر العقبة أن ينتقل شمالًا إلى ما بعد عمّان ليصل إلى سوريا. وهذا يعني أن الغاز المورد إلى سوريا عبر الأردن هو في الواقع غاز إسرائيلي يتم إعادة تغليفه سياسياً على أنه “أردني” أو “قطري” من خلال صفقات المقايضة وترتيبات إعادة البيع.

على الرغم من عدم توقيع إسرائيل وسوريا عقدًا مباشرًا لتصدير الغاز، إلا أن هناك بالفعل مسارًا فعليًا لتصدير الغاز الإسرائيلي إلى سوريا، حيث يُمثل هذا الغموض آلية سياسية تُتيح هذا الترتيب لكلا الطرفين. يسمح هذا المسار التجاري الخفي لدمشق باستلام الغاز دون الاعتراف باعتمادها على إسرائيل، كما يسمح لإسرائيل بالمساهمة في انتعاش الطاقة في سوريا دون الدخول رسميًا في اتفاقية تطبيع معها. إضافةً إلى الأردن، وقّعت مصر أيضًا مذكرة تفاهم مع سوريا لتزويدها بالغاز، وفي أيار 2026، انضم لبنان إلى إطار تبادل الغاز مع الأردن وسوريا. تُتيح هذه الشبكة من الاتفاقيات تقديم أي إمدادات غاز مُرسلة إلى سوريا أو لبنان على أنها أردنية أو مصرية أو قائمة على الغاز الطبيعي المسال أو كجزء من اتفاقية تبادل إقليمية، حتى وإن كان مصدرها إسرائيليًا. وبذلك، يُحافظ على إمكانية الإنكار السياسي لجميع الأطراف.

يُعدّ هذا الترتيب غير المتوقع للغاز نتاجًا لحاجة سوريا الماسة للغاز. فقد انخفض إنتاج سوريا المحلي من الغاز من حوالي 8.7 مليار متر مكعب في عام 2011 إلى حوالي 3 مليارات متر مكعب خلال الحرب الأهلية الطويلة. لا يزال قطاع الطاقة في سوريا أحد أهم التحديات التي تواجه إعادة بناء الدولة. وقد بدأت تركيا بنقل الغاز الأذربيجاني إلى شمال سوريا عبر خط أنابيب كيليس-حلب، بمشاركة قطر في تمويله. ومن المتوقع أن يوفر هذا المشروع حوالي 1.2 مليار متر مكعب سنويًا، وأن يدعم توفير الكهرباء لعدة ساعات إضافية في المناطق المتضررة، إلا أن هذا ليس سوى حل جزئي. وينضم إمداد الأردن عبر خط أنابيب الغاز العربي إلى منافسة أوسع نطاقًا حول الجهة التي ستُحدد مسار انتعاش قطاع الطاقة في سوريا بعد الحرب. قد لا تكون إسرائيل حاضرة بقوة في هذه المنافسة، لكنها موجودة ضمن منظومة الغاز الإقليمية.

لذا، فإن السؤال السياسي المُلح ليس ما إذا كان الغاز الإسرائيلي سيصل إلى سوريا (لأنه يصل بالفعل)، بل ما إذا كان ينبغي على إسرائيل وسوريا النظر في عقد مباشر للغاز، أو الإبقاء على ترتيب الإمداد غير المباشر الحالي. والإجابة ليست واضحة. فكل نموذج يُقدم توليفات مختلفة من حيث إمكانية الإنكار، والموثوقية، والنفوذ، والمساءلة، والمخاطر السياسية لكلا الطرفين.

بالنسبة لسوريا، يتمتع المسار غير المباشر بمزايا واضحة، إذ يقلل من التكلفة السياسية لتلقي الغاز الإسرائيلي. قد تُفضل الحكومة السورية، الساعية لإعادة بناء شبكة الكهرباء، وصف الغاز بأنه قادم من الأردن أو مصر أو قطر بدلاً من الدفاع عن اتفاقية مباشرة مع إسرائيل. يكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في ظل سعي النظام السياسي الجديد في دمشق لترسيخ شرعيته. كما يُتيح الإمداد غير المباشر لسوريا الاستفادة من البنية التحتية القائمة دون تحويل حاجة تقنية للطاقة إلى تنازل دبلوماسي علني.

لكن هذا الإنكار له ثمن. فإذا تلقت سوريا الغاز عبر الأردن ومصر، فإن أمنها الطاقي يعتمد على قراراتهما. قد يختار كل من الأردن ومصر إعطاء الأولوية لأسواقهما المحلية وتجميد اتفاقيات التبادل مع سوريا خلال فترات النقص، أو حتى استخدام وضعهما كمعبرين كورقة ضغط ضد سوريا خلال الخلافات السياسية. وبالتالي، قد تجد سوريا نفسها معتمدة على الغاز الإسرائيلي دون وجود عقد مباشر مع إسرائيل تلجأ إليه في حال انقطاع الإمدادات. كما يجعل المسار غير المباشر سوريا معتمدة على البنية التحتية الأردنية والمصرية دون سيطرة كاملة على شروط الإمداد. بالنسبة لدمشق، يُعد الغاز غير المباشر مناسباً سياسياً على المدى القصير، ولكنه ضعيف تعاقدياً خلال الأزمات.

بالنسبة لإسرائيل أيضاً، ينطوي الإمداد غير المباشر على مزايا وعيوب. فمن مزاياه أنه يسمح للغاز الإسرائيلي بالمساهمة في استقرار المنطقة دون فرض انفراجة سياسية مبكرة مع سوريا. كما يمنح الأردن ومصر دوراً وساطياً فعالاً، ويقلل من وضوح التدخل الإسرائيلي، ويسمح بظهور التعاون في مجال الطاقة تدريجياً. ويمكن لإسرائيل اختبار ما إذا كان اعتماد سوريا على البنية التحتية الإقليمية سيؤدي إلى سلوك براغماتي مع مرور الوقت، مع تجنب الانكشاف الداخلي والدبلوماسي الذي قد يترتب على إبرام صفقة غاز رسمية مع دمشق.

لكن المسار غير المباشر يقلل أيضاً من نفوذ إسرائيل. فإذا لم تبع إسرائيل الغاز رسمياً إلى سوريا، يقل تحكمها في قيود الاستخدام النهائي، وبنود الأزمات، وآليات الدفع، ومسؤولية انقطاع الإمدادات. وقد لا تعلم أي محطات توليد الطاقة السورية تستفيد، أو ما إذا كان الغاز يصل إلى المناطق الحساسة سياسياً، أو ما إذا كانت جهات معادية تستفيد بشكل غير مباشر من تحسين إمدادات الطاقة. وقد لا تحظى إسرائيل أيضاً بتقدير دبلوماسي يُذكر لمساهمتها في استقرار سوريا، بينما تُلام في حال انقطاع الإمدادات بسبب الحرب، أو عطل فني، أو قرار من الأردن بإعطاء الأولوية للإمدادات المحلية. قد ينتهي الأمر بإسرائيل إلى دعم جزء من عملية تعافي سوريا دون وجود رؤية واضحة أو ضمانات أو اعتراف.

من شأن عقد مباشر أن يُحقق فوائد لكلا الطرفين. فهو يُوضح الكميات والأسعار، ويُوفر ضمانات للدفع وآليات تحكيم في حال انقطاع الإمدادات، ويُقلل من قدرة الوسطاء على التلاعب بالإمدادات، ويُمكّن الطرفين من وضع التعاون في مجال الطاقة ضمن إطار إقليمي أوسع بدعم من الولايات المتحدة. وإذا أُدير العقد المباشر بعناية، فقد يُصبح شكلاً تقنياً محدوداً من التعاون بدلاً من كونه خطوة تطبيع جذرية.

كما يُمكن للنموذج المباشر أن يدعم إمدادات الغاز إلى لبنان. فأزمة الكهرباء في لبنان لا تزال من أهم أسباب انهياره الاقتصادي والسياسي. وقد تأخرت المحاولات السابقة لتزويد لبنان بالغاز عبر مصر والأردن وسوريا بسبب مشاكل التمويل والعقوبات والبنية التحتية. ومن شأن ممر غاز سوري أكثر استقراراً أن يُتيح للبنان في نهاية المطاف الحصول على الغاز أو الكهرباء من خلال ترتيب إقليمي أكثر موثوقية.

ومع ذلك، ورغم هذه الفوائد، فإن للعقد المباشر أيضاً تكاليف سياسية داخلية باهظة لكلا الطرفين. فعلى الجانب الإسرائيلي، من شأن اتفاق رسمي مع سوريا أن يُعيد فتح النقاش الداخلي حول صادرات الغاز في ظل تضاؤل ​​احتياطيات الغاز المحلية. أدى توقيع اتفاقية الغاز الرئيسية بين شركاء ليفياثان ومصر في آب 2025 إلى تصعيد هذا الجدل، إذ وعدت مصر بتزويدها بـ 130 مليار متر مكعب إضافية من الغاز الإسرائيلي حتى عام 2040. ورغم أهمية هذه الاتفاقية تجارياً، إلا أنها أثارت مخاوف من احتمال نفاد مخزون الغاز المحلي في إسرائيل بحلول عام 2045 في حال عدم اكتشاف احتياطيات إضافية وبقاء الطلب المحلي مرتفعاً. استغرقت الموافقة النهائية على الاتفاقية مع مصر عدة أشهر من الحكومة الإسرائيلية، ويعود ذلك جزئياً إلى هذه المخاوف، ولم تُمنح إلا بعد إضافة ضمانات لحماية السوق المحلية في حال حدوث نقص محلي. وقد أدى هذا الجدل العام إلى فتور رغبة الحكومة الإسرائيلية في إبرام اتفاقية غاز كبيرة أخرى مع سوريا أو لبنان.

سيحتاج صناع القرار الإسرائيليون إلى تبرير ضرورة وجود قناة تصدير إضافية، وكيفية توافقها مع سقف الصادرات، وما هي الضمانات الموضوعة لحماية المستهلكين الإسرائيليين من أي نقص مستقبلي. كما سيحتاجون إلى توضيح سبب بيع الغاز الإسرائيلي مباشرةً إلى دولة لا تعترف بإسرائيل، ولا يزال توجهها السياسي المستقبلي غير واضح، وقد تضم أراضيها جهات معادية للمصالح الإسرائيلية. قد يوفر عقد مباشر وضوحاً، لكن هذا الوضوح سيجعل التهرب من المسؤولية السياسية أكثر صعوبة. ولذلك، قد تفضل الحكومة الإسرائيلية اعتبار اتفاقية الـ 130 مليار متر مكعب الجديدة مع مصر بمثابة اتفاقية تتضمن بالفعل أي صفقة غاز مستقبلية مع سوريا.

بالنسبة لسوريا، قد يكون إبرام عقد مباشر مع إسرائيل أكثر صعوبة. فحكومة دمشق ترغب في الحصول على غاز موثوق، لكنها قد تخشى اتهامها بإضفاء الشرعية على إسرائيل قبل أي تسوية سياسية أوسع، بما في ذلك مسألة مصير مرتفعات الجولان. وقد يساورها القلق من أن تستخدم إسرائيل الغاز كأداة سياسية في الأزمات المستقبلية، وقد تُفضّل الحفاظ على هامش تفاوض مع تركيا وقطر ومصر والأردن ودول الخليج بدلاً من وضع نفسها بشكل واضح ضمن إطار طاقة مرتبط بإسرائيل والولايات المتحدة. بعبارة أخرى، قد يمنح الاتفاق المباشر سوريا إمدادات أكثر استقراراً، لكنه قد يُعرّض دمشق لاتهامات بأن إعادة إعمار سوريا تتأثر بالنفوذ الإسرائيلي.

لذا، ينبغي النظر إلى الخيار بين الصادرات المباشرة وغير المباشرة على أنه معضلة ترتيب. قد يكون التوريد غير المباشر أكثر جدوى على المدى القصير لأنه يسمح بتدفق الغاز دون مطالبة أي من الطرفين بتقديم تنازل رمزي. وقد يصبح التعاقد المباشر أكثر جاذبية لاحقاً إذا ثبت أن الترتيبات غير المباشرة غامضة للغاية، أو إذا استغل الوسطاء مواقعهم للضغط، أو إذا تكررت الانقطاعات، أو إذا قرر كلا الطرفين الرغبة في قواعد أكثر وضوحاً. لا يكمن جوهر المسألة في تحديد النموذج الأفضل، بل في النموذج الأنسب للظروف السياسية واحتياجات البنية التحتية في كل مرحلة.

ينبغي على إسرائيل الاستعداد لكلا الاحتمالين. ففيما يخص الصادرات غير المباشرة، عليها توضيح ما إذا كانت تراخيص التصدير الحالية إلى مصر والأردن تسمح بتوريد الغاز إلى سوريا ولبنان، أم أن هذا التوريد يتطلب إخطارًا مسبقًا. كما ينبغي عليها ضمان تضمين العقود بنودًا لحماية الإمدادات المحلية، وبنودًا خاصة بالأزمات، وشفافية أساسية فيما يتعلق بالتدفقات اللاحقة. وينبغي عليها أيضًا التنسيق مع مصر والأردن حتى لا يتفاجأ المسؤولون الإسرائيليون بإعلانات عامة تُعيد تغليف الغاز الإسرائيلي ضمن مخطط إقليمي أوسع للإمدادات. أما بالنسبة للعقد المباشر المحتمل، فينبغي على إسرائيل تحديد الحد الأدنى من الشروط التي تجعل مثل هذه الصفقة مقبولة. وقد تشمل هذه الشروط قيودًا على الاستخدام النهائي لتوليد الكهرباء المدنية، وترتيبات للمراقبة، وحماية البنية التحتية، وضمانات للدفع، ودعمًا دوليًا.

أما سوريا، فعليها أن تُقرر ما إذا كانت فوائد القدرة على التنبؤ ووضوح بنود العقد تفوق التكاليف السياسية للتعاون العلني. ويمكن لأوروبا والولايات المتحدة تقديم المساعدة من خلال توفير غطاء سياسي، ومساعدة فنية، وضمانات مالية تُقلل المخاطر على كلا الجانبين.

لذا، فإنّ مسألة الغاز السوري ليست مجرد قضية طاقة، بل هي اختبار لقدرة البنية التحتية الإقليمية على أن تصبح أداة استقرار دون إرهاق السياسة. يوفر الإمداد غير المباشر إمكانية الإنكار والسرعة، بينما يوفر الإمداد المباشر الوضوح والمساءلة. كلا النموذجين له قيمة استراتيجية، وكلاهما ينطوي على مخاطر.

الخطوة الأهم لإسرائيل هي إدراك أن هذه المسألة قد تكون قد بدأت بالفعل، حتى قبل اتخاذ قرار إسرائيلي رسمي. إذا ما طورت الأردن ومصر وسوريا ولبنان اتفاقيات غاز تعتمد على نظام إقليمي مدعوم جزئيًا بالغاز الإسرائيلي، فستكون إسرائيل متورطة سواء أعلنت ذلك أم لا. لذا، ينبغي عليها التعامل مع المسألة كمسألة تخطيط استراتيجي لا كأثر تجاري غير مباشر. قد لا يُطلق على أول اتفاقية غاز إسرائيلية مع سوريا اسم “اتفاقية غاز إسرائيلية سورية”، لكن ينبغي على إسرائيل مع ذلك تحديد أهدافها من هذه الاتفاقية.

د. إيلاي ريتيج أستاذ مساعد في قسم الدراسات السياسية وباحث أول في مركز بيغن-السادات للدراسات الاستراتيجية بجامعة بار إيلان. وهو متخصص في الجغرافيا السياسية للطاقة والأمن القومي

——————————————

هآرتس 5/7/2026

رغم قرار محكمة العدل العليا، الجيش الإسرائيلي والملثمون هدموا منازل الفلسطينيين

بقلم: متان غولان

الادارة المدنية قامت في يوم الخميس الماضي بهدم مجمع سكني في تجمع عين الحلوة في شمال غور الاردن، وذلك بعد يومين على امر المحكمة العليا بتجميد امر الهدم للمكان الى حين اصدار قرار آخر.

لقد وصلت قوات الجيش الى الموقع بمرافقة ثلاثة اسرائيليين ملثمين قاموا بالفعل بعملية الهدم، وكان واحد منهم على الاقل يحمل سلاح شخصي. في توثيق من الموقع يسمع احد الملثمين وهو يحاول اخفاء اسمه خشية من التعرض للاذى، يقول لاحد اصدقائه: اذكر الحرف الاول من اسمك أو اسم عائلتك كي لا تتم ملاحقتك”. السكان المحليون تعرفوا على اثنين منهم، وهما مستوطنين من مزرعة قرب التجمع السكني.

حسب محامي العائلة التي تعيش في التجمع فان هذه ليست المرة الاولى التي تتجاهل فيها الادارة المدنية اوامر المحكمة العليا بشان عين الحلوة. ففي شهر ايلول الماضي اصدرت المحكمة العليا أمر مؤقت بتجميد تنفيذ عملية الهدم لاحد بيوت التجمع، وبعد بضع ساعات هدم الجيش المجمع، واستجابة للمحكمة العليا فقد اعترفت الادارة المدنية بذلك وبدأت تحقيق في ملابساته.

مصدر امني رفيع قال لـ “هآرتس” ان موظفي الادارة المدنية هم الذين نفذوا عملية الهدم، وأن جنود الجيش وصلوا الى المكان لحمايتهم. وقام الملثمون بمرافقة جنود بهدم عدد من المباني في التجمع وحظيرة وتخريب خزانات مياه. وتظهر افلام فيديو من المكان الجنود وهم يمنعون السكان من الدخول الى المجمع اثناء عملية الهدم. ووثقت مجندة وهي تعطي الاوامر لفلسطيني بالابتعاد عن الجرافة التي نفذت عملية الهدم.

في يوم الثلاثاء الماضي امرت المحكمة العليا بتجميد امر هدم المجمع السكني بعد ان تقدمت عائلة ضراغمة، التي تملك المجمع، بعريضة حول هذا الامر. وحسب العريضة التي قدمها المحامي توفيق جبارين فان امر الهدم تم اصداره في العام 2022 بسبب حظر البناء على هوامش الطريق في الضفة الغربية. وفي نفس السنة قدمت العائلة طلب لتغيير مكان اقامتها وتأجيل عملية الهدم. وجاء في العريضة ان العائلة عاشت في المنطقة قبل العام 1967 على ارض خاصة ومنظمة بملكية الكنيسة اللاتينية، التي اعطتهم تصريح للسكن هناك. وجاء في رأي لجمعية “بمكوم”، مرفق بالعريضة، ان التجمعات السكنية كان يتم نقلها على مر السنين في المواسم، حسب نمط حياة الرعاة ولضرورة معينة، وانهم استقروا منذ العام 2008 في التجمعات الموجودة حاليا.

يدعي مقدمو الالتماس التمييز والانتقائية في تطبيق القانون، في ظل الدفع قدما بلوائح تنظيم المزارع للاسرائيليين في الضفة الغربية. ففي شهر آذار الماضي رفضت وحدة الرقابة التابعة للادارة المدنية طلبات لتنظيم التجمع. وبعد شهرين هدمت الادارة ثلاث خيام للسكن في التجمع واصدرت امر جديد لهدم تجمع قريب. هذا تزامن مع استمرار انتشار البؤر الاستيطانية المبنية في المنطقة.

ويشير الالتماس ايضا الى تصريح لقائد لواء الغور، العقيد جلعاد شريكي، اثناء جولة اجراها في المنطقة في شهر آذار. وحسب عدد من الشهادات فقد اوصى الجنرال سكان التجمعات في شمال الغور بالمغادرة طواعية، واوضح ان حملة انفاذ قانون كثيفة ستبدأ قريبا في المنطقة ضد البناء غير القانوني. بعد ذلك تواصلت “هآرتس” مع الجيش الاسرائيلي لمعرفة الغرض من هذه الجولة. وقيل لها بان الجنرال وصل “بهدف طمأنة التجمعات”، وانه اشار الى الترويج لتدابير انفاذ القانون ضد البناء غير القانوني. واضافوا في الجيش الاسرائيلي بان الجولة تطرقت الى بناء الجدار الامني الجديد، الذي يتم بناءه حاليا بموافقة من المحكمة العليا، سيعزل التجمعات في شمال غور الاردن عن القرى الفلسطينية الموجودة غربا، والتي تعتمد عليها في تلبية احتياجاتها الاساسية.

احد ابناء العائلة وصف سلسلة طويلة من المضايقات والتهديدات المستمرة من قبل المستوطنين في المنطقة. واضاف بانهم في السابق هددوا باحراق البيت اذا لم تقم العائلة بمغادرته. وقد قال في حديث مع “هآرتس”: “كان المستوطن يقود التراكتور، والجيش جاء وساعده. أنا أب لاولاد صغار ورضيع، لم يكن لدينا وقت لاخراج أي شيء من البيت. من اين ساحصل على الطعام لهم الان؟ وماذا عن الابقار؟. وقد فرح الجنود في المكان من التخريب. وعندما سألتهم عن عدم الرحمة، قالوا لي يجب علي التحدث الى التراكتور. هم لم يستمعوا عندما قلت ان هناك امر قضائي يمنع الهدم”.

ناشط كان موجود في المكان قال لـ “هآرتس”: “هذه كانت عملية هدم مخطط لها ومؤقتة من قبل دولة اسرائيل، بكل جهاتها الرسمية. وقد صل فريق الهدم ومعه جرافة وموظف من مكتب التنسيق والارتباط ومفتش لمحمية طبيعية. سألنا عما يحدث. قالوا انهم لا يفعلون أي شيء، بل كانوا يعدون لاعمال تمنع سقي الاغنام في ذلك الوقت. لم نتوقع ان يكون الهدم في منطقة سكنية. وصل الجيش في سيارات رباعية الدفع وغريبة. في لحظة اقتحموا التجمع من كل الجهات وهدموه. كان المسؤول عن الهدم مفتش من الادارة المدنية. وبعد انتهاء العملية مر قائد لواء القطاع على الطريق وهو يبتسم وسألنا عن حالنا وذهب”. وحسب ناشط آخر فقد ضحك الجنود والتقطوا الصور مع الانقاض وقالوا انهم يفخرون باعمالهم. وقال: “حاولت عرض امر المحكمة على الجندي وان اشرح له الامر. ولكنه رفض ان ينظر. سالته مرة اخرى عن سبب الهدم في ظل وجود أمر يمنع الهدم، فقال انه هو نفسه لا يهدم، وان اوامره تنص فقط على عدم دخولي. تعامل مع الامر وكانه لا يهدم البيت، وكانه مقطوع عما يحدث خلفه، وانه يمنعني فقط من الاقتراب”. وقال آخر انه حتى بعد ان عرض امر المحكمة على الضابطة في الموقع، فانها لم تنبس ببنت شفة وتجاهلت الامر.

بعد انتهاء عملية الهدم قدم النشطاء شهاداتهم وقالوا ان سيارة تابعة للادارة المدنية تجولت في تجمعات سكنية اخرى وعلقت اعلانات في تجمعيين آخرين، مكتوب فيها عن نية تنفيذ اوامر هدم صدرت في السابق. احدهم قال “الصورة واضحة تماما”. وبحسبه فان اسرائيل تقوم بتنفيذ عملية طرد منهجية للفلسطينيين من المناطق ج. ولكنها تتصرف بشكل بطيء “من اجل الحفاظ على مستوى مقبول من الاحتجاجات الدولية. ان كل موارد الدولة وسلطاتها مجندة لهذا الطرد، الجيش، الشرطة والمحاكم. نحن نرى هذا كل يوم”.

وقدمت جمعية “حقوق الفرد” التماس للمحكمة العليا في يوم الخميس لمنع طرد آخر سبعة تجمعات رعاة ما زالت صامدة في شمال غور الاردن. والتجمعات الاخرى تم طردها بعد اقامة 16 بؤرة استيطانية في المنطقة في السنوات الاخيرة. ويشار في الالتماس الى انه اضافة الى الازعاج والتهديد والاعتداء التي تتعرض لها هذه التجمعات من قبل المستوطنين، الا ان السلطات تتجاهل هذا العنف وتزيد الضغط على التجمعات نفسها. واستشهد مقدمو الالتماس بامثلة على ذلك، من بينها عمليات الهدم ومصادرة خزانات المياه ومنع الوصول الى المرعى والتاخير الطويل والتعسفي من قبل قوات الجيش وفرض قوانين تمنع الفلسطينيين من الوجود. وذكر ايضا ان انتهاك هذه التجمعات يزداد، وان بقاءها صامدة في هذا الصيف اصبح مشكوك فيه جدا.

المحامي جبارين، ممثل عائلة ضراغمة، قال: “لقد فقدت الدولة كل قيمها. المستوطنون فوق القانون وفوق قرارات المحكمة العليا. الآن لا يوجد فرق بين الجيش والمستوطنين، كلهم يرتكبون جرائم ضد الفلسطينيين، ويقومون بتطهير عرقي في الضفة الغربية. عندما تعلن حكومة اسرائيل المتطرفة عدم احترام قرارات المحكمة العليا فان هذا ينعكس على الضباط والجنود الذي يتذمرون من قرارات المحكمة ويهدمون المباني التي منعت هدمها”.

وقد جاء من الادارة المدنية ردا على ذلك: “لقد تركزت نشاطات الانفاذ التي نفذتها وحدة الرقابة التابعة للادارة المدنية على المنطقة التي لا يوجد حولها أمر قضائي. ويجدر التاكيد على انه عند البدء في الانفاذ، جاء طلب بخصوص مباني في المنطقة لم تكن مشمولة بنشاطات الانفاذ، ولم يتم اتخاذ أي اجراء بشانها كما ذكرنا”.

——————————————

يديعوت احرونوت 5/7/2026 

الأوراق التركية وراء العناق الحار

بقلم: يوناثان أديري

إنّ التصريحات النارية الصادرة من أنقرة مُستفزة، لكنها كانت متوقعة تمامًا، لا سيما في ظلّ التحركات الانتخابية المتوقعة للجيل الذي سيخلف أردوغان. يكمن جوهر الأمر في رؤية حلف الناتو 3.0 التي يتبناها كبير استراتيجيي البنتاغون، وفي هذه اللعبة، تمتلك تركيا أوراقًا لا يمتلكها أحد سواها، حتى إسرائيل. هذه الأوراق تُفسّر المنطق البارد وراء العناق الحار الذي تتلقاه تركيا من أوروبا والولايات المتحدة.

نعقد هذا الأسبوع مؤتمر قمة الناتو السنوي في أنقرة، والذي تعهّد الرئيس ترامب بالقدوم إليه “بحقيبة من المفاجآت”، على حدّ تعبيره. على كل من يرغب في فهم سبب احتضان واشنطن لأنقرة هذا الأسبوع أن يتجاهل إسرائيل للحظة. إسرائيل ليست سوى جزء من الحدث، وليست الجزء الرئيس.

يكمن المفتاح لدى إلبريدج كولبي، مُخطّط السياسات في البنتاغون ومؤلف كتاب “استراتيجية الردع”، الذي يُفصّل فيه جوهر التحرّك الأمريكي – منع الهيمنة الصينية في مناطق حيوية للولايات المتحدة. عشية قمة أنقرة، غرّد كولبي قائلاً: “نتسابق نحو حلف الناتو 3.0، حيث تتحمل أوروبا المسؤولية الرئيسية عن دفاعها التقليدي. قال كثيرون إن ذلك مستحيل، وها هو ذا، ثبت خطأه أمام أعيننا. تحالف شراكة، لا تبعية.”

وراء هذه التغريدة عقيدة كاملة، عرضها وزير الحرب بيت هيغسيث في خطاب ألقاه أمام منتدى الناتو الشهر الماضي. قال هيغسيث إن الناتو أصبح “نمراً من ورق، وطريقاً ذا اتجاه واحد”. انتصر الناتو 1.0 في الحرب الباردة لأنه كان “منظمة قتالية شرسة”. أما الناتو 2.0، الذي ظهر في حقبة ما بعد الحرب الباردة، فقد انحرف، على حد تعبيره، نحو المساواة بين الجنسين، وقضايا المناخ، والتقشف الأمني: “حقبة من التشتت، وتراجع الصناعة، ونزع السلاح”. والآن، انطلقت “مراجعة الناتو 3.0، وهي مراجعة مدتها ستة أشهر لانتشار القوات الأمريكية في أوروبا. ثم تأتي الجملة التي ينبغي على كل عاصمة حفظها: إنه اختبار “ستفشل فيه بعض الدول، بينما ستنجح فيه دول أخرى بتفوق”.

من سينجح بتفوق؟ انظروا إلى جدول أعمال أنقرة. في نهاية حزيران، حط نائب رئيس المفوضية الأوروبية رحاله هناك، متحدثًا عن “شريك رئيسي في الأمن والهجرة والطاقة”. في الوقت نفسه، مُنعت المظاهرات في العاصمة التركية، واستمرت موجات الاعتقالات، وكان رئيس بلدية إسطنبول، الخصم الرئيسي لأردوغان، في السجن. قبل ذلك بنحو أسبوع، أبلغت إدارة ترامب الكونغرس بصفقة بيع محركات F110 بقيمة 700 مليون دولار لطائرة كان المقاتلة التركية.

في الوقت نفسه، اختتمت تركيا ومصر مناورات “نسر الأناضول” مع أذربيجان وطائرة إنذار تابعة لحلف الناتو. أولئك الذين ما زالوا يتحدثون عن “القيم المشتركة” يخدعون أنفسهم. لا يوجد سوى اختبار واحد، اختبار ” هيغسيث”، وتركيا لديها أربع إجابات صحيحة.

أولًا، التركيبة السكانية. يتطلب حلف الناتو 3.0، كما يقول هيغسيث، مقاتلين لا مجرد “أعلام على موائد فاخرة”. يبلغ متوسط ​​العمر في تركيا 34 عامًا، بينما يبلغ في ألمانيا 46 عامًا، وفي إيطاليا 48 عامًا. في حين تعاني أوروبا من نقص في الكوادر العسكرية، يمتلك الأتراك البالغ عددهم 86 مليون نسمة قوة عاملة شابة تضاهي قوة عظمى.

ثانيًا، الصناعة. يدين هذا المذهب “تراجع التصنيع”، وتركيا على النقيض تمامًا: تُعد طائرات بيكر المسيّرة منتجًا عسكريًا مُصدّرًا عالميًا، وقد حصلت شركة KAAN على أول عميل تصديري لها بصفقة لتوريد 48 طائرة إلى إندونيسيا، كما تُصنّع محركات F110 هناك بالفعل بموجب ترخيص. تُعد تركيا مسؤولة عن بعض قواعد الإنتاج الصناعي الحيوية للاقتصاد الأوروبي.

ثالثًا، جيش حقيقي. ثاني أكبر جيش في الحلف، ويمتلك ميزة نادرة في الغرب: الاستعداد لخوض الصراعات. ليبيا، الصومال، سوريا، قره باغ – تشارك القوات الأمنية التركية في جميع هذه الدول، بل وأُنشئت قواعد دائمة في بعضها. حتى في مواجهة روسيا، لم تتردد أنقرة في خوض غمارها. فمن يُبدي استعداده للعمل الجاد يُساوي أكثر من أي خطاب عن القيم.

رابعًا، الأزمة التي تُحفز النشاط التجاري. لقد ألحقت الحرب الإيرانية ضررًا بالغًا بالاقتصاد التركي، والذين هم في أمسّ الحاجة إلى رأس المال والاستثمارات مستعدون لإبرام الصفقات. وإلى جانب الأزمة، هناك عاملٌ آخر: تركيا تُسيطر على تدفق اللاجئين من الشرق وأفريقيا، تمامًا كما يُدين هيغسيث أوروبا التي “فتحت حدودها على مصراعيها” والهجرة تُشكل جوهر مشكلة القارة.

 يجب قراءة هذا التحريض في ضوء هذه الخلفية. إن تصريحات فيدان وأردوغان ليست دليلًا على أن إسرائيل هي محور التخطيط التركي. إنها مزيج من شعور بالقوة، نابع من التقارب الأمريكي والأوروبي، مع حسابات سياسية داخلية: أردوغان بحاجة إلى انتخابات مبكرة أو تعديل دستوري للترشح مجددًا، وفريقه يُجهز بالفعل للانتخابات، وفيدان نفسه من بين المرشحين لخلافته. في ظل اقتصاد مُنهك، تُعدّ الاعتراضات الإسرائيلية أرخص عملة في السوق السياسية التركية.

تركيا، التي وجدت نفسها في موقف محرج عندما انهارت أسس استراتيجيتها الإقليمية، تُظهر قدرة هائلة على التكيف. يبدأ ذلك باستعدادها لدفع ثمن خطها الأحمر المتمثل في استخدام القوات الكردية في الحرب على إيران، وينتهي بتنسيق تحركاتها مع ترامب سرًا في ظل انهيار حلف الناتو. هذا الأمر يُثير قلق إسرائيل. ففي مواجهة تركيا، التي تجتاز اختبار الناتو 3.0 بنجاح باهر، ستكون احتجاجاتنا محدودة التأثير. إن السبيل للتأثير على الرأي الأمريكي ليس التذمر من الخطابات، بل خوض الاختبار نفسه والفوز به: التكنولوجيا، والاستخبارات، والقدرة العملياتية المُثبتة التي لا تستطيع أنقرة توفيرها. لا تُفهم أنقرة من خلال القدس، بل من خلال واشنطن.

——————————————

إسرائيل اليوم 5/7/2026 

السلام الذين لم يكن بين إسرائيل ولبنان

بقلم: ايال زيسر 

ان استعداد الحكومة في بيروت للمصادقة على وثيقة مبادئ تعرب في اطارها عن التزامها بعقد اتفاق سلام مع إسرائيل هو بلا شك استعداد تاريخي. ففي عشرات السنين الأخيرة، كانت كلمات “سلام” او “تطبيع” محظورة على الذكر في لبنان، الذي كان يعيش تحت السيطرة المطلقة لتنظيم حزب الله. ولا يزال، اعلان المبادئ ليس اتفاقا، بل في اقصى الأحوال اعلان نوايا عام ينبغي ان يترجم الى لغة الفعل، ومثلما هو الحال دوما، فان الشيطان يختبىء في التفاصيل وفي التنفيذ أيضا وليس في التصريحات وفي النوايا. ومع ذلك، يعد هذا إنجازا سواء لإسرائيل أم لحكومة لبنان، لان في التصريح ما يقطع الارتباط الذي سعت ايران لخلقه بين المفاوضات التي تديرها مع الولايات المتحدة وبين الساحة اللبنانية.

لاعتبارات غير واضحة – وينبغي الامل في ان يكون هذا سوء فهم وليس نية مبيتة – دفع نائب الرئيس الأمريكي جيدي فانس قدما الاتفاق مع ايران الذي منح طهران حق الكلمة الأخيرة في لبنان. وهكذا لا يكون فقط مد حبل النجاة لحزب الله في لحظته الصعبة ومس بإسرائيل بل يكاد يكون وجه ضربة قاضية لمحاولات الحكم اللبناني، بتأييد معظم الجمهور في الدولة لاعادة إقامة دولة لبنانية مستقرة محررة من سيطرة ايران وحزب الله. لشدة الحظ، فان تجند وزير الخارجية ماركو روبيو، بمعونة حكومتي إسرائيل ولبنان، أدى الى افشال خطوة فانس الضارة لقطع الارتباط بين طهران وبيروت، وسمح لإسرائيل أيضا بان تحافظ على تواجد عسكري في جنوب لبنان فتضمن بذلك مصالحها الأمنية.

لكن بعد كل هذا ينبغي العودة للذكر بان هذه وثائق مبادئ وتصريحات كلها على الورق وكلها تفتقر لاي معنى عملي في هذه المرحلة. وبعامة فان من يدعي بان هذا اختراق تاريخي – يجدر به ان يتذكر بان إسرائيل ولبنان سبق ان وقعا في الماضي على اتفاق سلام بقي اتفاقا على الورق. ففي 17 أيار 1983، بعد نحو سنة من انطلاق إسرائيل الى حملة سلامة الجليل، وقعت الدولتان على اتفاق – مشكوك سياسي مشكوك امني – هذه المرة أيضا برعاية ووساطة أمريكية، اعلنتا فيه عن انهاء حالة الحرب بينهما، عن التزامهما باحترام الحدود بينهما وعن انسحاب إسرائيل من أراضي لبنان مقابل التزام لبنان بمنع أي اعمال إرهاب من أراضي لبنان ضد إسرائيل.

لعله كانت لحكومة لبنان نوايا طيبة. لكن مثلما هو في أيامنا تلك، فانها تفتقر لكل قدرة على الإيفاء بشروط الاتفاق. الجيش اللبناني، ضعيف مثلما هو اليوم، انهار، السوريون الذين كانوا يسيطرون في حينه على أجزاء واسعة من لبنان عملوا كي يمنعوا تنفيذ الاتفاق، والولايات المتحدة، الراعية، استغلت الفرصة الأولى كي تفر من لبنان، بعد أن بدأ تنظيم حزب الله ينفذ عمليات تفجير فتاكة ضد قواتها التي كانت مرابطة في الدولة. في اذار 1984 اعلنت حكومة لبنان عن الغاء الاتفاق، والقي به الى سلة قمامة التاريخ.

لا غرو أن متحدثي حزب الله يعلنون اليوم بان مصير وثيقة المبادىء الإسرائيلية – اللبنانية سيكون كمصير اتفاق السلام في 17 أيار 1983، وللحقيقة، فانهم يبدون مقتنعين بأنفسهم اكثر بكثير من متحدثي الحكومة في لبنان الذين يدحرون الى موقف الدفاع تحت هجمات حزب الله. في نظرة الى الوراء، فان اتفاق 17 أيار انهار لان للموقعين عليه، وبينهم إسرائيل أيضا كان هاما الجانب التصريحي وليس الجوهر، ولهذا فقد صادقوا على اتفاق كان واضحا للجميع انه لن يصمد ولم يفعلوا شيئا أيضا كي يعززوا حكومة لبنان ويضربوا كل أولئك الذين عارضوا الاتفاق وعملوا على افشاله.

ان مصير اعلان المبادئ الحالي سيكون كمصير اتفاق 17 أيار وان كان هذه المرة أيضا ستبقى الساحة اللبنانية الداخلية في ايدي حزب الله. لقد ولد هذا الإعلان فقط لان إسرائيل ردعت ايران وضربت حزب الله بشدة. ولهذا فمحظور علينا ان نسمح لحزب الله بان يعود ليقف على قدميه ولايران ان تعود الى لبنان، وينبغي العمل مع الولايات المتحدة لتعزيز حكومة لبنان. فبعد كل شيء، يكرر التاريخ نفسه اذا لم نتعلم منه.

——————————————

هآرتس 5/7/2026 

إرث خامنئي: دمار واسع ورؤيا طموحة

بقلم: تسفي برئيل 

“الموت للوهلة الاولى هو النهاية. لكن في السياسة على الاغلب يكون بداية لشيء آخر. بداية لاعادة كتابة الماضي ونضال من اجل الذاكرة وجهد جديد للحفاظ على الشرعية او اعادة بناءها”، هكذا بدأ الكاتب الايراني علي رضا نجفي مقاله بعنوان “عندما يتحدث الموت بلغة القوة”، الذي نشر يوم امس في موقع “رويداد 24” الموالي للحكومة.

ان موكب جنازة المرشد الاعلى علي خامنئي الذي انطلق امس يستمر لستة ايام الى حين دفنه اخيرا في مسقط رأسه مشهد. ويهدف في المقام الاول الى استعراض القوة، داخليا وخارجيا، من اجل “اعادة بناء الشرعية”. ان مئات آلاف المواطنين الذين تجمعوا في العاصمة طهران شديدة الحرارة، وملايين آخرين سينضمون للجنازة التي ستجوب عدة مدن وتصل حتى الى العراق، ليسوا مجرد مجندين أو عناصر من قوة الباسيج والحرس الثوري، أو مسؤولين في النظام.

ان اغلبية الشعب الايراني الذي يبلغ متوسط العمر فيه 34.5 سنة، لا يعرف نظام أو زعيم آخر غير خامنئي. بالنسبة لكثيرين يجسد خامنئي ذاكرتهم التاريخية ونجاحهم في اسقاط نظام الشاه الذي لم يعرفه الكثيرين منهم، الا من خلال التعليم الوعظ والخطاب العام. بالنسبة لهم خامنئي هو الزعيم الذي اضاف ايران قائمة القوى العالمية واعاد اليها عظمتها التاريخية.

ان الشعب هو الذي ينتظر الان بصبر المرحلة التالية لتاريخ البلاد. فاذا كان الخميني قد اجتاح البلاد بقوة عندما اطلق الثورة الاسلامية، فقد اعطيت لخامنئي مهمة تثبيت الثورة وترسيخها وتحويلها الى آلية للسلطة وبناء انظمة الحكم وصياغة السياسة الخارجية والداخلية، لا سيما ملاءمتها مع الظروف الجيوسياسية المتغيرة. وقد منح حكمه الطويل (36 سنة تقريبا) مقارنة مع حكم الخميني الذي لم يتجاوز العشر سنوات، تجسيد عملي لمبدأ “حكم الفقيه” الذي صاغه الخميني، والذي رسخ التطابق المطلق بين الدولة وقائدها.

هنا تكمن المفارقة التي يستعد النظام الايراني “الجديد”، كما وصفه ترامب، لمواجهتها مع رحيل خامنئي. فالنظام الذي استمد الشرعية من هيكل المرشد الاعلى، اصبح الان مطالب بالاثبات انه لا يعتمد على شخصية قائد واحد. هنا ايضا تتضح مهمة الجنازة الجماهيرية الحاشدة، وهي تحويل غياب القائد الى حضور دائم لنظام الثورة. ولا يتعلق الامر باستمرارية تقنية أو سياسية أو آلية. نجفي كتب: “على الاغلب لا تنشأ الجنازات الكبيرة بسبب عاطفة عابرة فقط، بل خلفها توجد طبقة من التاريخ المشترك والمعاناة الجماعية والآمال التي لم تتحقق والاخفاقات السياسية والطموحات الوطنية. ففي ظل فراق القائد يهرب الناس في الواقع من جزء من هويتهم التاريخية. وبسبب ذلك فان الدموع الجماعية لا تنبع احيانا بسبب فقدان شخص فقط، بل بسبب فقدان امكانية تاريخية”.

تحاول الان شبكة القوى التي تدير شؤون ايران تنظيم هذه “الامكانية التاريخية” وتوجيهها، في حين انها، لاول مرة منذ العام 1979، لا تملك قائد مستبد “طبيعي” يملك السلطة والنفوذ التي كان يتمتع بها اسلافه، التي راكمها وعززها بسبب مهارته وكفاءته. ورغم انتخاب مجتبى خامنئي بشكل رسمي لرئاسة الهرم، الا انه لم يظهر بشكل علني في اللحظة الحاسمة التي كان يجب فيها عليه الموافقة على مذكرة التفاهم الموقعة مع الولايات المتحدة، بل هو اعترف بنفسه بانه وافق عليها خلافا لموقفه، عند قبوله موقف المجلس الاعلى للامن القومي.

ربما هذه هي نقطة التحول الهامة التي حدثت عند وفاة خامنئي الاب، التي اثيرت فيها للمرة الاولى مسالة من يتخذ القرارات بالفعل في ايران. ويجب الذكر ان خامنئي الاب اضطر ايضا الى اجراء مفاوضات شاقة مع قوى داخلية كانت تسعى الى اخذ السلطة. فمثلا، هو تصادم مباشرة مع الرئيس محمود احمدي نجاد بعد سنتين من دعمه في الانتخابات الرئاسية المزورة. وخلافا لموقف الحرس الثوري، قدم الدعم الكامل لطاقم التفاوض الذي ادى الى التوقيع على الاتفاق النووي الاصلي في 2015. ايضا تدخل واصدر احكام في قضية الضرائب والمساعدات التي تقدم للمحتاجين رغم اختلافه مع الرؤساء ورؤساء البرلمان، ايضا برع في التعامل مع خصومه الدينيين الذين اتهموه احيانا بعدم الاهلية الدينية لقيادة البلاد.

في اللعبة السياسية التي اتقنها كان يمكن لخامنئي حظر اجراء مفاوضات مع امريكا، فقط من اجل التراجع خلال فترة قصيرة بدون ان يثير ذلك عاصفة تضعضع مكانته. وقد ظهر ذلك مثلا عندما اخترع مصطلح “المرونة البطولية” من اجل تبرير السماح بالتفاوض مع الولايات المتحدة وتوقيع الاتفاقات. وهكذا فقد بنى واجهة علقت عليها لافتة “وحدة الصف” التي ساهم من خلالها في استقرار الصراع على السلطة بين من يعارضون الاتفاق ومن يؤيدونه.

خلف خامنئي وراءه بلاد مدمرة مع حلم، وسيكون على آلية النظام الان التعامل مع هذا الارث في خضم منافسة محمومة، ليس فقط مع الولايات المتحدة، بل فيما بينها ايضا، وهي منافسة تبدو بالفعل وكأنها على وشك الخروج عن السيطرة. في ظل غياب قائد اعلى مع سلطة ويحدد الخطوط الحمراء، تحاول الانظمة الحاكمة تقييم مستوى امكانية وفائدة توسيع نطاق التفاوض مع الولايات المتحدة.

ان الشعور بالانجاز والنصر له ما يبرره. فالسيطرة على مضيق هرمز، وتحييد تدخل دول الخليج وترسيخ التهديد العسكري ضد هذه الدول كاساس استراتيجي، وترسيخ “وحدة الساحات”، على الاقل بين ايران ولبنان كمبدأ لا رجعة عنه – كل ذلك حسب رأيهم حقق بالفعل مقولة علي خامنئي، التي تنبأت بان “ايران ستكون من اللاعبين الرئيسيين في النظام العالمي الجديد”. في هذا النظام الجديد، كما قال، ستتقلص قوة الولايات المتحدة، في حين ستتولى “قوى الشرق”، الصين وروسيا، دفة القيادة.

ولكن تحقيق هذا الهدف، كما ادرك خامنئي واكد، يحتاج، ضمن امور اخرى، الى التفاوض مع العدو اللدود، شريطة اجراء هذه المفاوضات من موقع احترام، أي الاعتراف بقوة ايران وقدرتها، وليس من موقع “الخضوع للتسلط”، كما وصف ذلك. في هذه المرحلة يبدو ان النظام يسعى بجهد لترسيخ الاعتراف بقوة ايران ومكانتها كدولة مهمة ولها وزن مساوي للولايات المتحدة، حتى في ظل تفوقها العسكري الواضح. والسؤال الذي سيطرح بعد انتهاء مراسم العزاء هو كيف يمكن ترجمة هذه المكانة الى مكاسب ملموسة؟.

——————————————

يديعوت احرونوت 5/7/2026

فخ الحرب المفتوحة

بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين 

على الرغم من “الروح الختامية” التي تُحيط باليوم الألف من حرب “السيوف الحديدية”، إلا أنه لا توجد “نهاية” حقيقية. ففي جبهات الصراع الرئيسية الثلاث (إيران، لبنان، وغزة)، توقف القتال العنيف بالفعل، وتم التوصل إلى تسوية (وإن كانت هشة)، لكن لم يتحقق في أي منها نصر حاسم أو “نصر مطلق”، ولا تزال التوترات والتحديات الأمنية قائمة في جميعها. من جانبها، تعد الحكومة الإسرائيلية بالعودة إلى القتال (للمرة الثالثة في كل جبهة)، وتُهيئ الرأي العام لتقبّل الصراع كأمر روتيني، وهو ما يُذكّر بشدة بمصطلح “الحرب المفتوحة” السائد بين خصوم إسرائيل.

يُعدّ مصطلح “الفجوة” وصفًا دقيقًا لجميع مراحل الحرب. ففي البداية، كانت هناك فجوةٌ مؤلمة بين نظرتنا لأنفسنا ولأعدائنا، وصدمةٌ ناتجة عن هجومٍ مفاجئ من عدوٍّ ظننا أنه ضعيفٌ نسبيًا، في ساحةٍ هادئة، ولكنه تسبب بأكثر أيام إسرائيل دمويةً منذ تأسيسها. وخلال الحرب، برزت الفجوات بين الإنجازات العسكرية التي تحققت على المستوى الاستراتيجي، وبين ما وُعد به – ولا سيما القضاء على الأعداء وإنشاء “شرق أوسط جديدة” – وبين الواقع الفعلي.

يثير هذا الأمر مخاوف بشأن المستقبل. فقد وجّهت إسرائيل ضرباتٍ غير مسبوقة لأعدائها، وأصبح التهديد الذي يشكلونه أقلّ مما كان عليه حتى السابع من أكتوبر. ومع ذلك، لم يضعف أيٌّ منهم أو يستسلم رغم التراجع الكبير في صفوفهم و”الخسائر” التي تكبّدوها، ولا تزال فكرة المقاومة التي يقوم عليها وجودهم تُثير اهتمام الكثيرين في الشرق الأوسط. علاوة على ذلك، يتباهى العدو بصموده أمام تحديات غير مسبوقة، ويُظهر دافعًا قويًا لمواصلة العمل ضد إسرائيل، ويصعب الجزم بتعزيز الردع ضده بشكل ملحوظ. وفي خضم ذلك، ثمة قلق من استمرار التهديدات التي كنا نأمل في حلها، بل واحتمال تفاقمها، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني وترسانة الصواريخ.

وتُبرز الفجوات الحادة الناشئة سمة أخرى فريدة ومقلقة للحرب الحالية: فهي الأكثر تسييسًا على الإطلاق. فالتحركات الرئيسية فيها – ولا سيما تمديدها وعودة القتال، خاصة في غزة في آذار 2025 – فضلًا عن المفاهيم والشعارات المصاحبة لها، ليس فقط لا تستند إلى التفكير الاستراتيجي والنقاش الموضوعي، بل أيضًا إلى دوافع سياسية واعتبارات أيديولوجية لا تحظى بإجماع شعبي واسع.

في هذا السياق، من المهم أن يُشكك الرأي العام باستمرار في الأحكام القاطعة التي تُصوّر الوضع الاستراتيجي لإسرائيل على أنه أفضل بكثير مما كان عليه في السابع من أكتوبر، وأن يطالب القيادة التي تُشيد بنفسها فقط بالإنجازات، بتفسير الإخفاقات (التي عادةً ما تُخفى أو تُكرر أو تُلقى على عاتق الآخرين)، وما هي الدروس المستفادة. في هذا السياق، من الضروري التساؤل، على سبيل المثال، عن الغاية من التمسك بالأراضي المحتلة، والتي تُصوّر على أنها إنجاز كبير في الحرب: هل هذا رد فعل على أوجه القصور التي أدت إلى فشل السابع من أكتوبر؟ هل يُحسّن هذا الوضع الأمني ​​لإسرائيل؟ ما هي تبعات وجود إسرائيلي طويل الأمد، وهل هو أمر ممكن أصلاً؟

إضافةً إلى ذلك، يلزم إجراء مراجعة داخلية دقيقة. فقد أظهر المجتمع الإسرائيلي مرونةً مذهلة، مكّنته من الصمود أمام هجوم 7 أكتوبر، وشنّ هجمات مضادة مكلفة فور وقوعه. إلا أن تصوراتٍ بدأت تتبلور لدى العامة بضرورة إدراك وجود هذه المشاعر وعواقبها الوخيمة: العداء الشديد تجاه أي شيء يُصنّف كعدو (بما في ذلك الإشارة الشائعة إلى الجمهور العربي في إسرائيل بهذا الوصف)؛ والسعي نحو الاكتفاء الذاتي، لا سيما في مجال التسلح، الذي يدعو إليه نتنياهو؛ وعدم الاكتراث بما يقوله العالم ويفكر فيه (باستثناء ترامب، الذي تعتمد إسرائيل على مواقفه المتغيرة). وفي الخفاء، تُطالب الحكومة بإقناع العامة بأن الانتصارات هي كل ما يُسجّل، وأن الحرب تستحق وصف “النهضة”، والامتناع عن النقد وطرح التساؤلات.

لقد انبثق شرق أوسط جديد بالفعل من الحرب، لكنه أبعد ما يكون عن الصورة المثالية التي تُصوَّر بها للجمهور: فإلى جانب بقاء قوى المقاومة (التي سينهار أعضاؤها، بقيادة إيران، ليس نتيجةً لمزيد من المغامرات الإسرائيلية، بل بسبب تغييرات داخلية، كما حدث في سوريا)، هناك تعزيز ملحوظ لتركيا، التي تُعدّ خصماً، لكن ليس بالضرورة تحويلها إلى عدوٍّ يجب محاربته؛ وفرصة تعزيز التطبيع مع العالم العربي ضئيلة؛ وهناك نفور دولي متزايد من إسرائيل، لا سيما في ضوء العنف الشديد في الضفة الغربية. كل هذا قد يُؤدي إلى ضغوط سياسية هائلة في اليوم التالي لترامب في الحكم، أو حتى خلال فترة ولايته، إلى حدّ النبذ.

 قبل الانزلاق إلى دوامة ضارة – على سبيل المثال، شنّ هجمات كبيرة حتى بدون موافقة أمريكية – من الضروري العودة إلى التوازن الاستراتيجي: تحديد أهداف قابلة للتحقيق، وتجنّب خلق المزيد من الأعداء، والتخلي عن الأوهام (مثل إعادة فتح النقاش حول خطة الهجرة الطوعية من غزة) والتوتر مع الحلفاء، وعلى رأسهم واشنطن. بدلاً من ذلك، يجب استيعاب أن مصطلح “تسوية” ليس كلمة بذيئة، حتى بعد السابع من أكتوبر، ودراسة كيفية ابتكار تسويات توفر أقصى درجات الأمن وحرية العمل، مع الاستعداد الدائم لحملات واسعة النطاق.

في جميع انتصاراتها السابقة، ولا سيما عام 1967، لم تلتزم إسرائيل قط بمبدأ “إبادة أعدائها”، ويبدو هذه المرة أيضاً أنه لا أمل في التمسك بهذا الهدف. هذا ليس دليلاً على العزيمة والقوة، بل هو وصفة للإرهاق والانقسامات في الداخل، وتفاقم العزلة في الخارج، وتعبير عن استمرار نقص الفهم لطبيعة الساحة والعدو، وهو أمر ليس مفاجئاً بالنظر إلى أن القصور الذي انبثقت منه الحرب الحالية لم يُدرس بعمق قط.

——————————————

معاريف 5/7/2026 

في إسرائيل يحّذرون من اغضاب ترامب، حزب الله والإيرانيين غير مستعجلين

بقلم: افي اشكنازي

كانت نهاية الأسبوع محملة بالاحداث: في الولايات المتحدة احتفلوا بـ 250 سنة على الامة الامريكية، المونديال يتقدم نحو الثماني النهائي وفي طهران بدأوا احتفالات جنازة الزعيم الأعلى علي خامنئي الذي صفي في يوم مفاجيء للجيش الإسرائيلي في حملة “زئير الأسد” في 28 شباط من هذا العام.

وفي الكريا في تل ابيب عاد بعد غياب أسبوعين احد الالوية المركزيين في هيئة الأركان. الان، هيئة الأركان هي في تركيبة كاملة ويمكنها أن تستعد لما سيأتي.

تبدو الأيام القريبة القادمة كايام حرجة للمستقبل الأمني في المنطقة. فالامريكيون والايرانيون سيكونون مطالبين قريبا باتخاذ القرارات – هل وجهتهم الى السلام ام الى الحرب. هذا رغم أنهم يحاولون، كل طرف من جانبه، تأجيل الحسم. إذ انهم يعرفون بان كل طرف يفترض أن يبتلع الكثير من الضفادع والمياه المالحة للخليج الفارسي.

سيصر الامريكيون على تفكيك ايران من البرنامج النووي وحيازة اليورانيوم المخصب. إسرائيل تطالب أيضا بقيود على البرنامج الباليستي. وبالمقابل، ايران تطالب بالملكية على مضيق هرمز ما يسمح لها بان تكون احدى الدول الاغنى والاقوى في المنطقة وفي العالم كله. كما سيؤدي الامر الى إعادة تأهيل وكلائها في لبنان، في غزة، في اليمن، في سوريا وفي العراق.

التفكير المنطقي المزعوم يقول ان الطرفين لن يتمكنا من ابتلاع الضفادع التي يحاول كل طرف أن يطعمها للاخر. مثل الشاري والبائع اللذين يخوضان مفاوضات، فيما أن ليس للبائع قدرة على توفير المنتج للشاري فيما أن ليس لدى الشاري المال للدفع على المنتج.

لكن صحيح حتى الان ليس للطرفين مصلحة في تفجير المفاوضات. مريح لهم الجدال على المنتج بلا غاية. حتى متى؟ كم سيستمر هذا؟ ليس واضحا.

معقول الافتراض ان ساحة لبنان وحتى غزة كفيلتان بان تغيرا سير الاحاديث العابثة بين الولايات المتحدة وايران. في نهاية الأسبوع أصيب بجراح خطيرة مقاتل احتياط من لواء 769 في اشتباك مع مخرب في مجال بلدة بنت جبيل في جنوب لبنان. اشتباكات اكثر تجري في الأيام الأخيرة تنتهي بمصابين بين قواتنا، فيما ان المخربين يقطعون الاتصال. محظور لهذا أن يحصل. الجيش الإسرائيلي ملزم بان يدرس الاحداث ويكيف نفسه مع الوضع.

حزب الله اجتاز تعلما لحرب العصابات. وهو يحاول ضرب القوات في نقاط الضعف. يستغل معرفته طويلة السنين للأرض كي يقوم بعمليات ضد القوات.

رد الجيش الإسرائيلي في نهاية الأسبوع على الاحداث. سلاح الجو بتوجيه فرقة 91، هاجم 10 بنى تحتية لحزب الله في مجالات بنت جبيل، بيت ياهون، كونين وبرعشيت في جنوب لبنان. وحسب الجيش الإسرائيلي فان “البنى التحتية التي هوجمت استخدمها التنظيم للدفع قدما بمخططات إرهاب ضد قوات الجيش الإسرائيلي العاملة في المنطقة الأمنية”.

عادت اسرائيل في هذه الاثناء الى أيام ما قبل 7 أكتوبر 2023. فبلاغ الجيش الإسرائيلي مثير للحفيظة ويظهر كم هي إسرائيل مردوعة في لبنان. أولا، الهجمات كانت فقط في نطاق المجال الذي يفترض بالجيش الإسرائيلي ان يعمل فيه ومجال الحدث الذي أصيب فيه المقاتل. ثانيا، اذا ما كان الحديث يدور كما قال الناطق العسكري في بلاغه عن بنى تحتية “استخدمها التنظيم للدفع قدما بمخططات إرهاب ضد قوات الجيش الإسرائيلي” – فلماذا انتظر الجيش الإسرائيلي الى أن يصاب مقاتل بجراح خطيرة كي يضرب ما يشكل تهديدا على القوات؟ هذا السلوك غير واضح.

يبدو ان الكل في إسرائيل “يسير على البيض”. يمتنعون عن اغضاب الإيرانيين، الأمريكيين، حزب الله، اللبنانيين، كل العالم وزوجته.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هنأ في نهاية الأسبوع الرئيس دونالد ترامب بمناسبة يوم الاستقلال الأمريكي. وحسب ما صدر عن القدس، فان نتنياهو دعا نفسه مرة الى الولايات المتحدة.

لم يتحدد بعد موعد اللقاء، لكن من ناحية ترامب فان مدة الانتظار يمكنها أن تستخدم كأداة أخرى في صندوق أدواته كي يمنع إسرائيل والجيش الإسرائيلي من القيام باعمال تعرقل المفاوضات الى اللامكان التي تجري بين واشنطن وطهران.

——————————————

هآرتس 5/7/2026

برعاية “عائلة الكذابين”

هل تتذكرون ما رووه عن “المخطوفين” و”فيلادلفيا”؟ الأسوأ بانتظارنا

بقلم: إيريس ليعال

نعرف الآن أن الأيام الأولى عقب هجوم 7 أكتوبر، كان فيها نتنياهو يعد لهجوم على العدو الأكثر خطراً، ليس حماس، بل الواقع والذاكرة التاريخية المشتركة التي حشد قوته ضدها. هجوم لا هوادة فيه استمر ألف يوم، وما زال مستمراً حتى الآن. لقد تم بذل جهود كثيرة في هذا الصدد، البارز منها رفض تشكيل لجنة تحقيق رسمية. الحقيقة الواقعية تتعرض لخطر الزوال أمام السلطة السياسية، ونتنياهو يتعامل مع هذا الأمر كمشروع شخصي، ليس تدمير حماس أو إيران، بل القضاء على الحقيقة هو غاية حياته.

دائماً كان نتنياهو ومكتبه ينتجون الخيال، لكن منذ الحرب زاد انشغالهم بإنتاج بدائل للواقع. فقضية “بيلد” هي التي تم الكشف عنها، لكنها تمثل النظام كله. وكما تذكرون، كان تسريب الوثائق السرية للصحيفة الألمانية، بطريقة محرفة ومضللة، وتقديم وثيقة استخبارية لحماس، مزورة، بهدف التأثير على الرأي العام والإضرار بالنضال على تحرير المخطوفين وإقناع الجمهور بمعارضة الصفقة.

ذات مرة، عندما جعلوا محور فيلادلفيا ذريعة لكل شيء من أجل إطالة الحرب، أبلغت سارة نتنياهو عائلات المخطوفين بأنه لا خيار أمامهم، وأنه يجب إبقاء الجيش هناك بسبب وجود معلومات واضحة عن نية حماس تهريب الرهائن إلى اليمن وإيران. وأضاف نتنياهو، بأسلوب درامي، بأنه يخشى من “اختفاء الرهائن وضياعهم إلى الأبد”. وأبلغت مصادر أمنية رسمية العائلات بأنها لا تملك أي معلومات استخبارية تؤكد هذه الادعاءات. بكلمات أقل دبلوماسية، الاثنان كذبا بوقاحة لا لبس فيها.

أتعامل مع زوجة نتنياهو أو نجله بشكل نادر، كلما تمكنت من ذلك. حتى مع الماكياج الكثيف وما يظهر أنه وصلات شعر ملصقة على جبين رئيس الحكومة. ولكن هذه الأمور مهمة، لأنه يظهر انشغالاً دائماً لهؤلاء الثلاثة بالتحكم بصورتهم. قبل بضعة أيام، نشر يائير نتنياهو صورة في حسابه في إنستغرام خضعت لتعديل مبالغ فيه، يبدو بواسطة تطبيق الذكاء الصناعي الخاص بوالدته. يظهر في الصورة وكأنه يشبه ممثلاً في أفلام رومانسية إباحية. شغف سارة نتنياهو بالتعديل الرقمي والتنقيح المفرط لصورها معروف جيداً، وهو مصدر لكثير من النكات. تكمن المشكلة في أن المكتب الإعلامي الحكومي هو الذي وزعها، ما يعدّ انتهاكاً لسجل التاريخ الرسمي، الذي كما ذكر، هو ما يشغل هذه العائلة، ليس الكذب فقط، بل بيع الأوهام أيضاً. يصل التلاعب إلى درجة أن صور نتنياهو التي تظهر في كل مقطع في أفلام الفيديو التي ينشرها، وكأنه في سن ابنته. ورئيس الحكومة لا يظهر علناً إلا مع ماكياج كثيف وتصفيف متقن لشعره.

هذه العائلة برئاسة نتنياهو مهووسة بتزييف الحقيقة من أجل تشكيل الواقع. على خلفية ذلك، يمكن فهم تأثرها بتصريحات رئيس قيادة أسرى الحرب والمفقودين السابق نيتسان ألون، الذي قال “كان يمكن استكمال الأمر قبل سنة على الأقل”، وأن “الحكومة والمستوى السياسي رفضوا في السابق صفقات كاملة باسم النصر المطلق، وهذا في الحقيقة كذبة”. والأسوأ أن ذلك كان معروفاً لكثيرين، خصوصاً لعائلات المخطوفين الذين قتل أعزاؤهم على مذبح هذه الكذبة.

إن هجوم ماكينة السم على ألون بوضوح، أمر متوقع ويثير الاشمئزاز. وقد صرح غادي تاو بشكل حازم في برنامجه الصوتي أن “نيتسان ألون منع وعطل إعادة المخطوفين، لأن الهدف كان إسقاط الحكومة في خدمة دعاية حماس”. وعمل محاوره يوتم زمري، على توضيح الأمر: “كان الهدف خسارة إسرائيل”. منذ زمن تلاشى القاسم المشترك الذي يقوم عليه المجتمع الإنساني، وهذا الأمر سيسوء أكثر في الأشهر المتبقية حتى موعد الانتخابات. ويصعب معرفة ماذا سيبقى منا بعدها.

——————————————

هآرتس 5/7/2026

“ذكاء الإرهاب اليهودي”:

عمود تعذيب و”طرد أمازون”.. وإنستغرام للتسلية

بقلم: جدعون ليفي

يستلقي شبه عار على بطنه بملابسه الداخلية فقط، عيونه معصوبة، وجهه مغطى بشرشف وضعه خاطفوه، يداه مكبلتان وراء ظهره بأصفاد بلاستيكية ضيقة ومؤلمة، جسده مقيد بالسرير، كدمات حمراء على ساقه اليمنى. حتى الآن، هذه صورة نمطية لسجين فلسطيني. ولكن الجديد هذه المرة، إضافة عنصر غريب لهذا التعذيب: عمود خشبي، الجزء العلوي مغطى بالحديد لسبب غير معروف، مربوط على جسده وهو يشبه الرمح الإفريقي. من المؤكد أن وظيفة العمود منع الضحية من الانحناء ولو للحظة في أي ظروف.

للحظة، اعتقدت أنه عمل فني احتجاجي. ربما صورة منتجة بالذكاء الصناعي، الملاذ اليائس في مواجهة كل صورة فظيعة من غزة. ولكن لا؛ لقد أعلن الجيش الإسرائيلي الخميس أنه “حدد مكان الحادثة”، وأن تحقيقاً قيادياً يجري، وأن “المتورطين سيعاملون حسب النتائج التي ستنتج عن التحقيق”. لا فائدة من المبالغة في وصف شكل “المعاملة” المتوقعة. ففي يوم مثالي، سيتم توقيف الجنود المسيئين عن العمل لمدة ساعتين. فهذه في نهاية المطاف، هي “الخدمة الجليلة” التي حلموا بها.

لقد ظهرت صور أكثر فظاعة من هذه، لكن لا شيء يضاهي فظاعة هذه الصورة، سواء دماء أو أطراف مبتورة أو عنف واضح أو جثث مشوهة. رجل مربوط بعمود، لا نعرف من هو. وسائل الإعلام الإسرائيلية سارعت إلى وصفه بـ “الإرهابي”، بالضبط مثلما تصف كل فلسطيني في غزة، دون أي فكرة حول هويته. ولكن هويته، وذنبه إذا وجد، غير مهمة. لا أحد يستحق هذه الإهانة. لا نعرف كم الوقت الذي بقي فيه على هذه الحال، ساعة أم شهراً، المهم هو ما فكر فيه الجنود.

ما الذي يجعل شاباً إسرائيلياً يخدم في وحدة عسكرية يربط شخصاً بعمود تعذيب، هل تسبب لهم بأي أذى. هو في نفس جيلهم. هل فكروا بحياته وأحلامه؟ بماضيه وحاضره ومستقبله؟ هل يرونه إنساناً أم شخصاً مثيراً للريبة؟ واضح أنهم لا يخجلون من أفعالهم فقط، بل يتفاخرون بها إلى درجة أنهم يوثقونها وينشرونها في الشبكات الاجتماعية. شاهدونا، نحن أبطال الشعب! هم يعرفون أنهم أبطال إسرائيل المعاصرون.

من أين حصلوا على العمود؟ ربما هو العمود الذي استخدمه “مقاتلو القوة 100” المشهورون، ضحايا “فرية الدم” التي أطلقها غاي بيلغ المضطهد؟ كيف حدث الأمر؟ أحدهم جلب عصا، وآخر تأكد من تغطية رأس تلك العصا بالحديد، وثالث اقترح “لنربطه بالعمود”، سيكون مدهشاً نشر ذلك في إنستغرام. كيف فعلوا كل ذلك؟ ربطوا ضحيتهم العاجزة بشكل محكم كما يربطون طرداً من “أمازون”، ثم أضافوا العصا للزينة. لا بد أن ذلك أضحكهم. ربما أرسلوا فيلم فيديو لأصدقائهم وهم يشاهدون الموقف. لا شك أنهم استمتعوا به، وربما حتى لآبائهم، كي يشاهدوا مدى وطنيتهم وشجاعتهم. وماذا ستحمل الضحية معها طوال حياتها؟ ما الذي سيقوله لأولاده وأحفاده عندما سيأتي هذا اليوم؟ هل سينجو من معسكر التعذيب الذي اختطف إليه هو وعشرات آلاف الأشخاص الآخرون، الأبرياء معظمهم، وجميعهم من دون محاكمة”.

في 26 شباط 1988 وثق طاقم “سي.بي.اس” برئاسة المراسل الأسطوري بوب سايمون، والمصور الإسرائيلي موشيه إلبرت، ضرب أربعة جنود من الجيش الإسرائيلي لشابين فلسطينيين بحجر وتكسير عظامهم على تلة صخرية قرب نابلس. تم التقاط الصورة من مسافة 300 متر، وأثارت ضجة دولية. دعكم من العالم، إسرائيل ضجت، هل تصدقون ذلك؟

مرت تقريباً أربعون سنة ولم يثر قتل ألف رضيع في قطاع غزة نفس الضجة التي أثارها تكسير عظام على جبل قفر في نابلس. صورة شخص تم تقييده بعمود لم تثر أي شيء هنا. هذه هي خلاصة تاريخ اليأس.

——————————————

إلى يئير غولان: كن شجاعاً يطرح مبادرة جدية لـ”حل الدولتين”

بقلم: أوري بار– يوسيف

لا يحتاج المرء إلى أن يكون خبيراً أمنياً كي يعرف درجة هشاشة المفهوم الأمني. فبعد ثلاث سنوات تقريبا من الحرب، نجحت الحكومة اليمينية في استنزاف الجيش الإسرائيلي والاحتياط، وإثارة التوتر في خمس جبهات، وفرض عزلة دولية غير مسبوقة، وانهيار العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وتعزيز مكانة إيران في المنطقة. هذا الدمار هو نتيجة سياسة رفضت منذ 7 أكتوبر أي محاولة للتوصل إلى تسوية سياسية تكسب بشكل كامل من إنجازات الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة وسوريا ولبنان. وتم بذل جهود كبيرة لتقويض أي تسوية مستقبلية في الضفة الغربية.

 على خلفية هذا الصدع الشديد، كان يتوقع أن تقدم أحزاب المعارضة بديلاً واضحاً لهذا الاستعراض العبثي، ولكن بقدر ما كان التوقع كبيراً كانت خيبة الأمل. لا يتوقع الكثير من الثنائي نفتالي بينيت ويئير لبيد، أحدهما المدير العام لمجلس “يشع”، ويعمل على ضم معظم أراضي الضفة الغربية، والآخر أعلن عن تأييده لحل الدولتين. وحتى افيغدور ليبرمان، المؤيد الصريح لمشروع الاستيطان، يعجز عن تقديم أي حل جديد، وفكرته عن تبادل السكان لا أهمية لها.

 ولكن هناك مرشحان جديدان واعدان، الأول رئيس الأركان الممتاز والمحبوب، والثاني نائبه الذي تنبأ بالمسارات التي تمر فيها الضفة الغربية، التي أصبحت الآن دولة إسرائيل. الاثنان يترأسان أحزاب معارضة بارزة، ويعرفان عمق الانقسام الذي تعاني منه السياسة الأمنية الآن، ويعدان بمسار جديد. تكمن المشكلة في صعوبة فهم المسار الجديد الذي سيسير فيه غادي آيزنكوت، وكيف سيؤدي إلى أفق سياسي – أمني واضح أكثر، في حين أن ما يقدمه يئير غولان أكثر تفصيلاً، لكنه لا يرقى إلى مستوى برنامج انتخابي جذاب.

 يسعى حزب آيزنكوت إلى جذب مصوتي اليمين المعتدل، وشعارات مثل “تقوية الجيش الإسرائيلي” وتحويل إسرائيل إلى “قوة إقليمية” لا تثير أي معارضة. صحيح أن “توسيع دائرة السلام” تُذكره كهدف أيضاً، لكن من المنطقي أنه لا يمكن تحقيق هذا الهدف دون حل الدولتين.

 والأكثر غرابة هو البرنامج السياسي – الأمني لحزب “الديمقراطيين”. وحسب استطلاع أجراه معهد “متافيم” في حزيران 2026، أيد 51 في المئة من المستطلعين بشكل كبير جداً أو بشكل كبير اتفاقاً دولياً شاملاً يشمل دولة فلسطينية منزوعة السلاح ونزع سلاح حماس وإنهاء السيطرة في قطاع غزة والتطبيع بشكل كامل مع العالم العربي، وعارض ذلك 49 في المئة. لا يحتاج المرء إلى أن يكون خبيراً في الانتخابات لمعرفة أن الديمقراطيين سيستمدون القوة من الذين يؤيدون هذا الحل.

صيغة سؤال في الاستطلاع تعكس مبادرة السلام العربية (مبادرة السعودية من العام 2002)، التي تطالب بإنهاء الصراع وتطبيع كامل بين إسرائيل والدول العربية والاسلامية، باستثناء إيران، مقابل انسحاب إسرائيل من كل الأراضي التي احتلتها في العام 1967. ويتوافق حل النزاع حسب هذه الصيغة مع اقتراحات التسوية مثل خارطة الطريق للرباعية في العام 2003، أو اقتراح السعودية وفرنسا من تموز 2025، الذي حدث مبادرة السلام العربية وحول مبادئها إلى خطة عملياتية متدرجة.

 وحتى لو لم يوافق غولان وفريقه على هذا الاقتراح بالكامل، فإنه يمكنهم تقديمه كأساس للمفاوضات التي سيكون لإسرائيل فيها طلباتها الخاصة. مثلاً، يمكنهم المطالبة بأن لا يتجاوز عدد اللاجئين المسموح لهم بالعودة إلى إسرائيل (العقبة الرئيسية في الاقتراح العربي) عدد المواطنين الإسرائيليين الذين يعيشون في الأحياء العربية في القدس. سيصبحون جزءاً من الدولة الفلسطينية المنوي إقامتها. وهكذا سيتم الحفاظ على التوازن الديمغرافي بين اليهود والعرب في دولة إسرائيل حتى بعد استيعاب اللاجئين الفلسطينيين. ولا يجب أن يشكل ضم الكتل الاستيطانية أي عائق، لأن الاقتراح يشمل تبادل الأراضي.

 لذلك، لا يوجد ما يمنع الديمقراطيين من تقديم خطة سياسية بعنوان “نعم لمبادرة السلام العربية – نعم لأمن إسرائيل”. وسيكون أساسها وعداً ببناء الأمن على الاتفاقيات وليس على الحروب. هذا لن يخاطب اليمين المعتدل الذي يسعى آيزنكوت إلى تجنيده، لكنه سيعيد عدداً غير قليل من الأصوات التي ذهبت إلى معسكر “يشار” اليميني إلى معسكر السلام الإسرائيلي.

 غير واضح لماذا يستمر غولان، الذي لا يستخف بصموده، في استخدام كلمات نمطية تبدو كورقة عمل كتبها أشخاص ممتازون مع نوايا حسنة، لكن قوة تأثيرها ورؤيتها لا تختلف عما يمكن أن تقدمه قائمة المشتريات.

 يمكن توقع رؤية واضحة ومقبولة على مصوتيها من قيادة كهذه. يمكن لهذه الرؤية أن تضع الحزب في مكان فريد وواقعي حول أهم قضية لمستقبل إسرائيل. وأيضاً ستطرح مسألة البديل الواضح والوحيد لرؤية نتنياهو “إسبرطة” و”العيش على حد السيف”، وستحدد أيضاً التوجه الذي سيسير فيه الحزب إذا أصبح قوة مركزية في الحكومة القادمة. هذا صحيح سياسياً وانتخابياً. لقد حان الوقت للتفكير فيه جدياً.

—————-انتهت النشرة—————–

Share This Article